(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التغابن، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..} الآية: 1، إلى قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..} الآية: 9
﷽
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))
الحمد لله على توالي الإفضال والإنعام، في توالي الليالي والأيام، ونشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله خير الأنام. اللهم أدم مِنك في كل لمحة ونفسٍ عنَّا الصلاة والسلام على عبدك المُجتبى المُصطفى محمد أكرم إمام، وعلى آله وأصحابه ومَن على ولائه ومحبّته استقام، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين سادات المُقرّبين الكِرام، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين.
أمّا بعد،،،
تفسير قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1))
فإنّنا في نِعمة التأمّل لخِطاب ربّنا الذي يُزكّينا ويُنقّينا، ويُرقِّينا ويحمينا ويَرْقِينا، ويأخذ بأيدينا ونواصينا إلى ما فيه سعادتُنا وفوزنا في ظاهِرنا وخافينا، في دنيانا ومآلنا، مررنا على أوائل ما ذكر الحقّ تعالى في سورة التغابُن: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1))، وهي حقائق ما أكثر غفلة الخلق عنها:
فيزداد إيمانًا، ويزداد يقينًا، ويزداد خُضوعًا وخُشوعًا، ويزداد أدبًا، ويزداد ارتِفاعًا في معرفتِه بهذا الإله وصِفاته وأسمائه تعالى في علاه.
(لَهُ الْمُلْكُ) على وجه الحقيقة مُنفردٌ به، وكل مُلكٍ لِسواه فحادِث فانٍ، قصير، محدود، مَجازي.
(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) جلَّ جلاله، فهو المُستحِق للحمد تمامًا بكل المعنى، وما مِن شيء يُحمد ويحتوي حُسنًا، أو جمالًا، أو إحسانًا، أو إفضالًا؛ إلاَّ وهو خلقْه وإيجاده، وتقديره وتصويره، وتدبيره وإبداعه -سبحانه وتعالى-؛ فحقيقة الحمد ترجع كلها له.
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2))
(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)، والحمد لله الذي جعلنا في دوائر المؤمنين، ونسأله تعالى أن يُثبِّتنا على الإيمان ويزيدنا منه حتى نلقاه في أقوى مراتِب الإيمان واليقين، آمين، وأن يهدي عبادًا كثيرًا مِن خلْقه الكافرين إلى الإيمان فيؤمنوا ويموتوا على الإيمان؛ لأن العِبرة بحالة الإنسان عند وفاته، (فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) هناك:
وعند تكوين جسد الإنسان جنينًا في بطن أمه، إذا أراد الحق تعالى أن يحييه و يأمر المَلَك أن ينفخ فيه الروح، يقول: يا ربِّ أشقيٌّ أم سعيد؟ مؤمن أم كافر؟ يعني عِلمُك في هذا الإنسان ماذا يختار؟ وأين يسير؟ وكيف يُفكِّر؟ هل يكون مؤمنًا أو كافرًا؟ ويُكتب شقيًّا أو سعيدًا.
قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ)؛ ولا نِعْمة أعظم مِن نِعْمة الإيمان، ثبِّتنا الله عليها وزدنا منها. اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزِدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزِدنا مِنه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزِدنا مِنها، وكما أنعمت علينا بالعُمر فبارك لنا فيه.
(فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(2))؛ فلا ينبغي أن تهتمّوا برقابة شيء أعظم مِن هذا الرقيب عليكم، البصير بعملكم..
تفسير قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3))
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ):
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ):
إذًا خلَقها (بِالْحَقِّ)، لا تظن أنّه خلقها، ومن سوّلت له نفسه شيء، يعمَل ويمشي وتنتهي المسألة! أبدا، خلقها (بِالْحَقِّ). سبحانك ما خلقت هذا باطِلًا:
يقول: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) له الحمد؛ وفيه خطاب خاص لبني آدم الذين قال عنهم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:1-4]..
فالكل أحسن الله صورهم، ولكن هم بعد ذلك مراتب:
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) -جلَّ جلالة- (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3))، والمرجِع إليه وحده؛ للكبير والصغير، والأول والأخير، والمؤمن والكافر؛ المصير إلى الحق، كُلٌّ يرجع:
تفسير قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4))
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عِلم إحاطة؛ إذ هو مُكوِّنهما وما فيهما، فكيف لا يعلمها الذي خلقها وأنشأها وفطرها؟! ومَن يكون أعلم بها مِن موجِدها ومُنشئها؟!
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عِلم إحاطة بدقائق ما فيها مِن أشكال، وصور، ومعانٍ، وحركةٍ وسكونٍ، وكِبرٍ وصِغرٍ، وقِلةٍ وكثرةٍ، ولونٍ، ونباتٍ، وإماتةٍ وإحياءٍ، وصحةٍ ومرضٍ، وقولٍ وفِعلٍ، وخاطِر ونيَّة، وأخذٍ وعطاء؛ بالجمادات والحيوانات والنباتات، وبني آدم، والجان، والملائكة.
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) العِلم المُحيط، وهذه صِفة الأُلوهية والربوبية لا تكون لغير الله -جلَّ جلاله- والخلق كلّهم تحت دائرة:
(يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فالمؤمن بهذا كيف لا يطمئن قلبه إلى عِلم العليم؟! ولهذا لمّا أراد أن يطمْئن المؤمنين في بعض ما يُصادفهم في مواقف الحياة مِن مواجهة مؤذين لهم، ومِن مواجهة مُعادين مُعتدين عليهم، يقول: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) إذا أنتم مؤمنون بي ومصدِّقون بي، فلا تقلقوا، ما عند أولئك وتخطيطهم وفكرهم؟!
هذا هو فحسب، وإلاَّ لن يضرُّوك شيئًا؛ ولهذا يقول:
يقول: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ..(4)):
قال: وهذا الذي عندكم (وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) أخياركم وأشراركم، ومَن تظاهر بخير وأبطن شرًا، ومَن ظاهره لا يُنبئ عن خير وفي باطِنه خير، قال: أنا أدري -أنا أعلم- وكُلكم سترجعون إليّ وأنا سأُحاسِبكم، لا إله إلاَّ الله؛ (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) [البقرة:284].
قال: (وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ):
ومَن..؟ ومَن..؟ (وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)؛ هذا محط التكليف الذي كلّفتكم به، أنا أراقبكم فيه.
(وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(4))، (بِذَاتِ الصُّدُورِ) صدرك ومُحتواه وتكوينه هو أعلم به، فكل الدوافع التي معك لأيّ قول تقوله، ولكلّ حركة تتحركها؛ هو عالم بها -جلَّ جلاله-. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، بل ما سيطرأ على بالك وصدرك مما لا تعلمه أنت الآن هو يعلمه، (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه:7] -الله أكبر- (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5))
ويُخاطِب: يا أهل العقل يا أهل الوعي:
وكل صِنف مِن أصناف الكفر موجود في كل زمن، إلى زمننا هذا، الموجودين معنا مِن الكفار في زمننا، نقول لهم: نُظراؤكم مِن الذين كفروا قد مضوا على ظهر الأرض، لو تأملتم بإنصاف وبأناة وبتعقّل لَاعتبرتم بهم ولادَّكرتم، لم يدركوا حقائق مِن الخير والسعادة في الدنيا، فكيف في الآخرة، وإنْ كذّبتم بها؟!
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ):
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5))، والعذاب المؤلم الشديد مُستقبِلُهم -أي ما زال أمامهم-، يعني مهما ذاقوا مِن وبال الأمر؛ فيهم الذي غرِق، وفيهم الذي حشرة دخلت في أذنه وفي أنفه ثم تركته، وذهب ملكه كلّه إلى أن مات، وفيهم الذين الصاعقة أخذتهم، فيهم الذين الصيحة أخذتهم، فيهم الذين الريح أخذتهم؛ ذهبوا. كل هذا الذي أصابهم في الدنيا يسير، ما زال (عَذَابٌ أَلِيمٌ(5)) أمامهم.
يقول جلَّ جلاله: (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، والعذاب الشديد الإيلام أمامهم في الآخرة، في البرزخ ثم في القيامة، ثم الأشد؛ دخول النار -اللهم أجرنا مِن النار.
(لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ):
موجود مثلهم قد مضى، موجود؛ ولكن أين نهايته وما عاقبته؟
يُكررونها؛ واحد بعد الثاني، مات الذي يسقط، ويجيء الثاني يسقط، ويجيء الثالث يسقط، وكلها سقطات -والعياذ بالله- إلاَّ:
والسورة كلها سمّاها بسورة التغابن؛ لأن حقائق الغبن هناك يظهر، وكل ما وُصف في الدنيا مِن ربح أو غبن يتضاءل، ويصلون إلى ساحة فيها حقيقة الربح وفيها حقيقة الغبن، يوم التغابن سمَّاها الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6))
يقول: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ) -الشأن والحال- (كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ)، يقول الله تعالى: أنما ما أعذِّب أحدًا مِن عبادي مِن دون ما أرسل رسولًا، مِن دون ما أبيّن له الأحكام:
(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) آيات واضحات وعلامات كامِلات، تكفي لكل عاقِل أن يعلم أنّهم رسل مِن عند الله، إلى عند نبينا محمد، ومِن أول ما نزل عليه الوحي وتحدَّى العرب ببلاغتهم أن يأتوا بمثله ما قدروا، بعشر سور ما قدروا، بسورة واحدة ما قدروا.
وبعد ذلك، ما الذي يؤخِركم؟ هاتوا لنا آية شق القمر، انشق القمر وما رضوا -أن يؤمنوا- وماذا بعد ذلك؟! ماذا تريدون؟ علامات واضِحة، ما مِن إنسان تنشق له القمر؟!
الأرض كلّها شاهدوا هذه الآية وآيات بعد آيات،؛ لم يؤمنون. الله أكبر.
معاشِر الكفار في زماننا، تأمّلوا سيرة هذا النبي، هل ترون مثلها؟ تأمّلوا أقاويله الدقيقة حتى في شيء لستم بصدده: مِن شؤون الاجتماعيات، مِن شؤون الكونيات، مِن شؤون الأنظمة المرتّبة لحركة الإنسان، انظروا ما قال، وانظروا ما اكتشفتم، هل تجدون أصدق منه أو أحسن منه؟ ولماذا هذا العناد؟ ولماذا هذا التكذيب؟!
(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) يقولون؛ هم بشر مِثلنا!
ولكن هكذا.. (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)؟!
قال لو أنا جعلت الملائكة وتركتهم في الأرض يمشون، سأرسل لهم مَلَكًا مثلهم؛ مِن أجل مَلك يخاطب مَلكًا؛ لكن أنتم بشر، أرسل لكم واحدًا منكم بشرًا يتخاطب معكم ويكون قُدوة لكم: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95].
قالوا: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا).. وما نظروا إلاَّ إلى بشريته:
(فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا..(6)) ما شاهدوا إلاَّ بشريتهم! ما رأوا خصوصيتهم؛ لأنهم مُمتلئون ظُلمة، ما أحبوا تفقُّد النور، وما شاهدوا إلاَّ البشرية وحدها:
قالوا: (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا)، وكذبوا، وعاندوا، (وَتَوَلَّوا) أعرضوا عن هؤلاء المرسلين وما جاءوا به عن الله..
لكن هو الغني (وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)) بذاته، غني حميد في وصفه وتدبيره وفعله.
تفسير قوله تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7))
قال الله لحبيبه: (قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(7))؛ وهذه ثلاث مواطن أمر الله نبيه أن يحلف فيها على هذه الحقائق الكبيرة، ولِمَ يحلف والجماعة يُكذِّبونه؟! لكن مهما كذَّبوه يعلمون أنه يُقدِّر ربَّه ويخاف ربَّه، ويعرِفون ذلك، وأنه لا يحلف به على شيء إلاَّ أمر واضح عنده مثل الشمس -يقين-، فعسى أن يكون هذا الحلف نافِعًا ودواءً ناجعًا للسم الذي عندهم مِن هذا العناد:
أنا أحلف بالله الذي خلقني (لَتُبْعَثُنَّ) -الله أكبر- (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ)، وتُجازون على ما عمِلتم؛ قليله وكثيره، صغيره وكبيره (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء:49]:
تفسير قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8))
يقول: (وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(7))، فبالغ في أداء الأمانة يا حبيبنا، ونادهم أن ينقذوا أنفسهم، تؤدّي ما في ذمَّتك بيننا وبينك، وتلقانا ونحن راضون عنك، قل لهم: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ):
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9))
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) سمّاه يوم الجمع؛ لأنه لا يحصل في شيء مِن الأيام جمع مثل ذاك اليوم أصلا:
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ):
لا جمْع مثل ذاك الجمع أصلًا، ذاك يوم الجمع الله الله الله.. (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) والملائكة ينزلون معهم، وإذا به مَن في الأرض ومَن في السماء كلهم مجموعون: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا) [الفرقان:25]؛ جمع .. جمع، وما مِن نفس منفوسة لأي إنسان أو حيوان إلا حاضرة في ذاك اليوم، ما هذا الجمع عظيم!
يوم الجمع: (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..(9)) مَن الرابح ومَن المغبون؟
سترون الربح بعد ذلك، مَن الرابح ومَن المغبون، هناك ذاك اليوم..
عرفنا مَن الرابح ومَن المغبون: (ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ..(9)) دعوا ما تذكرون مِن الغبن بينكم، كله يضمحل الآن، سأريكم اليوم الذي فيه التغابن، مَن المغبون؟ إن كان ثمة خبر للغبن هو في ذاك اليوم، مَن هو المغبون ومَن هو الرابح: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [ال عمران:185].
فالله يملأنا بالإيمان والنور، ويرزقنا مُتابعة حبيبه بدر البدور في جميع الأمور، في البطون والظهور، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به هذا الرسول وهذا النور، ورزقنا الله الحشر في زمرته في يوم البعث والنشور، وأصلح شؤوننا والمسلمين في المشارق والمغارب، ودفع عنّا وعنهم المصائب، وأيقظ قلوبنا مِن سِنة الغفلة، ورزقنا حُسن التسبيح بحمده والمتابعة لحبيبه وعبده، وحُسن الوفاء بعهده، وتوفَّانا على خير الحالات.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي
اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
12 رَمضان 1441