تفسير سورة الجُمُعَة، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ..}، الآية: 9
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الجُمُعَة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ..}، الآية: 9، إلى قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ..}، الآية: 10

نص الدرس مكتوب:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11))

الحمد لله مُكرِمنا بأنوار القرآن والذِّكر الحكيم، وهادينا إلى الصراط المستقيم، على يد عبده المصطفى المُجتبى الرؤوف الرحيم، اللهم أدِم منك عنا الصلاة والتسليم، على كنز الرحمة ومَعدِن الفضل سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وأهل محبته وقُربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورُسلك وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المُقَرَبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 أما بعد،،،

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))

 فإننا في نعمة تأمُّلنا وتدبُّرنا لكلام الإله تعالى وخِطابه، انتهينا إلى آخر سورة الجمعة في خِطابٍ يُخاطِبنا الله فيه معشرَ أهل الإيمان، ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))، بهذا انتهى شأن الجُمعة: 

  • إلى عناية الحق تعالى بها وتعظيمه لشأنها وتأكيده في أمرها. 
  • وذِكره إياها مباشرة في كتابه مُخاطباً للمؤمنين أن يَسعَوا، وقلنا: 
    • بمعنى أن يمضُوا مُبادِرين مسارعين.
    • لا بمعنى أن يَجرُوا في مشيهم. 
  • فإن السعي يُطلَق على العمل كما قال: 
    • (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) [النجم:39]. 
    • وقال: (فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:19]. 
    • وقال: حتى إذا (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات:102]. 

فليس المُراد به الجَري، وفي الآية: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ)؛ أراد به المَشي، كَبُر إسماعيل وصار يمشي مع أبيه، قيل وقد بلغ أربعة عشر سنةً، أمَرهُ الله أن يذبح ابنه؛ ذلك اختباراً له، فوجد خليلاً صادقاً مُخلِصاً مُستسلِماً لأمر الله -جلَّ جَلاله وتعالى في علاه-. 

فعظُمَ شأنُ اليوم الذي هدانا الله إليه، وَضَلَّ الأمم قبلنا عنه فلم يهتدوا إليه: 

  • واجتهد اليهود فقالوا: السبت. 
  • والنصارى فقالوا: الأحد. 
  • وهو يوم الجمعة: 
    • ولم يأذَن الله لأنبيائهم أن يُعيِّنوه لهم. 
    • وأذِن لنبينا أن يُعيِّنه ويُبيِّنه، فكان يوم الجمعة.

بل قد جعل الله تبارك وتعالى شيئاً من ظهور فضله على يد جدِّه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لؤي بن كعب، فكان يجمع الناس في يوم الجمعة وسمّاه يوم الجمعة، ثم سمّاه الأنصار يوم الجمعة قبل أن يأتي النبي ﷺ، ثم ثَبَّت النبي اسمه يوم الجمعة. 

  • وسُئِل عن التسمية بالجمعة، قال: "جمع الله فيه خَلق آدم". 
  • وفيه أيضاً أكمَل أصولَ الخلق فاجتمع الخَلق.
  •  وفيه تقوم الساعة.
  •  وفيه يجتمع المؤمنون في الدنيا لصلاة الجمعة.
  •  وفي الجنة للنظر إلى وجه الله الكريم.

في يوم: 

  • (الْجُمُعَةِ) بضم الجيم والميم. 
  • وفي قراءة بسُكون الميم جُمْعة. 
  • وفي قراءة: بفتحها جُمَعة. 

