تفسير سورة التحريم -2- من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ..)، الآية: 1

مواصلة تفسير سورة التحريم، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ..}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التحريم، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }، الآية: 1، إلى قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ..}

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • صلاح الأسرة والبيوت أساس صلاح الأمة
    • أهمية الأسرة والبيوت في الإسلام.
    • بيت النبوة كنموذج تربوي أسمى.
  • تحريم الحلال: المعنى والأحكام الفقهية
    • معنى التحريم النبوي (الامتناع والترك).
    • الأحكام الفقهية لتحريم الحلال وكفارة اليمين.
  • قصة الاعتزال وتأديب أمهات المؤمنين
    • إفشاء السر والعتاب الإلهي اللطيف.
    • حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وموقفه.
  • آية التخيير ووفاء أمهات المؤمنين
    • التخيير الإلهي واختيارهن لله ورسوله والدار الآخرة.
  • صفات الزوجات الصالحات وسُنّة الاستبدال
    • الصفات العشر المذكورة في السورة.
    • حكمة الجمع بين الثيبات والأبكار.
  • وقاية الأهل والدعوة إلى التوبة النصوح
    • مسؤولية وقاية النفس والأسرة من النار.
    • إجابة النداء الإلهي للتوبة الإنابة.
       

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بعبده المُصطفى، وما أوحي إليه لِيُطَهِّر ويزكي لنا الظاهر والخفى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو حسبنا وكفى، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمد عبده ورسوله أَكرم مَن بعهد رِّبه وفى، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على أوفى الأوفياء، وأصفى الأصفياء، وخاتم الأنبياء، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الأتقياء، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم وضِع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرِفان، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم والملائكة المُقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعد،،

ففي عظيم وحي الله -تبارك وتعالى- إلى رسوله، نقرأ في هذه السورة: 

  • شأن الاهتمام بالأسر والبيوت، وإقامة منهج الإيمان والعمل الصالح فيها. 
  • فإنَّه يرتكز عليها صلاح الأمَّة وشؤونها وأحوالها، مادام يُراعى في البيوت أمر الله ويُعَظَّمُ شرْع الله. 
  • وتُتَفَقَّدُ صِفات أهل كل بيت من المؤمنين في وجهاتهم ونياتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وطريقة تفكيرهم. 

وهذا الذي نقرأه في السورة الكريمة -سورة التحريم- فيما يتعلٍّق برأس بيوت الأمة ورأس بيوت المؤمنين وهي بيوت محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأسرته ومن أختار الله له من أمهات المؤمنين، فرأينا التربية من الحق -جلَّ جلاله- لكمال استصلاح تلك البيوت ومن فيها؛ ليكونوا على بصيرة في خير سيرة، وفي صفاء سريرة، بعيدين عن الانسياق وراء مُرادات النفوس وشهواتها، مُراقبين لِعالِم ظواهِر شؤونهم وخفياتها، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1))

 فعلِمنا خِطاب الحق لنبيه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ)؛ وفي هذا تقرير للرجال في الأُمة أن يكونوا على قَدَمٍ في مراعاة الأزواج والأسرة، حتى يروا قُدوتهم امتنع عن أمور من الحلال له؛ لأجل إبعاد غضب هذه، وتخفيف الوَطأة على نفسية هذه، ﷺ، حتى تولَّى الحق بنفسه التخفيف عنه وأمره أن يُكَفِّرَ كفارة اليمين فلا يبقى إلى هذا الحد في مُحيطٍ من الأسرة؛ نبَّههم سبحانه وتعالى على وجوب رعاية حقّ المُصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 ثم إن في هذا التحريم لِما أحله الله: 

  • والمعنى امتِناعك عن شيء أحلَّه الله لك، على حدِّ ما قال: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ) [آل عمران:93] أي ما اختاره، والامتناع عنه وتركه، ومعنى ذلك أنه لم يحكم بحرمته، ولا يمكن أن يتحوّل الحرام حلال ولا الحلال حرام.
  • ولكن معنى (تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ): تمتنع عن الإنطلاق فيه والقيام به، رغبةً منك من دون أن تجعل ذلك حراماً، (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ). 

قال: فبذلك نعلم أنه إذا حرَّم إنسان على نفسه شيئا، فهل يترتب على ذلك شيء؟ 

  • إن اقترن بيمين، فلابد من كفارة اليمين، إذا أراد أن يفعل ما حلف على تركِه. 
  • وإن لم يقترن باليمين، فقد عدَّ الإمام أبوحنيفة أن تحريم الشيء يُسلَك به مسلك اليمين، فإذا أراد الفعل وجب عليه أن يكفِّر كفارة اليمين. 
  • وقال أكثرُ العلماء: أن ذلك لا يترتب عليه شيء، مجرد تحريم الإنسان عليه شيء مما أحلَّ الله له، إلا ما كان من تحريم الأزواج: فإن كان نوى الطلاق صار طلاقًا، أو نوى الظهار صار ظهارًا؛ و إلا كان بعد ذلك لغوًا. 
  • وكذلك إذا قال عن شيء من المطعومات والمشروبات أنه حرَّمهُ على نفسه، فالجمهور قالوا: كلامه لغوًا ولا يلزمه شيء، وسلك به أبو حنيفة مسلك اليمين، فقال: يمتنع عما منع نفسه عنه إلا أن يُخرِجَ عن  كفَّارة اليمين (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1)).

 

تفسير قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2))

 (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)، أي أوجب عليكم إذا أردتم ان تفعلوا ما حلفتم على تركه، أو تتركوا ما حلفتم على فعله، فيأتي (فَرَضَ) بمعنى أوجب وكتب، كما قال سبحانه وتعالى: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) [النور:1]، وبمعنى آخر بيَّنَّاها قال: (فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي بَيَّن. 

  • وإذا تعدَّى -بـ (لكم)- باللام صلح فَرض للمعْنيَين، بمعنى بَيَّن وبمعنى أوجب. 
  • أما إذا تعدَّى -بـ (على)- (عليكم) يكون أوجب فقط ولا يأتي فيها بَيَّنَ. 
  • وهنا تعدَّت باللام (لكُم): (فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فَيَصِح فيها معنى بَيَّنَ، ومعنى أوجب. 

بَيَّن الله لنا كيف نُكَفِّر عن أيماننا، وأوجب الكَفَّارة عنه -سبحانه وتعالى- على من فعل ما حلف على تركه، وسمعنا قول نبينا ﷺ: "لا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيرًا مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، وذلك في حديث نفر من الأشعريين الذين جاءوا إلى رسول الله يستحمِلونه، أي يطلبوا منه أن يوفر لهم دواب يركبون عليها للخروج في الغزو والجهاد، ولم يكن في ذلك الوقت بيد رسول الله شيء، وجاؤوا إليه في وقتٍ كان فيه قوي الشُغل في الترتيب بالأمر وما حوله، وعرضوا عليه طلب الحُملان، أن يحملهم أي أن يوفر لهم مركوب يركبون عليه للخروج في الغزو والجهاد، فقال: "ما عندي، فوالله ما عندي ما أحملكم عليه"، فسمع الأشعريون كلام النبي ﷺ وحلِفه فانصرفوا.

فإذا بِغُرٍّ من الذود- الأبل تأتي إلى النبي فقال: أين النفر من الأشعريين الذين طلبوا؟ ادعوهم، فجاؤوا إليه، فقال لهم: إنه جاءتني هذه فخذوها، أحملكم عليها، أخرجوا بها، لما أخذوها قالوا: إن رسول الله حلف أن لا يحملنا، والآن حَمَلَنا، تغفَّلنا رسول الله فنسي أنه حلف، والله لا نفلح أبدًا، ولا يبارك لنا إذا! نحن تغفّلنا النبي في يمينه، ورجعوا إليه وقالوا: يا رسول الله إنك كنت قد حلفت ألَّا تحملنا، فقال: أما أنا "ما حملتكم ولكن الله حملكم -يعني يسَّر لكم ذلك وجاء به- إنِّي واللهِ لا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيرًا مِنْهَا إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، خذوها وانطلقوا وأنا أكفِّر عن اليمين" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) مُتولِّي أموركم وشؤونكم، وأعلى وأعظم ولاية يتولى بها سيد أهل الهداية عبده محمد، (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)) 

  • العليم بأحوالكم وشؤونكم
  • الحكيم فيما يَشرَع لكم. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3))

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ(3)) مولى الموالي، جلَّ جلاله.

 

تفسير قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4))

(إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) -أي يا عائشة ويا حفصة- (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) مالَتا عن الحق والهدى في تعظيم أمر النبي؛

  • أن لا تكذِبا عليه
  • وأن لا تضطراه إلى أن يحلف أن لا يطأ جاريته
  • وإن لا تقولا له عندك ريح من أثر العسل الذي شربه ولم يكن عنده ريح

(صَغَتْ) مالت قلوبكما عن الحق والهدى وماكان لكما ذلك، وإلا ماكان ينبغي، وهكذا قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : وقد كنت حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، عَنِ المَرْأَتَيْنِ الَّلاتي تظاهرتا، ﷺ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) قال: فلم أتمكَّن من شُغْله إلى ذلك، حتى خرج إلى الحج فخرجت معه -وفي رواية إلى سنة ما تمكنت أسأله- فلما خرج إلى الحج خرجت معه، وخرج يوماً يقضى حاجته وجئت بالماء فصببت عليه فلما توضأ، قُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)؟ اللتان تظاهرتا على رسول  الله، قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.

ثم أخذ يسرد لي الحديث، قال وكُنْتُ اسكن في مكان كذا من العَوَالِي بالمدينة وكان  لِي جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وكنتُ أتَنَاوَبُ وإياه النُّزُولَ الى رسول الله ﷺ ، يَوْمٌ له ويومٌ لي، إن أحدنا يأتي صاحبه بخبر ذلك اليوم، ومادار وماجرى، وماقال النبي وما أُنزل عليه -يعني يوم هذا يشتغل وهذا يتفرَّغ، وثاني يوم هذا يتفرَّغ وهذا يشتغل- من أجل أن لا يفوتهم شيء من مجالسة النبي محمد ﷺ والأخذ عنه. 

يقول سيدنا عمر: إنَّا كنا في مكة لا يُراجعنا النساء، وكن يمتثلن أمر الرجال مُباشرة ولا يراجعونهم في الأمور، ووجدنا وضع نساء المدينة غير ذلك، ولهن مُخاطبات مع الرجال، ولهن أخذ ورد، فكنَّا نغلِب نساءنا، فوجدنا الأنصار تغلبِهم نساؤهم، قال: وإنَّ نساءنا بدأن يتعلَّمن من الأنصار بعض أخلاقهن، فراجعتْني يومًا زوجتي في أمر، فأنكرت عليها، فقالت: ولم؟!  فأزواج رسول الله ﷺ يراجعنه، قال: ويح حفصة! أتُراجع رسول الله في شيء من الأمر! قال: فجمعت علي ثيابي وخرجت، حتى دخلت على حفصة، فقلت لها؛ أتراجعن رسول الله ﷺ؟! وتُعرِضُ إحداكن عنه إلى الليل؟! قالت: يكون ذلك، قال: ويحكِ! واتقِّ الله ألا تَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ عليك الله لِغَضَبِ رَسُولِهِ؟! احذري أن تفعلي ذلك ولا يغُرَّنك أن صاحِبتك أضوأ منك وأجلّ عند رسول الله ﷺ مكانة -يقصد عائشة- 

قال: ثم جاءني صاحبي في يوم كان عنده، فجاء يطرق عليّ الباب بقوة، قال فخرجت :ما بالك؟ - قال كُنَّا نسمع أن بني غسان يهيئون عدتهم ليغزو المدينة، ليغزو رسول الله ﷺ ومن معه- قال: حدث أمر عظيم، قال سيدنا عمر: جاء بني الأصفر، جاء بني غسان! قال: لا، أكبر من ذلك، قال: ماذا ذلك؟ أصيب أحد من المسلمين؟ قال: أكبر من ذلك، قال ماذا إذًا؟ قال: الرسول ﷺ طلَّق نساءه، قال: يا ويل حفصة، قال: فصبرتُ حتى كان الفجر فخرجت وصلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم دخل بعد الصلاة في مشربة له بجانب المسجد، وجئت ودخلت على حفصة وجدتها تبكي، قال: أما قلتُ لك، ماذا  تفعلن بأنفسكن؟ قال ذلك وكان بعد إفشاء حفصة لسرِّه، وما حصل من عدة وقائع من أمهات المؤمنين، وفي تربيته ﷺ لهن، حلف أن لا يقربهن شهرًا، فاعتزل في تلك المشرُبة وجلس فيها، فيقول لها: أطلَّقكنَّ رسول الله؟ قالت: لاأدري، هو في مشربته، قال: فخرجتُ وجئت إلى المشربة، فإذا جماعة أيضًا من كبار ساداتنا الصحابة، جالسين عند المِنبر يعتكفون؛ يبكون، يخافون أن رسول الله ﷺ قد غضب فيغضب الحق عليهم، وأهمَّهم شأن منصِب النبوة.

قال:

  • جلست معهم ثم خرجت إلى عند المشربة، فقلت للذي على بابها: استأذن لي رسول الله، فدخل وقال: إني ذكرتك له، فسكت.
  • فعدتُ إلى الذين عند المنبر وجلست معهم ولم يتركني ما بي فعدت إليه، وقلت: استأذن لي رسول الله، فعاد إليَّ، وقال: ذكرت له فسكت.
  • وعدت إلى الذين عند المنبر ولم يتركني ما بي، فعدت الثالثة وقلت: استأذن لي رسول الله، فدخل وعاد يقول لي: أدخل. 

قال فدخلت عليه ﷺ فسَّلمت عليه، وقلت: يا رسول الله إنَّا كنَّا في مكة نَغلب نساءنا فجئنا إلى قوم تغلِبهم نساؤهم، فتبسَّم رسول الله ﷺ ففرحت وكبَّرت، لما رأى ابتسامته -عليه الصلاة والسلام- وعلم أنه ليس في حال غضب على الأمة وعلى من حواليه، فكبَّر حتى سمعوا تكبيرهُ من في المسجد، قال؛ ولقد جئت إلى حفصة وقلت لها لا تغُرَّك صاحبتك هي أضوأ منك وأعظم منزلة عند رسول الله، فتبسَّم الثانية، قال فلما رأيته تبسَّم، أقبلت عليه وجلست بين يديه وأخذت أتكلم معه، ثم قلت: يارسول الله؛ -رأيت ما عنده إلا قِربة من الماء وبعض جلد وسادته من الجلد- وحشوها الليف وحصير تحته، أثَّر خطوطًا في جنبه، قلت: يارسول الله، ادع الله يوسع على المسلمين، فدا كسرى وقيصر وقومهم على الفُرش الوطيئة، فجلس وقَالَ: "أَوَ فِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، وأخذتُ أكلِّمه ثم خرجت أبشِّر، وقلت: أن رسول الله لم يُطلِّق نساءه، وإنما حلف أن لا يقربهن شهرًا. 

فأكمل تسعة وعشرين يوما ونزل إلى بيت عائشة وكان يومها - النوبة عندها- فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يارسول الله حلفتَ شهرا، وإني أعدُّها عدًّا، واليوم تسع وعشرون، لم يكمُل الشهر، كل يوم كان ثقيل؛ كانوا يعدُّون الأيام عد، قال: إن الشهر يكون تسع وعشرين -ذا الشهر كمل -هذا الشهر خرج تسع وعشرين يوما- وهكذا. 

قالت: ثُمَّ نزَلَت آيَةَ التَّخَييرِ، لاستكمال تربية البيوت الطاهرة، نزلت آيَةَ التَّخَيير بعدها؛ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:28-29]

قالت عائشة: فقرأها علي؛ نزلتْ في بيتي، وقال: "لا عليك، لا تستعجلي وإستأمري أبويك"، فقالت، لما تلا عليَّ الآية: "أفي هذا استأمر أبويَّ يارسول الله، لا والله لا أستأمر فيك أحد، أريد الله ورسوله والدار الآخرة"، قالت: ثم مرَّ على أمهات المؤمنين، يقرأ عليهن الآية، وكل واحدة منهن قالت: "لا أستأمر فيك أحد، هذا الأمر لا مُراجعة فيه، أريد الله ورسوله والدار الآخرة"، فالتسع كلهن اجمعن على ذلك، وعنهن تُوفِّي؛

عَـنْ تِـسْـعِ نسوةٍ وفاةُ المصطفى ***  خُـيِّـرْنَ فاخترنَ النبيَّ المُقْتَفَى

عـائـشـةٌ وحـفـصةٌ وسـودةْ *** صـفـيـةٌ مـيـمـونةٌ و رملةْ

هـنـدٌ وزيـنـبٌ  كـذا جُوَيْرِيَّةْ *** لـلـمـؤمنينَ أمـهاتٌ مُرْضِيَّةْ

يقول تعالى: 

  • (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) فالتوبة خير لكما، وقد تابتا -عليهم رضوان الله-. 
  • (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) تتماديان في التظاهُرِ عليه، (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ). 

يقول: أتدرين أنتن تتعاملن مع من! أما تعلمن مكانة هذا المُصطفى عند ربهِّ؟! وجميع ملائكة الله، وجميع صالح المؤمنين معه وفي صفِّه وفي نُصرتِه وفي تعظيمه، عليه الصلاة والسلام، (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)). 

 

تفسير قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5))

ووجّه الخِطاب لهن كلَّهن؛ الاثنتان وبقية التسع: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا)، وفي قراءة: (يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، ولم يكن على ظهر الأرض خير مِنهن في ذلك الوقت ولكن الحق يقول لو تماديتنَّ وغضب عليكنّ النبي، لأخرجكنّ عن هذه الخيرية، واجعل فوقكن غيركنَّ من النساء، فأنا قادر على هذا، أنا اصطفيتكن وجعلتكن أزواج نبيّ، قمْن بحق هذه النِعمَة، وإلا فلو حصل مِنكنَّ تمادٍ في الأمر، ورجعة إلى شيء من إيذائه ﷺ؛ أُخرجكن عن هذه المنزِلة واصطفي لها غيركن، كما قال لنا سبحانه وتعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) [محمد:38]. 

وهكذا يُعلِمُ الحق الخلق المؤمنين به، أنه إن جحدتم نعمتي فيما اصطفيته لكم من هدى وبذل وتضحية فتقاعستم، سأستبدِل بكم قوم غيركم يُضحَّون في سبيلي ويُجاهِدون ويجتهدون فرحين مُطمئنين وأُبعِدكم أنتم (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)، فعلى من فتح الله له الأبواب ويسَّر له السبيل أن يغنم ويُسارِع ويُشمَّر، وإلا يستبدل به غيره، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54].

ومع ذلك فأشرف البيوت هددهن؛ أمهات المؤمنين: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)، على نفس القَدَم في الدين والإيمان والاستِسلام والخضوع.

  • (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ): قويَّات اليقين والإيمان.
  • (قَانِتَاتٍ): عابِدات كثيرات العبادة والقنوت والأوبة إلى الله. 
  • (تَائِبَاتٍ): من أنواع الذنوب والمعاصي والسيئات. 
  • (عَابِدَاتٍ): كثيرات الذكِر والطاعة والبِرِّ. 
  • (سَائِحَاتٍ): صائمات كثيرات الصوم.
  • (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا): واتى بالواو؛ لأنه لا يمكن، إمَّا أن تكون ثيِّب، وإمّا أن تكون بكر، لايمكن ان تكون في نفس الوقت ثيِّب وبكر، ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا.

ولِمَ ذكر الثَيِّبَاتِ وَالأَبْكَار؟ لأنه مهما مالت نفوس الناس إلى الأبكار فقد يكون في الثَيِّبَات ما هو خير من بعض الأبكار، ولأن رسالته التي يُحب بلاغها إلى الأمَّة فيما يتعلَّق بأمور النساء عبر أزواجه:

  •  تحتاج إلى ثيِّبات، و كبيرات في السن واعيات.
  • وتحتاج إلى الناشِئات الحافِظات لما يُؤخِذ.

فجمع له ذلك كله، وكلُّهن تزوجهن ثيِّباتٍ إلا عائشة بنت أبي بكر، (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا).

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6))

بعد ذكر هذه الأخبار عن بيوت المُختار، خاطب الإله الواحد الأحد الكريم الغفار؛ أهل الإيمان به أن يُحاِفظوا على بيوتهم ومن فيها وأن يُقيموها على ما يرضيه عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) أرأيتم كيف ربَّيت وخاطبت من في بيوت نبيّ؟!؛ فلتكن بيوتكم من وراء بيوت نبيّ؛ مُنتبِهة لهدي نبيّ ولسيرته، مُتعلِّقة بهذا الجناب الاشرف، لاتحوِّلوا بيوتكم الى مسارح تقليد للكفار ولا للفجار ولا للأشرار، ولا محطات تلاعب على القيم بالموضات وبالتفرُّج على المسلسلات والكلام الفارِغ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، احموا واحفظوا أنفسكم وأهليكم من النار، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ) من الوقاية، اجعلوا لكم وقاية ولأهليكم؛ من النار، (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الوقود التي تتَّقد به وتلتهب؛ الناس والحجارة، اللهم أجرنا من النار واحرُسنا من النار واحفظنا من النار وأعذنا من النار يا خالِق الجنة والنار. 

(وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ) موكَّلين بتعذيب من فيها، خُلقوا لهذه المُهِّمة، فكانوا مع كونهم روحانيين، والروحانية يغلُب عليها الرِقَّة واللين ولكنَّهم في هذا الشأن والمجال مطلوب منهم أن يغضبوا على من غضب الله عليه، وأن يُعذِّبوا من كفر به وعصاه. 

قال: (غِلَاظٌ شِدَادٌ) مشيراً إلى أن الغِلظة والشِّدَّة في موقعها ووقتها وموطِنها محمودة، كما قال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة:123]؛ لأن هذه الغِلظة المشروعة المحمودة، تتعلَّق بالغَيرَة على الدين والمُحافظة عليه، وعدم بيعه بأي شيء من ملك الأرض، وعدم قبول الظُّلم، وليست مُتعلِّقة بسبِّ أو بِشتم أو .. وهي أبعد عن أن تُخان عُهود أو أن يُساء جوار، ليس شيء من هذا في الغِلظة المحمودة، فيما شرع الله لنا في مُقاتلة الكفار الذين يُقاتلون، فضلاً عن غيرهم ممَّن لا يُقاتِلون، ممَّن قال عنهم: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلً) [النساء:90]، لكن هذه الغِلظة المشروعة في شأن المُقاتِلين، مُقيَّدة بهذه القيود، ومُبيِّنة بهذا الهدي النبوي.

يقول: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) -أن يقبلون جميع أوامر الله، وما يفرِض عليهم، ومايطلب منهم- (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) أي ويُحسِنون التنفيذ والتطبيق بما أمرهم الحق.

  • فقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) يُفيد استقبالهم للأمر بالخُضوع والتسليم الكامل.
  • وفي قوله: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) يُفيد حسن أدائهم في تنفيذ ما أُمروا به.

ولهذا لا تكرار في (ما)  ماذا يفيد فيما يقول (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)؟ 

وقد قال: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ)

  • (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) باستِقبالهم الأمر بالتسليم والانقياد وإرادة العمل.
  • ثم (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) يُحِسنون أداءه، ويُنفِّذونه على خير الوجوه كما طلب الحق منهم.

 (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7))

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا) ممَّن كذَّبتم بالرسل واتَّبعتم الأهواء والشهوات في الدنيا:

  • (لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ) إذا وقعتُم في هذا العذاب الشديد ورأيتم غِلظ ملائكتي. 
  • (لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ) لاتُقبل منكم توبة في ذلك اليوم، فإن لم تتداركوا أنفسكم في الحياة فلا قبول للعُذر في ذلك اليوم.

 (لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ووجَّه الخِطاب للمؤمنين، ليديموا سِرَّ اتِّصالهم به، وأدبهم معه، ويتداركوا أنفسهم في أحوالهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا(8))، حققنا الله بحقائق التوبة، والموسم موسمها، والشهر شهرها، وتَعْذُبُ فيه التوبة وتطيب، وتقبل من عند الرب الحسيب، ويُعطي عليها ما لا يدخل تحت حصر، ويجعل البعيد قريب، يُحوِّل البعيد من بعيد إلى قريب، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]. 

وفي كل ليلة يُنادي مُناديه من الغروب إلى طلوع الفجر: "هل من تائبٍ فأتوبَ عَليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل من طالب حاجة فأقضي حاجته؟ هل من سائلٍ فأُعطيَه سؤله؟ هل من مُبتلى فأعافه؟ هل من مريض فأشفيه؟" 

 لاإله إلا الله، له الحمدُ والمنة، فهذه ليالي نداء ربِّك لكلِّ ما تحتاج؛ ليتوب وليُعافي وليشفى وليُقرِّب وليُسعِد؛ فلا تخيب إذا استسعدت به وإذا طلبته، وإذا أُبْتَ إليه وتبت، وإذا رجعت إليه، وإذا طمعت فيما عنده، هو نِعمَ الوهَّاب المُعطي بغير حِساب، لا إله إلا هو .

اللهم زِدنا ايمانا ويقينا وتقوى، وأصلح لنا السِّرَّ والنجوى واجعل ديارنا تتلألأ بنور التبعيَّة لحبيبك محمد والاقتداء به، لايُرفع فيها علم اتِّباع إلا لحبيبك واتْباعه ومن أحببت مِنَّا اتِّباعه، اللهم اجعل هوانا تبعًا لِما جاء به، وثبِّتنا على دربه واحشُرنا في زمرته وحِزْبه، وأنت راضٍ عنَّا.

بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي محمد

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه

تاريخ النشر الهجري

03 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

25 أبريل 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام