تفسير سورة التغابن، من قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..} الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التغابن، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..} الآية: 1، إلى قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..} الآية: 9

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تسبيح الكائنات وحقيقة الملك:
    • نعمة التأمل في خطاب الله. 
    • وثمرات إدراك تسبيح الكائنات. 
    • مع بيان حقيقة المُلك والحمد لله وحده.
  • الخلق والعلم الإلهي:
    • بيان حقيقة الإيمان والكفر. 
    • الحكمة من خلق السماوات والأرض وتصوير الإنسان. 
    • وسعة علم الله جل وعلا.
  • الاعتبار وموقف الكفار:
    • الاتعاظ بأخبار الأمم السابقة. 
    • وشبهة الكفار في استنكار بشرية الرسل.
  • البعث والجزاء والحساب:
    • إثبات البعث والجزاء. 
    • الدعوة للإيمان بالله ورسوله والنور المُنزل. 
    • وبيان أحداث يوم التغابن وحقيقة الفوز والخسارة.

نص الدرس:

الحمد لله على توالي الإفضال والإنعام، في توالي الليالي والأيام، ونشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله خير الأنام. اللهم أدم مِنك في كل لمحة ونفسٍ عنَّا الصلاة والسلام على عبدك المُجتبى المُصطفى محمد أكرم إمام، وعلى آله وأصحابه ومَن على ولائه ومحبّته استقام، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين سادات المُقرّبين الكِرام، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.

أمّا بعد،،،

تفسير قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1))

فإنّنا في نِعمة التأمّل لخِطاب ربّنا الذي يُزكّينا ويُنقّينا، ويُرقِّينا ويحمينا ويَرْقِينا، ويأخذ بأيدينا ونواصينا إلى ما فيه سعادتُنا وفوزنا في ظاهِرنا وخافينا، في دنيانا ومآلنا، مررنا على أوائل ما ذكر الحقّ تعالى في سورة التغابُن: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1))، وهي حقائق ما أكثر غفلة الخلق عنها: 

  • أن كل شيء مِن أمامنا وخلفِنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومِن فوقِنا ومِن تحتنا؛ يُسبِّح بحمد ربِّنا جلَّ جلاله: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44].
  • وإنّ الله -تبارك وتعالى- جعل لإدراك ذلك بعددٍ مِن المعاني أوجهًا ومراتب يستطيع المؤمن مِن خِلالها أن يتبيّن معنىً مِن معاني هذا التسبيح بحمد الله تبارك وتعالى. 

فيزداد إيمانًا، ويزداد يقينًا، ويزداد خُضوعًا وخُشوعًا، ويزداد أدبًا، ويزداد ارتِفاعًا في معرفتِه بهذا الإله وصِفاته وأسمائه تعالى في علاه. 

(لَهُ الْمُلْكُ) على وجه الحقيقة مُنفردٌ به، وكل مُلكٍ لِسواه فحادِث فانٍ، قصير، محدود، مَجازي. 

  • كل مُلك: مُلك الفرد، مُلك الجماعات والمؤسسات، مُلك الملوك وولاة الأمور. 
  • كل أنواع المُلك المُسمّى لغير الله: حادِثة، فانية، قصيرة، محصورة، محدودة، مَجازية؛ لا حقيقة في المُلك إلاَّ له. 

(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) جلَّ جلاله، فهو المُستحِق للحمد تمامًا بكل المعنى، وما مِن شيء يُحمد ويحتوي حُسنًا، أو جمالًا، أو إحسانًا، أو إفضالًا؛ إلاَّ وهو خلقْه وإيجاده، وتقديره وتصويره، وتدبيره وإبداعه -سبحانه وتعالى-؛ فحقيقة الحمد ترجع كلها له.

 

 تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2))

(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، والحمد لله الذي جعلنا في دوائر المؤمنين، ونسأله تعالى أن يُثبِّتنا على الإيمان ويزيدنا منه حتى نلقاه في أقوى مراتِب الإيمان واليقين، آمين، وأن يهدي عبادًا كثيرًا مِن خلْقه الكافرين إلى الإيمان فيؤمنوا ويموتوا على الإيمان؛ لأن العِبرة بحالة الإنسان عند وفاته، (فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) هناك: 

  • أما قبل ذلك قد يحيا أحدهم مؤمنًا، ثم يكفر ويزلق فيكون مِن الكافرين. 
  • وقد يحيا أحدهم كافرًا، ثم يوفّق ويُعان فيصير مِن المؤمنين. 
  • والعِبرة بالخاتِمة وهي مُتعلِّقة بالسابقة. 

وعند تكوين جسد الإنسان جنينًا في بطن أمه، إذا أراد الحق تعالى أن يحييه و يأمر المَلَك أن ينفخ فيه الروح، يقول: يا ربِّ أشقيٌّ أم سعيد؟ مؤمن أم كافر؟ يعني عِلمُك في هذا الإنسان ماذا يختار؟ وأين يسير؟ وكيف يُفكِّر؟ هل يكون مؤمنًا أو كافرًا؟ ويُكتب شقيًّا أو سعيدًا. 

قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)؛ ولا نِعْمة أعظم مِن نِعْمة الإيمان، ثبِّتنا الله عليها وزدنا منها. اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزِدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزِدنا مِنه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزِدنا مِنها، وكما أنعمت علينا بالعُمر فبارك لنا فيه.

(فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(2))؛ فلا ينبغي أن تهتمّوا برقابة شيء أعظم مِن هذا الرقيب عليكم، البصير بعملكم.. 

  • فأعمالكم بالجوارح، وأعمالكم بالقلوب؛ هو أعلم بها مِنكم، وأعلم بنيَّاتكم فيها ودوافِعكم إليها، وكيفيّة قيامكم بها، ومُراداتكم فيها، وأحوال قلوبكم وعُقولكم وقت فعلها. 
  • هو أعلم بكل ذلك (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، فأحسِن يُحسن إليك، وإحسانك محدود وإحسانه بلا حد ولا قيود؛ نِعم البَرّ الودود.

 

 تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3))

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ): 

  • (بِالْحَقِّ) الإرادة الأزليَّة، والحِكمة الإلهية الربَّانية. 
  • (بِالْحَقِّ) لا عبثًا، ولا لعِبًا، ولا هُزوًا. 

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ): 

  • لتقوم فيها الدلائل والحُجج. 
  • ولينتهج المُكلَّفون -أهل السابِقة بالسعادة منهم- في منهج الحق انتهج. 
  • وليقضي كلِّ شيء مِن المخلوقات مهام وحِكمًا: 
    • تليق بحِكمة المَلك العلّام الذي خلق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 
  • وليكون مردًّا  -ليوم واحد- يجمع فيه الأولين والآخرين، ويحكم بينهم فيما فيه يختلِفون: 
    • (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم:48]. 

إذًا خلَقها (بِالْحَقِّ)، لا تظن أنّه خلقها، ومن سوّلت له نفسه شيء، يعمَل ويمشي وتنتهي المسألة! أبدا، خلقها (بِالْحَقِّ). سبحانك ما خلقت هذا باطِلًا: 

  • (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:191].
  • (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر:85]. 
  • ويقول: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [ص:27].

يقول: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) له الحمد؛ وفيه خطاب خاص لبني آدم الذين قال عنهم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:1-4]..

  • (صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ): 
    • في هيئات جسمانية، هي أحلى وأجمل ما يكون في خلق الأجسام مِن الحيوانات كلّها؛ خِلقة الإنسان. 
    • وفيه صورة معنوية لِما آتاه الله مِن عقل، ومدارِك يرتقي بها في معارف بالحق وللحق، وعن حقائق آياته وأسمائه وصفاته، بتكوين بديع معنوي أبْهر وأظهر؛ (صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) جلَّ جلاله. 
  • فإذا جاءك نظرٌ أن بعض الناس في صورته تشويه، وفي صورته دَمامة، فنقول: 
    • انتظر، (أَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)؛ إنما هذا باعتبار الصور الحسنة، منها ما هو أحسن، منها ما هو أرفع.
    • فالذي تذكره مِن التشويه والدمامة هو بالنسبة لنفس جنس الإنسان الكامل الذي هو أحسن التقويم. 
    • أما هذا الدميم وهذا المشوّه الخَلق نفسه، لو نسبته إلى الشجرة وإلى البقرة وإلى أنواع الحيوانات؛ هذا أحسن، هذا شأنه شأن وهو أرفع وأكبر. 

فالكل أحسن الله صورهم، ولكن هم بعد ذلك مراتب: 

  • ولهذا قد يُقابَل حُسن بأحسن، فيقال عن هذا أن فيه تشويهًا وفيه نقصًا، لكن بالنسبة للذي فوقه. 
  • أمّا بالنسبة لبقيّة أجناس الوجود؛ فهذا هو الأحسن بأيّ صورة كان، هذا هو الأحسن مِن بقيَّة تصوير الكائنات الأخرى. 

(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) -جلَّ جلالة- (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3))، والمرجِع إليه وحده؛ للكبير والصغير، والأول والأخير، والمؤمن والكافر؛ المصير إلى الحق، كُلٌّ يرجع: 

  • (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]. 
  • (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26]. 
  • (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]، فالمرجِعُ إليه.

 

 تفسير قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4))

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عِلم إحاطة؛ إذ هو مُكوِّنهما وما فيهما، فكيف لا يعلمها الذي خلقها وأنشأها وفطرها؟! ومَن يكون أعلم بها مِن موجِدها ومُنشئها؟! 

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عِلم إحاطة بدقائق ما فيها مِن أشكال، وصور، ومعانٍ، وحركةٍ وسكونٍ، وكِبرٍ وصِغرٍ، وقِلةٍ وكثرةٍ، ولونٍ، ونباتٍ، وإماتةٍ وإحياءٍ، وصحةٍ ومرضٍ، وقولٍ وفِعلٍ، وخاطِر ونيَّة، وأخذٍ وعطاء؛ بالجمادات والحيوانات والنباتات، وبني آدم، والجان، والملائكة. 

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) العِلم المُحيط، وهذه صِفة الأُلوهية والربوبية لا تكون لغير الله -جلَّ جلاله- والخلق كلّهم تحت دائرة: 

  • (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85]. 
  • (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255]. 
  • لكن العلم له هو المُحيط؛ (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] 

(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فالمؤمن بهذا كيف لا يطمئن قلبه إلى عِلم العليم؟! ولهذا لمّا أراد أن يطمْئن المؤمنين في بعض ما يُصادفهم في مواقف الحياة مِن مواجهة مؤذين لهم، ومِن مواجهة مُعادين مُعتدين عليهم، يقول: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) إذا أنتم مؤمنون بي ومصدِّقون بي، فلا تقلقوا، ما عند أولئك وتخطيطهم وفكرهم؟!

  • قال أنا أعلم بهم مِنكم: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء:45]. 
  • ويقول لحبيبه المُصطفى: (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ)، هذه أقاويلهم المُخَبِّطة والمؤذية والمستفزة لا تقلق مِنها، (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76]. 
  • يقول: الذي أرسلك هو مُحيط بعِلمهم، والذي أنت مُتوكِّل عليه، والذي أنت مُعتمد عليه وأنت مُنفِّذ لأمره، أحاط عِلمه بما عندهم: (وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ) -الله أكبر-. 
  • (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)، يقول الله: (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [ال عمران:176].

هذا هو فحسب، وإلاَّ لن يضرُّوك شيئًا؛ ولهذا يقول: 

  • (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ)، يقول لحبيبه: لن يقدروا عليك في شيء..لا إله إلاَّ الله.. (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ).
  • يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113] صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

يقول: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ..(4)): 

  • هو قد دخل فيه مِن جملة: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ولكن لمّا أن شؤون الجزاء مُرتّبة عليه والمُخاطبة في الآخرة قال: وهذا الذي تُسِرُّونه وتُعلِنونه مِن شؤونكم وأحوالكم، هي في عِلمي، وتحت إحاطة عِلمي واطِّلاعي عليكم. 
  • هو مِن جملة: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، نصَّ عليه؛ لأن هُنا محك المُخاطبة في المرجِع، ومحل التكليف ماذا تُسرّ؟ وماذا تُعلِن؟ 

قال: وهذا الذي عندكم (وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) أخياركم وأشراركم، ومَن تظاهر بخير وأبطن شرًا، ومَن ظاهره لا يُنبئ عن خير وفي باطِنه خير، قال: أنا أدري -أنا أعلم- وكُلكم سترجعون إليّ وأنا سأُحاسِبكم، لا إله إلاَّ الله؛ (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) [البقرة:284].

قال: (وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ): 

  • مِن الذي يدّعي الصلاح؟ 
  • ومِن الذي يدّعي الكرامات وما له كرامات ويتحيّل؟ 
  • ومِن الذي يقول هذا مِن عند الله وليس مِن عند الله؟ 
  • ومِن الذي يرى نفسه فوق خلق الله وأنه أعلى منهم؟

ومَن..؟ ومَن..؟ (وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)؛ هذا محط التكليف الذي كلّفتكم به، أنا أراقبكم فيه.

(وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(4))، (بِذَاتِ الصُّدُورِ) صدرك ومُحتواه وتكوينه هو أعلم به، فكل الدوافع التي معك لأيّ قول تقوله، ولكلّ حركة تتحركها؛ هو عالم بها -جلَّ جلاله-. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، بل ما سيطرأ على بالك وصدرك مما لا تعلمه أنت الآن هو يعلمه، (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه:7] -الله أكبر- (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

 

 تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5))

ويُخاطِب: يا أهل العقل يا أهل الوعي: 

  • (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ)، شِدّة أمرهم، عاقِبة أمرهم، مغبَّة شأنِهم في إصرارهم على الضلال وعلى الكفر وإيذاء الأنبياء، (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ).
  • (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ) وما مِن كُفار موجودين في أيّ زمن مِن بعد بِعثة النبي محمد ﷺ إلاَّ ونظائرهم وأمثالهم في الكُفر قد مرّوا؛ طوائف، وأمم، وأفكار كثيرة ومبادئ قابلوا الأنبياء والمرسلين بمقالات مُتكررة؛ مِن هذا إلى هذا. 

وكل صِنف مِن أصناف الكفر موجود في كل زمن، إلى زمننا هذا، الموجودين معنا مِن الكفار في زمننا، نقول لهم: نُظراؤكم مِن الذين كفروا قد مضوا على ظهر الأرض، لو تأملتم بإنصاف وبأناة وبتعقّل لَاعتبرتم بهم ولادَّكرتم، لم يدركوا حقائق مِن الخير والسعادة في الدنيا، فكيف في الآخرة، وإنْ كذّبتم بها؟!

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ): 

  • مِن الذين كذّبوا الرسل قبل نوح. 
  • ومِن الذين كانوا في زمن سيدنا نوح حتى أغرقهم الله جميعًا ولم يبقَ إلاَّ مَن معه في السفينة.
  • والذين جاءوا وقت النبي هود (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]. 
  • والذين جاءوا في زمن النبي صالح وقرون كثيرة بعدهم. 
  • وإلى النمرود الذي كذّب بإبراهيم، ما الذي حصل له وما كانت نهايته؟
    • وماذا أدرك النمرود مِن سعادة؟ ماذا أدرك مِن خير؟! 
    • لا في الدنيا تهنّى، والويل له في الآخرة أشد.

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5))، والعذاب المؤلم الشديد مُستقبِلُهم -أي ما زال أمامهم-، يعني مهما ذاقوا مِن وبال الأمر؛ فيهم الذي غرِق، وفيهم الذي حشرة دخلت في أذنه وفي أنفه ثم تركته، وذهب ملكه كلّه إلى أن مات، وفيهم الذين الصاعقة أخذتهم، فيهم الذين الصيحة أخذتهم، فيهم الذين الريح أخذتهم؛ ذهبوا. كل هذا الذي أصابهم في الدنيا يسير، ما زال (عَذَابٌ أَلِيمٌ(5)) أمامهم.

  • يعني أن كل ما نازلهم مِن آلام وأتعاب في الدنيا: لا كُفِّرت بها سيئاتهم، ولا ارتفعت بها درجاتهم، ولا حصلّوا بها ثوابًا؛ ما زال العذاب أمامهم والله. 
  • لكن معاشر المؤمنين المُتّقين -حتى ما أصابهم في الدنيا- كفَّارة لذنوبهم، رِفعة في درجاتهم، وأمامهم نعيم، النعيم الكبير أمامهم. الله الله الله، "عجبًا لحال المؤمن أن حاله كله خير".

يقول جلَّ جلاله: (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، والعذاب الشديد الإيلام أمامهم في الآخرة، في البرزخ ثم في القيامة، ثم الأشد؛ دخول النار -اللهم أجرنا مِن النار. 

(لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ): 

  • وكم في تاريخ البشر؟ إذا دُرِسَ بالإنصاف وبالحق مِن دون المُغالطات التي ينتحِلها أرباب الأغراض والمصالِح القصيرة، فيُصوِّرون مسار الناس مِن قبل على ما ليس عليه. 
  • كل هذا التاريخ الذي مضى عليه نظراؤنا مِن بني آدم مثلنا في القرون السابقة؛ فيه أبلغ العِبرة لكل عاقِل وكلِّ مُدَّكِر. 
  • وكل الموجودين معنا في الزمن، نُظراؤهم قد مرّوا؛ يُشابهونهم: 
    •  في طريقة التفكير، في طريقة الحُكم على الأشياء. 
    • في طريقة التصرّف، في طريقة المُعاملة. 

موجود مثلهم قد مضى، موجود؛ ولكن أين نهايته وما عاقبته؟ 

يُكررونها؛ واحد بعد الثاني، مات الذي يسقط، ويجيء الثاني يسقط، ويجيء الثالث يسقط، وكلها سقطات -والعياذ بالله- إلاَّ: 

  • مَن آمن بالله وما أنزل على أنبيائه وحدهم؛ هم الرابحون والناجون فقط. 
  • وحقيقة هذا الرِبح والغَبُن يظهر في اليوم الذي سمّاه يوم التغابُن كما يأتي معنا في الآيات بعدها. 

والسورة كلها سمّاها بسورة التغابن؛ لأن حقائق الغبن هناك يظهر، وكل ما وُصف في الدنيا مِن ربح أو غبن يتضاءل، ويصلون إلى ساحة فيها حقيقة الربح وفيها حقيقة الغبن، يوم التغابن سمَّاها الله تعالى.

 

 تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)) 

يقول: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ) -الشأن والحال- (كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ)،  يقول الله تعالى: أنما ما أعذِّب أحدًا مِن عبادي مِن دون ما أرسل رسولًا، مِن دون ما أبيّن له الأحكام: 

  • (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التوبة:115]. 
  • (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء:15]. 
  • (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص:59].
  • (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ) [الحجر:4].

(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) آيات واضحات وعلامات كامِلات، تكفي لكل عاقِل أن يعلم أنّهم رسل مِن عند الله، إلى عند نبينا محمد، ومِن أول ما نزل عليه الوحي وتحدَّى العرب ببلاغتهم أن يأتوا بمثله ما قدروا، بعشر سور ما قدروا، بسورة واحدة ما قدروا. 

وبعد ذلك، ما الذي يؤخِركم؟ هاتوا لنا آية شق القمر، انشق القمر وما رضوا -أن يؤمنوا- وماذا بعد ذلك؟! ماذا تريدون؟ علامات واضِحة، ما مِن إنسان تنشق له القمر؟! 

  • وتعجَّب بعض الناس وجدوا في بعض مواطِن في الصين كانوا أرّخوا بعام انشِقاق القمر! في الصين! وهذا في مكة رأوه أهل قريش، وأولئك هناك في الصين رأوا آية، حادِثة في الوجود ما قد حدثت؛ انشقاق القمر: 
    • فصاروا يؤرخون به؛ عام انشقاق القمر. 
    • فكان مركز تاريخ مِن تواريخهم. 
  • حتى إن المشركين في مكة قال بعضهم لبعض: إن كان سحَركم محمد، لن يقدر أن يسحر أهل الأرض كلهم، انظروا أنتم الآن رأيتم القمر انشق، انظروا الذين سيأتون مِن خارج مكة؛ اسألوهم. 
  • كلما قدِم أحد إلى مكة: هل حدثت آية الليلة الفلانية؟ القمر انشق
  •  ولما جاء موسم الحج جاء الناس مِن أطراف الأرض، هل من خبر؟ قالوا: 
    • الليلة الفلانية انشق القمر 
    • في ليلة النِصف مِن شعبان، انشق القمر نِصفين. الله أكبر. 

الأرض كلّها شاهدوا هذه الآية وآيات بعد آيات،؛ لم يؤمنون. الله أكبر.

معاشِر الكفار في زماننا، تأمّلوا سيرة هذا النبي، هل ترون مثلها؟ تأمّلوا أقاويله الدقيقة حتى في شيء لستم بصدده: مِن شؤون الاجتماعيات، مِن شؤون الكونيات، مِن شؤون الأنظمة المرتّبة لحركة الإنسان، انظروا ما قال، وانظروا ما اكتشفتم، هل تجدون أصدق منه أو أحسن منه؟ ولماذا هذا العناد؟ ولماذا هذا التكذيب؟! 

(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) يقولون؛ هم بشر مِثلنا! 

  • والعجيب هؤلاء الذين استكبروا أن يكون الرسول إليهم والهادي بشرًا، ذهبوا يعبدون حجرًا! 
  • وتستكبر؟! ما أردت رسولًا بشرًا يأتي لك، وتعبد حجرة؟! أيّ آدمي؟! أي عقل عندك؟! 
  • أما تستكبر أن يكون معبودًا لك إلهًا صنما وحجرا؟! وتقول: هؤلاء بشر؟ بشر أرسله ربّ البشر -جلَّ جلاله-. 
  • ما الخصوصية في الحجر هذه؟! حتى تعبدها؟! قد صارت إلاَّ معبودًا لك! أيّ شيء أنت؟ أَمجنون؟ 

ولكن هكذا.. (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)؟! 

  • (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) [المؤمنون:34]. 
  • (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) [المؤمنون:33]، وبعد ذلك؟! والرسل كلهم بشر.
  •  (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا * قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ) [الإسراء:94-95]

قال لو أنا جعلت الملائكة وتركتهم في الأرض يمشون، سأرسل لهم مَلَكًا مثلهم؛ مِن أجل مَلك يخاطب مَلكًا؛ لكن أنتم بشر، أرسل لكم واحدًا منكم بشرًا يتخاطب معكم ويكون قُدوة لكم: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95].

قالوا: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا).. وما نظروا إلاَّ إلى بشريته: 

  • هذا البشر الذي قلتم عليه، عنده أخلاق؛ أما تأمَّلتموها!
  • كل البشر هؤلاء الذين جاءوا مِن الرسل؛ عندهم صدق أمانة مِن يوم نشأوا بينكم وخُلِقوا، ما كذبوا قط، ما رأيتموها. 
  • (بَشَرٌ مِّثْلُنَا).. (بَشَرٌ مِّثْلُنَا) [يس:15]؟ .. كيف؟! تأمل! 
    • مُغطى عن أعينهم كل الخصائص التي عند الأنبياء، والأنوار التي عندهم، والأسرار والمسلك القويم. 
    • لا يرون إلاَّ البشرية؛ لأنهم مأخوذين العقول والقلوب بحكم الانحراف هذا، ولا يريدون إلا هو. 
  • هذا (بَشَرٌ مِّثْلُنَا):
    • انظر الى البشر مِثلك، ما جرَّبت عليه كذِبة مدة سنين طويلة مِن أيامه، وأنت كذبت كم مرة في اليوم، وغيرك كذبوا. 
    • وانظر هذا البشر الذي مثلك يأتيك بآية لا يقدر عليها مخلوق مثله، لو لم يجيء مِن عند الخالق كيف حدثت هذه الآية؟ الله أكبر. 

(فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا..(6)) ما شاهدوا إلاَّ بشريتهم! ما رأوا خصوصيتهم؛ لأنهم مُمتلئون ظُلمة، ما أحبوا تفقُّد النور، وما شاهدوا إلاَّ البشرية وحدها: 

  • (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).  
  • في أصل تكويننا بشر مثلكم؛ لكن مَنًّا مِن الله تبارك وتعالى: 
    • (يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ) [ابراهيم:11].
    • (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75] يرسلهم.

قالوا: (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا)، وكذبوا، وعاندوا، (وَتَوَلَّوا) أعرضوا عن هؤلاء المرسلين وما جاءوا به عن الله.. 

  • (وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ) قال الله: وأنا غني عنهم، لو أردت أكرههم على الإيمان لأكرهتهم: 
    • ولكني غني عنهم، ولي حِكمة؛ أملأ بهم جهنم. 
    • أنا غني عنهم هم الذين خسروا أنفسهم. 
  • (وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ) يعني أظهر الله غناه؛ لأنه هو الغني المطلق -جلَّ جلاله-، كل ما سواه مُفتقِر إليه، لا يحتاج إلى شيء، كل ما سِواه مُحتاج إليه، مُفتقِر إليه. 

لكن هو الغني (وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)) بذاته، غني حميد في وصفه وتدبيره وفعله.

 

تفسير قوله تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7))

  • (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا)، زعموا: ادَّعوا عِلمًا ولا عِلم عندهم؛ زعم باطِل. 
    • "بئسَ مطيَّةُ الرَّجلِ زعموا".
  • (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا) أنكروا البعث بعد الموت والحشر للربّ.

 قال الله لحبيبه: (قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(7))؛ وهذه ثلاث مواطن أمر الله نبيه أن يحلف فيها على هذه الحقائق الكبيرة، ولِمَ يحلف والجماعة يُكذِّبونه؟! لكن مهما كذَّبوه يعلمون أنه يُقدِّر ربَّه ويخاف ربَّه، ويعرِفون ذلك، وأنه لا يحلف به على شيء إلاَّ أمر واضح عنده مثل الشمس -يقين-، فعسى أن يكون هذا الحلف نافِعًا ودواءً ناجعًا للسم الذي عندهم مِن هذا العناد:

  1. يقول سبحانه وتعالى: (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ)؟ هذا الزعم يقول: (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) [يونس:53] الله الله الله.
  2. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) [سبأ:3].
  3. وهذا ثالث  حلف: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ).

أنا أحلف بالله الذي خلقني (لَتُبْعَثُنَّ) -الله أكبر- (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ)، وتُجازون على ما عمِلتم؛ قليله وكثيره، صغيره وكبيره (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء:49]:

  • (وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)) قال: ما الذي تستغربون منه؟ كيف كوَّنكم وخلقكم مِن البداية فكيف يعجز عن إعادتكم؟ 
  • (وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) خلقكم أول مرة وهو يعيد الخلق وهو أهون عليه، يعني هيّن يسير، كما بدأهم مِن لا شيء؛ يعيدهم ثاني مرة. 
  • ما الذي حصل؟ قدرة، أوجدتهم مِن لا شيء، ألا تقدر أن تعيدهم؟ فتعيد ثاني وثالث ومتى أراد يعيد -جلَّ جلاله-. 

 

تفسير قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8))

يقول: (وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(7))، فبالغ في أداء الأمانة يا حبيبنا، ونادهم أن ينقذوا أنفسهم، تؤدّي ما في ذمَّتك بيننا وبينك، وتلقانا ونحن راضون عنك، قل لهم: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ): 

  • (فَآمِنُوا) صدِّقوا، فالعلامات أمامكم والدلائل واضِحة وقاطِعة، والمُستقبل خطير كبير يحتاج انتباه. 
  • (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) النور الذي أنزلنا: القرآن الكريم. 
  • (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا)، وبحمد الله.. 
    • نستمع كل يوم مِن أيام رمضان مع تلاوتنا في ساعات الليل والنهار القرآن. 
    • نستمع إلى نصيب مِن تفسير القرآن؛ إيماناً بهذا النور الذي أنزل على محمد؛ لنتنوَّر، لنتنوَّر ونتطهر. 
  • (وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(8)) صاحِب خِبرة بأعمالكم القلبية وأعمال الجوارح. 

 

 تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))

(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) سمّاه يوم الجمع؛ لأنه لا يحصل في شيء مِن الأيام جمع مثل ذاك اليوم أصلا: 

  • هذا اليوم يجمع فيه الأولون والآخرون، والإنس والجن، وحيوانات البر والبحر، وأهل السماء مع الأرض، كلهم. 
  • يوم الجمع، سمّاه الله يوم الجمع، ما قد حصل ولا يحصُل مثل هذا، الله الله الله. 

(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ):

  • (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49-50] الله الله الله. 
  • (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47] بني آدم، جن، حيوانات بر، حيوانات بحر. 
  • (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:38]. 

 لا جمْع مثل ذاك الجمع أصلًا، ذاك يوم الجمع الله الله الله.. (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) والملائكة ينزلون معهم، وإذا به مَن في الأرض ومَن في السماء كلهم مجموعون: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا) [الفرقان:25]؛ جمع .. جمع، وما مِن نفس منفوسة لأي إنسان أو حيوان إلا حاضرة في ذاك اليوم، ما هذا الجمع عظيم! 

يوم الجمع: (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..(9)) مَن الرابح ومَن المغبون؟ 

  • الخبر في ذاك اليوم، كلٌ يدري بنفسه، وهناك حقيقة الربح والغبن. أما الموازين التي مرت بكم في الحياة الفانية؛ ذهبت، انظروا الغبن هنا والربح هنا؛ (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ). 
    • الذي اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، هل هو الرابح أو الذي اشترى الآخرة بالدنيا؟ 
    • الذي اشترى الضلالة بالهدى، هل هو الرابح ذاك اليوم أم الذي اشترى الهدى بالضلالة؟ 

سترون الربح بعد ذلك، مَن الرابح ومَن المغبون، هناك ذاك اليوم.. 

  • وكل كافر يُرَى منازله في الجنة، يقول: لو كنتَ آمنتَ لكانت منازلك اليوم؛ يزداد حسرة مسكين، يقول: لكنك كفرت كذبت، هيا انظر محلك في النار؛ هذا الغبن، أرأيتم الغبن كيف؟! 
  • ويقال لبعض المؤمنين: انظر إلى النار، انظر تلك المنازل فيها، لو كفرت وعصيت كان هناك محلك؛ لكن قد بُدِّلت، فانظر إلى محلك، يرى الجنة وما فيها، يقول؛ الحمد لله؛ يزداد استبشارًا في استبشاره. 

عرفنا مَن الرابح ومَن المغبون: (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..(9)) دعوا ما تذكرون مِن الغبن بينكم، كله يضمحل الآن، سأريكم اليوم الذي فيه التغابن، مَن المغبون؟ إن كان ثمة خبر للغبن هو في ذاك اليوم، مَن هو المغبون ومَن هو الرابح: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [ال عمران:185].

فالله يملأنا بالإيمان والنور، ويرزقنا مُتابعة حبيبه بدر البدور في جميع الأمور، في البطون والظهور، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به هذا الرسول وهذا النور، ورزقنا الله الحشر في زمرته في يوم البعث والنشور، وأصلح شؤوننا والمسلمين في المشارق والمغارب، ودفع عنّا وعنهم المصائب، وأيقظ قلوبنا مِن سِنة الغفلة، ورزقنا حُسن التسبيح بحمده والمتابعة لحبيبه وعبده، وحُسن الوفاء بعهده، وتوفَّانا على خير الحالات.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي

 اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة 

تاريخ النشر الهجري

12 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

04 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام