(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الجُمُعَة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، الآية: 4، إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ..)، الآية: 9
﷽
(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))
الحمدُ لله، مُكرِمنا بالقُرآن وبَيانِه على لِسانِ عبدهِ المُصطفى سَيد الأكوان، أدم اللهم صلواتك على من أنزَلتَ عليه القُرآن (هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]، وعلى آله وأصحابه، وأهل حَضرة اقتِرابه من أحبابه وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، وآلهم وأصحابهم والتابعين وعلى مَلائِكَتِكَ المُقَرَبين، وعلى جَميعِ عِبادِكَ الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك ياأرحم الراحمين.
أما بعدُ،،،
فإننا في نِعمَةِ تَأَمُلِ كلامِ ربنا وخطابه وتَنزيله لِكِتابه على سَيدِ أحبابه، تأملنا أوائل الآيات من سورة الجمعة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)):
لأن دينَ الله -سبحانه وتعالى- أقوى الروابط بين بَني آدم، أَعلى من النَّسب وأعلى من كل العَلائِق الأُخرى.
تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4))
(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ):
(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4))، وفي كُلِ زَمَنٍ يَتَخَلف مَن يَتَخَلَف مِن جَميع طَوائِف الكُفار، وأعدادٌ كَثيرةَ مِن المُسلمين انحَرَفوا في وِجهاتِهِم وَنِياتِهِم وَتَعَرَضوا لِسَخَطِ الجَّبارِ بِشَيءٍ مِن تَصَرُفاتِهِم فخرجوا عن تلك الزُمرة، فلم يَنَلهُم ذلك الفَضل، ولا ذاقوا ذلك الوَصل، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، والله يُلحِقنا بأهل هذا الفَضل ويَتَفَضَل عَلينا بِما هُوَ أهلهُ.
(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) هو عَظيم، وفَضلُه عَظيم، وعَطاءُه عَظيم، ومَنُّه عَظيم، وجُوده عَظيم -سبحانه وتعالى-، ونَبيّه عَظيم، ودينه عظيم، ومَنهَج النَّبِي عظيم، وخُلق النبي عظيم (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] يقول -جلَّ جلاله- فسبحان العظيم، ذو الفضل العظيم، الذي أرسل إلينا النبي العظيم، بالخُلق العظيم، والدين العظيم، اللهم لك الحمد شُكرا ولك المَنُ فضلا.
وهُنا نَبَهَنا الرحمن ذي الإمتِنان:
يُحَذِرُنا سُبحانه:
تفسير قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5))
ولكن بعد مرور الوقت كان (الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ)، معنى حُمِّلوها: حُمِّلوا؛ أمانَتَها، العِلم بِها، والعَمَل بما فيها، فـ(لَمْ يَحْمِلُوهَا)، (لَمْ يَحْمِلُوهَا):
يقول لنا الحَق؛ مع عَظَمِة كُتُبي ووَحيّ:
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) لم يَقوموا بِحَقِها، ولم يُؤَدوا الأمانة فيها، ولم يَعمَلوا ويُطَبِقوا ولم يُبَيِّنوا (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا):
فهكذا من أساء التعامل مع كُتُبِ الله، ومع وَحْيِ الله -جلَّ جلاله- لا يُدركُ مِن حَقيقَةِ الوحيِّ والكِتابِ شيئًا، ومَثَلُه مَثَلُ غَيرِه من الغافلين والفاسقين وحاملين أفكارٍ مُصطَنَعةٍ مِن قِبَلِ أنفُسِهِم، شابههم في ذلك، بإضاعَتِهِ الأمانة في حَقِّ هذا الكِتابِ المُنَزَل.
والحقُّ ضَرَب لنا المَثَلَ باليَهود الذين (حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا):
كما نَطَق بِهِ رَسولُ الله، تَنطُقُ به الألسُنُ اليوم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، يقول جلَّ جلاله.
كفاك بالعلم في الأمي معجزة *** في الجاهلية والتأديب في اليُتُمِ.
(أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء:197]، عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْلَمُونَ أَوْصَافَ هَذَا النَّبِيِّ، وَعَظَمَةَ القُرْآنِ الَّذِي يُنَزَّلُ عَلَيْهِ.
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي بِئسَ المَثَل مَثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)) لأنفسهم؛ بالزيغ بعد تَبَيُن الحق لهم، وقَصد المُخالفة والخروج عن السبيل الذي رسمه لهم ربهم -جلَّ جلاله-.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وَهَكَذَا، وَلَمَّا ظَهَرَ ﷺ كَتَبَ يَهُودُ المَدِينَةِ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ ظَهَرَ فِي العَرَبِ، فَإِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ خَالَفْتُمُوهُ خَالَفْنَاهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَهُودُ خَيْبَرَ: نَحْنُ أَصْفِيَاءُ اللَّهِ وَفِينَا النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، مُنْذُ مَتَى كَانَ فِي العَرَبِ الأَنْبِيَاءُ وَالرِّسَالَةُ؟! لَا سَبِيلَ إِلَى اتِّبَاعِهِ أَبَدًا، وَلَا نَتَّبِعُهُ:
(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة:89]
كَمَا ذَكَرَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُمْ يَقُولُ -جَلَّ جَلَالُهُ وَتَعَالَى فِي عُلَاهُ-: كما ذَكَرَ الحق سُبحانه وتعالى عنهم يقول -جل جلاله وتعالى في علاه-:
مَتَى النُّبُوَّةُ فِي العَرَبِ؟ نَحْنُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، مَتَى جَاءَتِ النُّبُوَّةُ فِي العَرَبِ؟
قال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)) ثم أخذوا يَتَبَجَحون أنهم هم أبناء الرسل، وفيهم المُرسَلين، وهم من اختارهم الله، ثم أخذوا يقولون أنهم أحباء الله، أولياء الله، أنهم أبناء الله -أعوذ بالله مِن غضب الله- (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) أولياؤه [المائدة:18].
تفسير قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6))
قال الله لحبيبه: قل لهم كلمة، يَظهَر كَذِبهم وزَيّغُهم ودَعواهم الباطلة، بُطلان دَعواهُم، (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا)، أي اتخذوا اليهودية دينًا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ) -تَتَبَجَحون؛ نَحن ونحن- (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ (6)):
لو عُمِّر ألف سنة، سيرجع إلينا، سيرجع إلى أين؟ يَدخُل النار: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) ستجلس كم في الدُّنيا؟ مهما جَلَست سترجع، والعذاب أمامك، ولا سبيل للنجاة إلا بالإيمان بمحمد ﷺ.
(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6)) والغافِل والجاهِل والفاسِق والمُضَيِّع لأمر ربه؛ أكره شيء له الموت، ولا يتمنى الموت، وهم أمام نبي يعلمون أنه صادق، وقال لهم: "قولوا اللهم أمِتنا، لا يَقولها أحد منكم إلا غصَّ بِرِيقِهِ"؛ سَكَتوا، ولا واحد قال: لماذا؟!
تَبيَّنَ:
ما دام أنتم أحباؤه وأنتم أولياؤه وأمامكم الجنة موتوا، تمنوا الموت! لا يريدون؛ إذًا أنتم كذابون في دَعْوَاكُم.
إن الذي أيقن أنه يَلقى الحقَ تعالى وهو راضٍ عنه يُحِبُ لِقاءه، وكان بعض ساداتنا الصحابة يَشَمُّ ويَقول: إني أجِدُ ريح الجنة دون جبل أُحد، دون هذا الجبل، أمام الجبل، ريح الجنة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
تفسير قوله تعالى: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7))
قال الله: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا) ما أحد منهم يتمنى الموت؛ خائفين من الموت، فزعين من الموت، يعلمون أنه بعد الموت لا هم أولياء الله، ولا هم أحباؤه، بعد الموت عذاب، بعد الموت؛ ما أنذرهم به موسى من قبل، وما أنذرهم به عيسى، وما أنذرهم به النبي محمد -عليه الصلاة والسلام-.
لماذا لا يتمنونه؟
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)):
(وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) -الله، لا إله إلا الله- وقد رأينا قصة سيدنا عُمير بن الحِمام، نظر إلى التمرات في يده قال: إن أنا عشت في هذه الدنيا حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة، رمى بالتمر، هؤلاء المؤمنون الصادِقون، هؤلاء أولياء الله، هؤلاء أحباءُ الله.
تفسير قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8))
قال: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7))، ما رَضيتُم تَتَمَنونه وأنتم فارين منه:
(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ):
(ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8)):
(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8)).
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))
وَجَّه الخِطاب إلى المؤمنين، يختم سورة الجمعة يقول:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ):
وكتب النبي ﷺ لسيدنا مصعب بن عمير، -كان هذا في خارج المدينة- وسيدنا مصعب في داخل المدينة، أن يجمع الناس للجمعة، فجَمَع الناس، وصلوا الجمعة.
ثم هاجر ﷺ، وَصَل يوم الاثنين إلى قُباء، فجلس الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس لهم المسجد وأقامه، ومشى متوجهًا نحو المدينة، فأدركته الجمعة -يوم الجمعة- في ديار بني سالم بن عوف، وفي قُباء ديار بني عمرو بن عوف.
ثم توجه نحو المدينة المنورة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم أقام هناك الجمعة وأظهرها فانتشرت، وظهرت بشرائطها وتراتيبها التامة على يده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) يعني: اذهبوا مُعَظِمين، مُجِلين، مُنتَبِهين، مُبادِريّن، وليس المُراد بالسعي الجَري:
يقول: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ)، إقام الصلاة واستماع الخطبة؛ ومن هنا قال الحنفية أن الذِّكر قبل الصلاة هو خطبة، فإذا ذَكَر الله بمقدار التشهد، صح أن يكون خطبة.
(فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ):
حول هذه الفائدة..
والمعتمد عند الحنفية أنه من النداء الأول يجب السعي إلى الجمعة، ويَحرُم الاشتغال بأي شيء على من وجبت عليه الجمعة.
(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ)، وقال غيرهم: عند النداء الثاني يَحرُم على من وَجَبَت عليه الجمعة أن يشتغل بأي شيء غير تلبية النداء والحضور إلى الجمعة، حتى لو عليه قَضاء صلاة، يَحرُم عليه القَضاء في ذلك الوقت.
(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، اتركوا البيع، فَيَحرم البيع عند دخول الخطيب إلى الجمعة، إذا صعد على المِنبر وأذَّنَ المؤذنُ، حَرُمَ أن يبيع أحدهم أو يشتري ويأثمون.
(وَذَرُوا الْبَيْعَ) نصَّ عليه على وجه الخصوص:
وقد شرَّفنا الله بالجمعة وجعل لنا فيها مزايا وخصائص كبيرة، وهو اليوم المُفَضَّل عند الله من بقية أيام الأسبوع.
فجاءنا نبينا وأَذِنَ الله له أن يُخبِرنا، وما أَذِنَ الله لأنبيائهم أن يخبروهم عن أفضل أيام الأسبوع، لكن أذن لنبينا، فهدانا الله إليه وأضلهم عنهم: "الناسُ لنا فيه تَبَعٌ، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ".
واليوم المُفَضَّل عند الله هو يوم الجمعة، ويُقال فيه؛ جُمْعَة وجُمُعَة، إن الله جَمَع فيه تربة أبينا آدم، وقد جاءنا في عدد من الروايات، منها في صحيح مسلم وغيره:
وفي قول النبي ﷺ: "فيه خُلِقَ آدم"؛ إشارة إلى أن أيام الأسبوع قد يَعلَق بها من الفَضل بالحَدَث الذي يَحدُث فيها.
هذا اليوم سيدُ الأيام وأسعد الأيام، حتى مقابِلُهُ من الوقت في الجنة يسميه الملائكة؛ يوم المزيد:
حتى إذا رجعوا إلى منازلهم في الجنة، تقول لهم أزواجهم: ازددتم حُسناً وبَهاءً بَعدَنا، فيقولون: كيف لا نزداد حُسناً وبَهاءً وقد كَلَّمَنا رَبُنا ورَضِيَ عنا ونَظَرنا إلى وجهه الكريم، الله لا إله إلا الله.
(لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35] يقول الله جلَّ جلاله، اللهم اجعلنا من أهل جنتك.
"خَيرُ يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يُوافقُها عبدٌ يسأل الله شيئًا من أمر دينه أو دنياه إلا أعطاه"؛ ساعة الإجابة في يوم الجمعة أبهمها الله تعالى:
وفيها أكثر من ثلاثين قولاً في تعيينها، والأصح أنها تتنقل خلال اليوم.
وكما أبهم الله علينا ليلة القدر في رمضان تتنقل فيه لنستعد في كل ليلة عسى أن تكون هي، وثم نُصادِفها لا بد، اللهم اجعلنا من أهلها، وهكذا دَلَّنا الله وأرشدنا على يد نبيه محمد إلى الحق والهدى، فله الحمد شكراً، وله المن فضلًا، ونسأله أن يثبتنا على ما يحب منا ويرضى به عنا حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
21 رَمضان 1441