تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التغابن، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا..} الآية: 8، إلى قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }، الآية: 13
﷽
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13))
من أبرز ما جاء في الدرس:
- الإيمان والتوحيد:
- الإيمان بالله ورسوله ونور القرآن.
- وطاعة الله ورسوله وصدق التوكل عليه.
- اليوم الآخر والجزاء:
- يوم الجمع والقصاص العادل.
- تكفير السيئات والخلود في الجنات.
- وبيان الحكمة من ذكر الأبدية في الجنة.
- مصير الكافرين والابتلاء:
- مصير المكذبين بآيات الله.
- وبيان أن المصائب بقضاء الله وقدره وأنها سببٌ لهداية قلب المؤمن.
نص الدرس:
الحمد لله مُكرمنا بنور البيان، وأحسن التبيان، على أصدق لسان في الأكوان، لسان عبده المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم واقتدى بهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8))
فإننا في نعمة تأمل خطاب ربنا وبيانه لنا في قرآنه المنزل على رسوله المصطفى محمد ﷺ، مررنا في سورة التغابن على قوله جل جلاله منادياً ومخاطباً لنا إلى الحق وموجب الفلاح والفوز: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا)..
- (فَآمِنُوا بِاللَّهِ):
- إيمان أهل الإجلال والتعظيم والصدق.
- إيمان أهل اليقين المترقين في مراتب الإيمان وقوته في كل حين.
- (فَآمِنُوا بِاللَّهِ) حتى لا يكون شيء أخوف عليكم من الله، ولا يكون شيء أرجى عندكم من الله.
- (فَآمِنُوا بِاللَّهِ): قدسوه ونزهوه عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته.
- (فَآمِنُوا بِاللَّهِ)، أنه الفعال لما يريد، و المبدئ المعيد، وذو العرش المجيد، جل جلاله وتعالى في علاه.
- (فَآمِنُوا بِاللَّهِ)؛ خروجاً من الوهم والظلام والخيال إلى الحقيقة والعلم وشرف الاتصال.
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)؛ أي لا تحسبوا أن يتم لكم الإيمان بدون أن تؤمنوا برسوله.
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ):
- الذي استخلفه عليكم هادياً لكم وداعياً إليه بإذنه:
- (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [الصافات:4].
- (وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب:46].
- ختم به النبيين، وجعله سيد المرسلين، و ائتمنه على الوحي للعالمين.
- (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1].
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ):
- إيمان من يعلم عظمة اختيار الله تعالى للرسل، وهذا خاتمهم وسيدهم.
- فلا يبقى في قلبه تعظيم لمخلوق قبل محمد كائناً من كان؛
- لا من يوصف بفكر، ولا من يوصف باختراع، ولا من يوصف بعبقرية.
- ولا من يوصف بتقدم.. ولا.. ولا.. من هم؟ وما يسألون؟
هذا رسول من؟ هذا مختار من؟ هذا اجتباه من؟ هذا ائتمنه من؟ فمن مثله في البرية ﷺ؟
- (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وعند الإيمان تلتهب عندكم العواطف بالمحبة.
- فلا تقدمون أحداً على الله ورسوله، ولا أمراً على أمر الله وأمر رسوله.
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا)، مع هذا الرسول معجزةً له وشاهداً له وحجةً له ﷺ: القرآن الكريم.
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا):
- سمى الله تعالى القرآن نوراً، وهو من أعلى النور.
- كما سمى رسوله نوراً وسراجاً منيراً، وقال:
- (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) [المائدة:15].
- و (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) [النساء:174].
(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8))، خبرة إحاطة بأعمالكم وصدورها منكم ظاهرها وباطنها:
- قال تبارك وتعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:6-7].
- وقال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80].
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ)؛ فانتصب هذا اللفظ: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ) على أنه منسوب:
- بـ"لتبعثن" (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ).
- أو "لتنبؤن" (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ).
- أو بقوله: (خَبِيرٌ)؛ خبير.
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ)، خبير بكم في ذاك اليوم:
- (إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) [العاديات:11].
- كما يقول: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18].
لأن في معنى قوله: (خَبِيرٌ) تنبيه وتذكير بأنه سيحاسب أولى الأعمال، فقال: متى هذا؟ (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ).
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ):
- والذي يجتمع فيه الأولون والآخرون، والإنس والجن والحيوانات والملائكة، وأهل السماوات والأرض.
- ويجتمع كل مكلف منهم بعمله، قال تبارك وتعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران:30]:
- وحاضر كله، مجموع معك عملك كله، من حين ما بلغت إلى حين أن تموت؛ نظراتك، نياتك، حركاتك، في خلواتك، في جلواتك، معاملاتك، أخذك وعطاءك، قولك وفعلك، خذ هذا العمل.
(يَوْمِ الْجَمْعِ):
- جمع الناس بأعمالهم، قال سبحانه وتعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة:6].
- يوم الجمع بين الظالم والمظلوم ليقتص الحي القيوم الذي ينادي منادٍ في الجمع، يقول: "إني أنا الله الملك العدل، الذي لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة و عنده مظلمة لأحد من أهل النار حتى اللطمة فما فوقها حتى آخذها منه، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة لأحد من أهل الجنة حتى اللطمة فما فوقها حتى آخذها منه". لا إله إلا الله؛ نعم الحكم العدل.
(لِيَوْمِ الْجَمْعِ)، ويجمع بين الظالم والمظلوم ويقتص، حتى لغير المكلفين من الحيوانات، و يقتص للشاة الجماء -الْجَلْحَاءِ- من الشاة القرناء؛ القرن التي كانت فيها قرون في الدنيا تنطح صاحبتها، استغلت أن الثانية ماشية فيها قرون فتأتي عند الأكل وتنطحها لكي تأكل أكثر، وتعمل. وقال لها: الآن تعالي، كم نطحت هذه؟ ولماذا؟ وبأي حق؟ تتحول قرون هذه إلى رأس هذه، وهذه ترجع جماء، وقال: انطحيها بقدر ما نطحتك أيام كنتم في الدنيا. قال: "يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء".
ما هذا العدل العظيم؟! فكيف بالمكلفين وأهل العقول، الذين أعطاهم الله العقول؟
يظن أنه يتصرف ولا شئ وراء. وقال سبحانه: (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. فاللهم اعفُ عنا وسامحنا في ذلك اليوم و عاملنا بالفضل واغفر لنا يا أرحم الراحمين..
- يتمنى كل مظلوم أنه ازداد الظلم عليه؛ لأنه:
- يجد فوائد كبيرة وأرباح وحسنات الظالمين ترجع إليهم، إن كان لهم حسنات.
- وسيئات تنقل منهم إلى عنده، فيه فائدة كبيرة.
- ويتمنى كل ظالم أنه كان مظلوماً ولم يظلم. الله الله، "فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ".
وهكذا في تذكر عظمة اليوم، وكان سائراً على دابته، جعفر الصادق ومحمد الباقر، يقول له: حاجتك مقضية، فالذي معه قالوا: تنظر ماذا معه وما هي حاجته؟ ثم ترد عليه! قال: لا، خفت أن أسأل عن ذلة وقوفي يوم القيامة، يبقى متذلل سائل، باشرت -قصرت- معه في الكلام حتى لا أسأل عن ذل مقامه أمامي في القيامة. لا إله إلا الله.
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)؛ يعرف فيه حقيقة الغبن، من المغبون ومن الرابح؟ من جميع أهل الأفكار والاتجاهات والأعمال والمراتب، من أولهم لآخرهم، من الرابح؟ ومن المغبون؟ لأن الكل قد باع..
- فأهل الكفر وأهل الشر:
- اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.
- واشتروا الضلالة بالهدى.
- واشتروا العذاب بالمغفرة.
- والمؤمنون باعوا أنفسهم لله، واشتروا الآخرة بالدنيا:
- (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة:111].
- ويقول سبحانه وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) [البقرة:207].
- والثانيين -أهل الكفر- يقول فيهم أيضاً: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) [التوبة:9].
والآن شوفوا من الرابح من نتيجة البيع والشراء هذا الذي تم في الدنيا؟ شوفوا الآن من الرابح ومن الخاسر؟ من المغبون؟
وما أكبر من غبن أن يُرى منازل في الجنة يقول:
- لو كنت آمنت كان لك هذا، لكن الآن هذه لفلان المؤمن.
- ولو كان ذلك المؤمن كفر مثل كفر لكانت هذه المنازل في النار، انظرها بحياتها وعقاربها وأهوالها، لكن الآن هي لك أنت، وهو قد أخذ حقه.
أين يكون الرابح وأين يكون الخاسر؟ من المغبون؟ وبعده، روح لك دخول النار وأنت روح دخول الجنة، ما الغبن الكبير هذا؟
- يقول: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].
