(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التحريم، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ..}، الآية: 8، إلى قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ }، الآية: 10
﷽
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))
الحمد لله مُكرِمنا بآياته، مجال عِناياته ورِعاياته، ومحطّات تعليماته وتوجيهاته وتنبيهاته، أرسل بها إلينا من ختم به رسالاته، عبده المُجتبى محمد أعظم مظاهِر قُدرة الحق تعالى وآياته، صلِّ اللهم وسلم وبارك وكرم في كل لمحة ونفس أبدا سرمدا على عبدك الهادي الى طريق الهُدى سيدنا محمد، وعلى آله واصحابه السعداء، ومن بهم اقتدى، وعلى آبائه واخوانه من أنبيائك ورسلك سادات أهل المجد والهُدى، فيما خفي وما بدا، في الدنيا وغدا، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المُقرَّبين، وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا ارحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإنِّنا في تأمُّل خِطاب ربِّنا وكلامه، وتنعُّمنا بما أوحى إلى عبده -صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم- من آياته وبيناته ودلالاته، مررنا على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، جعلنا الله وايَّاكم معه، وجَعَلَ إيماننا معه، وجَعَلَ عملنا معه، وجَعَلَ حشرنا معه، وربطنا به ربطًا لا ينحلُّ أبدا.
(نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا)؛ وهم على درجاتٍ في هذا النور، وقوة إضاءَتِهِ وإشراقه على قَدرِ ما اتصلوا بِمَصدَر النور، ومنبع النور؛ نور الله الأكبر؛ عبده المُصطفى محمد خير البشر -صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم-، الذي قال عنه في الآية الأخرى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة:15]؛ فتتنوَّر به القُلوب والعُقول والأفكار والأعضاء، بتصديقه واتِّباعه والاهتداء بهديه والاقتداء به -صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم-، وعلى قدر ذلك يظهر النور في قلب المؤمن في الدنيا، و بين يديه وعن يمينه في العُقبى:
وإنما السعي للأمر الذي يجري ويمضي بسرعة، فكذلك لقوَّة هذا النور عبَّر فيه بالسعي فقال: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ).
ومع ذلك فكلُّهم بأصنافهم؛ من كان نوره أقل وأضعف، من كان نوره أضوأ؛ الكلُّ يطلب اتمام هذا النور؛ لأنه علامة رضوان الغفور وسبب نيل العطاء الموفور يقولون: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8)) فهم على هذه الطلبات من ربِّ البريات في الدنيا والبرزخ والآخِرات.
(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
ولقد خلق الله ملائكةً:
فإذا جُمِعَ الخلق في القيامة جاء هؤلاء الملائكة وقالوا: "سبحانك يا ربَّنا ما عبدناك حقّ عبادتك ولا عَرفناك حق معرفتك" -سبحانه- لا يُحصي على ثناء، و لا يقوم بحقِّه أحد، والكلُّ يحتاج لمغفرة هذا الإله الغفور.
يقولون: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا) ويشهدون العظمة في الذي التجأوا اليه، والحِصن الذي تحصَّنوا به، والملاذ الذي لاذوا به، وهو الرحمن القادِر على كلِّ شيء؛ (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عظيم القُدرة على كلِّ ما تُريد وليس لغيرك من قُدرة؛ إلا ما أتيتهم وبمِقدار ما أذنْتَ لهم؛ فهم عاجزون على الحقيقة، والقُدرة كلَّها لك يا ربَّ الخليقة.
(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)؛ هذا دعاء الذين مع محمد، والذين يُحشرون مع محمد؛ فكن داعيًا بهذا الدعاء ليالي رمضان وأيامه، وغيرها من أيام عمرك، وقل: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)).
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9))
يقول جلَّ جلاله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) بعد هذه البيانات لواجِب البيوت والأُسر أن تُحَصَّنَ وتُحفَظ بوحي الحق الأكبر، وامتِثال ما به أمر، والبُعد عما عنه زجر، في عاداتهم وما يجري مِن أقوالهم وأفعالهم، وما يجعلون مِن أمتِعةٍ، ومِن صور وسط الديار؛ ومِن مسموعات ومِن مقروءات ومِن منظورات يقوم على منهج الحق -تبارك وتعالى-، تُحَصَّن بذلك البيوت ويُكثَرُ فيها ذِكرُ الحق -جلَّ جلاله- وذِكرُ رسوله -صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم-؛ فيقوى عندهم الإيمان واليقين، ويتصفَّون وتحلو صِفاتهم بما هو أحسن وأجمل؛ اذاً هذا مسلك الأخيار الصالحين في الدنيا، وهناك مسالك للضُرِّ، للشرِّ، للفساد، للفُسوق تغزو البيوت والمنازل.
