تفسير سورة التغابن -3- من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)، الآية: 14

تفسير سورة التغابن، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ..} الآية: 14
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التغابن، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ..} الآية: 14، إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }، الآية: 15

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • النداء الإلهي والمقاصد الأسرية: 
    • نعم الله في النداء القرآني للمؤمنين. 
    • المقصد الشرعي من الزواج وتكوين الأسرة. 
    • و حقيقة العداوة من بعض الأزواج والأولاد.
  • التربية والرعاية الإيمانية: 
    • المرجعية في التربية والتوجيه، القدوة النبوية في التعامل مع الأهل والأطفال. 
    • تصحيح مسار التربية والتعامل مع الأبناء. 
    • والتوازن في التربية مع حسن اختيار الأسماء والأداء للأمانة.
  • العلاقات والابتلاءات الأسرية: 
    • أهمية العفو والصفح في الأسرة. 
    • واعتبار المال والولد ابتلاءً واختباراً. 
    • وكيفية النجاح في هذا الاختبار.
  • الثمرة والعاقبة: 
    • تحقق الأسرة الصالحة في الدنيا والآخرة. 
    • والفوز بعطاء الله ونعيمه الدائم.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بالقرآن وآياته، والوحي الحكيم وَبَيِّنَاتِهِ، وتوضيحه على لسان خير بَرِيَّاتِهِ، سيدنا محمد خاتم رسالاته، أدام الله عليه منه عنَّا في كل لمحة ونفس أعلى وأزكى صلواته وتسليماته، وعلى آله وأصحابه وأهل مودته وَمَحَبَّاتِهِ، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين سادات أصفياء الله -تبارك وتعالى- وأهل مرضاته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباده الصالحين أهل خشيته وتقاته، وعلينا معهم في كل نفس وحين، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،،،

فإننا في نعمة تأملنا لخطاب الإله، ولن تسمع آذانُنا، ولا قلوبنا، ولا عقولنا أجمل، ولا أكمل مِن كلام ربها، ولا أفضل لها، ولا أنور، ولا خير لها، ولا أزهى، ولا أبرك، ولا أطيب. اللهم لك الحمد شكرا، فنوُّرنا بنور القرآن، واجعلنا مِن عبادك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأيقظ قلوبنا مِن كل غفلة وسِنَة.

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14))

انتهينا إلى أواخر سورة التغابن فيما ينادينا الله فيه في إصلاح الأُسر، وحُسن النظر فيما يتعلق بالمال والأهل والولد؛ ليستقيم منا المسار أمام هذه الشؤون، فنسلم مِن أنواع البلايا والفتون، ونحيا حياة مَن أراد الله لهم السعادة وَهَيَّأَهُمْ لِلْحُسْنَى وزيادة، باستمساكهم بحبل الله المتين في متابعة شرعه، ومنهج رسوله الأمين فيما يتعلَّق بالأهل والمال والولد.

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ 

لبيك ربنا وسعديك؛

  1. والإيمان بك مِنَّةٌ منك علينا. 
  2. ونداؤك لنا مِنَّةٌ أخرى.
  3. ووصفك لنا بالمؤمنين مِنَّةٌ ثالثة.
  4. وبيانك لنا ما نحتاج إليه مِنَّةٌ رابعة.
  5. وأن جعلت ذلك على لسان خاتم النبيين مِنَّةٌ خامسة.
  6. وأن أسمعتنا ذلك مِنَّةٌ سادسة.
  7. وأن قذفت في قلوبنا أن نعمل وننصِت إلى ما قلت مِنَّةٌ سابعة.

وكم لك علينا مِن مِنن لا تُعد ولا تحصى، فلك الحمد يا منان وأنت أصدق القائلين، وقد قلت: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)..

(إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ).. (مِنْ): 

  • الذي يسمونها التبعيضية.
  • أي بعض أزواج وأولاد يكون حالهم معكم حال الأعداء: 
    • يوصلون السوء إليكم، ويمنُعونكم عن خيور، يُوقِعُونَكُمْ في شرور. 
    • يَقْطَعُونَكُمْ عن الرَّب الأعلى. 
    • يَقْطَعُونَكُمْ عن عبده المصطفى ومرافقته. 
    • يُوقِعُونَكُمْ في مهاوي المعصية.
    • يَحْرِفون قلوبكم عن أن تستقيم على ما يحب الله منكم. 

فيدخلُ في ضمن أعدائكم، وإن كان رأسهم إبليس، ورأس نُوَّابه النفوس الأمارة بالسوء- فيدخل في ضمن هذا النطاق مِن الأعداء:

  • كُل قاطع يقطعُك عن صِدق وجهتك إلى الإله.
  • كل مَن يسبب لك خسارة الدرجات العلى.
  • أو يُوصلك إلى العذاب،
  • أو يُؤخِر عنك كنز معرفة بالرحمن؛ داخلٌ في أعدائك.

هؤلاء أعداؤك و رأسهم إبليس، قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) [غافر:6].

(إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ) أي: قوِّموا نظرتكم نحو الأزواج والأولاد، وأحسنوا التعامل معهم بما شرعنا لكم على طريق الهدى والرشاد، بلا إفراط، ولا تفريط، ولا عصبية ولا تخبيط، ولا غلبةِ عاطفةٍ، ولا شدة وتقنيط؛ ولكن على ميزان رجيحٍ وسيط.

إذا نظرتم إليهم النظرة الصحيحة، وتعاملتم معهم المعاملات المليحة، خرجوا عن دائرة الأعداء وكانوا مِن خير الزاد لكم، ومِن خير المعروف، وكنتم بهم متقربين إلينا: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) [سبأ:3]، فتتحول أمواله وأولاده إلى مُقربات وإلى خيرات؛ بالإيمان والعمل الصالح.

(إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ): 

  • احذروا أن تدخل عليكم حقائق المعاداة مِن قريب منكم، ومِن أمرٍ تهفو نحوه عواطفكم؛ فتَخسرون مِن حيث تَشعرون، ومن حيث لا تَشعرون. 
  • فكونوا مع الأزواج والأولاد.. 
    • أهل حُسن نظر، وأهل إدراكٍ وبصر، وأهل ادِّكارٍ وعِبر. 
    • وأهل أداء للأمانة فيما بطن وما ظهر. 
    • أهل تربية، وأهل تزكية، وأهل حُسن أمر ونهي. 
    • وأهل مراعاة، وكريم خُلق وشريف معاملة..كونوا مع الأزواج والأهل كذلك.
  • واعلموا أن المقصود مِن الأزواج: 
    • عفافٌ، وسَتر، وتذكُّر للمصير. 
    • وتعاونٌ على تكوين الأسرة الصالحة الطيبة. 
    • وتعرض لتكثير المسلمين والمؤمنين. 
    • ولتكثيرِ مَن يُباهَى بهم على الحوض في يوم الدين. 

هذا مقصود الأزواج، إن كان كذلك؛ استقامة النظرة، فأبنوا عليها كيف تتعاملون مع الأزواج: 

  • لا تحصروا همَّكم ومقصُودكم في مجرد شكل، ولا صورة. 
  • ولا تقدموا ما ليس بمُهم على المُهم، و ما ليس بأهم على الأهم. 
  • وعاشِرُوهم بِالْمعروف. 
  • وأقيموا الميزان في التحابُب بينكم؛ لتُحبونهم لله، ويُحبونكم في الله. 
  • وكونوا سترًا لهم ويكونون سترًا لكم.
  • وَاسْتَكْمِلُوا سِر الاتصال بمشابهة إقامة أول لبِنات الخلافة في الأرض التي خُصصتم بها بخروج آدم وحواء زوجين إلى عالم الأرض؛ 
    • لتقوم الخلافة المُشادُ بها في: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:30].

إذا كان الأمر كذلك: 

  • فعيشوا مع الأزواج متحررين مِن تسليم الزمام لشرار الأنام، في كل فعل وكلام، وفي كل لباس، ومعاملة، وإقدام وإحجام. 
  • تحرروا مع أزواجكم مِن أن تسترِقَّكم ذوات أهل الفساد، وأفكار أهل العناد، وتزويرُ أهل الزيغ. 

أنتم إذا علمتم المقصود مِن الزوجية: 

  • إذا علم الرجل، وإذا علمت المرأة، أقام كل منهما علاقته مع الآخر على هذا المقصد.. إذا سما، وصحَّ، وصفا، وطاب.
  • وإن نظرتم إلى أنها متعة حيوانية، وأنها مقاصد دنيوية، وأنها شهوات فانية دنية؛ فهذه النظرة في الزواج تليق.. بمن كفر، وبمن نافق، وبمن فسق؛ لا بمن آمن، ولا بمن اتقى.

ولذا جاءنا الخطاب بمثل هذا مِن الرَّب: 

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، إذا اختلَّت نظرتكم لمعنى الأزواج والأولاد، خرجتم عن مسلك الرشاد في التعامل إلى الفساد.
  • (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)، فاحذروا عدوكم، والعدو يُطلق على الواحد والجماعة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).. 

  • ثم إن خير متاع الدنيا المرأة الصالحة. 
  • ثم إن مما يبقى للإنسان بعد عمره مِن عمله الطيب ولد صالح يدعو له. 

فهنا فوائد للأزواج، ولِلأولاد، نعم.. إن قوَّمتُم النظرة، واحسنتم التعامل صاروا نِعمًا وفوائد لكم وخيرات: 

  • (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) [يس:56].
  • (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [غافر:8].

الأسر المتماسكة بحبل الإيمان بالحق وتقواه: 

  • (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [غافر:8]. 
  • (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) [يس:55-56].
  • ولذا يقول للذي يُدعى لدخول الجنة ممن أُوتي كتابه بيمينه: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا) [الانشقاق:8-9]، أهله: أهله مِن أزواج، وأهله مِن أولاد، وأهله وصف الجنة. 
  • (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ..(14))، يحْملك على أن تبغض أحد من المسلمين! قال لي كذا! قال لي كلمة! وتأتي العاطفة -بدون تحكيم العقل- فِعْلك هذا، قال لي عمِل فيك كذا! وفتح باب عناد ومعاداة؛ ساعة مع الأرحام والأقارب، ساعة مع الجيران، ساعة مع ذا من شأن الولد! 

يا هذا! 

  • اجعل الولد عونًا لك على الرَّشَد، اجعل الولد جُند مِن جنود الله يكون معك لِخُطْبِ ودِّ الواحد الأحد. 
  • اجعل الولد مهيأً لأن تأخذ بيده ويأخذ بيدك للورود على حوض محمد، لا تتصرف هذا التصرف الأعوج، وهذا الانطلاق الأهوج. 

ما مقصود الولد؟! أن يَحمِلك على بُغض هذا، ومعاداة هذا وإيذاء هذا. 

حتى أن ممن تقصُر إنتباهاتَهم وتعقُلاتهم؛ يتنازع بعض الأطفال بحُكم صِغَرِهم ببراءتهم وقِصَرِ مداركهم في ضعفهم، فيأتي أبُ هذا، أو أبُ هذا، أو أم هذا، أو أم هذا، أو أخ هذا أو أخ هذا؛ ويتعادُون ويتقاطعُون ويتسابُون، وبعد دقائق الأولاد يرجعون يلعبون مع بعضهم البعض، وهؤلاء متخاصمين شهر وشهرين، سنة وسنتين! يا مجانين! ما مقاصد الأولاد؟ ما نظرتكم إلى الأولاد؟ ما مهمة الأولاد في الحياة؟ 

وهذا يحمله ولده على أن يتنكر للدين، وهذا يحمله ولده على أن يبغض الصالحين، (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)..

  • حوِّل المسار إلى أن يتحول الأهل والأولاد..
  • سبب الإسعاد.
  • سبب التزود بأشرف زاد.
  • سبب المرافقة لخير العباد. 
  • قَوُّمهم على ما ينفعهم، أنقذهم مِن...
  • تبِعيات الأهواء
  • وتبعيات أشرار الأرض.
  • وقل لهم: الذي خلقكم..
  • لا مَن أعجبتكم أفكارهم.
  • ولا مَن غرتكم زخارف أقوالهم. 

الذي خلقكم الله، ومرْجعكم إليه.. 

  • والله لم يأتمِن على نُصْحِكم وتوجيهكم إلَّا محمدًا، فهو مرجعُنا وإليه أمرنا، وإنما نأتمر بأمر مَن اتبعه، وهدانا بهديه؛ مِن آله وصحابته وورثته مِن العلماء العاملين الخلفاء الذين قال: 
    • "عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". 
    • وقال: "اللهم ارحم خلفائي" مَن خُلفاؤك؟ "قوم يأتون مِن بعدي يروون أحاديثي ويعلِّمونها عباد الله". 
    • و(اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119].
    • (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) [لقمان:15].

يتقرر هذا في الأذهان: 

  • فلا نُباع لأحد مِن أهل الشرق، والغرب قاصٍ ولا دان، مهما طرحوا ومهما جاءوا. 
  • عندنا ثوابت وأُسس أعلى، وأغلى، وأعظم منهم، ومِن جميع ما في الأرض والسماء: 
    • وحي ربِّ الأرض والسماء. 
    • وإرشادات سيد أهل الأرض، وسيد أهل السماء محمد الأسْمَى صلى الله عليه وصحبه وسلم. 

فما نحن بضاعة للبيع، ولكن نحن متصلين ببضاعة الله الغالية التي فيها إرشاد الكل، وفيها إصلاح الكل، فلا نخرج مِن هذا الشرف والعظمة: 

  • فنُباع لِفكر مفكِّر، ولا لثقافة مثقف، مِن مقطوعين عن الله، لم يعرفوا إلههم الذي خلقهم ولا يؤمنون بلقائه، ولم يأتمنهم ربُنا على إرشادنا، ولا على نصحنا. 
  • بل حذرنا منهم وقال: 
    • (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف:142].  
    • (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28].  
    • (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:68].  
    • (فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:96].

إذًا فيجب أن نحذر، ونبني البناء الصحيح مِن الداخل، أزواج وأولاد.. قال في الأزواج: 

  • "فاظفر بذات الدِّين ترِبت يداك". 
  • قال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان:74]، ..الله أكبر..
  •  وقال: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف:15]. 
    • (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) يهتمون بصلاحهم، بِاستقامتهم؛ لتقِرَّ بهم عَيْن النبي وليَرِدُوا على الحوض ويفرح بورُودهم على حوضه في القيامة. 
    • "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".

يقول: أكثر الأسباب التي تُؤَدي إلى الفساد والعناد، وأن يتحولوا إلى أعداء:

  • قلة العفو، والصفح، والمغفرة. 

ولهذا قال: (وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)):

  • الله أرشد إلى حُسن الخُلق: 
    • بالعفو عن الهفوات والزلات. 
    • والصفح عن المخالفات. 
    • والمغفرة للسيئات. 

(وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا)، تَخَلَّقْتُمْ بخُلق كريم مَن أخلاق ربكم وأخلاق نبيكم؛ فحينئذٍ؛ الغفور الرحيم يتولاكم وأهلكم وأولادكم. 

  • "فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خيرًا أدخلَ عليهِمُ الرِّفقُ"، يُنشئ بينهم عفو، وصفح ومغفرة؛ بميزان. 
  • هذا الميزان مِن دون إقرار على معصية، ولا ترك فريضة؛ ولكن تسامح: 
    • فيما يتعلق بالحقوق الشخصية. 
    • وما يتعلق بالأمور الدنيوية. 
    • وما يتعلق بالأمور التي ما يترتب عليها شَأن. 

صفح، عفو، مغفرة؛ بهذا تستقر وتستقيم.

وأما اتخاذ العفو، والصفح، والمغفرة مهزلة وهُزو، وتذهب الأبوة، وتذهب الأمومة، وتذهب بالكِبَر في الأسرة، والبيت؛ هذه كلها مضحكة، ولعبة ولا أحد له هيبة في البيت!؛ لا لا لا.. 

  • وإلاَّ يتحول كلها إلى شدة، ومضاربة، وبعدين؟ 
    • حتى في كل وقت عتاب، وكل وقت مؤاخذة. 
    • وكل وقت احمرار وجه. 
  • بطلت التربية مِن أصلها، نفرت النفوس. 
    • وهذا يفكر متى يُخرَج من البيت.
    • وهذا يفكر ينتقم فيما بعد.
    • وذا يفكر لكي يُريه موقف، -لا حول ولا قوة إلَّا بالله-.

وحتى تسقط هيبة العتاب، 

  • ولابد.. لابد مِن العتاب في وقته عند الحاجة إليه. 
  • ولكن لما يأتي في وقته -ونادرا- فسيكون مفعوله قوي ويؤَثر ويتحول به الأحوال. 

وإذا صار كل يوم وكل ليلة عتاب:

  •  سقط، حتى صار يقول بعض السفهاء للأولاد فيما بينهم البين: 
    • "إن العتاب كلام، وإن الضرب يُبرد"، كل يوم يضرب، لذا: ألِفَ الضرب. 
    • قال: "الضرب يبرد، والعتاب كلام"، وبعد ذلك سقطت هيبة العتاب، سقطت هيبة التأديب.

نقول: لا، ليس الأمر كذلك، وهكذا كان: 

  • القدوة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في تسامُحه وصفحهِ في كل ما يتعلق بحقوقه الكريمة: 
    • ويقوم بمساعدة أهل البيت، يضع هذا ويحمل هذا. 
    • ويقُمّ البيت -يكنس-، ويقطع اللحم. 
    • ويرقع الثوب، ويخصف النعل 

وهكذا،، 

  • في أوقات للتنبيه يُنبه، "لقد قلتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته" هذه عائشة وهي ذات مكانة ومحبة عنده، وقال لها: لا تتكلمين على أحد، "لماذا تقولين حسبك من فلانة" -أشارت أنها قصيرة- قال: "لقد قلتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته". 
  • وهكذا تكلم بعض زوجاته -سيدتنا صفية وغيرها- جعلت تبكي فقيل:  فأخذ يمسح الدمعة عن عينيها بيده الشريفة. "وزِدتُ"، قالت: "فزبرني". تلطف معها، ومسح كل ما يعلق بها مِن كلمة نابية تسمعها مِن هذا تؤذيها، ومسح بيده دمعها، قامت زادت، فزادت في البكاء، قالت: "فزبرني"، زبرني قال لي: "ها!"  لكي تعتدل.
  • وهكذا في الحسن والحسين، كم كان يأخذ بِخواطرهم ويربيهم في إحسان لأداء الأمانة -عليه الصلاة والسلام-. ومع ذلك رأى الحسن هوى بيده وهو طفل صغير إلى تمرة صدقة، ورفعها إلى فمه، فقام بسرعة وأخرج التمرة مِن فمه، وقال: "كخ كخ كخ"، وردَّها، قال: "أما تدري أننا لا نأكل الصدقة، إنما هي أوساخ الناس"، كخ كخ، يقول لسيدنا الحسن وأخرجها من وسط فمه صلى الله عليه وصحبه وسلم. 

هذا الاعتدال العجيب، هذا الذي يحتاج إليه الناس في إقامة الأسر وإقامة الأهل، لا إطلاق زمام، ولعبة وكل مافيه يعمل ما يريد، ولا شدة وكُله عتاب وضرب وتعب وضاعت الحسبة. 

 

 تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15))

يقول: (وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)،

  • إنما اختبار، اختبركم به، كُل مال أعطيتك؛ قليل، أو كثير، أختبِرك كيف تعمل فيه، مِن أين تأخذه، أين تنفقه، قليل، أو كثير اختبار، تنجح وإلاَّ ترسب. 
  • كل ولد مِن أولادك اختبار، كيف تتعامل معه، ماذا تنوي فيه، كيف تربيه، كيف تنتبه منه، كيف؟ اختبار تنجح وإلاَّ ترسب. 

(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ): 

  • ولهذا جاءنا في مُسند الإمام أحمد وابن ماجه وغيره، إنه كان ﷺ يخطُب، وأقبل سيدنا الحسن والحسين يتعثَّران في قمصان لابِسَينهم، فخرج مِن المنبر وحملهما، هذا بيد وهذا بيد، وصعد بهم عنده في المنبر، وقال: "صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)، يعني: لما رأيت هذين الصبيين يتعثران بأرْجلهما قطعتُ خُطْبتي حتى ذهبت وجئت". 
    • وهذا مِن أدائه للأمانة ﷺ، أعطى الولدين حقهم، وعاد إلى خطبته يُؤدي مهمته في بلاغ أمته على الكمال. 
    • مَن أنجح منه في أي اختبار؟ ما أحد أنجح منه صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
  • وهكذا أطال السجود في يوم مِن الأيام حتى خاف بعض الصحابة أن روحه ﷺ قُبضت، -أنه توفي-، ثم رفع رأسه؛ الله أكبر، ثم بعد الصلاة قال: "لعلكم ظننتم أن حدث شيء أطلت سجودي؟" قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "إنه لم يحدث شيء؛ ولكن إن ابني هذا ارتحلني" -على الحسن- قال: طلع فوق كتفه الشريف، قال: "فما أحببت أن أقوم حتى يخرُج"، فبقي في سجوده لما خرج الطفل، وقام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
  • وهكذا قال سيدنا أنس: كان ﷺ مضطجعًا يومًا فاستلقى، فجاء الحسن فقعد على صدره الشريف، قال: ثم بال الحسن، فجئتُ أريد أن أحمله قال: ففتح عينيه قال: "مالَك؟" قال: الصبي يبول يا رسول الله. قال: "دعه، أما تدري أن مَن آذى إبني هذا فقد آذاني".

كمال في أخلاقه الكريمة، والتمرة ما رضي أن يأكلها، انظر أي ميزان هذا! ما تحِل له صدقة، ما تحِل لمحمد ولا لآل محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، وهكذا ربَّاهم -عليه الصلاة والسلام-. 

  • وكان وجه سيدنا الحسن وصدره أشبه برسول الله ﷺ. 
  • وكان قدما سيدنا الحسين ومشيته أشبه برسول الله 

حتى لما خرج يوم سيدنا أبو بكر الصديق مِن المسجد ووجد الحسن في الشارع يلعب، التفت -بعد وفاة النبي - أقبل عليه بكليته ويتذكر، يحمله ويضعه على الأرض، يرفعه يُرقِّصُه بِيديه ويقول: "بأبي، بأبي، شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي"، هذا يشبه رسول الله في تقاطيع وجهه، "بأبي، بأبي، شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي"، وسيدنا علي كان جنب سيدنا أبوبكر ينظر ويتبسم، وسيدنا أبوبكر يرفع الحسن ويضعه: "بأبي، بأبي، شبيهٌ بالنبي، لا شبيه بعلي"، وأخذ يترَّقص معه مُدة خليفة رسول الله .

(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)، اختبِركم بهم فأحسنوا الاختبار.. 

  • أقِيموهم على ما يُحب، وأطِيعوهم فيما أُحب. 
  • ولا تنخدعوا بعاطفتِكم نحوهم، ولا تُغلِظوا عليهم وتنفِّروهم. 
  • ولا تقصِّروا في نفقتهم التي شرعتُ لكم. 
  • وحَسِّنوا أسماءهم: 
    • لا تسمِّيه باسم فاجر، باسم منافق، باسم ساقط هابط. 
    • اِخْتَرْ لَهُ اسْمَ نَبِيٍّ، اِخْتَرْ له اسم ولي، اِخْتَرْ له اسم صالح. 

أردت واحد؛ إما ملحد إما فاجر تسمي ولدك باسمه؟! يامجنون أعجبك؟! يمثل، أو يلعب، أو يصارع، تسمي ولدك باسمه وأردته يحشر معه؟! حَسِّن اسم ولدك، وهذا اختبار لك، فأدِّ حق الله تعالى فيما اختبرك، تنجح وتربح، وتجتمع مع ولدك في الجنة، تجتمع مع ولدك على الحوض، تجتمع مع ولدك في ظل العرش، ..الله أكبر..

يقول: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15))، لمن أدَّى حق هذا الاختبار ونجح فيه، يعني بعطيه أجر عظيم: 

  • أجمعه وأولاده وأهله. 
  • سأعطيه "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". 
  • (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72].
  • ونعيم وخلد دائم في عطاء متواتر. 
  • حياة بلا موت ..الله أكبر..، وعطايا كبيرة عظيمة. 

فاتقوا الله صاحب الأجر العظيم، وتعرضوا لأجره العظيم.

وهكذا يأتي عندنا ختام السورة الكريمة إن شاء الله -تبارك وتعالى- نفعنا الله بالقرآن وما فيه، ونظر إلى أزواجنا وأولادنا وجعلهم في الصالحين المصلحين، وأسبابًا لرفعة درجاتنا، والنظر إلى أموالنا وجعلها عونًا لنا على طاعته، ونقَّانا عن جميع الشوائب والبلايا والآفات والمصائب والمصاعب في الدنيا وفي العواقب، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

15 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

07 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام