تفسير سورة الجُمُعَة -2- من قوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ..)، الآية: 4

تفسير سورة الجُمُعَة، من قوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ..}، الآية: 4
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الجُمُعَة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، الآية: 4، إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ..)، الآية: 9

نص الدرس مكتوب:

(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))

الحمدُ لله، مُكرِمنا بالقُرآن وبَيانِه على لِسانِ عبدهِ المُصطفى سَيد الأكوان، أدم اللهم صلواتك على من أنزَلتَ عليه القُرآن (هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]، وعلى آله وأصحابه، وأهل حَضرة اقتِرابه من أحبابه وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، وآلهم وأصحابهم والتابعين وعلى مَلائِكَتِكَ المُقَرَبين، وعلى جَميعِ عِبادِكَ الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك ياأرحم الراحمين.

 أما بعدُ،،،

فإننا في نِعمَةِ تَأَمُلِ كلامِ ربنا وخطابه وتَنزيله لِكِتابه على سَيدِ أحبابه، تأملنا أوائل الآيات من سورة الجمعة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)): 

  • وَلَحِقَ بالصحابة التابعون وتابِعو التابعينَ إلى يَومِنا. 
  • ولَحِقَ بالعَرب العَجم من مختلف الأقطارِ. 
  • وكل من دخل في دين الإسلام كان منهم. 

لأن دينَ الله -سبحانه وتعالى- أقوى الروابط بين بَني آدم، أَعلى من النَّسب وأعلى من كل العَلائِق الأُخرى.

 

تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4))

 (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ)

  • إرسالُهُ المُصطفى خاتمًا للنَبِيين، ومبعوثًا للعالَمِيّن رَحمة ﷺ، فَضلٌ اختَصَ الله به محمدًا، لم يُشارِكهُ فيه غَيرُه، ولَم يَكُن خَتمُ النُّبُوة لِسِواه، ولا عُموم البِعثَة والرِّسالة لِغَيرِهِ أبدا. 
  • (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)،  ثُمَ فَضلُ الله على الذين آمنوا به واتصلوا به وصَحِبوهُ في حَياته، مِن آلهِ وعُموم المُؤمنين، فَضلُ الله عليهم عَظيم، واختَصوا بِمَزايا لم يَشرِكهُم فيها غَيرُهُم، وهي: 
    • وجودُهم في زَمَن النبوة، ومشاهَدَتهم لِطَلعَةِ النَّبَوية البَهِية، وسماعُهُم للِسان المُحَمَدي. 
    • واتصالُهُم الخاص به وهو في عالَمِهِ الدُّنياوي ﷺ؛ فكانت مَزِيَة: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
  • ثم كان لمن اتَبَعَهُم واقتَدى بِهِم وشابَهَهُم (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (3))، فكان اللُحوق بهم مِنَّةَ ومَزِيَّةَ، يَختَصُ الله بِها مَن يَشاء من العِباد في كُل زَمَن. 

(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4))، وفي كُلِ زَمَنٍ يَتَخَلف مَن يَتَخَلَف مِن جَميع طَوائِف الكُفار، وأعدادٌ كَثيرةَ مِن المُسلمين انحَرَفوا في وِجهاتِهِم وَنِياتِهِم وَتَعَرَضوا لِسَخَطِ الجَّبارِ بِشَيءٍ مِن تَصَرُفاتِهِم فخرجوا عن تلك الزُمرة، فلم يَنَلهُم ذلك الفَضل، ولا ذاقوا ذلك الوَصل، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، والله يُلحِقنا بأهل هذا الفَضل ويَتَفَضَل عَلينا بِما هُوَ أهلهُ.

(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) هو عَظيم، وفَضلُه عَظيم، وعَطاءُه عَظيم، ومَنُّه عَظيم، وجُوده عَظيم -سبحانه وتعالى-، ونَبيّه عَظيم، ودينه عظيم، ومَنهَج النَّبِي عظيم، وخُلق النبي عظيم (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] يقول -جلَّ جلاله- فسبحان العظيم، ذو الفضل العظيم، الذي أرسل إلينا النبي العظيم، بالخُلق العظيم، والدين العظيم، اللهم لك الحمد شُكرا ولك المَنُ فضلا.

 وهُنا نَبَهَنا الرحمن ذي الإمتِنان: 

  • أن تَنبَعِثَ مِنا الهِمَم والعَزائِم الصادِقَة. 
  • أن نُعطِيَ مُقابَلَةَ هذا الفَضل حَقهَ: 
    • مِن شُكر النِّعمَة، ومن تَعظيمِ المِنة. 
    • ومن العَمل بتطبيق الشريعة والمِنهاج الرَّباني. 
  • وأن نَتَخِذَ مِنَ القُرآنِ: 
    • وَعيًا وفَهمًا ومَسلكًا وسبيلًا. 
    • وعملًا وتطبيقًا ودَعوةً واستِنارَةً وعُلُواً وارتقاءا. 
    • "إن الله يَرفَع بهذا الكِتاب أقوامًا ويَضَع به آخرين"، اللهم ارفعنا بالقرآن.

 يُحَذِرُنا سُبحانه: 

  • وقد أَنزَلَ كُتباً قبل القرآن، واستَحفَظَها طَوائف قَبلَنا، وَمِن تِلك الطَوائِف مَن غَيَّروا وبَدَّلوا وحَرَّفوا وانحَرَفوا (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) [التوبة:9]. 
  • فَحَذَّرَنا الرحمن، وقال: احذَروا هذا المَسلَك القَبيح اللئيم، ومُشابَهة أهلِهِ مِن الخارِجين عن الصراط المُستقيم، وضَرَب لنا المَثَل قال: أنزَلت التوراة على موسى هدًى ونور (هُدًى وَنُورٌ) [المائدة:44].

 

تفسير قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)) 

ولكن بعد مرور الوقت كان (الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ)، معنى حُمِّلوها: حُمِّلوا؛ أمانَتَها، العِلم بِها، والعَمَل بما فيها، فـ(لَمْ يَحْمِلُوهَا)، (لَمْ يَحْمِلُوهَا)

  • خالَفوا ما فيها، وغَيَّروا، وبَدَّلوا. 
  • وكَتَموا أشياء فيها:
    • كان من أَعظَمِها وَقت نُزول القرآن. 
    • وَصف المُهَيمن الرحمن لعبده المصطفى محمد، وكَتَموا ذلك.

 يقول لنا الحَق؛ مع عَظَمِة كُتُبي ووَحيّ: 

  • إذا أَخَذَهُ مَن حُمِّلَهُ فَلَم يَنتَبِه مِنهُ، ولم يَقُم بحق العمل به فَمَثَله (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، أي كُتُبَاً كِباراً..
    • ولا يَتَحول الحمار إلى عالِم، ولا يَعرِف ما في هذه الكُتب. 
    • وهو لا يدري أَحَملتَ عليه كُتُباً نافعة وعِلماً عَظيماً. 
    • أو حَمَّلتَ عَليهِ أحجاراً، أو حَمَّلت عليه زَبلاً وقُمامة، ما يُفَرِّق بينها. 
  • والذي لم يَقُم بِحَق كِتاب الله، وانحَرَف عَنهُ بعد أن تَبَيَّن له؛ هو مِثل هذا الحمار الذي يُحَمَّل الأسفار.

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) لم يَقوموا بِحَقِها، ولم يُؤَدوا الأمانة فيها، ولم يَعمَلوا ويُطَبِقوا ولم يُبَيِّنوا (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا): 

  •  السِّفر الكِتاب الكبير، كُتُب كثيرة، ولكنها فوق ظَهرِ حِمار. 
  • لا يتحول عالمٌ ولا ينتفع ولا يدري ما هي، لا إله إلا الله؛ فلهذا حقيقةَ كتابِ الله لا يزيدون منها ذرة.
  • هُم والذي حَمَلَ الأفكارَ البشريةَ والذي حَمَلَ الاتجاهاتِ الفِسقيةَ في الأرضِ سواءٌ: 
    • مِثل الحمار لا يعلم هل هذا الذي فوقه عِلمٌ أم حجرٌ أم خشبٌ أم زبالة. 
    • ما الذي فوقه؟ ما استفاد شيئًا. 

فهكذا من أساء التعامل مع كُتُبِ الله، ومع وَحْيِ الله -جلَّ جلاله- لا يُدركُ مِن حَقيقَةِ الوحيِّ والكِتابِ شيئًا، ومَثَلُه مَثَلُ غَيرِه من الغافلين والفاسقين وحاملين أفكارٍ مُصطَنَعةٍ مِن قِبَلِ أنفُسِهِم، شابههم في ذلك، بإضاعَتِهِ الأمانة في حَقِّ هذا الكِتابِ المُنَزَل.

والحقُّ ضَرَب لنا المَثَلَ باليَهود الذين  (حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا)

  • مُحَذِّرًا أن يَكونَ أحدً في الأمةِ ومعهم خيرُ الكُتُبِ وأعظمُها أن يَتَعامَوا عنه أو يَتَصامَموا أو يَتَغافَلُوا أو يُغَيِّرُوا ما فيه بالمَعنى. 
  • وقد تَكفل الله بحفظه من حيث؛ ألفاظه، والبَلاغُ الذي بَلَّغَهُ رَسولُه.
  • وحاول مَن حاول مِن زمن النبوة إلى زمننا أن يُبَدِّلَ كَلِمَةً واحدةً في القُرآن أو يُغَيِّرَها فما قَدَروا على ذلك. 

كما نَطَق بِهِ رَسولُ الله، تَنطُقُ به الألسُنُ اليوم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، يقول جلَّ جلاله.

  • أما الأولين استُحفِظوا من كِتاب الله، فلم يَحفَظوا. 
  • أما القُرآن قال الله: أنا أحفَظُه؛ 
    • فَحَفِظَ مُعجِزَةَ نَبِيِّنا محمد.
    • ومُعجِزَتُهُ مِنهاجُه ودينُهُ وشَريعَتُه فَكانَت عَظَمَة. 

كفاك بالعلم في الأمي معجزة *** في الجاهلية والتأديب في اليُتُمِ.

(أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء:197]، عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْلَمُونَ أَوْصَافَ هَذَا النَّبِيِّ، وَعَظَمَةَ القُرْآنِ الَّذِي يُنَزَّلُ عَلَيْهِ. 

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي بِئسَ المَثَل مَثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)) لأنفسهم؛ بالزيغ بعد تَبَيُن الحق لهم، وقَصد المُخالفة والخروج عن السبيل الذي رسمه لهم ربهم -جلَّ جلاله-.

(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وَهَكَذَا، وَلَمَّا ظَهَرَ ﷺ كَتَبَ يَهُودُ المَدِينَةِ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ ظَهَرَ فِي العَرَبِ، فَإِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ خَالَفْتُمُوهُ خَالَفْنَاهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَهُودُ خَيْبَرَ: نَحْنُ أَصْفِيَاءُ اللَّهِ وَفِينَا النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، مُنْذُ مَتَى كَانَ فِي العَرَبِ الأَنْبِيَاءُ وَالرِّسَالَةُ؟! لَا سَبِيلَ إِلَى اتِّبَاعِهِ أَبَدًا، وَلَا نَتَّبِعُهُ: 

  • عَصَبِيَّةٌ وَحَمِيَّةٌ، قِلَّةُ أَمَانَةٍ، لَعِبٌ بِالدِّيَانَةِ، وَأَوْصَافُهُ عِنْدَهُمْ، وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَقُولُونَ لِلْأَوْسِ وَالخَزْرَجِ وَالعَرَبِ حَوَالَيْهِمْ: قَرِيبٌ سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ، إِذَا بُعِثَ نَقُومُ مَعَهُ ونُقَاتِلُكُمْ. 
  • حتَّى لَمَّا سَمِعَ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ، قَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ اليَهُودُ، هَذَا الَّذِي كَلَّمنا اليَهُودُ عَنْهُ، لَنَسْبِقَنَّهُمْ إِلَيْهِ وَسَبَقُوهُمْ، وَهُمْ كَذَبُوا.

(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة:89]  

  • وَمِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا حَتَّى فِي المَعَارِكِ إِذَا خَرَجُوا يُقَاتِلُونَ الكُفَّارَ يَسْتَفْتِحُونَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ. 
  • وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ النَّصْرَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ الَّذِي يُبْعَثُ آخِرَ الزَّمَانِ. 

كَمَا ذَكَرَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُمْ يَقُولُ -جَلَّ جَلَالُهُ وَتَعَالَى فِي عُلَاهُ-: كما ذَكَرَ الحق سُبحانه وتعالى عنهم يقول -جل جلاله وتعالى في علاه-: 

  • (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) -هذا القرآن- (مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ) -في التوراة- (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ يَستَنصِرون الله به. 
  • ويقولون لهم أيضًا إذا بُعِث قُمنا معه وقاتَلناكم، (يَسْتَفْتِحُونَ)، (فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا) [البقرة:89-90]؛ حَسَدًا فقط. 

مَتَى النُّبُوَّةُ فِي العَرَبِ؟ نَحْنُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، مَتَى جَاءَتِ النُّبُوَّةُ فِي العَرَبِ؟ 

  • (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124]، وَنَبِيُّكُمْ مُوسَى قَالَ لَكُمْ إنه مِنَ العَرَبِ، وَسَيَأْتِي عَرَبِيٌّ، وَلَكِنْ جَاءَتِ العَصَبِيَّةُ، وَجَاءَتِ النَّخْوَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ، وَأَبَوْا. 
  • (بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) -حسد- (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ)  [البقرة:90]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

قال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)) ثم أخذوا يَتَبَجَحون أنهم هم أبناء الرسل، وفيهم المُرسَلين، وهم من اختارهم الله، ثم أخذوا يقولون أنهم أحباء الله، أولياء الله، أنهم أبناء الله -أعوذ بالله مِن غضب الله- (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) أولياؤه [المائدة:18]. 

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6))

قال الله لحبيبه: قل لهم كلمة، يَظهَر كَذِبهم وزَيّغُهم ودَعواهم الباطلة، بُطلان دَعواهُم، (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا)، أي اتخذوا اليهودية دينًا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ) -تَتَبَجَحون؛ نَحن ونحن- (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ (6)): 

  • أكبر شيء يزعجهم الموت، أكبر شيء يخافونه الموت، إلى الآن. 
  • يخافون من الموت كثير: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) 
  • أحرص من المشركين على الحياة: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ). 
  • قال الله تعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ)  [البقرة:96].

لو عُمِّر ألف سنة، سيرجع إلينا، سيرجع إلى أين؟ يَدخُل النار: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) ستجلس كم في الدُّنيا؟ مهما جَلَست سترجع، والعذاب أمامك، ولا سبيل للنجاة إلا بالإيمان بمحمد ﷺ.

(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6)) والغافِل والجاهِل والفاسِق والمُضَيِّع لأمر ربه؛ أكره شيء له  الموت، ولا يتمنى الموت، وهم أمام نبي يعلمون أنه صادق، وقال لهم: "قولوا اللهم أمِتنا، لا يَقولها أحد منكم إلا غصَّ بِرِيقِهِ"؛ سَكَتوا، ولا واحد قال: لماذا؟! 

تَبيَّنَ: 

  • أنهم كذابون في دَعْوَاهُمْ ويَعلَمون أن محمداً صادق، وأنه نبي رب الخلائق. 
  • وأنهم إذا قالوا سيموتون، لايوجد لعب عندهم في الموت، الموت ليس شيء ثاني: 
    • هم عانَدوا وأكثر ولكن بلا موت. 
    • ولا واحد منهم تمنى، افتَضَحوا، كُذِّبُوا. 

ما دام أنتم أحباؤه وأنتم أولياؤه وأمامكم الجنة موتوا، تمنوا الموت! لا يريدون؛ إذًا أنتم كذابون في دَعْوَاكُم.

إن الذي أيقن أنه يَلقى الحقَ تعالى وهو راضٍ عنه يُحِبُ لِقاءه، وكان بعض ساداتنا الصحابة يَشَمُّ ويَقول: إني أجِدُ ريح الجنة دون جبل أُحد، دون هذا الجبل، أمام الجبل، ريح الجنة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7))

قال الله: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا)  ما أحد منهم يتمنى الموت؛ خائفين من الموت، فزعين من الموت، يعلمون أنه بعد الموت لا هم أولياء الله، ولا هم أحباؤه، بعد الموت عذاب، بعد الموت؛ ما أنذرهم به موسى من قبل، وما أنذرهم به عيسى، وما أنذرهم به النبي محمد -عليه الصلاة والسلام-.

 لماذا لا يتمنونه؟ 

  • قال: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)؛ هم يعرفون أنفسهم: يُرابون، يَغِشون، يَكْذِبون، ويَدَّعون، ويفترون، ويُغيِّرون، ويُحرِّفون في كلام الله، ليس لهم بضاعة حتى يتمنوا الموت.
  • (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)؛ بسبب ما كَسَبَت أيديهم، ما أرادوا الموت، ويعرفون أن بعده حساب وبعده عذاب بالنسبة لهم.

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7))

  • بظلمهم لأنفسهم.
  • وكَذِبهم على عباد الله -تبارك وتعالى-.
  • وتحريفهم للتوراة.
  • وتحريف النصارى للإنجيل.

(وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) -الله، لا إله إلا الله- وقد رأينا قصة سيدنا عُمير بن الحِمام، نظر إلى التمرات في يده قال: إن أنا عشت في هذه الدنيا حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة، رمى بالتمر، هؤلاء المؤمنون الصادِقون، هؤلاء أولياء الله، هؤلاء أحباءُ الله. 

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8))

قال: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7))، ما رَضيتُم تَتَمَنونه وأنتم فارين منه: 

  • (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ) -ليس فقط  لاحقكم، لا، هو (مُلَاقِيكُمْ) الذي هو أمامكم، لا يأتي من ورائكم، هو أمامكم، أنت تفر منه إليه، تفر إليه إلى أين تريد الهروب؟! تفر إليه.
  • (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ) ليس هو لاحقكم، من وراء يطاردكم، لا، أنتم تسعون إليه، تفرون منه، إذا بكم إلا تسعون إليه، كل لحظة من لحظات الحياة تقربكم إليه، كل يوم من أيامكم يقربكم إليه. 
    • (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) -الله أكبر- ليس فقط لاحقكم، لا إنه أمامكم، تفر منه وهو أمامك تجده، تظن نفسك تفر منه إذا بك تفر إليه، تصادفه أمامك. 

(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)

  • (تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) دع الإحصائيات، و دع الكتابات ودع السجلات ودع الملفات. 
  • ملفات (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الذي هو أعلم بك من نفسك، وأعلم بسرك ونجواك وظاهرك وباطنك مِِن قَبلك ومِن بَعدَك. 

(ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8))

  • تَنبِئَة جزاء، تَنبِئَةَ مُكافأة، تنبئة مُحاسبة، تنبئة أخذ النتيجة، تأخذ نتيجة أعمالك -الله أكبر-. 
  • ما هو تنبئة أنت عَمِلت أو فعلت، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن:39].  
  • يعني لا يُسأل سؤال استفهام: 
    • هل عَمِلتَ أو ما عَمِلتَ، يُقال: لِمَ فعلتَ كذا؟ أنت فعلت كذا؛ الآن جزاؤك كذا. 
    • لِمَ فعلتَ كذا؟ أيوجد "هل فعلت"؟ هذا السؤال لا يوجد: (لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ).
  • الأمر واضح، لِمَ فعلتَ، لا يُقال له هل فعلت، بل لِمَ فعلتَ كذا؟ لِمَ قلتَ كذا؟
    • ولا حُجة لكم: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام: 149] لا إله إلا الله.

(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8))

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))

وَجَّه الخِطاب إلى المؤمنين، يختم سورة الجمعة يقول: 

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا): 
    • احمدوا الذي هداكم للإيمان وربطكم بمحمد والقرآن. 
    • واغنموا في حياتكم حُسن الاستعداد للقاء والتزود لحياة الأبد. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ): 

  • عَظَّمَ الله شأن الجمعة، والتي فُرِضَت من أول، ولكن رسول الله ﷺ لم يتمكن من إقامتها في مكة؛ لكونه كان يَستَخفي بالعبادة، ولا يستطيع أن يَجمع المؤمنين معه، واشتداد وطأة الكفار.
  • ثم إنه في المدينة بدأت الجُمعة قبل أن يأتِيَ ﷺ، على يد سيدنا أسعد بن زرارة. يقول عبد الرحمن بن كعب بن مالك، إنه سمع أباه كلما سمع النداء يوم الجمعة، يستغفر لأسعد بن زرارة ويدعو له، قال له: يا أبي، رأيت استغفارك هذا لأسعد كلما سمعت الأذان يوم الجمعة!
    • قال: هو الذي جمعنا في حَرَّة من حَرات المدينة، في بني بياض، وصلى بنا الجمعة، وقال: إن اليهود لهم في خلال أيام الأسبوع يوم، والنصارى يوم يجتمعون فيه، فاجعلوا لنا يوماً نجتمع فيه. 
    • قال: فَجَمَعَنا، وصلى بنا، وذَكَّرَنا أسعد بن زُرارة -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- أحد النقباء الذين بايعوا في العقبة. 

وكتب النبي ﷺ لسيدنا مصعب بن عمير، -كان هذا في خارج المدينة- وسيدنا مصعب في داخل المدينة، أن يجمع الناس للجمعة، فجَمَع الناس، وصلوا الجمعة.

ثم هاجر ﷺ، وَصَل يوم الاثنين إلى قُباء، فجلس الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس لهم المسجد وأقامه، ومشى متوجهًا نحو المدينة، فأدركته الجمعة -يوم الجمعة- في ديار بني سالم بن عوف، وفي قُباء ديار بني عمرو بن عوف. 

  • فكانت أول جمعة يُصَليها ﷺ في ديار بني سالم بن عوف، اجتمع معه أربعون من أصحابه، فصلى ثم خَطَب، فقد كانت الخطبة بعد الصلاة، وتغدى عند بني سالم بن عوف. 
  • وكان محل صلاته معلوماً، وفيه الآن مسجد يُسمى مسجد الجمعة، وحتى المكان الذي جلس فيه وتغدى فيه كان معلوماً، قريباً من ذلك المسجد.

ثم توجه نحو المدينة المنورة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم أقام هناك الجمعة وأظهرها فانتشرت، وظهرت بشرائطها وتراتيبها التامة على يده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

  • فكان أول من جَمع بالمسلمين للجمعة: أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير. 
  • ثم كانت ثاني جمعة في الإسلام بعد جمعة المدينة، في منطقة تسمى جواثا جمعة في الأحساء: 
    • وهي منطقة كان بها مؤمنون فصلوا الجمعة.
    • فكانت ثاني جمعة في الإسلام بعد الجمعة التي في المدينة المنورة. 
  • ثم جاء الحبيب ﷺ وقامت شؤون الجمعة وغيرها على خير قيام.

(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) يعني: اذهبوا مُعَظِمين، مُجِلين، مُنتَبِهين، مُبادِريّن، وليس المُراد بالسعي الجَري: 

  • وكان سيدنا عبد الله بن مسعود يقرأ: 
    • (فَامْضُوا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ). 
    • ويقول: لو قَرأت (فَاسْعَوْا) لَجَرَيتُ حتى يَسقُط ردائي. 
  • ولكن فَسَّر ابن عباس وغيره معنى (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) يعني: امضوا، وامشوا. 
  • ويقول في سيدنا إسماعيل: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات:102]، يعني قَدِرَ أن يمشي، ليس معناه يجري. 
  • سيدنا إبراهيم جَرى وإلا ماذا؟ يعني: قَدِرَ أن يمشي مع أبيه ويقوم، ما هو المراد بالجري: 
    • (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ). 
    • ما دام أمرٌ من الله تذبحني، أنا أعبد الله، أُذبح، ما هذا الإيمان العجيب؟! في الناشئة! لكن نبي ابن نبي: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) [الصافات:103-105]، الله أكبر. 

 يقول: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ)، إقام الصلاة واستماع الخطبة؛ ومن هنا قال الحنفية أن الذِّكر قبل الصلاة هو خطبة، فإذا ذَكَر الله بمقدار التشهد، صح أن يكون خطبة. 

(فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ):

  • وفيه تعظيم أيضًا للخطبة؛ لأنها تكون بعد النداء، وهذا النداء، النداء عند خروج النبي  ﷺ إلى المِنبر يُسَلِّم عليهم، ويَجلِس فيؤذن سيدنا بلال، يكون عند باب المسجد. 
  • فإذا خرج ﷺ وطلع المنبر يُسَلِّم عليهم ويجلس، فيؤذِّن سيدنا بلال ويبقى مكانه، فإذا أكمل النبي الخُطبة، وخَرَج من المِنبر، أقام الصلاة، فهذا النداء صار الآن النداء الثاني. 
  • سيدنا عثمان لما اتسعت المدينة وكثر الناس في زمنه: 
    • أحدث أذانًا أول، قبل خروج الإمام؛ من أجل أن يسمعوا ويأتوا من بعيد، فيؤَذِن ليأتي الناس. 
    • ثم يخرج سيدنا عثمان يسلِّم على الناس ويُؤذِّن مرة أخرى. 
  • وتابعه الناس على ذلك وأجمع عليه الصحابة ومَن بعدهم، رأوا فيه مصلحة وفائدة.

حول هذه الفائدة.. 

  • حتى قال الحنفية (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ): هذا النداء الأول حلَّ محل هذا النداء؛ فيجب السعي إلى الجمعة من عند النداء الأول. 
  • قال غيرهم: المراد به النداء الذي يكون بين يدي الخطيب عند خروج الخطيب. 

والمعتمد عند الحنفية أنه من النداء الأول يجب السعي إلى الجمعة، ويَحرُم الاشتغال بأي شيء على من وجبت عليه الجمعة.

(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ)، وقال غيرهم: عند النداء الثاني يَحرُم على من وَجَبَت عليه الجمعة أن يشتغل بأي شيء غير تلبية النداء والحضور إلى الجمعة، حتى لو عليه قَضاء صلاة، يَحرُم عليه القَضاء في ذلك الوقت.

(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، اتركوا البيع، فَيَحرم البيع عند دخول الخطيب إلى الجمعة، إذا صعد على المِنبر وأذَّنَ المؤذنُ، حَرُمَ أن يبيع أحدهم أو يشتري ويأثمون. 

  • وقال بعضهم ببطلان البيع. 
  • وقال بعضهم بالإثم والحرام وإن نفذ البيع. 

(وَذَرُوا الْبَيْعَ) نصَّ عليه على وجه الخصوص: 

  • اتركوه، وكل شاغل يشغلكم عن أداء الحضور إلى الجمعة والاستماع إلى الخطبة.
  • (وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9))؛ أفضل وأجمل لكم.

 وقد شرَّفنا الله بالجمعة وجعل لنا فيها مزايا وخصائص كبيرة، وهو اليوم المُفَضَّل عند الله من بقية أيام الأسبوع. 

  • حاولَ أن يهتدي إليه اليهود فما اهتدوا؛ اختاروا السبت، وغلطوا وما جاؤوا عليه. 
  • وجاء النصارى من بعدهم وحاولوا واختاروا الأحد وما جاؤوا عليه. 

فجاءنا نبينا وأَذِنَ الله له أن يُخبِرنا، وما أَذِنَ الله لأنبيائهم أن يخبروهم عن أفضل أيام الأسبوع، لكن أذن لنبينا، فهدانا الله إليه وأضلهم عنهم: "الناسُ لنا فيه تَبَعٌ، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ".

واليوم المُفَضَّل عند الله هو يوم الجمعة، ويُقال فيه؛ جُمْعَة وجُمُعَة، إن الله جَمَع فيه تربة أبينا آدم، وقد جاءنا في عدد من الروايات، منها في صحيح مسلم وغيره: 

  • أن الله خلق فيه آدم -عليه السلام- وأدخله الجنة في يوم جمعة. 
  • وفيه أُهبط إلى الأرض في يوم جمعة. 
  • وفيه كان موته في يوم جمعة. 
  • وفيه تقوم الساعة. 

وفي قول النبي ﷺ: "فيه خُلِقَ آدم"؛ إشارة إلى أن أيام الأسبوع قد يَعلَق بها من الفَضل بالحَدَث الذي يَحدُث فيها. 

  • وإذا كان هذا خَلْق آدم -عليه السلام- فولادة محمد -عليه الصلاة والسلام- كيف لا يتعلق بها فضل اليوم؟! 
  • ولذلك عندما سُئِلَ عن صوم الاثنين قال: "ذاك يوم وُلِدتُ فيه"؛ ولنعم الصوم فيه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

هذا اليوم سيدُ الأيام وأسعد الأيام، حتى مقابِلُهُ من الوقت في الجنة يسميه الملائكة؛ يوم المزيد: 

  • وهو اليوم الذي يأذن الله فيه لأهل الجنة بالنظر إلى وجهه الكريم. 
  • فيكونون ما أشوقهم إلى الجمعة، يأتون يزدادون نظرةً وقُرباً. 

حتى إذا رجعوا إلى منازلهم في الجنة، تقول لهم أزواجهم: ازددتم حُسناً وبَهاءً بَعدَنا، فيقولون: كيف لا نزداد حُسناً وبَهاءً وقد كَلَّمَنا رَبُنا ورَضِيَ عنا ونَظَرنا إلى وجهه الكريم، الله لا إله إلا الله.

(لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35] يقول الله جلَّ جلاله، اللهم اجعلنا من أهل جنتك. 

"خَيرُ يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يُوافقُها عبدٌ يسأل الله شيئًا من أمر دينه أو دنياه إلا أعطاه"؛ ساعة الإجابة في يوم الجمعة أبهمها الله تعالى: 

  • وكثيراً ما تكون ما بين زوال الشمس وخطبة الخطيب وإقام الصلاة. 
  • وما بين آخر النهار -آخر العشية- فتتنقل غالباً في هذا الوقت، ساعة الإجابة يوم الجمعة. 
  • ومالَ كثيرٌ من الصحابة إلى أنها في آخر ساعات الجمعة، آخر العَشية يوم الجمعة تكون ساعة الإجابة. 

وفيها أكثر من ثلاثين قولاً في تعيينها، والأصح أنها تتنقل خلال اليوم.

وكما أبهم الله علينا ليلة القدر في رمضان تتنقل فيه لنستعد في كل ليلة عسى أن تكون هي، وثم نُصادِفها لا بد، اللهم اجعلنا من أهلها، وهكذا دَلَّنا الله وأرشدنا على يد نبيه محمد إلى الحق والهدى، فله الحمد شكراً، وله المن فضلًا، ونسأله أن يثبتنا على ما يحب منا ويرضى به عنا حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

21 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

13 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام