(475)
(635)
(368)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التحريم، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..(6)}، إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً..}، الآية: 8
03 رمضان 1441هـ
﷽
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8))
شرف معية النبي ﷺ
الله، لا إله إلا الله.
الحمد لله مُكرمنا بنور قرآنه، وضياء بيانه، وبعثة حبيبه ﷺ محمد بن عبدالله المأمون على تبيانه، اللهم أدم صلواتك على الرحمة المهداة والنعمة المسداة سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن سار على مِنهاجه، يرتجي لقربك في مصاحبة ومرافقة شريف جنابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين شُرِفوا منك بأسنى خطاب فكانوا سادة الاحباب، وعلى آلهم والأصحاب ومن تبعهم على قدم الهدى والصواب، وعلى ملائكتك المقربين وعلى عبادك الصالحين من كل منيب أواب، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يارب الأرباب.
أما بعد،،
فإننا في نعمة تأمل كلام ربنا والارتباط به والاتصال بوحْيه وشريف خطابه فيما نطلبه من:
نتابع التأمل في هذا التبيان الذي ما وراءه تبيان، وخطاب مكون الأكوان، لنا على أكرم وأطهر لسان، يقول لنا الرحمن جلَّ جلاله:
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6))
نادانا بعد أن ذَكَر لنا أخبار عن بيوت نبينا وهادينا محمد ﷺ وماكان قام به من حق تلك الأمانة في خُلقٍ عظيم ومسلك قويم وصبر كبير، ومدافعة من العلي الكبير، عن عبده البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وتقويم وتزكية وتطهير، لمن يَسكُن في ذلك البيت النوير، وتهيئة لهم أن يكون القادة في الدنيا وأهل الدرجات العلى في دار المصير.
خاطَبنا لتَقوم بيوتنا ومنازلنا وأُسَرُنا على التنوير، وصفاء التفكير، والوعي لِخطاب العلي الكبير، والاستعداد لدار المصير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ):
تلكم الوقاية من النار، لا يقي من النار غيرها.
لا يُمكن أن يتوقى من تلك النار بأي شيء يتناوله الإنسان أو يُقيمه أو يفكر فيه أو يعده غير؛
وهي التي سماها التجارة -في سورة الصف- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الصف:10] تقيكم حر نار السعير، تُخَلِصكم من النار.
يقول سبحانه وتعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ) [الصف:10-11] فهذا سبيل الوقاية من النار، لايَقي من النار غير ذلك، لا يقي من النار جَمعُ مال، لا يقي من النار إقامة حضارات، لا يقي من النار بناء بنايات، لا يقي من النار تعبيد طرق وسفلتتها، لا يقي من النار استخدام أجهزة إلكترونية، ما يقي من النار، ما يقي من النار تولي وزارة، ما يقي من النار تولي رئاسة، ما يقي من النار، ليس في هذا شيء يقي من النار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) فما جعل تعالى الوقاية من النار؛ إلا بالإيمان به والعمل بطاعته، ويجب أن تقوم عليه أسس بيوت المؤمنين أجمعين، يجب أن تتشرف وأن تتزين بيوتهم بالإيمان والتقوى، بالإيمان والعمل الصالح، هذه زينة بيوت أهل المِلة، هذه زينة بيوت أهل القِبلة، هذه زينة بيوت من اغتنم، زمن المُهلة، واستعد للنُقلة، وطويل الرحلة (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا)؛ فيجب:
هذه بيوت المؤمنين، هكذا شأن أُسر المُصَدِقين بيوم الدين، أُسَر المُستَجيبين لنداء الحق ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ):
بين يديه مَجالِسه وكتبه وشيوخه، فأعرض عن كل ذلك؛ مشغولا بأصدقاء سوء، مشغولًا بأفكار فارغة، مشغولًا بالسياسة، تشتغل بسياسة؟! حُكم غيرك وما حَكَمت نفسك! لو اشتغلت بسياسة نفسك وإحكام أمرها وإعدادها لدار الآخرة، كان أولى لك.
اشتغلَ بالسياسة وأعرض عن العلم، وأعرض عن تربية الأهل، وأعرض عن تنفيذ وتطبيق شرع الله في الأسرة؛ لأنه مشغول بالسياسة، وآخر مشغول بأنواع أخرى من الخساسة؛ فبئس الشغل شغله، وبئس ما ضيعوا فيه أعمارهم، وما أقل ما فقهوا قيمة أعمارهم وقيمة أوقاتهم التي تنقضي في الحياة الدنيا.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) حجر قوي يتفضض بالنار ملتصق بأجساد هؤلاء الناس، فالناس الذين وجب عليهم دخول النار مع الأحجار معًا يوقد عليهم في تلك النار -أجارنا الله منها-
وقد جاءنا في الأحاديث، بعض أخبار هذه الحجارة التي توقد بها النار، فيما روى ابن أبي حاتم، وأورده ابن كثير في تفسيره: أن رسول الله ﷺ كان في جماعة من أصحابه وحضر عندهم شيخٌ وسمع: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، قال: يارسول الله حجارة جهنم مثل حجارنا هذه؟ فقال له: "والذي نفسي بيدي إن الحجرة منها أكبر من جبال الدنيا"، الحجر الواحدة أكبر من جبال الدنيا كلها -اللهم أجرنا من النار-، قال: "فوقع الشيخ مغشياً عليه، فقام رسول الله ووضع يده على صدره، وأحس به أثر الحياة ونادى يا فلان قل: لا إله إلا الله، فقالها، فَبَشَره بالجنة"؛ فتوفي، فقال الذين من حواليه: من بيننا إلى الجنة، فقال لهم ﷺ "إن الله يقول: (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)"، لهم البشارة بالجنة، (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [ابراهيم:14]، الله لا إله إلا الله.
(وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ): زبانية جهنم رؤسائهم تسعة عشر..
هكذا يُنذرنا الجبار -جلَّ جلاله- وأحق ماخضعنا له إنذارُ بارئنا ومُنشئنا من العدم، حذر رحمة منه بعباده، شديد هذا العذاب لِيَتَوَقَوه ويبتعدوا عن الطريق الموصل إليه (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) جاء في وَصفِهم في بعض ما يروى في الأحاديث:" أن أحدهم لو طار طائر من عند كتفه لم يصل إلى كتفه الآخر إلا بعد سنة"؛ من عِظَم خَلقِهم، لا إله إلا الله.
(عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) فيما تَصوَّر به بعض الملائكة في الدنيا من صورة لطيفة، تصاغر عندها ضخامة جسد سيدنا العباس بن عبد المطلب -عم النبي ﷺ- كان ضخم الجسد، والذي أسرهُ أبواليسر من المسلمين ضعيف الجسد، كان نحيف -لو قال له بيده هكذا لرماه- فكيف يأسره؟! وكان يخبر النبي ﷺ: يارسول الله ما أسرني صاحبك هذا، صاحبك هذا وإن قلت له هكذا -لسقط-، ولكن ما هو إلا أن رأيت رجلا جلدًا ضخمًا كبيرًا قوي، أمسك بي فسلمني إليه كالعصفور، قال الرسول ﷺ: إن الله أعانه عليك بملك، ملك من الملائكة برز بهذه الصورة.
في ذلك الموقف فرَّ إبليس، وقال ﷺ في ذكر فضل يوم عرفة: "ما رُؤيَ الشيطانُ في يوم أحقر ولا أدحر ولا أصغر و لا أذل منه من يوم عرفة، لما يرَى من تنزُّلِ الله بالمغفرة" إلا ما رُؤيَ يوم بدر، فإنه رأى جبريل يزجر فرسه وعندما رأى الملائكة فر"، وقال: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48]، سمع قعقعة السلاح من الملائكة ونزول جبريل مع الملائكة وأعداد من الملائكة؛ فهرب وَفَرَ منهم، فهذا شأن الملائكة لعظمة شأنهم، لا يقوى لهم أحد.
يقول: (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) نزع الله من قلوبهم الرحمة ليعذبوا من يستحقوا العذاب ممن أساء من العباد، (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ينفذون الأمر، أتخافون جُند بَطَّاش من أهل الأرض، ما يَملك إلا أنه ينفذ أمره عليكم؟ فتخافون من بطشهم من انتقامهم! يقول الله: هؤلاء جندي الذين هيأتهم لمن خالف ولمن عصاني، ولمن خرج عن طاعتي؛ هم أحق أن يُخافوا لما يسلطهم الحق -جلَّ جلاله- (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ..) فيقبلون كل الأوامر ويحسنون تنفيذها، كما قال تعالى: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7))
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا) إذا قابلتم هؤلاء الزبانية، وإذا حُمِّيتم في تلك النار الحامية التي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، (لَا تَعْتَذِرُوا) لا يُقبل العذر منكم:
أيؤخذ منكم فدية؟ كل ما اعتززتم به وشغلتم أنفسكم به في الحياة الدنيا وبذلتم من أجله أعماركم؛ لا يقبل، ما ينفع، لا يؤخذ منكم فدية، يريد ليفتدي بما عنده:
(مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا) من أين يأتي به؟ هو كان من أجل حاجة يسيرة من الذهب، لَعِب وخالف وعصى، من أجل حاجة يسيرة من الذهب.
قال له: لو معك ملء الأرض ذهب اليوم، تفتدي به؟! ما يقبل منك! ما هذا الذهب الذي بعقول الناس ذهب؟! وخرب عليهم الحاضر والمُنقلب -والعياذ بالله تعالى-؛ هنا يظلمون ويتقاتلون ويشوشون على من سواهم، ويؤذون وهم تعبانين كذلك، وساعة بلية، وساعة كورونا، وساعة فتنة؛ وفي الآخرة عذاب شديد؛ مساكين، ما أجهلهم! ما اسفههم! ما أقل عقولهم! لو قالوا لا إله إلا الله وتحققوا بها؛ لسعدوا ولفازوا هنا وهناك:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ)؛ لا أحد ظلمكم؛ أقام الله لكم الأيات وأتاكم الأسماع والأبصار، وأرسل إليكم رسل، وأنزل كتب، واختتمهم بمحمد، وأعرضتم وتوليتم، واتبعتم الشهوات، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7))، لا أحد ظلمكم؛ الآن تجزون ما عملتم، بلغتكم الدعوة فأصررتم على العناد والكفر والفساد، فخذوا عملكم، وجزاء ما عملتم اليوم (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8))
وتابع الرحمن خطابه إيانا ليصفوَ حالنا ونسعد في مآلنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (8))؛ خطاب الرحمن لنا: توبوا، إليَّ توبوا؛ عصيتموني، خالفتموني قصرتم في حقي، ارتكبتم ما نهيتكم عنه، تركتم ما أمرتكم به، ما لكم غيري، تعالوا إليّ، إرجعوا إليّ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ) ما أرحمه ما ألطفه ما أكرمه، وهو الغني عنا، ويقول بذنوبكم وسيئاتكم تعالوا، تعالوا أُكفِّرها لكم، وأتجاوز عنكم فيها، كان سيدنا ابن مسعود يقول: إن التوبة النصوحة تُكَفر الذنب فلا تبقي ذنبًا، وذلك في القرآن وتلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ) اندموا على الذنوب والسيئات وارجعوا إلى من بيده أمر المؤاخذات والمعاقبات، والعفو والصفح عن السيئات، واستقيموا على ما يُحب منكم مُنتبهين مهتمين بعدما مِلتُم، بعدما أخطأتم، بعدما عصيتم، منتبهين من شأنكم معه في بقية أعماركم، بذلك تكون التوبة النصوح:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا) فإن قمتم بذلك من قِبلكم، قال الرحمن: من قِبلي أنا (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)؛ وما أجمل تكفيره للسيئات، حتى يتجاوز مجرد محوها وعدم المؤاخذة بها، إلى أن يحولها إلى حسنات كرمًا منه، إله عظيم منان كريم (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) يغطي شرها وضرها ويحولها إذا شاء إلى حسنة، (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان:70]، الله، لا إله إلا الله.
وهكذا يُروى عن سيدنا عيسى بن مريم -عليه السلام- أنه مرَّ مع جماعة من أصحابه على جبل مرتفع من الأرض؛ فعجب، سأل أصحابه: ما رفع هذا الجبل؟ لا ندري، فسأل ربه إئذن للجبل يخبرني؛ فتكلم معه الجبل، فقال: ما رفعك هكذا؟ قال: يا روح الله، سمعتُ فيما أنزل الله على الأنبياء أن جهنم وقودها الناس والحجارة، وخفتُ أن أكون من الحجارة التي يوقد بها نار جهنم، فما استقررت على الأرض، وارتفعت وما قدرت أن أستقر حتى يؤمِّني ربي، قال: يا رب، أتؤمِّنه ولا تدخله النار؟ فأمَّنه، فقال: الآن أستقر وأعود إلى موضعي فهبط إلى محله من الأرض، وقال: الآن أطمئن، وهذا الجبل جماد لا عقاب عليه ولا حساب مع ذلك عنده الخوف:
ويأتي إنسان بعقله وسمعه، يستقر مطمئن يضحك وهو يعصي الله ولا يدري بتعرضه للنار الموقدة ولا يهمه ذلك؛ ما أقل عقله!.
قال: (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ (8))؛ وفي هذا عناية الحق بعبده محمد ﷺ، وقال فيما عرض علينا في القرآن: خوف الأنبياء من عذاب يوم القيامة، وكذلك كان من أخوفهم نبي الله محمد ﷺ، ومع ذلك عَرَضَ الحق علينا في القرآن دعوة الخليل إبراهيم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) [الشعراء:87]
وجاءنا في الحديث فيما روى الإمام أحمد وغيره، أن الرسول ﷺ عند دخوله إلى مكة، قال بعضُ الصحابة؛ قَرُبتُ منه فسمعته في صلاته يقول: "اللَّهُمَّ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ": حبيب الرحمن يقول، ويقول له الحق: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ)، وخليل الرحمن يقول: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) وحبيب الرحمن يقول له الحق: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ).
(يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ)، قال: ذلك اليوم بأهواله وشدائده والتجلي بالغضب فيه؛ لا أُخزي محمدا (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) اللهم اجعلنا معهم.
(يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) ويرون انطفاء أنوار المنافقين الذين كانوا يكذبون فـ(يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) أدم علينا هذا النور، وزدنا منه إشراقا (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- وهذا دعاؤهم.
وعَلَّمنا النبي ونحن في الدنيا ندعو: "واجعل لي نورًا من بين يدي، ونورا من خلفي، و نورا عنْ يميني، نورًا عنْ شمالي، ونورًا منْ فوقي، ونورًا منْ تحتي" "اللهمَّ اجعلْ لي نورًا في قلبي، و اجعلْ لي نورا في قبري، واجعلْ لي نورًا في سمعي وفي بصري، اللهمَّ اجعلْ في قبري نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي قلبي نورًا، وفي قبري نورًا، وفي بصري نورًا، وفي شعري نورًا، في بشرى نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي عظامي نورًا، زدني نورًا، وأعطني نورًا واجعلني نورًا، واجعل لي نورًا"
يا رب نَورنا؛ (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40]. قال تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)) والقدرة كلها لك، وما أحد سواك يقدر على شيء؛ إلا ما خلقتَ ووهبت من قدرة بحدِّها الذي حددت، ومقدارها الذي قدَّرتَ، ولا شيء إلا وهو عاجز وأنت القادر.
(إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)؛ فعليه الاعتماد وإليه الاستناد -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- فهكذا يجب أن تُعمر قلوبنا وديارنا بالتوبة النصوح، ونغنم الأعمار، ومثل هذه المواسم الكبار، المشرقة بالأنوار؛ فلا يبقى أحدٌ في ديارنا من صغيرنا وكبيرنا إلا تاب توبة نصوحًا إلى الكريم الوهاب -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا)؛ فلنعمِّر ديارنا:
فخذوا هذه الزينة من أوامر ربكم وإرشاداته لبيوتكم؛ لتُحفظ ولتُحرس ولِتُحمي ولتُحصَّن؛ فإن الناس يستعملون أنواعًا من الواقيات والحافظات والتحصينات لديارهم؛ وإذا جاء أمر الله لم يقُم شيء من ذلك لأمر الله، ولكن تقوى الله تعالى وحقائق الإيمان به؛ هي الحارسة الحافظة القوية التي بها تُحفظ البيوت وأهلها في الدنيا، ولهم وراء ذلك حُسن المَصير، فلنعمر ديارنا بذلك، ولنعمر أسرنا بذلك، ونسلك شريف هذه المسالك، وننظر أوامر الإله المالك، ونحسن تنفيذها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ).
وكان يُمكن أن يقول: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) ولكن قال: (مَعَهُ):
لذلك قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، فاجعلنا معه، واجعل إيماننا معه، واجعل حشرنا معه، واجعل استقرارنا في الجنة معه، يا رب معه.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، هذه ثلاثة حروف كم تعمل في قلوب وأرواح الصحابة؛ مَعَهُ، وما يطفئ لهيب خوفهم من الفراق إلا هذه المعية والبشارة بالمعية (مَعَهُ)، وكثير ما استقروا على ظَهر الحياة إلا بعدما نزلت آية: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) [النساء:69]، (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) وكانوا ما يرون تمام الصلاة وذوق لذة كمالها حتى يُصَلُّوا معه.
فلما كانوا في الغزوة والعدو من ورائهم يريدُ أن يجتاحهم في أثناء الصلاة؛ أمر الحق أن يقسمهم فرقتين، وأنعم على كل من الفرقتين أن تكون صلاتهم معه: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ) [النساء:102]، يعني إذا أكملوا ركعتهم، يُكمِلوا الركعة الثانية وحدهم، وأنت تبقى قائما، ويُسَلِّمون ويذهبون من أجل الفريق الثاني يأتي (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) [النساء:102]، وإلا كان يصلَّي بجماعة، والباقيين يختارون واحد ثاني يصلي بهم، وانتهت المسألة، لكن قال: (مَعَكَ) وهل الصلاة معه مثل الصلاة مع غيره؟! لا تكون، وحرَصَ عليها الصحابة، والحق شرع لهم ذلك، وأقرَّهم على هذا الحرص، على المعية والتشرف بخير البرية، وقال سأُقسم لكم صلاته؛ فالطائفة الأولى تدرك معه التحريم، والثانية تدرك معه التسليم.
فهؤلاء يأتون ويصلون معه الركعة الأولى وهو يَقصر، وعلَّمهم إذا قاموا إلى الركعة الثانية يكملوا ركعتهم هم وحدهم ويسلموا ويذهبوا، فتأتي الطائفة الأخرى الذين كانوا في الحراسة أمام العدو -فيذهبوا هؤلاء يحرسون وأولئك يأتون- (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)، يحرمون ويصلون معك الركعة، فإذا أكملتَ ركعتك أشرتَ إليهم ليقوموا ويكملوا ركعة، وأنت تنتظرهم في التشهد، ويكملوا الركعة ، فإذا وصلوا للتشهد، سَلِّم بهم ليدركوا معك التسليم كما أدركوا أولئك معك التحريم؛ فقسم صلاة النبي بين هؤلاء وبين هؤلاء ؛ لينال كل النصيب من هذه المعية للنبي العظيم.
وبهذا المعنى لما كان يُصَلي بهم سيدنا أبوبكر الصديق، والرسول ﷺ خرج يُصلِح بين بعض طوائف الأنصار خارج المدينة، وجاء وقت صلاة الظهر ولم يجدوه في البيوت، وطال الوقت على الناس، فقالوا لأبي بكر: تُصَلي بنا، قال: إن شئتم، فأقاموا للصلاة وصلى بهم سيدنا أبي بكر، فجاء الحبيب ﷺ وهم يُصَلُون وشق الصفوف حتى دخل إلى الصف الأول، فأخذ الناس يصفقون على أبي بكر، كان ما يلتفت في صلاته، لماذا يصفقون؟ كملوا صلاتكم؛ ولكنهم يريدون الإمام هذا، وصفقوا.
ولما رأى كثرة التصفيق التفت؛ فرأى الرسول ﷺ فتأخر، أشار له النبي أثبت مكانك، فوقف لحظة لامتثال الأمر ورجع، وتقدم ﷺ أكمل بهم الصلاة، ثم بعد أن سلَّم قال: "ما لكم إذا نابكم شيء في الصلاة صفقتم، إذا نابكم شيء في الصلاة فَسَبِّحوا؛ وإنما التصفيق للنساء"، وتقول المرأة هكذا -تصفق- إذا أرادت أن تُنَبِّه الإمام في الصلاة، وأما أنتم -الرجال- فسبحوا وقولوا: سبحان الله، وما منعك يا أبابكر أن تثبت مكانك إذ أمرتك"، قال: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله"، قال: ابن أبو قحافة -سيدنا أبو بكر اسمه، عبد الله بن عثمان- والده أبو قحافة، يتقدم بين يديك!!، لا .. لا، "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله" ﷺ، فَصَلوا معه.
وبذلك يأخذ بعض أهل المعرفة ويقولون أن النبي قال: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن":
والصحابة أثرياء، ومن أثراهم أبوبكر، لكن ثروة الحبيب فوق، ولذا لما وصل ما رضي الصحابة بثروة أبي بكر، قالوا: دعُوا الضامن الأكبر يدخل يتقدم ﷺ، فصفقوا على أبي بكر حتى رأى الحبيب ﷺ.
وهكذا إلى يوم وفاته وقد: "اختار أبابكر يُصلي بالناس"، وجاء كشف الستارة -التي بين ممر حجرته وبين المسجد الشريف- وتلألأ نور وجهه والتفت الصحابة كلهم، حتى أبابكر، والتفت جهة البيت الشريف فرأى الحبيب ﷺ، حتى أخذ أبوبكر يتأخر، ظن أنه يريد أن يخرج، فأشار إليه مكانك، وأستغفر لهم وتبسم في وجههم وردّ الستارة، ودخل إلى بيته الشريف، وأصبح الناس يتحدثون: أن الرسول ﷺ أصبح نشيطًا، وأنه تماثل للشفاء، ويمشي وحده.
وعهِدوه في أيام مرضه، إذا خرج إلى المسجد في مثل يوم الجمعة وفي مثل يوم خطبهم وودعهم، يمسك بيده؛ واحد من هنا وواحد من هنا، وكثير ما يخرج بين يدي العباس وعلي بن أبي طالب، وفي ذلك اليوم كان من نفسه يمشي؛ ففرح الصحابة وتفرقوا عن المسجد ذاك اليوم، وعدد منهم لهم أيام ما فارقوا المسجد.
ففي ضحوة ذاك اليوم جاء الأجل ولحق حبيب الله بالرفيق الأعلى؛ فكانت وفاته صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وقد تركنا على المحجة البيضاء، جزاه الله عنا خيرا، وحشرنا الله في زمرته.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي ﷺ
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه
04 رَمضان 1441