- الذي يقع فيه كل من وصلته دعوة الله ورسوله فلم يؤمن ولم يصدق ولم يخضع؛ فهو المغبون، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
يقول: (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..(9))؛ الله، وينظر أهل الإيمان أيضاً إلى ما فاتهم من مجالس الخير، من زيادة البر والتقوى، ومن ما كانوا يستطيعون به، فيودون أنهم كسبوها أيام كانوا في الدنيا. يقول:
لا يسلم من أثر هذه الندامة في القيامة أحد، لأنه:
- إما محسناً فيندم، يتمنى أنه لو ازداد.
- وإما مسيئاً يتمنى أنه لو استعتب وأحسن في الدنيا.
- إلا من استغرق قلبه شهود ربه في عالم الدنيا ولم يبقَ مع شيء من الكائنات، فمات على ذلك، فهذا مشغول بالله.
- ومن كان مشغولاً بالله ما حوله من الندامات ولا من هذه المقارنات ولا من هذه الخسارات.
وهكذا، ولكن..
- إنما يكون مشغولاً بالله في القيامة من كان مشغولاً بالله في الدنيا.
- و مشغولك في الدنيا هو بعدين شغلك في القبر وهو شغلك في القيامة.
- ومن كان مشغول بنفسه في الدنيا، مشغول بنفسه في القبر، مشغول بنفسه في القيامة.
- ومن كان مشغولاً بالخلق في الدنيا:
- ماتجلس معه إلا ويتكلم في الخلق: فلان معه، فلان تركه.. ويسب..
- وفي القبر مشغول بالخلق، هات حق ذا! ولما قلت ذا!
- وفي القيامة مشغول بالخلق، ويقول: هذا يا رب ظلمنا، هذا يا رب اغتابنا، هذا يا رب شتمنا..
واشتغل بالخلق؛ لأنه كنت مشغولاً بهم في الدنيا، ما رضيت تشتغل بربك!
فاشتغل بربك والذي عليك
في فرض الحقيقة والشرع المصون *** شرع المصطفى الهادي البشير
الذي أنت مشغول به الآن بعدين بتشتغل به في البرزخ وبتشتغل به في القيامة. انتبه لنفسك.
قال: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ) إيمان اليقين، (وَيَعْمَلْ صَالِحًا) مبرهناً عن إيمانه منفذاً له؛ (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ):
- كل المساوئ والهفوات التي عنده، قال: أنا أُغطيها، أمحوها له، ثم يتفضل عليه ويبدلها إلى حسنات، سبحان الله.
- وبعد ذلك لو أراد يتذكر المساوئ ما عاد يقدر، الملائكة ما يقدرون، الصحف مُحيت منها.
- وبعد ذلك حتى ينشر الله عليه كنفه وبينه وبينه يذكره، يقول: أتذكر؟ يقول: يا رب اغفر، يقول: قد غفرتها لك وبدلتها إلى حسنات.
لا إله إلا الله، ما عاد تظهر إلا الحسنات؛ هذا وجه الإكرام الرباني، يا كريم أكرمنا بما أنت أهله.
(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)؛ دار الرضا، دار الكرامة، دار حسن الجزاء، دار حسن المصير، دار النعيم، دار الخلد، دار الملك الكبير المقيم، الله أكبر.
(يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، ومع ذلك في دوام وخلود، (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(9)):
- (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف:107-108].
- يذوقون لذائذ وصلة وقربة ومحبة ورضوان، ما يريدون أن يتحولوا، ما يرضى ينزل من ذا المكان، ما يرضى يروح.
- هو في شغله بالله وبالعطايا وبالمنح مُتلذذ بذلك، ما يريد يفارق هذه المنح، (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)،
- (أَبَدًا)؛ ما هو 60 سنة! ما هو 70 سنة! ما هو 80 سنة! ما هو 100 سنة..
- (أَبَدًا)، ما هو 1000 سنة! ما هو 20001 ما هو 3000..
- (أَبَدًا)، مهما مر سنين، (أَبَدًا)، الله أكبر.
(أَبَدًا)، ينادي المنادي: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، يا أهل النار خلود فلا موت":
- (ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))؛ هذا هو الربح، هذا هو الفوز، هذا هو السعادة العظمى.
- (ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، في فوز أكبر من هذا؟ والأحسن من هذا؟
- (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20].
يقول: (ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)) اللهم اجعلنا من أهله.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10)
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا) وقد بينا لهم:
- (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، وجحدوا بآياتنا وكذبوا رسولنا، وأنعمنا عليهم بالنعم الكثيرة وجحدوا.
- واستعملوا ما أنعمنا عليهم في معاصينا ومُخالفتنا وإيذاء أوليائنا ورسولنا.
- كفروا وكذبوا بآياتنا التي بثثناها عليهم؛ آيات منزلة وآيات مشهودة مرئية أمامهم، وحوادث في الدنيا تذكرهم، ومروا بها وتذكرهم؛ (أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ).
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ)؛ وما أشد المصيبة هذا، قال:
- (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10))؛ وجدوا ناراً وخلوداً فيها.
- (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)؛ يؤكد لكم شناعة هذه العاقبة وهذا الحال وبئس المصير.
يا أخس -أسوأ- مصير!
- مصير الكفار ومصير المكذبين بآيات الخالق الغفار.
- والمخالفين للنبي محمد المختار.
(أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10))؛ ولذا كان يذكر بعضهم في تحمل ﷺ، وبعد من معه من الصحابة، أصحاب الشدائد وهم أولو أتعاب، ومع ذلك مواصلين دعوة القوم إلى الله. ما الذي جعلهم هكذا؟
- قال: لأن هذا المصير أمامهم مشاهد موقن به، فيسهل عليهم ما لقوه من تعب وعناء:
- وإن شُج الجبين، وإن جُرحت الوجنة.
- وإن شُجت الشفاه، وكُسرت الرباعية.
- فإنه يقول: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".
- قالوا هكذا تحملوا المشاق الأنبياء والصحابة؛ لأن المصير أمام عيونهم، فما عاد يهمهم أن سُبوا، ولما قالوا: مصير شديد قدامهم بيدخلوا في النار.
والأمر يقين، فلهذا تحمل كل المشاق ولم يبالِ لأن الأمر أمام عينه، كذلك المؤمنون.
(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10))، فلهذا يقول لنا:
- وأيضاً ما يجري لكم في الحياة ينبغي ألا يشغلكم عني، ولا يقطعكم.
- ولا يحرمكم استعدادكم لواسع فضلي، وحسن تهيؤكم للقائي.
- فإني أرسل في الحياة الدنيا أحداثاً مختلفة، وتغيرات وتقلبات في الأحوال؛ فلا تكونوا معها.
- وعندما يصيبكم أي شيء كونوا معي؛ ألطف بكم فيما يصيبكم.
- ثم في الآخرة أصيبكم وأدنيكم وأقربكم و أرضى عنكم وأحبكم.
- فلا تفوتوا هذه الخيرات فإن لي حكماً في مجريات الأقضية والأقدار.
تفسير قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11))
يقول: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ يقول أنا خالق السماوات والأرض ومرجع الكل إلي وحكمهم إلى. أي مصيبة؟.
- (مِن مُّصِيبَةٍ) هذا في اللغة العربية للاستغراق؛ القليل والكثير والصغير والكبير.
- لو قال: ما أصاب مصيبة، يعني ممكن غير الصغار، غير الأمور، قال: لا لا لا، (مِن مُّصِيبَةٍ).
- (مِن مُّصِيبَةٍ) يعني صغيرة كبيرة، قليلة كثيرة، لفرد، لجماعة، لدولة، لمجموعة في العالم.
كل (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، قال المسير القوي القادر الحي القيوم الحاكم: بعيني تجري هذه الأشياء بإذن الله، بإرادته، بقضائه؛ لحكم من عنده.
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ):
- (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) [الحديد:22]:
- من قبل ما تظهر، من قبل ما تجي، من قبل ما يتحدث الناس عن كورونا.
- مكتوب مرتب مقدر محرر ثابت، له وقته وله حده وله عدده، ما يزيد ولا ينقص، الله.
فأحسن لكم في كل الأحداث كونوا معي، وأنا القادر والمتصرف والمدبر. ومن صدق معي إيش يعمله؟
قال: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)؛ يؤمن بالله يهدي قلبه، يهدي قلبه:
- للاستسلام، للطمأنينة، لليقين.
- للصواب، لفعل ما هو أصلح، للاشتغال بما ينفع.
- للإعراض عما يضر ويغر ولا يفيد، (يَهْدِ قَلْبَهُ).
(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)، يتولى هداية هذا القلب مقلب القلوب جل جلاله، فيعرف ماذا يقول، ويعرف ماذا يفعل، ويعرف كيف يتبصر، يعرف كيف يمشي، يعرف كيف يتصرف؟
- يطمئن، يهدأ، يثق، يعتمد عليه، يتوكل.
- يوقن أنه منه وأن إبعاده منه.
- والله (يَهْدِ قَلْبَهُ) فيعيش هادياً هادياً هادياً.
حتى جاء فيه قراءات:
- (يَهْدَ قَلْبَهُ)، (يَهْدَأْ)، (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدَأْ قَلْبَهُ) يكون هادئاً ما ينزعج.
- وفي قراءة: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ نَهْدِ قَلْبَهُ).
- وفي قراءة: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يُهْدَى قَلْبَهُ).
فيا بخت القلب المؤمن هذا، على قدر قوة إيمانه بالله فالحق يهديه ويُهدئه وينزل عليه الطمأنينة، ويبصره ما هو الأفضل، ما هو الأحسن، ماذا يتكلم؟ ماذا يقول؟ ماذا يفعل؟ يمشي على بصيرة ولا حوله من المصائب البلايا، ويلطف الله به ويخلصه من الآفات، ويمشي.. الله الله.
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ..(11)):
- ضعيف الإيمان: يطلع وينزل ويعج، ويتصرف تصرفات هوجاء هوجاء، ويتضرر، وبعدين ولا يقدم ولا يصل، وربما يزيد ضرره.
- نفس الحال عند الثاني -المؤمن- بهدوء وطمأنينة مبسوط فرحان، فيه خيرات كثيرة، مصروف عنه شرور، ويمضي الأمر.
بس هذا اتصل بفوق وهذا اتصل بتحت، وكلٌ له بخت، صاحب فوق فوق، صاحب تحت تحت. الله، لا إله إلا الله.
لهذا حتى قال لهم في مصيبة كبيرة، جاءوا ناس من السذج ومن المنافقين يتكلمون على عرض بيت النبي، زوجته عائشة، يتكلمون.. وبعد ذلك برأها الحق في القرآن، ثم قالوا: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [النور:11]:
- وحتى المصيبة دي وسطها خيرات مطوية لكم أيها المؤمنون.
- وثبات النبي وصبره خمسين ليلة، ما قدر يتكلم بشيء ولا يقول شيء، منتظر أمر الله تبارك وتعالى.
- وصبر حتى عُرض على السيدة عائشة: "إن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله، وإن كنتِ…".
- قالت: ما أقول لكم إلا كما قال العبد الصالح -مثلكم أنتم- يعقوب وأولاده: (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18].
- ونزل القرآن ببراءتها وانتهت و انقشعت -انكشفت- الغمة، وكان ما كان.
قال الله: هذا وسط خير:
- حتى البلية هذه: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، لا إله إلا الله.
- لهذا يقول: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا):
- قال: علينا ولا لنا؟ (لَنَا)، (إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)، يعني مهما كانت من المشاكل وغيرها:
- العاقبة بالنسبة للمُتقي الصالح المؤمن: طيبة حسنة الفائدة له، وخير راجع إليه.
- (إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:51].
يقول تعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11))؛ علم إحاطة بذرات الأشياء:
- جزئياتها وكلياتها، أولها وآخرها.
- ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لا يكون.
- وما لا يكون لو كان كيف يكون.
- (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، ولما تتوكل على هذا العليم بكل شيء؛ أنت رابح، تعتمد عليه وتستند إليه، وإلا تعتمد على واحد ما الذي يجهل أكثر من الذي يعلمه؟
- (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].
- فنعم الاعتماد على الله والاستناد إليه، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)).
تفسير قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12))
فما المسلك الصحيح لكم، الذي فيه ربحكم وفوزكم؟
قال:
- (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ..(12))؛ هذا فوزكم، هذه سعادتكم، هذه موجبات فوزكم الأكبر ونيلكم الملك الكبير والنعيم المقيم.
- (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)؛ فخير ما تكسبون في الحياة طاعة الله وطاعة الرسول؛ عزكم حصنكم أمنكم سعادتكم فوزكم؛ طاعة الله وطاعة الرسول..
- يا أيها المؤمن بالله ورسوله، أَطع الله و أَطع الرسول؛ لذلك خلقت، لذلك خلقت.
- ولا تبع نفسك على هوى ولا على شهوة ولا على جماعة ولا على حزب ولا على حكومة ولا على شعوب، لا تبع نفسك لأحد: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ) -كن له- (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة:111].
- (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وليكن ذلك ديدنك وشعارك في فكرك ووجهتك ونيتك؛ تريد رضاه، (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران:174].
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) محمد ﷺ. يقول الله: من تمسك بذلك؛ فله الفوز الأكبر وما عندي من النعيم الذي لا يقدر ولا يحصر، (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء:69-70].
يقول: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ)؛ ما رضي يطيع وأراد يبيع نفسه لشهوته، لهواه، لدنياه، لغيره من الناس:
- (فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12))؛ أدى نبينا مهمته فيكم ومرجعكم إلينا، وأنا المنتقم ممن عصى.
- (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، وقد بلغ ﷺ بأبين البلاغ وأحسنه، حتى قال لنا: "ما تركت باباً من أبواب الخير إلا دللتكم عليه وأمرتكم به، ولا باباً من أبواب الشر إلا حذرتكم منه":
- لكن على قدر إصغائك و انصاتك و احتكامك إليه وتعظيمك له؛ تتضح لك إرشاداته وتعليماته وتجلياته.
- وعلى قدر تغافلك وإهمالك واعراضك؛ تنسد عليك أبواب الفهم فيما أرشدك وفيما علمك.
فاخضع واستقم وعظم وأنصت وأصغِ وتدبر وتعلم؛ تصلك الهداية التامة، والبلاغ المبين من النبي الأمين.
(فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا)، قال الله: ما أنا أرسلته إلا ليبلغ فقط، والأمر إلي ومرجعكم إلي، وأنا المنتقم ممن عصى.
تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13))
(فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)؛ الله لا إله إلا هو:
- ما في إله غيره أصلاً قط، لا في أرض، لا في سماء، لا قليل، لا كثير، لا صغير، لا كبير، لا إنس، لا جن، لا ملائكة، لا جماد، لا حيوان، لا نبات.
- ما في إله غيره، إله واحد فقط: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، وما دام الأمر كذلك فاغنموا الفائدة الكبيرة، توكلوا على واعتمدوا علي وأنا أدبر لكم.
يقول تعالى: (االلَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13))، يعني يا معشر من آمن بي وبرسولي:
- لا يغركم مظاهر الحياة ولا تقلب الذين كفروا في البلاد، ولا مختلف الظروف والأحوال.
- اعتمدوا على، استندوا إلى، توكلوا على؛ أكفيكم، أكفيكم كل سوء.
- أُذلل لكم الصعاب، أفتح لكم الأبواب، وهو عليكم الشديد وييسر لكم العسير.
أنا القادر الخبير السميع البصير؛ فعار عليكم تدعوا الإيمان بي وبرسولي، وبعد ذلك اعتمادكم يا أهل الشرق، يا أهل الغرب، يا أهل المادية…!
(االلَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ). اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك. (االلَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13))، وختم السورة بما أشار إليه في السورتين اللتين مررنا عليهما، تأتي في تترتبه بعدها السورتين من شأن الأسر وتنظيم إصلاحها؛ لتكون البيوت والأسر مُنورة وقائمة على الخير. وبين سبحانه وتعالى البيان في خاتمة هذه السورة يأتي معنا إن شاء الله.
نفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وبالإرشاد و بالتبيين و ببلاغ النبي الأمين. اللهم ألهمنا الرشد وتولنا بما أنت أهله في جميع الأحوال، وعاملنا بالفضل في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين.
وأما ذكر (أَبَدًا..(9)) في آيات المؤمنين، ولم يذكر في آيات الكفار؛ فجاء في عدد من الآيات، ولكن جاء الأبد أيضاً في بعض آيات في ذكر أهل النار:
- فالأبد للكل: "يا أهلَ الجنَّةِ خلود فلا موت، يا أهلَ النارِ خلود فلا موت".
- لما كان هذا الأمر الخلودي في الجنة فيه البشارة وفيه الفرح والسرور:
- يُؤكده الله في أكثر آيات وكلامه على المؤمنين.
- ويقول: (أَبَدًا)، ينص عليه، والخلود هو خُلد، أبد.
كذلك لما ينذر الكفار يكتفي بذكر الخلود ويقفهم تنبيهاً، ولمح في آية أخرى؛ حتى لا يظنن ظان أن من الكفار من يخرج من النار؛ لا..
- ما يخرج من النار إلا من في قلبه إيمان ولو مثقال ذرة.
- أما من مات وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان:
- (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:167].
- (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ) [الأعلى:13].
- وقد جاء في بعض الآيات ذكر خلودهم أبداً.
وهكذا فالأمر واضح والحكم واضح، وإنما يعتني الله بذكر الأبدية عند ذكر الجنة؛ زيادة في التبشير والسرور لقلب المؤمنين.
زادنا الله إيماناً ويقيناً، أصلح ظاهرنا وخافينا، والحمد لله رب العالمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة