(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التحريم، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ..} الآية:10، إلى قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا..} الآية: 12
﷽
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12))
الحمد لله على كَرامَتِه ببُلوغ خِطابه وكلماته، وبيان بيِّناته على لسان خير بريَّاته، خاتم رسالاته، ومستودع أماناته، مُفتاح باب رحماته، عبده المُجتبى وحبيبه المُنتقى، سيدنا محمدٍ الأكرم الأتقى، صلى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه في كلِّ لمحة ونفس كما يليق بجلال الله، وجمال الله، وكمال الله، ومحبَّته لحبيبه، وكما يليق بمنزِلة حبيبه عنده، وعلى آله الأطهار بتطهيره، وأصحابه المُنَوَّرين بتنويره، وعلى من تابعه واقتدى به في سعيه ومسيره، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين بُعثوا بالهداية على الحَق، والتبشير بالبَشير من المهيمن ونذيره، اللهم أدم صلواتك عليهم وعلى آلهم وأصحابهم وملائكتك المُقَرَّبين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، صلاة تُصلح بها لكلٍّ مِنَّا ومن والانا فيك جميع شؤون بطونِه وظُهوره، في حياته وعند مماته، وفي قبره ويوم بعثه ونشوره.
أما بعد،،،
فإنَّنا في تأمُّل كلام ربِّنا -جلَّ جلاله- انتهينا إلى أواخر سورة التحريم:
وقد ضَرَب الله لنا المثل للذين كفروا وللذين آمنوا، فَذَكَر لنا حالة امرأتين اختارهما أن يُضربا مثلاً لمن كفر، وكانتا حُجَّة على كل من اغْترَّ، وعلى كل من على المُخالفة أصرَّ، ثم قال إني صَحِبتُ أو اتصلتُ بالغُرر، فإن هناك قواطع وموانع تقطع وتمنع حصول شريف الأثر، المُرتجى من الاتصال بالكُبر، وأرباب النور وحميد السير.
وهكذا تشتدُّ المؤاخذة لمن مُكِّن من جلوس الكُبراء، ثم أصرَّ على معصية الجبَّار-جلَّ جلاله- سِرًّا وجهرًا، وخالَف ولم يُعاتب نفسه، ولم يُراجِعها، ولم يندم و يُحاسبها؛ فذلك الذي ضيّع نفسه وأسرف على نفسه.
تفسير قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ)، كان يمكن أن يقول: كانتا تحتهما، ولكن لتمجيدهما وتعظيمهما قال: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ)، أي كانتا على مَقرُبَةٍ من أن تنالا من بِرِّنا وجودِنا ما لا يُكيَّف، ولكنه الإصرار والعِناد والمُخالفة والاستِخفاف بمن عَظَّمنا وأحببنا؛ لانطواء الضمير على نيَّة الأذى لمن كَرَّمنا وشرَّفنا؛ منعهما هذا الخير.
كما قال في بلعم بن باعوراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) وهذه الآيات ارتفع بها الواحد والثاني والثالث والعشرة، ومئات وألوف من عبادنا رفعناهم بهذه الآيات، والرَّجُل حَمَلَ الآيات ولكنه انسلخ منها (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ..) [الأعراف:175-176].
فيا خيبة المُغتَرِّين بالأرض وما على ظهر الأرض! (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) [الكهف:7-8]، فلا يبقى منه بقيَّة ولا يبقى منه شيء، ويضمحِلُّ ويتلاشى، فما أقبح حال المُغتَرِّين بالأرض وما في الأرض!
قال الله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) [القصص:4] وإلى أين وصل هذا العُلو؟ وإلى أن غرق وقال: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90] وخسِر الدنيا والآخرة.
فماذا ينفع العلو في الأرض؟
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) [القصص:83]؛ فلا يتناسب مع العُلى من أَخلد إلى الأرض، وما على وجه الأرض؛ رئاسات ووزارات وحُكومات وهيئات ومصانِع وما إليها، ما هو هذا! هذه زينة للأرض، لا لك ولا لي، زينة للأرض، للاختبار والامتحان:
ما بقيت قُرى مَن قبلنا ولا مُدن مَن قبلنا ولا مباني مَن قبلنا، أتبقى مُدننا وقُرانا ومبانينا؟ لا وعزَّة الله!
يا غافل، استيقظ من الغفلة! يا جاهل، تعلَّم هذه الحقائق! اخرج من الوهم ومن الظُلم والخيال، ما دامت ولا بقيت مدن ولا قُرى من قبلنا، ولا حضاراتهم ولا آثارهم ولا تُراثهم ولا مصانِعهم ولا أسلحتهم ولا قواهم، تدوم أسلحت من؟ وقوى من؟ وأرض من؟
يا أهل العقول الذين آمنتم بي وبرسلي، اتَّقوني واعلموا هذه الحقيقة، ولا تبقوا في أُحبولة عدوَّكم؛ يغركم بالأرض وما في ظهر الأرض وما على وجه الأرض، ما خلقتكم للأرض!!
(وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [هود:101]، (وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)، فبدل من أن يكون عالمًا يُعظَّم وتُرفع درجاته، قال: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) [الأعراف:176]:
مسكين (كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:176].
(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ) [الطلاق:10-11] التي فيها هؤلاء؛ من هذا الوهم وهذا الخيال، والركون للأرض، والخُلود للأرض، تعظيم الأرض، والإنحصار في الأرض؛ (لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) [الطلاق:11]:
(فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [الشعراء:58]، (وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) [الدخان:26-29] لكن هذا الرزق الحَسن، (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا)، أعدَّ الله لهم جنَّات، قال: (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) [الطلاق:11]؛ فنِعم هذا الرزق الحسن! وفَّر الله حظَّنا مِنه.
يقول: أن امرأة نوحٍ وامرأة لوطٍ (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)؛
(فَخَانَتَاهُمَا) -فلما كان الأمر كذلك- (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، يقول: كتبت غضبي على من يؤذي أنبيائي وأوليائي، فلا يظن أحد أنه يؤذي أنبيائي أوأوليائي ويُخالف أمري، ويكفر بي ثم أرحمه بأيِّ شيء آخر، والأقرب عندي والمُكرَمين لا أقبل شفاعتهم فيه.
فمن يشفع لهم؟ (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا):
كما قال عن عموم الكفار الذين كفروا: (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر:48] يعني أقصى ما أرحم به عبادي أن أُنقذهم وأُخلِّصهم بشفاعة مُحبوبين عندي ومُقرَّبين عندي، ولكن هؤلاء لا أقبل فيهم شفاعة أحد.
فمن لهم؟ يعني الغاية التي يمكن وصول الرحمة إليها مسدودة عنهم، (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ):
الشافعون الذين لهم القبول عند مَلِك المَملكة، قطعتم حِبالكم بينكم وبينهم، خالفتموهم في أصل ما يدعونكم إليه، وأعظم ما يدلُّونكم عليه من الإيمان بي، والخضوع لجلالي والإقرار بالعبودية لي؛ وأنا ربُّكم.
قالوا: ليس عندنا صديق محبوب عند الربِّ، ولا عندنا صديق صاحب وجاهة عند المَلِك. لأنكم خالفتموهم في أصل ما دعوكم إليه.
يقول: (فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، وقيل عند وفاتِهما، ثم في يوم القيامة (وَقِيلَ)؛ لأن الأمر مُحقّق، يقين آتٍ، فكأنه قد حصل، فعبَّر عنه بالماضي: (وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))، وقال عن قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) يعني في البرزخ (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]، هنا قال: (أَدْخِلُوا) وهؤلاء (قِيلَ) لهم: (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).
كمثل الرجل الناصِح المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى: (وجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ) [يس:20]، يعني حامل همّ بأمر الله على ظهر الأرض -وإلا هو جالس في أقصى المدينة، في حالهِ، يأكل ويشرب، ولا عنده أي مشكلة!- ماذا يريد من الناس هؤلاء الذين كذَّبوا الرسل وآذوا الرسل؟! الأفضل له أن يجلس مكانهُ يأكل ويشرب؟! لا؛ رجل وعى مُهمَّته في الحياة، وعى أن الله خلقه ليقوم بالأمانة.
(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ)، جاء! ماذا معك؟ هل في تجارة هنا ستحصل عليها؟ هل في أسهم ستشارك فيها؟ ماذا معك؟
هذا الذي جاء للقيام بهذه المُهمَّة، ما جاء لأن عنده تجارة ولا مُساهمة ولا نُزهة، ولا يعمل شيء من مقاصِد الحياة الدنيا.
(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ)، الله يقول:
(مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) -الأفضل له يجلس ويأكل ويشرب، ما الذي يريد من القوم؟ ويُعَرِّض نفسه للقتل- قال: (اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ) -يقولون له -؛ وأنت تُصَدِّقهم وتكفر بالآلهة؟! إلا الله تعالى؟! قال: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [يس:21-24]؛ قَتَلوه، (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) الله أكبر،
(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) ورجع مسكين يَعطِف بالنصيحة على القوم الذين قَتَلوه، قال: لو عرفوا الحقيقة لن يقتلونني ولا يرضون لأنفسهم بذلك.
يقول: (فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، ويقول الحق:
قال تعالى: (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))، مع الذين حَكَمتُ عليهم بدخول النار من الفُسَّاق والكُفَّار والفُجَّار.
تفسير قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11))
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، جعلنا الله من المؤمنين ورقِّنَا مراقي الإيمان، فحالات هاتين المرأتين السابقتين حالات أهل النار، حذَّرنا الحق منها:
قال: اسمع، هذه حالات أهل النار، هذا مَثَلُ الكفار (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ..(10)):
هذا مَثَلُ الكُفار، فأنت منهم -نعوذ بالله من غضب الله- وتدخل النار معهم، هذا مثل الذين كفروا: يبطنون السوء، يؤذون الأصفياء، يوالون الكفرة الأشقياء؛ هذا مَثَلُ الذين كفروا؛ فاحذر، فإن كان فيك هذه الحالات؛ فأنت من الذين كفروا، وما مآلهم إلى النار.
فهذا حال الكفار ومثل الكفار.
وضرب الحق المثل بهذا: (امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ..(10))، هذه حالة امرأة نوح وامرأة لوط:
(وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))؛ فاحذر من مثل الكافرين، لا يكون فيك ولا يكون في أحد من أهلك وولدك، لا تُبطِنوا السوء والشَّر، لا تؤذوا أصفياء الله، لا توالوا أعداء الله في شيء يُخالِف شرع الربِّ؛ فهذا حال الكفار، ومَثَلُ الكُفار.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) -حَقِقنا اللهم بحقائق الإيمان، وزدنا إيمانًا في كل لحظة وآن- (امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ)، هذا فرعون الكافر الفاجر الظالم الباغي، قتَّال النفوس.
وهكذا يقول الله: كل من صدق معي، لا يضُرَُه كفر الكافرين، وفجور الفاجرين.
هذه حالة هذه المؤمنة: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) وإنه وقد غَلَب سيدنا موسى على السحرة، وأظهر الله صِدقه في النبوة؛ آمنتْ به وصدَّقته ووالته في الله، وفشى خبر إيمانها حتى وصل إلى فرعون، قال: ارجعي، أنا الربُّ، قالت: أنت مخلوق مثلي؛ كنت نطفة، ثم علقة ومضغة، كيف تكون ربّ؟! قال: أنا الرب سأعمل وأعمل، قالت: أعمل ما شئتِ. فكان يأتي بأوتاد أربعة، يوتد بها رجليها ويديها ويضعها في الشمس، ويضع عليها الحجارة، يعذبها، حتى اشتد عذابه لها؛ وهي صابِرة، وأعدَّ صخرة كبيرة وضعها فوقها؛ لِتُرمى على رأسها؛ فيتهشّم وتموت.
(قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)، مشغوفة بإلهها في هذه الحالات والظروف، ما توانت ولا انخذلت ولا ضعُفت ولا جَبُنَت ولا تراجعت عن إيمانها ودينها.
وما في قلبها من الشوق يحملها على نداء الربّ:
(رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ)؛ من كُفره وشَرِّهِ وضُرَّه وأذاه، (وَعَمَلِهِ) من المُنكرات، كان يُقَتِّل الأبناء ويستحيي النساء ويستعبد الناس ويقول الأقوال الفاسِدة، (وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ)، (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)) المُحيط الذي عِشتُ فيه مع هؤلاء الأقباط الذين يوالون هذا الطاغية وينصرونه على الباطل، نجِّنِي منهم ومن عملهم، وأنا بريئة منهم، (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)؛ هذه حالة المؤمن:
(وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)):
(وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وفي تلك اللحظات الأخيرة لمَّا قالت ودعت تلك الدعوة:
وهل يُعامِل الرحمن من أحبَّ بحبِّه البشري المخلوق القصير؛ إلا أن يولّيه ويتولاه بحبُّه الرباني العظيم الكبير؛ هذه سُنَّة الربّ بكل من صدق وأحب:
هل رأيت كيف عاملها؟ هي أحبَّته وقدَّمته على مصالِحها وأغراضها ودنياها ومُلك فرعون وما عِنده وذهبه وما في يديه، وآثرت هذا الربّ.. فانظر كيف صنع معها، وكيف عاملها، وكيف أعدَّ لها الرزق الكريم الحسن، وجعلها زوجة جد الحسين والحسن، هنيئًا لها!
امرأة عرفت كيف تُقرِّر، عرفت اتِّخاذ القرار الصائب، وواجهت الطِغيان والكفر على ظهر الأرض بنظر ثاقب وقلب يُحب الإله ويُعظِّمه ويعشق لقاه؛ فَحَسُن لها الأجر والمثوبة من قِبَل هذا الإله؛ فهنيئًا لها!
هذا مثُل المؤمنين.. خُذ هذا المثل، تمثَّل به، خُذ هذه الحالات:
(وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11))، كل الذين معه على هذا الشرك والكفر وعلى هذا الظلم، نجِّنِي منهم:
هذه الفوارِق بين الإيمان والكفر، هذا مَثَلُ المؤمنين، عندك هذه الحالات أم لا؟ هذه حالات المؤمنين، إن كانت فيك فأنت منهم، وهل للمؤمنين إلا الجنة؟ الله أكبر.
تفسير قوله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12))
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ)؛ وهذا المثل للمؤمنين، وضرب المثل بمريم ابنة عمران -رضي الله تعالى عنها- تلك عاشت في قصر فرعون، وهذه في بيت المقدس في المِحراب بين الأنبياء والأولياء، هذه وهذه، كلٌّ مَثَل للمؤمنين، الله أكبر.
فأول ما وصفها به الإحصان والعفاف والطُهر التام والبُعد عن الريبة: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) عليها رضوان ربي جلَّ جلاله وتعالى في علاه، فكانت نقيَّة طاهِرة عفيفة، لا تميل إلى فحشاء ولا تلتفت إلى خَنا، مُراقِبة للربِّ في الحسِّ والمعنى.
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)، فأرسل الله إليها المَلَك جبريل عليه السلام، (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ …)؛ لأنه صورة بشر، رجل يدخل عليها! قالت: كيف تدخل عليَّ؟! وأنت أجنبي، لماذا تأتي إليَّ وتدخل إلى مكاني؟ بأي حق؟ (أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) - أنا رسول من عند ربك، ولستُ ببشر- (لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) -غلام زكي؟!- (قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ) [مريم:17-21].
الله يعطي بسبب وبغير سبب؛ (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران:59] سيعطيك ولدًا من دون زواج، من دون أن يمسَّك بشر، ومن دون أن يقرب منك إنسان، سيعطيك ولدًا: (قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا) [مريم:21]؛ في هذا بيان حقيقة الإيمان:
قال تعالى: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا)، قالوا: وأمسك جبريل -عليه السلام- بطرف دِرْعِ مريم وفتْحتهُ من الأعلى، وهذا هو الفرج، فنفخ بإذن الله تعالى؛ وإذا بالروح تتكون وبالجسد -جسد وروح وسط البطن- بسرعة وقد حملت؛ فَحَمَلَتْ به، فقالت: ماهذه المصيبة؟ كيف يصدقوني الناس هؤلاء؟ وقد حصل هذا على خلاف العادة، على خلاف السُّنة، كيف يصدقوني، أن الله أعطاني ولدًا من دون زواج؟! من دون أن يمسسني بشر؟!
(فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا)؛ ذهبت إلى مكان بعيد، تُفكر في هذا الهم والغم، ماذا ستقول للناس؟ ومن يصدقها في أنه من عند الله، هكذا جاء؟ إلا إن كانوا أنبياء، وإن كانوا بعض الأصفياء، والناس سيقولون: من أين جاءت بالولد؟ من أين جاءت بالولد؟ (فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ …)، جاءت الولادة، وصل هذا الولد الذي تفكرين، وأنتي حاملة الهم، كيف ستقولين لقومك فيه، قد وصل!. (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ) [مريم:22-23]؛ من شدة هذا الهم، وفي هذا أن كثيرًا من عجائب المنازلات الربانية للمحبوبين يكون ظاهرها وحسها مشكلة وتعب، ووسطها نِعَم ومِنَن؛ لأن الرحمن هكذا يعامل أصفياءه، ولكن ظاهرها مشكلة كبيرة.
(قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا …) [مريم:23-24]، خطاب من تحتها، من تحت الأرض: (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)؛
والمشكلة أمام الناس، ماذا تفعل؟ (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا) لا أكلِّم أحدًا (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم:23-26]، اسكتي منهم، كيف اسكتي منهم؟! اسكتي منهم، الذي أعطاك الولد سيجيب عنك، أنتِ اسكتي ولا تتكلمين مع أحد.
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) -كبيرًا شنيعًا- (يَا أُخْتَ هَارُونَ) يعني الممثَّلة بجدِّها هارون، جدُّها كان سيدنا هارون أخو سيدنا موسى، وهي من نسله وبينها وبينه قرون.(يَا أُخْتَ هَارُونَ)، يعني الشبيهة به في النُسك والعبادة والحياء والأدب (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ …)، أنتِ من أسرة طيبة صالحة، من أين يأتيك الشذوذ والانحراف؟! (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) لم تكلِّم أحد (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) [مريم:27-29].
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)، يتكلم؛ رب العالمين أنطقه جوابًا عن مريم، مريم ساكتة والطفل يتكلم، ألقى خطبة كبيرة بليغة عظيمة؛
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:30-33]؛ أخبار الإيمان والرسالات، والاستقامة والمسار، والبر والإحسان.
وبعد ذلك عرفوا أنها آية من آيات الله، وأن مريم طاهرة، وأن مريم طاهرة محصَّنة مُنَقّاه، ما حولها شيء من السوء، عليها رضوان الله تعالى.
(وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا)، يعني كانت موقنة بالشرائع التي أنزلها الله على الأنبياء، ما شرعه بالكلمات التي أنزلها على الأنبياء إلى آخرها؛
صدَّقت بالكلمات كلها، ما شكَّت في شيء مما جاءها عن الله تعالى، من وحْيه للأنبياء ورسله. (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ)، ما أوحاهُ على الأنبياء من التوراة والزبور والكتب المنزلة على الأنبياء؛ مصدِّقة بها، هذا الشرف والفخر: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)):
(وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) عليها رضوان ربِّنا جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12))؛ هذه حالات المؤمنين:
هذا حال المؤمنين وهذا مَثَل المؤمنين كمال اليقين، إذا صاموا رمضان، أحبَّوا ألا يخرج رمضان، عندهم يقين أن الرحمن شرع لهم ذلك ليفيض عليهم:
يقومون ويزدادون نشاطًا مع مرور الأيام وإذا مرت بهم أربعة أو خمسة أيام -من رمضان- لا يضعفون ولا يَكسَلون.
ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فيشتاق إلى الليلة السادسة -من رمضان- وإذا مرت حزِن على مرورها، واشتاق إلى الليلة السابعة، وإذا مرت عليه حزن على مرورها، وزاد شوقه إلى الليلة الثامنة؛ لِيناجيه، ليُكلِّمه، ليُخاطِبه، ليقوم بين يديه، ليَظفَر بشرف التذلل بين يدي العزيز الكبير.
(صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)) عاشقين العبادة، عاشقين المُناجاة للإله، عاشقين العمل بطاعته.
(وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)؛ هذا حال المؤمنين، فإن كانت فيك هذه الحالة فأنت منهم، وما للمؤمنين إلا الجنة! وما للمؤمنين إلا الأمن في الدنيا والآخرة:
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا)، فالحمدُلله، وصلى الله على البشير، وجعل الله لنا الحظ الوفير من تبشيره، ومن سر ما نَشَر على يده من البشارات للمؤمنين والمؤمنات، حَقِقنا بذلك، واجعل فينا حالات الذين آمنوا، ومن ضربْتهم مثلاً في كتابك العزيز.
فكنَّ هؤلاء المخصوصات من بين النساء. وقد ذكر الله تبارك وتعالى:
لم يذكر اسمًا لغير الأنبياء، لا من الصحابة ولا من التابعين، فمن رجال هذه الأمة، وَصف من وَصَف بأوصاف، وما ذكر اسمًا إلا لزيد بن حارثة، لِمَ؟ لأن الحبيب يحبه، ولمَّا فاز بمنزلة ومكانة من عند الحبيب، ذَكَرَه الله تعالى في مواقف من مواقف الحياة المهمة، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وكان الملقب بحِبِّ رسول الله ﷺ، الحمد لله على ذلك، وسلك الله بنا أشرف المسالك.
والذِّكر في القرآن:
ربطنا الله بكتابه، وسيد أحبابه، وخَلَّقَنا بأخلاقه، وأدَّبنا بآدابه، وحشرنا في زمرته مع أصفيائه وأهل قُربه ومودته، في عافية.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه
07 رَمضان 1441