ولما طَبَعَ الله الدنيا على ظهور هذا وهذا، ووجود هذا وهذا؛ بَيَّنَ الواجِب للذين آمنوا به وأُكرموا بمعرفة الحق، وإدراك الحقيقة وتمسَّكوا بالعروة الوثيقة؛ أن واجبهم أن يُجاهدوا على ظهر هذه الأرض، ما داموا على ظهر هذه الأرض:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ)؛ وجَّه الخِطاب لرأسنا ولأساسنا؛ لنعلم من ورائه ما يلزمُنا وما ينبغي لنا، وإذا كان هذا الخِطاب لسيدنا، فنحن من بعده أين مسارنا؟! إلا أن نخطو حيث خطا، وأن نمضي حيث مضى، وإن نمشى كما مشى.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وقد تفسَّرت وتترجمت في هَديِهِ وفي سُنَّتِهِ وفي مَسلَكِهِ ﷺ أعلى معاني المُجاهدة للكفار وللمُنافقين، وكان المُنافقون بين يديه يُصَلَّون معه بأجسادهم ويَحضُرون معه و(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) [الفتح:11] إلى غير ذلك، فكان قد جاهَدَهُم وأغلظ عليهم، ولم نرَ في هذه المُجاهدة والإغلاظ شيئًا من سوء الخلق، ولا من إيقاع النفس في النفرة والبُعد؛ بل رأينا صبرًا، ورأينا خُلقًا، ورأينا فتحًا لأبواب الرجعة والإنابة وهكذا.
وقد جاءنا في الحديث: أنَّه لمَّا قذف الله الإيمان في قلوب بعض الذين كانوا على النفاق، فجاء إلى سيدنا المُصطفى خاضِعًا خاشِعًا مُنيبًا إلى الربِّ؛ قاصِدًا الربُّ من بابه، لائذًا بأعتابه، قال: "يا رسول الله؛ الإسلام هاهنا" وأشار الى لسانه، "والكفر هاهنا" وأشار إلى قلبه، "يا رسول الله؛ كنت على كذا وكذا وكذا"، فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره، ودعا له، فأشرق نور الإيمان في قلبه، وقال: "يا رسول الله إني كنت مع قوم يتآمرون عليك ويعملون، ونجتمع ونقول ونفعل، أفلا أخبرك بأسمائهم، قال له: "لا، بل من جاء منهم كما جِئتَ فاعتذرَ، استغفرنا له كما استغفرنا لك، ومن لا فالله حسيبه، وما أُمِرتُ أن أُفَتِّشَ عن قلوب الناس" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هكذا كان هدْيه، فما معنى هذا الإغلاظ؟.
هذا الإغلاظ تبيَّن تمامًا في عدم السماح لِظُلمَة الكفر وسوئه أن تَنخَرَ وتجد مجالاً بين المؤمنين:
فيما تبيَّن من سُكوته عن بعض الأشياء، وإعراضه عن بعض الأشياء، وتخْويفهِ وتحذيره -عليه الصلاة والسلام- وما إلى ذلك، فكان ذلك؛ هو الإغلاظ الذي أُمِرَ به وتَرجَمَهُ بِعَمَلِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ولا تفسح لهم مجالًا بأن ترضى شيئا من فسادهم، ولا كفرهم، ولا أن تهمل شأن من شئون الحياة، يُنفذون منه للضُرِّ وللأذى، وإلى نشر الكفر، والتشكيك وما إلى ذلك، فكان يُقفِل هذه الأبواب ويَسُد الحجاب، ويعمل كل ما يُجدي من أسلوب في تقريبٍ وتحبيبٍ وإنقاذٍ وهداية.
و لذا سَمِعنا، أنه -عليه الصلاة والسلام- في خروجه في غزوة بدر الثالثة -التي تسمى بالصغرى- استخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ، وكان أبوه مشهور بأنه رأس المنافقين في المدينة، فاستخلف ولده على المدينة، عسى أن يَؤوب قلب أبيه وعسى أن يُنيب.
وبكل ما عمل معه الرسول ﷺ، قال بعض الحُفَّاظ وبعض علماء السيرة: أنه نَدِم في آخر عُمِره، وأنه أرسل إلى الرسول ﷺ يُريد قميصه، ويريده أن يستغفر له، حتى شك مَن شك منهم في أنَّه آمن في أواخر عُمِره، وكان بأسلوبه الذي قابل به رسول الله ﷺ في أيام مرضه، اهتزَّت قلوب كثير من أصحابه المنافقين، وقالوا: لو لم يَعلَم صِدق محمد ما كان بهذه الصورة معه الآن عند الوفاة، فدعاهم ذلك إلى الإيمان بالله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، وما ذاك إلا خُلق النبي الكريم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، ويقول: وقد صلى عليه كما سمعنا وكما عرفنا، وجذب قميصه سيدنا عمر بن الخطاب، وقال: تصلي يا رسول الله على رأس المُنافقين؟! قال: "إني لم أُنهى وإني خُيِّرتُ؛ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم"، ثم أنزل الله عليه بعد ذلك عليك: (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ) [التوبة:84].
يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، ومن كان مصيره هذا، وهو الدوام في النار الموقد، كيف تقتدي به؟ كيف تُحابيه؟ كيف تُعَظِمهُ؟ فهكذا يجب أن ندين الله -تبارك وتعالى- بانطواء قلوبنا على معرفة هذه الحقائق، وأن الناس في عواقبهم؛ لا يدخل الجنة إلا مؤمن، "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" يقول عليه الصلاة والسلام؛ فنرثي هؤلاء الذين أُبتلوا بالكفر فيها ونحزن عليهم؛ ونوقن أن من مات منهم على الكفر وقد بلغته الدعوة فهو مُخلَّد في النار: (بِئْسَ الْمَصِيرُ)، بئس المصير، لَمصير يدوم شرُّه ويدوم ضُرُّه، لو كان مصير فيه ألم وتعب ينقضي، ما قال بئس المصير، ولكن بئس المصير، مصيرٍ يتأبَّد ضرَّه وشرَّه و بلاءه وعذابه- والعياذ بالله- لا يُرجى منه انقاذ.
(وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فكلُّ من مات على الكفر والنِفاق -وإن كان النِفاق من جُملة الكفر- إلا أنه مُيِّز أصحابه حيث يُظهِرون مالا يُبطِنون؛ وبذلك يشتدُّ عليهم العذاب في الأخرة -والعياذ بالله تعالى-، ويعامَلون بموافقة ما كانوا عليه من النفاق في هذه الدنيا، حتى إن منهم من يُحَمى وسط النار في وسط قِدرٍ؛ فيصيح، فيقال: نحن لا نُحمِّيك إنَّما نُحمِّي القِدر، نحن لا نحرقك إنما نحرق القِدر؛ وهكذا نفاقك! كنت تقول كذا، والواقع كذا، ومظهر كذا، والباطن كذا، نحن لا نُحمِّيك، أنت تقول: أنا مؤمن .. أنا مسلم من أول، وباطنك كفر، وهكذا، فيُعامَلون بسوء ما عاملوا به الحق ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) فيجب كذلك، ومن مجاهداتنا لهم: اجتهادنا في دعوتهم إلى الإسلام والحق وإلى الله -تبارك وتعالى- بكل ما قَدرنا عليه من ذلك؛ فقد كان هدْيه عليه الصلاة والسلام، ويَعرِض عليهم ولو في أواخر لحظات أعمارهم، ويقول لأحدهم قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله، وهكذا:
وهكذا مضى صحبه الأكرمون والخلفاء الراشدون، وبذلوا الوسِع في هداية الناس، وفي ارشادهم وبيان الحق لهم، وأظهروا لهم جمال منهج الله وشريعته ودينه بأحسن الصور، ولكن الله يهدي من يشاء، ويُضِل من يشاء (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى:48].
(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ)؛ هذا أمر منطقيٌ صحيحٌ واضحٌ لا مجال إلى أن يسلك العاقل غيره على ظهر هذه الأرض.
قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))
يقول تعالى -بعد أن بيَّن كل ذلك- أخبر: أن الدائرة تَدور على هذه القلوب:
ومع ذلك كله:
فضرب الله المثل الذي ختم به السورة وقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا)، وذَكَر امرأتين عاشتا في بيوت صالِحة طاهِرة نقيَّة عظيمة مُنوَّره؛ بيوت نبوَّة ورسالة، لكن كانتا على الكفر وعلى النِفاق، ويُظهران لساداتنا الأنبياء ما لا يُبطنان، ويُعاونان عليهما الكفار، فلم ينفعهم كونهم في هذه البيوت الطاهِرة، وخابوا وخسِروا -والعياذ بالله-.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ (10)):
هذه خيانتهم؛ وكانت هذه الخيانة فيما قال سيدنا عبد الله بن عباس: أن الخيانة المُتعلِّقة بالفواحش لا تكون في بيوت الأنبياء، ولو كنَّ أزواجهن من المُنافقات، لا يكون عندهم خيانة مُتعلِّقة بالفاحشة قط، قال: ما بَغتْ ولا زنتْ امرأة نبي قط، فذاك يصون الله عنه أنبياءه وفرشهم، ويصون ديارهم عن ذلك، ومهما كانت خانت بالكفر والموالاة للكافرين ومُساعدتهم على السوء، لكن لا تصل إلى هذه الحدود؛ غَيرةً من الله على أنبيائه، غَيرةً من الله على أصفيائه، فلا يُمكِّنهن من الخيانة المُتعلِّقة بشأن الزوجية ولا بشأن الفاحشة أصلًا، هكذا جميع زوجات الأنبياء وأمهاتهم، فلا يخرج نبيٌ من شبهة ولا من زنى قط، ولكن من النِكاح الصحيح حتى جاء خاتمهم و قال:
كذلك حماية الله للأنبياء، فهذه معنى خياناتهم؛ (َضرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (10)):
ويقول الحق -تبارك وتعالى- لمن أشرك به وكفر؛ لا يغفر له، قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء:48] وكذلك عند التمادي في إيذاء أنبيائه وأوليائه، يغضب غضب؛ لا ينفع معه شيء ولا ينفع أصحاب ذلك منهم شيء، ولذا لَمَّا يذكر شأن المُنافقين وهم يُبطنون الكفر، وذكر عدم مغفِرته لهم، وقرن ذلك بأسباب غيرته على حبيبيه محمد؛ بأنَّهم الذين يؤذونه، الذين يُلْووُن رُءُوسَهُمْ عند قوله: (تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون:5]، والذين يحيكون عليه المؤامرات، و يقولون: (لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) [المنافقون:7]، فذكر هذه الحيثيات التي أغضبت الجَّبار عليهم:
وهاتان؛ إمرأة نوح وامرأة لوط لمَّا آذيا الأنبياء وأبطنا الكفر؛ حرمهم الله بركة بيت النبوَّة وأن لا مغفِرة لهم -والعياذ بالله تعالى-، (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (10))؛ أن يرحمهما أو أن يغفر لهما؛ وقد أشركتا به، وقد تآمرتا على أنبيائه؛ فلم يغنِ عنهما النبي من الله شيئا، ولم يملك لهما من الله شيئا -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
فليحذر الذي يتعرَّض لغضب الله تعالى، ثم يعتمد على أنه صاحبَ صالحا أو جالس مُقرَّبًا ولو كان نبيًا.
قال تعالى: (فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)) أي قيل لكلِّ مِن امرأة نوح ولوط: (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ):
ويوم القيامة (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]؛ فكذلك في ذاك اليوم يُقال لإمراة نوح وامرأة لوط (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) مع الكفار والفاجرين -والعياذ بالله- ذلك لِما خُنتما أنبيائنا وكذَّبتما بهم، وبما أرسلناهم إليكم به، فبذلك ادخلا النار مع كلِّ من كذَّب هؤلاء الأنبياء، وكل من عاند هؤلاء الانبياء، (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا ..(11))، وختم السورة بضرب المثل للمؤمنين بامرأتين صالحتين:
وسيقُصُّ علينا خبرهما.
رزقنا الله محبَّة الصالحين، والاقتداء بسيد المرسلين، وجعل بيوتنا بيوت الصالحين، وبيوت الهداه المُهتدين، ولا أسكنها إلا سعيدا في الدارين، ودفع عنَّا وعن بيوتنا مصائب الدنيا والآخرة و شُرور الدنيا والأخرة، ورحم موتانا وأحيانا برحمته الواسِعة، وجمعنا وإيَّاهم في مراتب القُرب الرافعة، وفي الدرجات العلى من الجنة من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فِتنة ولا حساب في خير ولطف وعافية.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
05 رَمضان 1441