(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ)؛ وفيه أيضاً اعتبار النداء والتأذين:

  • وقال بعض أهل العلم: 
    • إن المراد بوقت النداء، فعنده إذا زالت الشمس حَرُمَ البيع، وخرج الإمام، ونُودي أو لم يُنادَ بعدُ. 
    • فإذا زالت الشمس يوم الجمعة، حَرُمَ على من وَجبت عليه الجمعة أن يبيع أويشتري.
  • وقال الجمهور: إذا خرج الخطيب فقعد على المنبر فأذّن المُؤذّن؛ حَرُم البيع والشراء. 
  • وقد أشرنا إلى ما اعتُمِد في مذهب الحنفية: 
    • أن الأذان الأول الذي أحدثه سيدنا عثمان أيضاً يدخل في هذا. 
    • لأن المُراد به سعي الناس إلى الجمعة وتذكيرهم بقُربِ دخول الوقت ونُزول الخطيب. 
    • فإذا أذّنَ وجب السعي من ذلك الوقت.
  •  وقال الشافعية: 
    • يُكره الاشتغال بأي شيء بعد الأذان الأول. 
    • ويَحرُم بعد الأذان الثاني. 
    • إلا السعي للجمعة على من وجبت عليه الجمعة.

ذكرنا: 

  • أنه سيد الأيام، وأسعد الأيام، وأن نبينا قال فيه: "خير يوم طلعت عليه الشمس". 
  • في اعتناء الله -تبارك وتعالى- بذِكره، ونَهيه عن البَيع وكُل مُشغِلٍ من باب أولى. 

والبيع من أعظم ما يُشغل الناس وتقوم عليه مصالحهم في الحياة فنصّ عليه وقال: (وَذَرُوا الْبَيْعَ)

وذكر لنا: 

  • أن ذلك السعي إلى تلك الجمعة. 
  • وإلى ذِكر الحق؛ خيرٌ لنا من جميع البَيع واللَّهو والتجارة وما إلى ذلك. 

(ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)) وفي هذا بيان حقيقة يَختصُّ بإدراكها المؤمن: 

  • أنّ تَرْك كل ما تُحبه النفس وتَهواه من أجل المولى رِبحٌ وفوزٌ وسعادة، "ومن ترَك شيئا لله عوّضه الله خيرًا منه". 
  • (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ) ترككم لما تحبُّ نفوسكم من أجل الله في الوقت الذي نهاكم فيه عنه البيع؛ خير لكم وأفضل من كل ربح ومن كل بيع ومن كل شِراء. 

والشِراء حرام هو كذلك، لا فرق بين المُشتري والبائع، وهل يمكن بَيع من دون مُشتري؟ وهل يمكن شراء من دون بيع؟ لابد من هذا وهذا، فكله حرام ويشتركان في الإثم معًا إذا باع أو اشترى بعد الأذان يوم الجمعة وذلك حرام.

(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) وفيها جاءتنا الأحاديث ومنها قوله ﷺ:

  • "لَيَنْتَهينَّ أقْوامٌ عن ودْعِهِمُ -أي تركهم- الجمعة والجماعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الغافِلِينَ". 
  • و "مَن ترَكَ ثلاثَ جُمَعٍ تَهاونًا بِها، طبعَ اللَّهُ على قلبِهِ؛ بطابع النفاق" -والعياذ بالله تعالى-. 

والمريض الذي يشق عليه حضور يوم الجمعة: 

  • مَعذور إذا كان يشقُّ عليه مشقة شديدة، أما مشقة خفيفة تحتمل يجب أن يحضر. 
  • وليس من أعذار الجمعة أن يخاف أن يمرض، كيف تخاف أن تمرض؟ أنت صحيح أم مريض؟ صحيح اذهب احضر؟ مريض؟ معذور؟ اجلس معذور.

هكذا عَظّم ﷺ شأنها وقال في خطبةٍ له: "إن الله فرض عليكم الجُمُعة في مقامي هذا في شهري هذا في يومي هذا ألا فمن تركها فلا جمَعَ الله شَمله، ولا بارك له في أمرِه؛ ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له"، فهي شعيرة من أعظم شعائر الله -تبارك وتعالى- في أرضه؛ شعيرة الجُمعة.

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10))

اختلفوا في جَوَاز السفر في يومها لمن تَلزَمُ عليه الجمعة: 

  • فأجاز ذلك الحنفية ما دام يكونُ في السفر والوقت باقٍ.. 
  • وحَرَّمه غيرهم وقالوا من بعد الزوال. 
  • وقال الشافعية وغيرهم كذلك: 
    • مِن الفجر لمن لا يُدرك الجمعة في طريقه، إذا طلع الفجر وهو في مكان تلزمه فيه الجمعة لا يسافر إلا لمكانٍ يُدرك فيه الجمعة؛ في طريقه، أو في مقصده ليصلي الجمعة. 
    • فإن كان لا يدرك الجمعة، فلا يسافر في ذلك اليوم إلا بعد الصلاة، يصلي ويمشي: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10)) كما يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

ويُندب التَّبكير لها: 

  • والمُبكِّر لها مثل الذي يتصدّق ويتقرّب الى الله تعالى ببَدَنة. 
  • والذي يأتي بعده في الساعة الثانية كالذي يُهدي بقرة. 
  • والذي يأتي بعده في الساعة الثالثة كالذي يُهدي كَبشًا أقرن. 
  • والذي يأتي بعده كالذي يُهدي دجاجة. 
  • والذي يأتي بعده كالذي يُهدي بيضة. 

فإذا صعد الخطيب الى المِنبَر اجتمعت الملائكة التي على الأبواب يكتبون الداخلين إلى عند المنبر، والذي يأتي بعد أن يكتبوه، ليسوا في المُبادرين إلى الجمعة. 

وصِحّة جُمعته مُرتّبة على المُتقدمين قبله، فإنه لابد لها من عدد.

  • قال الحنفية: 
    • ثلاثة، رابعهم الامام، ويُقال: عندهم ثلاثة إذا كان الوالي منهم؛ يكفي. 
    • وعندهم حضور الوالي شرط لصحّة الجمعة وأن تنعقد بثلاثة أو أربعة. 
  • والمشهور في مذهب المالكية: اثنا عشر. 
  • وفي مذهب الشافعي: أربعين. 
  • في مذهب أحمد قِيل: خمسين، وقيل: اثنا عشر أو أقل. 

وهكذا اشتراط العدد في الجُمعة واشتراط الخُطبة لها. 

وللخُطبة أركان وشروط: 

  • وأخفُّ ما قيل فيها مذهب الحنفية؛ أن كل ذىكرٍ لله قبل الصلاة هو خُطبة. 
  • فإذا سبّح وحمِد وهلّل وكبّر وأقام الصلاة؛ صحَّت. 

قال: (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ..(9))

  • ولما كانت الخطبة مُنطوِية على ذكر الله سماها الله: (ذِكْرِ اللَّهِ)، فهو أمر بالسعي للخطبة وللصلاة. 
  • ولما كانت تشتمل على القرآن غالباً، وكانت خُطَبُهُ ﷺ يُدرج فيها كثيراً من الآيات، وأحياناً يقرأ سورة كاملة في الخطبة: 
    • ولذا تجِد من يَخطب ويُطوِّل الخطبة ولا تسمع آية، ولا تسمع حديث -لاحول ولاقوة إلا بالله- خير ما تُبلِّغ عبادَ الله كلامه وكلام رسوله، ثم هات الذي في رأسك. 
    • وبعضهم يُحوِّل خطبة الجمعة إلى وسيلة لخدمة مقاصده أو حزبه أو اتجاهه أو قبيلته ويجعل الخطبة كذا؛ فظاهرها خُطبة وباطنها خبطة! 

إنما المقصود جمع القلوب على الله في الجمعة، (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ)، تمتلئ بالرب، تمتلئ بربك وتجتمع عليه وتستحضر عظمته وجلاله، وتراجع حسابك بينك وبينه؛ هذا (ذِكْرِ اللَّهِ) هذا مقصود الجمعة، الله لا إله إلا الله.

ويقول: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ..(9)): 

  • يعني: في يوم الجمعة (مِن) تأتي بمعنى: في. 
    • (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) [الأحقاف:4] في الأرض. 
  • (مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) إذًا ليس معناه؛ من اليوم؛ بل في اليوم. 

(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) -يعني في يوم الجمعة- (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) جمعيّتكم على مولاكم هذا المقصود الأكبر من الجمعة، تجتمع على إلهك، تُراجع حسابك بينك وبينه، تنظر وتستمع مع هؤلاء: 

  • لهذا: "مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ، ثم مسّ ما معه من طِيب، ومشى ولم يُفَرِّقْ بيْنَ اثْنَيْنِ، وصلى ما شاء الله، ثم أنصت إلى الإمام موعظته، ثم صلى الجمعة؛ غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى"، وفي رواية رواه أبو هريرة قال: "وزيادة ثلاثة أيام". 
  • ويقول: "من غسَّل يومَ الجمعةِ واغتسل وبكَّرَ وابتكرَ ومشى ولم يَركبْ ودنا من الإمامِ واستمع ولم يَلْغُ؛ كان له بكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها"، بالخطوات الله الله.

ما أعجب يوم الجمعة وما فيه من الخير العظيم للمؤمنين! 

  • وجُمَعُ رمضان أعظم الجُمَع في السنة. 
  • وجُمعة العشر الأواخر أعظم. 

وعندنا في هذه السنة في العشر الأواخر جُمعتان، في غالب السنين في اليوم الثاني والعشرين من رمضان وفي اليوم التاسع والعشرين من رمضان يوم جمعة، وإن شاء الله يبارك الله لنا وللأمة فيهما، ماعاد بقي معنا من جمع رمضان إلا الجمعتان؛ جمعة يوم الثاني والعشرين، وجمعة يوم التاسع والعشرين، ويرحل الشهر عنا، الله يُبارك لنا في خاتمته.

يقول: (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ (9))، امتنعوا عن الحركة والانتشار من أجل الاجتماع على ذكر الله، ففي تلك الساعة: 

  • مَن وَجبت عليه الجمعة عليه حظر التجوّل، محظور تجوُّله، ممنوعٌ أن يتجوّل، واحد وجبت عليه الجمعة في وقت إقامة الجمعة، يتجوَّل؛ يذهب هنا، ويذهب هنا.
  • ومن عمِل هكذا ممن وجبت عليه الجمعة فهو مأثوم، وواجب على الوالي أن يمسكه؛ لأن هذا يتجوّل في وقتٍ ممنوعٍ على من وجبت عليه الجمعة أن يتجوّل. 
  • الواجب أن يقعد في محلِّه لاستماع الخطبة وأداء الجمعة، فهذا فرضٌ ربّانيٌّ فيه منافع وفوائد للناس ومصالح.

قال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10)) يعني رخصة، وكل الحظر مدة الخطبة والصلاة فقط

التجوال ممنوع على كل من وجبت عليه الجمعة، أما النساء والأطفال والمسافرين ما عليهم شيء. 

لكن من وجبت عليه الجمعة ممنوع، ليس لهم وقت تجول الان، محلك وسط محل الجمعة، استمع وَصَلِّ، لا إله إلا الله.

 يقول: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ (10)) كمُلت وانتهت، قال: (وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)) تعلمون؛ أن تخرجوا عن جَهالات شهوات الأنفُس وأهوائها وتصوُّراتها إلى إدراكِ حقيقةٍ من ربٍّ خبيرٍ قديرٍ عليمٍ سميعٍ بصيرٍ: 

  • هذا هو العِلم، حينئذٍ تعلمون بعِلم الله الذي أنزل إليكم ما هو الأفضل، ما هو الخير، ما هو الأحسن. 
  • أما ما تُمنِّيكم أنفسكم أنه أحسن وأفضل من مُشتهياتكم ورغباتكم فهذا جهل، من قال لك أنه خير لك؟ 
  • و أنت طبيعتك أيها الإنسان: 
    • (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ) [البقرة:216]. 
    • (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء:19]. 

إذَا هذه طبيعتك، أنت لا تعلم، هو الذي يعلم، فإذا قال لك هذا خير فهو خير! فلا يمكن أن يكون البيع خير.

هناك أشخاص كانوا يتبجّحون، ويقولون في رمضان: لا يجب أن يترك الناس أعمالهم وأسواقهم وكأنه شهر عمل، والإسلام دين حضارة وعمل، ويجب أن يكون أعمال ويعملون أسواق كبيرة في رمضان، ثم جاءوا في تلك السنة قالوا: لا أحد يخرج من مكانه يجلس في محله؛ مع فطور رمضان، وفي رجب وشعبان ورمضان، لا أعلم ماذا سيعملون بشوال! لا إله إلا الله، ومع ذلك لا تزال بعض أسواق المسلمين مفتوحة في رمضان وغير رمضان، وفي العشر الأواخر يزيدون سوقًا، لا يزيدون قيامًا ولا يزيدون قرآنًا! يزيدون سوقًا. 

ويا مُحوِّل الأحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، كان نبيّنا يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها من رمضان.

(ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)) إن كنتم على حقائق إدراك وعلمٍ صحيح؛ فهذا خير، ومن لم يعلم أن هذا خير فهو جاهل، ولو كان من كان في الدنيا، إذا كان لا يعلم أن هذا خير فهو جاهل؛ آدمي تلبَّدت عليه شهواتُه وأهواؤه، وتقوَّم ميزان باطل من عنده يقول: هذا خير! لا، الخير ما قال ربي أنه خير فهو الخير.

(ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)) إن وصلتم إلى حقيقة العلم وخرجتم من وطأة الجهالات والضلالات بتسلُّط الأهواء والشهوات عليكم، وأنتم أمام أعينكم أخرجكم من بطون أمهاتكم، أي عِلم عندكم؟ (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]: 

  • تستعمل السمع والبصر والفؤاد والعقل والقلب، وتُخالف الرب! 
  • هو الذي أعطى لك السمع والبصر من أجل أن: 
    • تهتدي إلى حقائق العلم وحقائق المصلحة. 
    • وتعرف عظمةِ هذا الإله الذي خلَقك. 

تقوم تنكر السمع الذي أعطاك والبصر الذي أعطاك والقلب الذي أعطاك! وتقول: مرفوض كلامك لا أمشي على منهاجك! 

ياهذا أعطاك إياها لتشكره بها وليس لتكفر: 

  • (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) [الملك:23]. 
  • (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان:2]. 
  • فوق السمع والبصر، أرسل الرسل وأنزل كتب يدلُّ الناس على الطريق: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان:3]. 

يأتوننا بأسماعهم وأبصارهم وعقولهم يتحدّون واهب السمع والبصر والعقل لهم، نقول لهم: 

  • عيب عليكم، عيب عليكم، أنتم معروفون بيقينٍ أنكم كنتم نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا وليس عندكم شيء!
    • وجئتم الآن تتطاولون على الذي أعطاكم السمع والبصر والأفئدة؛ من أجل أن تعقلوا بها عظمته، فتكفرون به وتقولون: نحن نعرف أحسن من ربكم، ونحن عندنا منهَج خير من خالقكم! 
  • ياهؤلاء، عيب عليكم، من أين جئتم بالسمع؟ من أين جئتم بالبصر؟ من أين جئتم بالعقول والأفئدة؟ 
    • هو وهبها لكم؛ لتشكروه وليس لتكفروه وتجحدوه! (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78].

اللهم ارزقنا شكرك وأعِنّا على ذِكرك وشُكرك وحُسن عِبادتك.

(إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))

  • فما نعلم حقيقة العلم إلا في علمٍ هو الحقُّ والحقيقة في الدنيا والبرزخ ويوم الحكم الأكبر والقضاء الأكبر ويوم الفصل بين الناس؛ هذا هو العِلم. 
  • أما عِلم يختلّ بعد ذلك فلا ينفع في البرزخ ولا ينفع في القيامة، علم ماذا هذا؟ علم ماذا؟
    • عِلم الزوال، عِلم الفناء، عِلم الضحك، عِلم الهُزوء، هزوء هذا هو! 
  • ما وافق عِلم الله فهو عِلم، عِلم حقٍّ وحقيقة في الدنيا والبرزخ، ويوم الفصل بين الناس؛ هذا العِلم. 

يا رب علِّمنا ما ينفعنا

 يقول: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)، رخصة، افتكّ الحظر عليكم، رخصة أن تمشوا اذهبوا: (فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ)

  • (فَضْلِ اللَّهِ) الظاهر الباطن أرزاق، مكاسِب للحلال. 
  • (فَضْلِ اللَّهِ) طلب عِلم، حضور جنازة، عيادة مريض، زيارة أخ في الله. 
  • (ابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) ابحثوا الفضل الحسي والمعنوي. 

لذا كان: 

  • بعض التابعين يخرج عند باب المسجد -إذا خرج من الجمعة- قال: قد أجيبتْ دعوتك وأدّيتَ فريضتك، صليت فريضتك، وانتشرتَ كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين: (فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا). 
  • وكان بعضهم يحب إذا خرج من الجمعة يشتري أي حاجة من السوق يعطيه لأهل البيت ولو بقل ولو سمن، وقال: من أجل (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) هكذا بركة، أي شيء يشتريه، من فضل الظاهر.
  • والفضل الباطن؛ فكثير يخرج من الجمعة الى زيارة مريض أو الى مجلس ذكر أو زيارة أخ في الله: (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ).

(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ)؛ وخذوا سبب الفوز.

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ)، جئتم إلى ذكر الله، خرجتم وانتَشرتُم سمَح لكم بالانتشار؛ اذْكُرُوا اللَّهَ، من أجل هذا سبب الفوز وسبب السعادة لكم ذِكر الله:

  • الذي يتمكّن من قلب المؤمن صار لا يصبر عنه، وصار بالنسبة له كالهواء للطير، بالنسبة له كالبحر للسمك، وهل السمك يقدر يخرج من البحر؟ يتعرّض للموت! 
  • كذلك مَن تمكّن ذِكر الله من قلبه لا يصبر عن ذكره، اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. 

فانظر الى قوله: (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ (9))، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ)؛ فهذا المقصود الأعظم من كل العبادات أن يتمكّن ذِكرُ المَعبود من قُلوبنا: 

  • تقرأه واضح في أعمال الحج، يقول الله تبارك وتعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).
  •  ثم ذَكَر اتجاهات الناس وهويّاتهم وأمنياتهم ومطالِبهم: 
    • (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) في الدنيا: مال، صحة، بيت، سيارة (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)، ولا يذكر حُسن خاتمة ولا موت عليه، ولا يذكر قبر ولا يذكر قيامة ولا يذكر جنّة. 
    • (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)، أي من نصيب. 
    • (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). 
    • ثم جاءت أيام معدودات وهي أيام التشريق، وقال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) [البقرة:198-203]. 

ذِكر الله هو المقصود من العبادة؛ أن يتمكّن ذِكرُ المعبود مِن قلوبنا:

  • تمكُّن ذكر المعبود من قلوبنا، تقوم به حقائق عبادةُ القلب، الذي اذا سجد لم يقْوَ على الرفع أبدا. 
  • تمكُّن ذكر الله من قلوبنا يكشف لنا عن عظمة الله بما ياخذ عقولنا كلها اليه. 
  • تمكُّن ذكر الله من قلوبنا يكشف لنا من جمال الله في الوجود والكائنات وفي كل شيء، ما نستمتع به مُتَعًا لا يُدرِكها أهل الطبيعة، ولا أهل السهرات والسمرات، ولا أهل السواحل والترفيه ولا غيرهم من الخَلق في الأرض.. 

وَاشْهَدْ جَمَالًا أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ *** فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرًا غَيْرَ خَافِي

بعدما يتمكن ذكره من قلبك.

 مادام قلبك مع غيره، مع غيره.. فهو عزيز؛ لا يُعطيك المعرفة به وأنت مُولَّع بغيره، وأنت مُعلَّق بغيره؛ حتى تجتمع عليه فيتعرَّف إليك، فترى العجائب مِن وَهبِ الواهب والغوامِر السَّواكِب مِن ثجّاج السحائب بالعطايا الغرائب، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]. 

  • (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) لم نجد شيئًا من أوامر القرآن ينصُّ على الكثرة إلا الذكر، لانجد؛ صلُّوا كثيرا، ولا صوموا كثيرا -في أسطر القرآن لا يوجد- ولا جاهدوا كثيرا. 
  • (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) نعم؛ لأنه في كل شيء، أكثِر منه بلا حد، قالوا لنبينا: 
    • "أي المُصلِّين أعظم اجرا؟ فقال: أكثرهم لله ذكرا، قالوا يا رسول الله أي المُتصدِّقين اعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا، قالوا: يا رسول الله أي الصائمين أكثر أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا، قالوا: يا رسول الله فأي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا". 

هذا جوابه ﷺ في هذه الاسئلة كلها، سيدنا أبوبكر يتعجّب ويقول لسيدنا عمر: ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة، سمعه النبي قال: "أجل -يعني نعم- ذهب الذاكرون الله بخير الدنيا والاخرة"، كله معهم، اللهم أعِنا على ذكرك.

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10))؛ سبب الفلاح والفوز والسعادة الأبدية ذكر الله: 

  • ما عمِل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. 
  • أعظم ما ينجيك من عذاب الله ذكرك لله -جلَّ جَلاله تعالى في علاه- (لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). 

ومِن أعظم ذكر الله في يوم الجمعة:

  •  قراءة: 
    • سورة الكهف، قراءة سورة الدخان، قراءة سورة يس، قراءة سورة هود؛ أمرنا الصالحون بقراءتها. 
    • قراءة سورة آل عمران: "من قرأها يوم الجمعة استغفر له سبعون ألف ملك إلى الليل سورة آل عمران". 
    • وقال: "اقرأوا يوم الجمعة سورة هود، من قرأ سورة الدخان ليلة الجمعة أصبح مغفورًا له"، وفي رواية: "أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك". 
  • والصلاة على محمد ﷺ في ليلة الجمعة ويوم الجمعة. 
  • وأن تقرأ بعد صلاة الجمعة -وأنت في مكان وهيئة تشهُّدك- من دون أن تتحوّل: 
    • سبع مرات من الفاتحة. 
    • سبع مرات من الإخلاص. 
    • سبع مرات من الفلق. 
    • سبع مرات من الناس. 
  • وأن تقول أربع مرات: اللهم ياغني يا حميد يا مُبدِئ يا مُعيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك؛ هذا من أعظم الأذكار يوم الجمعة.
  • وان تقول بعد صلاة الجمعة: سبحان الله العظيم وبحمده مئة مرة؛ هذه من أعظم الأذكار يوم الجمعة.
  • وقال ﷺ: "من صلى عليَّ عصر الجمعة ثمانين مرة، غفر الله له ذنوب ثمانين سنة". 
    • وفي رواية: "قالوا: كيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي". 
    • وجاء في رواية: "اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك ونبيك وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً" ثمانين مرة -بزيادة- غفر الله لذنوبه ثمانين سنة وكتب له عبادة ثمانين سنة"، ثمانين فضلها عظيم، يقبَلُ منا القليل ويُعطينا عليه الكثير، نِعمَ الإله.

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10))

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11))

ثم ذَكَر حالة من الحالات وقعت أيام النبي ﷺ: 

  • كان أهل المدينة قد أصابهم شيء من الحاجة والمَجاعة، وأقبل دِحْيَة الكلبي قبل أن يُسلم، وكان تاجرًا، أقبل بالتجارة وكان يأتي -إذا وصل- ويُحضر فيها ما يحتاجه أهل المدينة؛ من بُرٍّ ومن دقيق ومن غيره، وعند مكان يسمونه أحجار الزيت، كان يأتي عنده ويضرب الطبل؛ فيعرفون أنه وَصَل، فينجفلون إليه، يأتي الناس إليه.
  • صادف ذاك اليوم أن جاء، والناس في أيام حاجة، وهم في صلاة الجمعة مع النبي، والطبل دَقَّ، والناس يخرجون، والنبي قائم يخطب الجمعة، بقي منهم اثنا عشر -وقيل أربعون وقيل ثمانية- والأصح في الأقوال أنهم اثنا عشر رجلًا وامرأة هم الذين بقوا،  وأنه ﷺ بعد ذلك قال لهم: "لو تَبِع آخرُهم أوّلَهم لامتلأ الوادي عليهم نارًا". 

فأنزل الله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) -الطبل الخاص بالرجل- (انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (11)) ومن هنا: 

  • أخذ بعض أهل العلم اشتراط قيام الخطيب في الجمعة. 
  • كما هو عند الإمام الشافعي، سُئِل ابن مسعود: كان ﷺ يخطب جالسا أم قائما؟ قال: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا).

(انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) فما رُئِيَ يخطب إلا وهو قائم -عليه الصلاة والسلام- يوم الجمعة. 

فقال تعالى: (قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ) -من ثواب استماع الخطبة والجلوس معي في المسجد وإفاضة أنواع الخيرات- (خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)

  • خير لكم من هذا الطبل ومما تعملون ومن أنواع التجارات التي عندكم.
  • (مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)): 
    • وفَهِم أهل الفَهم منها، أن ما عند الله مِن تَعرُّفِه لعباده وإفاضته النور عليهم في قلوبِهم وتقريبهم إياه، خير من اللَّهو ومِن كل اشتغال بأي شيء سواه من التجارة ومن طلب المُقابل. 
    • فيعبدونه له لأنه يستحقّ العبادة، يقول: لا تجارة ولا لهو، الله أكبر! فيجتمعون على الله فيَفنون في الله فيُبقيهم الله به -جلَّ جلاله-. 

(قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) فكونوا له وحده، وما عنده إلا الخير من كل شيء، الله الله خير من التجارة: (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا. 

وهل هناك رازق غيره؟ 

  • في الآية الأخرى يقول: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)؟ [فاطر:3]؛ لا، لكن الرازق غيره بالمَجاز يتسبّب في تحصيل الرزق: (فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) [النساء:8]، ارزقوهم يعني تسببوا في تحصيل رزقهم؛ لا أنتم خلقتم، ولا أنتم أوجدتم، ولا أنتم تكفّلتم، ولكن الله يسَّر لكم كل ذلك فهو الرازق. 

إذًا (خَيْرُ الرَّازِقِينَ): 

  • إما يأتي على المعنى العام الذي يأتي في اللغة: 
    • يأتي على غير بابه، فلا أحد رازق إلا هو (خَيْرُ الرَّازِقِينَ).  
    • مثل قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون:14] وهل أحد خالق غيره؟! 
  • وإما باعتبار المَجاز: 
    • (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) [العنكبوت:17]. 
    • (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) [آل عمران:49] سيدنا عيسى يقول. 
    • (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) [النساء:5]. 
    • (اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) [العنكبوت:60]. 

لكن الرزق الذي بالنسبة لغيره هذا، والخَلق مَجاز: 

  • ولا شك أن الرازق بالحقيقة، خير من الرازق بالمجاز. 
  • الرازق هو الله ولا يرزق إلا هو- جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

(قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)).

 اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وسِّع أرزاقنا وحسِّن أخلاقنا وبارك لنا في خاتمة شهرنا برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين. 

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي الأمين

اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

22 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

14 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام