تفسير سورة الجُمُعَة، من قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الجُمُعَة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..)، الآية: 1، إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، الآية: 4

نص الدرس مكتوب:

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4))

الحمد لله على عظيم فضله وجزيل مَنّه وطَوله، والهداية إلى قَويم سُبله، على يد ولسان وواسطة خير رسله، سيدنا محمد بن عبد الله، جامع الفضائل، ومنبع حميد الشمائل، سيد الأواخر والأوائل، أَدِم اللهم صلاتِك على عبدك الإنسان الكامل، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، ومَن على مِنهاجِهم مَضى وسار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين، معادِن الأسرار والأنوار، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، والمَلائِكة المُقَرَبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعدُ،،، 

فإننا انتهينا في تأمُّلِ ما ذَكَرَ الرحمن لنا وبيّن في السور الكريمة إلى آخر سورة المنافقين، وقفنا على سورة الجمعة، وهي السورة التي سُميت باسم ذلك اليوم الذي هو:

  •  أفضل أيام الأسبوع.
  •  وهو عيد المؤمنين. 
  • وهو المُسمى في الجنة بيوم المَزيد. 
  • والذي فيه خلق الله آدم، والذي فيه تاب عليه.
  • والذي فيه نَجّى موسى وأغرق فرعون. 
  • والذي فيه كانت حوادث وشؤون.

 يومَ الجمعة سيد الأيام في الأسبوع، قال ﷺ : "خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ"، وهكذا فَرض الله علينا في يوم الجمعة صلاة الجمعة.

سورة الجمعة، سورة مدنية:

  • قال أبوهريرة -رضي الله عنه-: نزلتْ عليه ﷺ ونحن عنده، ثم تلاها علينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
  • وجاءنا في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباسٍ أنه ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الجمعة؛ الجمعة والمنافقين. 
  • وجاء في رواية البيهقي وابن حبان عن جابر بن سمرة -رضي الله تعالى عنه-، وقال: كان ﷺ يقرأ في المغرب ليلة الجمعة الْكَافِرُونَ والإخلاص، وفي العشاء الآخرة الجمعة والمنافقون. 

يقرأهما في ليلة الجمعة؛ اعتناءً بشأن السورتين الكريمتين، يقرأهما في العشاء، وقد يقرأهما في نفس صلاة الجمعة، وقد يقرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى:1]، و(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية:1].

 

تفسير قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1))

يقول تبارك وتعالى: 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

 (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(1)) 

  • (يُسَبِّحُ لِلَّهِ): يُقَدِسُهُ، يُنَزِهُهُ، يشير إلى عَظَمَتِهِ وقُدسِيَتِهِ عن كُل ما لا يليق بجلاله وعظمته وربوبيته وألوهيته. 
  • (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(1)) وكُل ذي فطرة وقلبٍ سليم وعقلٍ زاكٍ، يتأمل أن الكائنات من حواليه تُناديه بِعَظَمة مكوِّنها وقدرته وحسن تدبيره وبديع صَنعَته وعظيم إرادته. 

كل ذرة من ذرات الكون تقول لك: أنا مُكَوَّنٌ على يد مُكَوِّنٍ قويٍ قادرٍ عظيمٍ مصورٍ فاطرٍ عليمٍ سميعٍ بصيرٍ خبير، ذرات الكون هكذا تقول لكل عاقل، تخاطبك بذلك؛ الكائنات ونفسك؛ (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21] فَتَطَهَّر واسكن وأنصِف وتأمل، تجد الكون يدعوك إلى مكوِّنه، ويقول لك: إنما أنا خَلق، العَظَمَة لِخالِقي ومُنشِئي ومُصَوِري وفاطِري ومُبدِعي، جلَّ جلاله، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة:117]، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ومَدارِكُ هذا التسبيح تختلف، فجميعُ المؤمنين يوقنون بأن كلام الله حق، وأن السماوات وما فيها تُسبِِّح، والأرض وما فيها تُسبِّح له، السماوات السبع والأرضون ومن فيهن، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44] على الإحاطة:

  • ما يفقهه أحدٌ وعلى درجات في الفقه يفقهون؛ فالمؤمنون كلهم، أول فقههم؛ يقينهم بأن الكائنات مسبحة بحمد ربها. 
  • ثم بعد ذلك على قَدر صفائهم ونور قلوبهم وإشراقات بواطنهم واستعداد ذَكائهم وعقلهم ووعيهم، يَحِسون بتسبيح الكائنات والجمادات. 
  • وربما ظَهَرَ نوعٌ من أنواع التسبيح في شيء من الأحوال والأوقات على خلاف العادة؛ مُعجزةٍ أو كرامةٍ.

 وقد حمل نبينا حجرةً وضعها في كفه، فسمع كل من حواليه تسبيحها، ثم إنه وضعها في يد سيدنا أبي بكر فسّبحت، ثم إنه وضعها في يد سيدنا عمر فسبحت، ثم وضعها على الأرض، ولما انتهى من المَجلس وقام، جاء الصحابة يتناولونها فما ظهر تسبيحها على يد أحدٍ منهم، إنما يكون ظهور ذلك على سبيل خَرق العادة، على غير المُعتاد المألوف، يَظهرُ أنواع من التسبيح لمختلف الجمادات والنباتات والحيوانات، الكُل يُسَّبِح بحمد ربه.

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ)

  • (الْمَلِكِ) مالِكها، مُدَبِرها، مصورها، المتصرف فيها. 
  • (الْقُدُوسِ) المُنّزه عن كل ما لا يليق بالألوهية والربوبية، مِن شريك وولد وزوجة، وكل قُصور وكل ما لا يليق بالألوهية والربوبية، الله مُقَدَس ومنزَّه عن ذلك: (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ). 
  •  (الْعَزِيزِ) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، الذي لا يُحاط به (الْعَزِيزِ) الذي لا يَكون إلا ما أراد (الْعَزِيزِ) الذي يَرجِع إليه كل شيء. 

(فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10]؛ كُل معاني العزة، ويُعِزُّ رسوله، ويُعِزُّ المؤمنين بحسب مراتب ودرجات في العِزة:

  • فأعزُّ الخَلْقِ سيدُ الخلق، ثم النبيون، ثم الملائكة خواصهم، ثم الصديقين من غير النبيين. 
  • وهكذا عِزَتُهم على قدر ما أفاض العزيز عليهم من عزته،؛ محبةً وتقريبًا وتَعَرُّفًا وإفاضةً لِنَعيم الرضا.

فمن كان العزيز عنه أرضى فهو أعز، ويقولُ لأهل العزة في الجنة: "أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"؛ بذلك عَزوا.

ومما أفاض عليهم من العِزة في دار الكرامة أن يقال لهم: "إن لكم أن تشبُّوا فيها فلا تهرموا أبداً، وأن تَصِّحوا فلا تمرضوا أبداً، وأن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وأن تَحيوا فلا تموتوا أبداً"؛ هذه العِزة التي فاضت عليهم من قِبَل الله.. 

  • وما أحد منهم باقٍ في الجنة إلا بإبقاء الله. 
  • ولا أحدٍ منهم صحيحٌ في الجنة إلا بِتصحيح الله له من الأمراض وتيسير شفائه وعافيته. 
  • ولا أحد منهم مُنَعَّمٌ في الجنة إلا بتنعيم الله إياه. 

فأَعَزَهم بهذه العزة التي أعطاهم إياها: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) [الانسان:21-20]. 

وإذا قرأت هذه الآية فاستحقِرْ مُلك أهل الأرض من أولهم إلى آخرهم، الذي في زمنك والذي قبلك ومن سيأتي في أهل الدنيا؛ عجُوز في آخر عمرها، ما أحقر مُلكُهم! انظر أمامك: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) وما يَكبُر ذاك المُلك في نظرك إلا وعلامته صِغَرُ هذا المُلك في نظرك، وكلما كان هذا المُلك في الدنيا كبيرًا عندك، فَلَم يَكبُر عندك المُلك الكبير الذي هو في ميزان الله كبير، وفي عِلم الله كبير، وفي قُرآن الله كبير، وفي عقيدة رسول الله كبير، لا يَكبُر في قَلبَك ويقوم ميزان ربك حتى يَصغُر في قلبك هذا المُلك، وعلى قَدرِ كِبَر ذاك المُلك الكبير يَصغُر هذا الصغير.

وبذلك لما هدى الله بعض السلاطين، كان في وادي حضرموت في القرن العاشر، وأوائل القرن الحادي عشر الهجري، وقرر تَرك السلطنة والمُلك والتفرغ باقي العمر للعبادة، وخرج مُتَنَكراً من سيئون وجاء إلى عينات وقصد الحسين ابن الشيخ أبي بكر وقال: تبتُ إلى الله، كل ما قدرت عليه من حقوق الخَلق أؤديه، وخذوا السلطنة ولّوا مَن شئتم، واستغفروا لي وادعوا الله لي أن يغفر لي، ثم لا يُميتَني إلا عندكم هنا أو في المدينة المنورة بَلدة رسول الله.

 فأعرض عنه في البداية، وأراد أن يعلم صدقه، قال: ياهذا، ليس لنا رغبة في السلطنة، ولا أن نُسأل عنها بِتَولية أحد عليها، ويكون السؤال علينا يوم القيامة: 

  • (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [لقمان:34]؟ 
  • (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:135]؟ 

بكى السلطان، وقال له من حواليه: يا شيخ، الرجل صادق مع الله ومتوجَِه، قال: فاسمع، مهما صدقت مع ربك وإنك تستغفره، نستغفر لك وندعو الله لك أن يغفر لك، وتقصَّى ما عَلِمتَ مِن حقوق الخَلق في يدك وما حولك، وأعطِ للناس حقوقهم، وندعُ الله لك أن لا تموت إلا عندنا أو في مدينة رسول الله، أما السلطنة، فلو كانت تصلح للدواب ما ارتضيناها لحمارنا هذا -انظروا إلى الحمار ذاك ما نعطيه السلطنة- ولكن انظر إلى أحد من قرابتك وبني عمك ترى فيه خوف الله وتقواه واعطه اياها، قال: مرحباً.

وتمت توبته وإنابته، وأرشده في حياته وما يعمل وكيف يُقَضّي شؤونه وعبادته مع المولى، وصار يتردد إلى عينَات ويرجع، وولّى السلطنة بعض أقاربه، وخرج منها، ولما قرُب موته، جاء به الله إلى البلدة ومات هناك عندهم، وقبره معروف الآن خارج قبة الشيخ أبي بكر. 

قال له الحسين: لو كانت الولاية هذه الظاهرة التي عندكم  -يقصد المُلك-، تصلح للدواب ما ارتضيتها لحماري، قال: حمارنا هذا، ماأردناها له؛ لأنه قد عرف مُلك ثاني كبير، صار هذا محتقر في نظره، ليس بشيء، بذلك صاروا هم حقيقة المُلوك؛ لأنهم آثروا المُلك الدائم الباقي ببقاء الله -سبحانه وتعالى- له، "وإنَّ لَكُمْ أنْ تَحْيَوْا فلا تَمُوتُوا أبَدًا". 

حتى جاء في بعض الآثار أن الله -تعالى- يرسل رسلًا برسائل إلى بعض أهل الجنة:  بسم الله الرحمن الرحيم، أنا الله الحي الذي لايموت، وقد جعلتك بإذني في الجنة حيًّا لا تموت، فهذه رسالة من الحي الذي لا يموت إلى من جعله بإذنه حيًّ لا يموت. 

سبحان الله! ما أعجب ما بينهم وبين الله في دار الكرامة! (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) تابِعْ معاني من معاني العِزة، يقول: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ)! ماهذا! سَقَاهُمْ مَن؟ ربُّهم، انظرْ إلى العزة، ما قال: سقاهم الولدان ولا الملائكة؛ قال: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)، انظر إلى العِزة التي أَعَزَهم الله بها (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) [الإنسان:21-22]؛ ما أعظمها مِن عِزة. 

فسبحان (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) الذي يضع كل شيء في محله، ولا يستوعب حِكمَته في كل ذرة من ذرات الوجود؛ لا الملائكة ولا الأنبياء ولا مَن سواهم، هو المحيط بالحكمة وحده -جلَّ جلاله- في كل ما خلق وفي كل ما أبدع، ولكن يُعَلِّم؛ هذا شيء، وهذا شيء، وهذا شيء، وهذا أكثر، وهذا أقل.. 

  • (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)[القمر:49-50].
  • (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)  [الحجر:21]، الله أكبر. 
  • (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الأنعام:37]. 
  • (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) [الأنعام:9]. 

ولو أنُزل عليهم مَلك، لم يُنظَروا بعد ذلك ولم يتأخروا، وهكذا فما أعظم حكمته!

 

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2))

(الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1))

  • عندما يَصفو بال المؤمن ويصفو قلبه ويحضر مع ربه في التسبيح، يحس بتسبيح الكائنات مِن حواليه، العلوية والسفلية، ولذا يطيب له التسبيح والذِّكر لله -تبارك وتعالى-.
  • ويُدرك لذلك لذة عظيمة، ويجد معاني اجتماع الكون على تسبيح المُكوِّن الواحد لا شريك له، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 
  • وإذا به يتصلُ تسبيح الموجودات من العوالم السفلية في الأرض، والحيوانات في البر وفي البحر، والجمادات، بتسبيح السماوات العُلا، والعرش والكرسي وحملة العرش والمُقَرَبين. 

كلهم يُسَبِحون بحمد واحد لا شريك له -جلَّ جلاله-، إذا استحكم فيك التسبيح، وجدت نفسك في عالَم فسيح، والكون كله مُسَبِّح بحمد ربه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- فيطيب لك تسبيحه وتحميده، ويواليك -سبحانه وتعالى- بِمِنَنِه العديدة.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولهذا يُشير إلى هذا قوله ﷺ : "كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ علَى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ" -خفيفة على اللسان لكن إذا صدرت من قلب ووعاها وقبلها الرب، ثقيلة في الميزان، عظيمة القدر- "حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ".

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1))، هذا العظيم بعظمته الذي يُسَبِّحه كل شيء، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ..(2))، هو الذي  جاء بنبينا محمد هذا، هو الذي أرسله واختاره وختم به النبوة،هو، الله أكبر! 

  • ثم قال في الآية الأخرى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة:32]. 
  • (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا)
  • (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة:33].

ليس واحدٌ فكّر وجاء به، ولا جاء مِن عند إنسان مثله، ولا مِن عند مَلك، ولا مِن عند جني؛ الرب أرسل، الله أرسله. 

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا)، الأُميين:

  •  أُراد بهم العرب، بَعَثَهُ فيهم، لكنه مرسل للعرب والعجم، والصغار والكبار، والإنس والجن ﷺ.
    • يعني بُعث في العرب أميين؛ لأنهم عامتهم على ما ولدتهم أمهاتهم، لا يقرؤون ولا يكتبون، والقُرّاء والُكتّاب فيهم قليل. 
  • أو أميون نسبة إلى أُمَّة العرب. 
  • أو أميون نسبة إلى أم القرى، أم القرى مكة المكرمة. 
    • ثم أميون منتمون إلى مكة، والمعظِّمون لمكة رؤوسهم هناك في مكة العرب. 
    • ثم انتشروا في الجزيرة العربية، فهم أميون مرجعهم إلى أم القرى. 
    • هذا معنى، معنى أميون: أمة العرب. 
  • معنى أميون: أمة لا تقرأ ولا تكتب، على ما خلقتهم أمهاتهم.

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ)، فامتنَّ أن الرسول مِنّا:

  •  مِنّا بني آدم. 
  • ومِنّا مَعشَرَ العرب بعد ذلك. 
  • ومِنّا في الجزيرة العربية المباركة. 
  • ومِنّا مَن كان من أهل مكة والمدينة على وجه أخص.

فهو مِنّا -عليه الصلاة والسلام- هو إنسان آدمي من الجنس البشري، أبرزه الله تبارك وتعالى؛ لتحصل المؤانسة و ليستقبل الجنسُ الجنسَ.

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ)، وذَكَر مهمات هذا الرسول: 

  • (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، يتلو عليهم آياته: يقرأ ويبين ويوضح ويُبَلِغ لهم آياته المُنزَلة عليه من ربه (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)؛ داعياً إلى الله ﷺ. 
  •  (وَيُزَكِّيهِمْ): يطهرهم من أدناس الكفر والشرك، ومِن أدناس المعاصي والذنوب، ومِن الظلم والغرور والكبر، ومن مختلف الأرجاس، يُزَكِّيهِمْ ﷺ: يطهرهم ﷺ.
  •  (يُزَكِّيهِمْ) يخرجهم من ظلمات وأقذار الكبر والرياء والعُجب والغرور والغفلة والكُفر والشرك والكذب والظلم، إلى العدل والتقوى والبِر والرحمة والإحسان والتواضع، مُزَكِّي ﷺ. 
  • (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ): يجعلهم أزكياء، أزكياء العقول، أزكياء النفوس، أزكياء الأعمال. 

(يُزَكِّيهِمْ)، يطهرهم، ينظفهم، ينقيهم من أدناسهم وأرجاسهم المختلفة، على قَدر ما يُسَلِّمون له زمامهم، يُصَفيهم ﷺ: "لا يُؤمنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تِبعًا لِمَا جئتُ به"؛ فكلما سَلَّمت زِمامك لِما جاء به، تصفيتَ تطهرتَ، تصفيتَ تطهرتَ، حتى تبقى إنساناً ربانياً صافياً نقياً، ترتقي في مراتب الكمال الإنساني، الكمال الإنساني؛ لأن الكمال المُطلق لله، لكن كل شيء له كمال بحسب حاله ووضعه. 

وخير الكمالات في المخلوقات الكمال الإنساني، من خير الكمالات؛ ولذا فيهم الأنبياء والرسل، وهم يَفوقون المَلائكة، وفيهم سيد الكُل -خاتم الرسل ﷺ- ما اختار الله أن يُبرِزه لا في قالب ملكي، ولا في قالب جني، ولا في قالب حيواني ولا نباتي، ولكن في القالب الإنساني برز ﷺ، وكفى الإنسانية فخراً وشرفاً أن الأكرم على الله برز فيهم ومنهم.

(الَّذِي بَعَثَ) أرسل ونَبَّأ (فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)

  • فتلاوته المباشرة تلقتها أسماع وقلوب الصحابة، فهم خير من تلقاها وأعظم من ترقى. 
  • ثم بقي على أيدي الصحابة ومن بعدهم تلاوته؛ متنقلاً نورها بحسب ما وعتْ قلوبهم.
  • وأدَّوا إلينا ما بَلَغ الرسول ﷺ فصارت تلاوته بالنيابة عنه واحداً بعد الثاني. 

حتى إذا سمعنا في زماننا تالياً يحسن التلاوة، أوعالمٌ يُبَيّن معاني القرآن، أو قارئٌ تخشع له القلوب لذِكْرِه، عَلِمنا اتصال هذه التلاوة بالأصل: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) [مريم:97] هناك نَزَل الأمر من الله على لسان هذا الحبيب، وتلا: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، فاسترسل وتفرع سرُّ هذه التلاوة في كل تالٍ صادق مخلص لوجه الله الكريم من قُرّاء الرحمن -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

يقول: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..(2))

  • (الْكِتَابَ): القرآن. 
  • (وَالْحِكْمَةَ): السنةُ المطّهرة ومعاني القرآن، والسنةُ المطّهرة التي: 
    •  فيها الفقه في الدين. 
    • وفيها الوعي عن رب العالمين. 
    • وفيها القدوة الحسنة. 

(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) إذًا فهذه المقاصد: 

  • الدعوة إلى الله.
  • والتزكية. 
  • والتعليم. 

فهو بتلاوته يدعو إلى الله، وهو يُزَكي، وهو يُعَلِّم، فنحتاج في استيعابنا لرسالة نبينا أن نتعلم، وأن نتزكّى، وأن ندعو إلى الله. 

فإذا تعلمت وتزكيت وعَمِلت ودعوت واهتممت أن يصل هذا الخير إلى مَن سواك، من الأقارب، ومن الأباعد، ممن تجالس -بحسب قدرتك- فقد استقبلت الرسالة ومقاصدها، وقمت بواجبها. 

فأنت قريبٌ من صاحب الرسالة؛ لأنه قال ﷺ: "أقرب الناس من الرسل يوم القيامة العلماء والشهداء"، لِمَ؟ قال: 

  • "أما العُلماء فَدَلوا الناس على ما بُعث به الرُّسل"؛ لهذا صاروا قريبين من الرسل يوم القيامة. 
    • وأي عالِم ما دّل الناس على ما بُعث به الرسول، فإما أهمل وتغافل وتكاسل، وإما دَخَل هواه ورأيه وعقله ولعبه؛ هذا لا يَقرُب من الرسول. 
    • إنما يقرب من الرسول من دّل الناس على ما بُعث به الرسول، بُعث بالخضوع، بالخشوع، بالأدب، بالتقوى، بالحلم، بالورع هذا الذي يدل الناس على ما بُعث به الرسل، هم العلماء القريبين من الرسل. 
  • قال: "وأما الشهداء فماتوا على ما بُعث به الرسل"؛ قد قدموا أرواحهم على ما بُعث به الرسل. 
    • فأي واحد قُتِل، لكن ما هو على ما بُعث به الرسل، لأي غرض ثانٍ، ما يقرب من الرسل. 
    • إنما الشهداء الذين من أجل ما بُعث به الرسل قَدَموا أرواحهم، من أجل ما بُعث به الرسل سَلَّموا أنفسهم واستَحلَوا القتل في سبيل الله -تبارك وتعالى-، هؤلاء أقرب الناس للرسل يوم القيامة، الله أكبر!

قال سيدنا عيسى بن مريم -عليه السلام- في ذِكر هذه المُهمات الثلاث: من عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ؛ فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات، هذا إنسان عظيم، عظيم أين؟ في ملكوت السماوات، لأنه مشكلة الأرض يُعَظِمون واحدًا اليوم وغدا يَشتمونه، هو هكذا واقع أمامهم، ويقولون: الرجل العظيم وصاحب الفخامة وصاحب وصاحب... وثم يقول: هذا الذي….، إرحل، أو غير ذلك من أخبارهم، لكن هذا قال سيدنا عيسى: يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات؛ في ملكوت السماوات عظيم، يموت عظيم، يُبعث عظيم، يدخل الجنة عظيم، عظمة مستمرة في ملكوت السماء، ليس في إذاعة الأرض هذه، اليوم كذا. 

وكانوا في أيام الحكم الشمولي، عندنا مثالٌ، أنه فُرض في بعض الجُمَع، فُرضت خُطبة يكتبونها لخطيب الجمعة يخطب بها بالقوة، ثم يذكرون واحدًا رئيسًا لهم فيها يمدحونه، يريدون أن يُدعى له، حصل بينهم البين انقلاب، طلع واحدٌ ثانٍ، الجمعة الثانية جاؤوا بخطبة يسبونه بها، انظروا! هم نفس السلطة، انحرف، انحرف، في الجمعة، كانت جمعة واحدة في تريم، ولكنه انحرف وسبوه، الجمعة تلك يمدحونه، والجمعة الثانية يسبونه!! هذه شؤون اللعب الذي بين الناس والخَلق، الدين غير هذا، صلة بالله وبرسله غير هذا. 

هذه مبادئ وأسس تقوم على حقٍّ وصدقٍ وهكذا، -فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات-، فاتطمئن إذا كنتَ هناك مدعوًا عظيمًا؟ يحصل ما يحصل في الوجود، عظيم أنت، مَحَلُّكَ، لأن دولة رب السماوات هي الدائمة وهي الباقية، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

 

تفسير قوله تعالى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4))

يقول: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ..(3))، (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2))، هذا وصفنا معاشر العرب قبل نبينا: في ضلال مبين؛ 

  • في الفكر، في الاعتقاد، في السلوك، يأكل القويُّ منا الضعيفَ. 
  • نعبد أصنامًا وأحجارًا، نصنعها ثم نقوم نعبدها. 
  • في أنواع من الفواحش والخمور والاستبدادات. 
  • ومُستَذَلِّين نحن لطوائف وأمم من فارس ومن الروم. 

كانوا في حال شديد، لكن جاء الحبيب الكريم بالنور العظيم، حوّل الأمر كله -سبحان الله- انظر هذا حالنا:   (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ)، فكيف صار حالنا بعد بعثته؟ 

  • (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [ال عمران:110]، قال: الناس، سواء روم أو فارس وبقية شعوب الأرض وملوكها، لن يجدوا بين الناس أحسن منكم لهم، ما يجدون أحسن منكم لهم. 
  • (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، خير أمة للناس أنتم، تحملون نور الله والرحمة والرأفة والإنقاذ من النار، وإبعاد الظُلم، وإنصاف لكل أحد. 

فما يجد الناس خيرًا منكم، بعدما عَلَّمهم محمد ﷺ، بعدما رباهمﷺ، وإلا أحدهم يجيء بالحلوى يصنع منها صنمًا، يقعد يسجد له ويعبده، وإذا جاع ولم يجد شيئًا يأكله، يَقْرِضُ منه، وبعد ما يكمله، يقول: معبوده في بطنه! قال: معبوده دخل بطنه! ضحك! 

وقالوا لسيدنا عمر: ما كان عندكم عقول؟ قال: كانت عقولٌ أمثال الجبال، لكن أضلها بارئها.

  • العقل ما ينفع إذا أضله الله، ما يفيد، مثل واحد عنده عين، بصر قويٌ حديدٌ، لكن نورٌ ما عنده، ماذا يُفيدُه فتح عينِه؟ يفتحها إلى آخر قدر، ما يفيد شيء، لا بد من نور، إذا جاء النور ترى الأشياء. 
  • وكذلك هذا العقل، إذا ما فيه نور من الله ما ينفع صاحبه: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]، اللهم اهدنا لنورك يا رب العالمين.

(وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2))، تحولوا من (ضَلَالٍ مُّبِينٍ)؛ صاروا هداة الناس، دعاة الخير، أنقذوا الأمم من الظلم والجهل والغفلة والاستبداد والغطرسة، وردوهم إلى نور الهدى وقسط وشريعة، الله أكبر! حَفَظَت الحقوق للحيوانات وللناس، وتم تطبيق المنهج:

  • ما كانت شعارات يحملونها الصحابة -عليهم رضوان الله- بألسنتهم، ولا يكتبونها في أوراق، ولا يتبجحون بها. 
  • كان سلوكًا يسلكونه، وكان تطبيق يطبقونه في حياتهم؛ هذه القيم، هذا العدل، هذا التواضع، هذا الخُلق، كان أمرًا محققًا في واقعهم -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

يقول: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) من غير هؤلاء الذين بُعث فيهم مباشرة، (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ)، أجيالُهم التي سَتَلحق، ومَن سيؤمن من بعد. 

(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ..(3)): 

  • لم يصلوا إلى الآن، غير موجودين الآن في الحياة، لكنهم يأتي فيهم نور النبوة ويستفيدون من بلاغ الرسالة. 
  • (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) أبناؤهم ومَن بعدهم، تابعين وتابعي التابعين. 
  • ويقال: آخرين منهم من غير العرب، من العجم، (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)
    • ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "رأيتُ فيما يرى النائمُ غنمًا سُودًا تَتْبَعُها غنمٌ عُفْرٌ، قال أبوبكر قالوا: يا رسول الله هؤلاء العرب يتبعهم العجمُ" -يعني يدخلون في الدين- " قال: كذلك أولها لي مَلَك".
    •  جاء في الحديث: أن في بعض الفترات كثير من العرب يغفلون وينحرفون ويكسلون، ويقوم بعض العجم بصدق وإيمان ويردونهم إلى الدين قال: "لتجالدنّ العجمُ العربَ على هذا الدين، كما جالدت العربُ العجمَ". 

كما لما جالدوا العرب العجم في البداية ووصل إليهم النور والهدى، قال: سيأتي في زمان العجم يرجعون يهدون كثيرًا من العرب، لا إله إلا الله، ولكن يبقى كذلك عند إرادة ظهور الدين، رجوع العرب عامة، وأرباب موطن البعثة والنبوة، واليمن والشام على الخصوص، ثم بقية العرب، إلى الدين وإلى الاستقامة، رجوعهم إليه وقيامهم به؛ فبذلك تظهر علامة إرادة الله إحياء الدين من جديد، وبعْثه من جديد ونشره في الوجود كما يريد -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

وهكذا يقول: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)؛ بل.. 

  • فَهِمَ بعضُ الصحابة، وبعض المفسرين، فهم منها: ما يلحق بدرجة الصحابة أحدٌ من التابعين مِن بعدُ. 
  • لكن بعض الصحابة فهم أن لفظة: (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ): أن يتصل بهم ويكون بجانبهم وقريب منهم؛ "قوم يأتون من بعدي". 

حتى قال بعضهم: ما كنت أظن أن يلحقنا في الفضل مَعْشَرَ الذين كنا مع رسول الله ﷺ أحدٌ من بعد، فقيل له: إن الله يقول: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)، والعرب ما يقولون: "لمَّا يكون كذا"؛ إلا لأمر متوقع حصوله، الأمر سيحصل: (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)

  • وتلا عليه الآية الأخرى في آخر سورة الأنفال، يقول سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ) [الأنفال:75]. 
  • وقال ﷺ: "في كُلِّ قَرْنٍ مِنْ أمتي سابقونَ"، في كُلِ قَرن مَن يَدخُل مرتبة السابقين، الرتبة الكبرى التي تكون في القيامة وفي الجنة، في كُلِ قَرن مَن يَلحَق بِها، الله أكبر، يارب ألحقنا بهم يا ربنا. 

وهكذا، (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ): 

  • لا يحتاج إلى أحد، وكل شيء يحتاج إليه. 
  • لا يفتقر لشيء، وكل شيء مُفتقر إليه. 
  • الغني عن كل شيء -سبحانه وتعالى-. 

(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3))، يهدي من يشاء ويضل من يشاء: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)

  • (فَضْلُ اللَّهِ): بعثة هذا النبي واختصاصه بالفضائل. 
  • (فَضْلُ اللَّهِ): إيمان المؤمنين من الصحابة في عهده. 
  • (فَضْلُ اللَّهِ) كذلك لحوق مَن يلحق بأولئك على مدى القرون. 

(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن) الذي يريده معهم في الجنان يلحق بهم، والذي ما يريد يلحق بهم يذهب لمكان ثانٍ ويتْبِع قوم آخرين ولا يُحب هؤلاء. 

وقال: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(4))، اللهم يا ذا الفضل العظيم، هب لنا الفضل العظيم، واجعلنا من أهل الفضل العظيم، وثبتنا على الصراط المستقيم، واجعل لنا الحظ العظيم؛ من الرحمة، ومن القرب، ومن المعرفة، ومن الإيمان، ومن التقوى، ومن سعادة الدارين، ومن مرافقة سيد الكونين، هب لنا الحظ العظيم يا عظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.

 بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه 

الفاتحة

بيننا وبينه أكثر من ألف وأربعمائة من السنين، ولكنه يَتْلُو علينا الآيات ويزكينا، اللهم صلِّ عليه. فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته. الله يلحقنا به ويثبتنا على دربه، ويرينا وجوه أصحابه في البرزخ ويوم القيامة وفي دار الكرامة.

 اللهم آمين.

تاريخ النشر الهجري

20 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

12 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام