تفسير سورة التحريم، من قوله تعالى:  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ..}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التحريم، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }، الآية: 1 

28 رمضان 1441ه_

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تأملات في عظمة كلام الله.
  • مكانة النبي ﷺ والأدب الإلهي في خطابه:
    • الخصوصية في النداء.
    • تعظيم قدر النبي ﷺ.
  • سبب نزول مطلع سورة التحريم
    • قصة شرب العسل.
    • قصة مارية القبطية.
    • إفشاء السر والعتاب الإلهي.
  • اللطائف التربوية والأحكام الإيمانية:
    • تشريع كفارة اليمين
    • المعاتبة المقترنة بالرحمة.
    • نصرة الله لنبيه.
  • ردة فعل الصحابة وموقف عمر بن الخطاب
  • فرحة الصحابة بخبر مراجعة النبي لزوجاته
     

نص الدرس:

الحمدُ لله الكريم العظيم، ذي الفَضلِ العَظيم والجود العظيم، (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النور:46] وصلى الله وسَلمَ على عَبدِهِ الهادي بإذنه إليه الدال عليه، سيدنا محمد ابن عبد الله أكرم الخلق عليه، وأعظمهم منزلةً لديه، وعلى آله المُطَهرين وأصحابه الغُر المَيامين، ومن تَبِعَهُم بصدقٍ وإخلاصٍ ويقين إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين وآلهم وصحبهم، والمَلائكة المُقَرَبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

وبعد،،،

فإننا في تَواصلِ نِعَمِ الله علينا، وفي خاتمةِ الشهر الكريمِ، في تأملنا لخطاب ربنا وكلامه، وهو خير ما تَنصَرِفُ إليه العُقولُ والقُلوب، وتُدرِكَ معاني مما أَنزَلَ وتَكَلمَ عَلامُ الغُيوب، رَبُّ كُلِ شَيء ومَليك كل شيء، فلن يُصادِفَ عَقلٌ أطيب من كلام الرب، ولا أزكى، ولا أنور، ولا أحسنَ إصلاحًا للحالِ والضميرِ والفِكر والوِجهة من كلام الخَلاق العَظيم- جلَّ جلاله - فما أعظَمَهُ من دَواء! وما أعظمه من شِفاء! لأنواع عِلَلِ القُلوبِ والأرواحِ والأسرار (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء:82]، (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ) [العنكبوت:51] رَبَطَنا الله بالقُرآن وجَعَلَنا عِندَهُ من أهله.

 انتهنا من تأمل معاني في سورة الملك، ووصلنا إلى سورة التحريم، حيثُ ابتدأ الحق سبحانه وتعالى السورة بِخِطابِ نَبِيِّه، ونَظَرَ أربابُ القُلوب في القرآن الكريم فوجدوا خِطابَ الله الذي أنزَلَهُ في القُرآن لِجميع الأنبياء، أن يُخاطِبَهُم بِأسمائِهِم مُباشرَةً إلا عبده المصطفى محمد، فَيُخاطِبُهُ بأوصاف التَّعظيم والإجلال:

  • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) [الأحزاب:59]. 
  • (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) [المائدة:67]. 
  • (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) [المزمل:1].
  • (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) [المدثر:1]. 
  • (طه) [طه:1]. 
  • (يس) [يس:1]. 

وأمثال ذلك، ويَقولُ:

ودعا الإله الرسل كلا باسمه *** ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي

 فَنَجِد الخطاب الذي يَحكيه الحقُ تعالى عنه للأنبياء: 

  • (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة:35]. 
  • (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ) [هود:48]. 
  • (يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي) [الأعراف:144]. 
  • (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) [ص:26]. 
  • ويقول سبحانه وتعالى: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ) [المائدة:110]. 
  • (يَا زَكَرِيَّا) [مريم:7].

 

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1))

فإذا وَجَّه الخِطاب للحبيب محمد، لن نجد: يا محمد، يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) إذا كان هذا خِطاب الله في القرآن للنبي، فكيف نَجعَل خِطابَنا نحن نحو هذا النبي؟ وكلامَنا نحو هذا النبي؟. 

بل أكدَ الحقُ على هذا المَعنى بِخُصوصِه في القُرآن:

  •  وقال: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ) [النور:63] يعني:  نِداء الرسول (كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا)؛ (لَّا تَجْعَلُوا)، -الله أكبر- مَيِّزوا نِداءَهُ، مَيِزوا دُعاءَهُ عن دُعاء بعضكم لبعض.
  •  ويقول جلَّ جلاله: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) [الحجرات:2]؛ إذا أسأتُم الأدب مع نَبِينا فَرَفَعتُم أصواتُكُم وجَهَرتُم كما يَجهَر بَعضُكم لِبَعض حَبطَت أعمالُكُم، ذهبت حَسناتكم، ذهبت طاعاتُكُم، ما تفيدكم الطاعات إذا أَسَاتُم الأدب مع نَبِيّ وحَبيبي- الله- اللهم ارزقنا حُسن الأدب.
  • وقال:(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ) [الحجرات:3]، نزلت في سيدنا أبيبكر وشَمِلَت كُل من كان مُعَظِّمًا للجَناب؛ يَغُض الصوت إذا حَضَر في حَضرَتِه (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
  • وأنكَرَ الحَق على الأعراب والبادية الذين يأتون وينادون النبي من وراء الحُجُرات: يامحمد؛ اخرُج إلينا، فقال:(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات:4-5].

نادى الحَقُ حَبيبه وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)) عجائِب في الخِطاب الرَّباني للجَناب النَّبوي، في شُؤونه الخاصة المُتَعَلِقَة بِذاتِه الكَريمة وأحوال أُسرَتِه، وما يَقوم مَعهُ، ويُنزِلها قُرآنًا يُتلَى في الكِتاب العَزيز؛ اعتناءً من رَب العَرش بهذا المُجتَبى المُصطَفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 وابتدأ الخِطاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) بالتَعظيّم والإجلال والإكرام، مع أنه فيه معنًى من العِتاب: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)، يقول له: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) ذَكَر خُلُقُهُ الكَريم، وقال: إنما حَمَلَك على ذلك خُلُقك مع أزواجِك وحِرصُك على رِضاهن، والحق لَك عَليّهِن لا عليهن لَكَ، ولكن دَفَعَكَ هذا الطلب لِرِضاهِن أن تُحَرِّم شَيئًا هو مُباح لَك في أَصل ما شَرعنا لك وجاءَ به ديننا، ويُقرِن الكلام: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1)). 

(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) يبسط البِساط ويَقول؛ لا تظن أنني أُؤاخِذُكَ بِشَيء مِما صَدَرَ مِنكَ في مُقتَضى خُلُقُك الكَريم، ويَمتَد مَغفِرتي لأزواجك هؤلاء اللاتي لا يَستَطِعن أن يَقُمنَ بِحَقِك -وإن اجتَهَدن- ومع ذلك فَهُنَّ نِساءٌ مِنَ البَشَر آدَميات لهنُّ طَبع، ولهُنَّ غَلَباتٌ تَغلِبُهُن من طَبائِعهِنَ، لكن قال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) حتى لا يَنزَعِج في شَأن نَفسِه ولا شَأن أُسرَتِه، ويَذكُر: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1))

 

 تفسير قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2))

(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ)؛ نجد لك حل في مَسألَة الحَلف الذي صَدَر مِنكَ، كَفِّر عَنهُ، وانتهت المسألة (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) -ماذا بعد ذلك؟- (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) في الخِطاب لمَّا يُخاطِب حَبيبه، كيف (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ)- الله أكبر- (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)).

ثم يَذكُر قِصة خاصة، حَصَلَت بَينُه وبَين زَوجاتِه، وبعد ذلك يَرجِع للزَوجات، يقول: انتَبِهن، أنا وَضَعتُكُم في المَقام الشَّريف هذا، لا تَعتَبِرن حَبيبي وعَبدي مُحَمد مثل أي إنسان، أنا آخذ حَق كُلَّ واحِد، ولا أرضى رَجُل يَظلِم امرأة، ولا امَرأة تَظلِم رَجُل، ولكن حبيبي محمد لَيسَ كَغَيرِه، فإذا وَضَعتُكُم في هذا المَكان انتَبِهن، والذي أمامكم: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ (4)) كُلُّهُم ظَهير مَعهُ وأنصار لهذا العَبد المُصطَفى، فانظُرن أنتنَّ تُكَلِّمن مَن؟ وتُخاطِبن مَن؟ وتَتَعامَلن مَع مَن؟! هكذا جاءَ مَساقُ السورةُ الكَريمة.

والبِداية ما كانَ من التَظاهُر من امرَأتين من أُمهات المُؤمِنين، وَهُنَ: سَيِدَتُنا عائِشة وسَيِدَتُنا حَفصَة -عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عُمَر- ، تَتَظاهَرا على بَقِية نِساء النَّبي ﷺ، وتعاونن على النبي ﷺ في بعض الأشياء، مما يَتَعَلَّق بِمَيلِ نُفوسِهِن أو طَبيعَتِهِن البَشَرِيَّة، فكانَ من ذلك أنه ﷺ  يَمُرُّ على حُجَر نِسائِه في العَصر في كَثيرٍ من الأيام، ويَجلِس عِندَ هذه ساعة وعِندَ هذه ساعة، وكُنَّ حَريصاتٍ على الجَلسة مَعه، وسماعِ كلامِهِ وأخْذ ما عنده، وعَرض ما عَندَهُن عليه، وجلسةٌ مع محمد شأنُها عَظيم، ومن هذا الحِرص، يُراقِبن كُل واحِدَة؛ الساعة التي يأتي عِندَها، ومِقدار كَم سيجلس عِندها، ويَجلِس أوقات مُتقارِبَة عند هذه، وعند هذه، وعند هذه،  يَمُر عَلَيهِن.

وإذا في يوم أبطَأ في بَيت زَينب، تَأخر وجلس وَقت أَطوَل، راقبن ذلك، قالوا: ما الذي يجعله يتأخر في بيت زينب؟ ويَأخُذ وقت أكثر من المُعتاد في البيوت؟ بَحَثن؛ حَصَّلن أنه تلك الأيام كان عندها عسل طيب، أهداها إياه ناس، فكانت إذا دَخَل عندها ﷺ في تلك الساعة تَقوم وتقدِّم لَهُ العَسَل وتَسقيه العسل، فيشرب العسل عندها، فَتَظاهَرْن وتَشاوَرْن -عائشة وحفصة- قالتا: الآن يتأخر عندها أكثر وتَسقيه العسل؛  سيميل إليها أكثر، وسيحبّها زائِدا علينا ﷺ، فكيف نُفَوِّت الفُرصة هذه؟ كي لا يجلس عندها أكثر منا، قالت: إن الرسول ﷺ من طَبيعَتِهِ يَكرَه أن أَحَدًا يَجِد مِنهُ أَثَر أي رائِحةَ غير مُستَحسَنَةَ، -أي رائحة كانت من أي مادة غير مُستَحسَنة، ما يُحِب-، قالت: الآن عِندنا طَريقة، قالت: إذا جاء عِندِك بَعد ما يَخرُج من بيت زينب، قولي له: هل أَكَلت مَغافير؟! نوع من صَمغ يأتي من بَعض الشجَر اسمه عُرفُط، شجر اسمه عُرفُط يخْرج منه بعض الصمغ الذي لهُ رائحة، ليست طيبة مستحسنة، فسوف يقول لك: لا! فقولي: إني أَجِد مِنك ريح، سيقول لك: إن زينب سَقَتني عَسل، قولي: آه!! إن نحل العسل هذا، أكل من زَهَر العُرفُط، جَرَسَ نَحلُهُ العُرفُط، النحل أخذ من زَهر العُرفُط هذا؛ فظهرت الرائحة في العَسل فجاءت فيك الآن، وفي الحقيقة لايوجد رائحة، ورائحته طيبة -لايوجد رائحة ثانية-، لكن أردْنَ فقط أن  يَتخَلَّصن، وأن لا يُبطِئ عند زينب، ولا تَستَأثِر بِسَقيه العسل دونهن -لا حول ولا قوة إلا بالله-. 

فَدَخَل على الأولى منهما، قالت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟! قال: لا، قالت: أجد فيك رائحة، قال: كنت عند زينب سَقَتني عَسَلًا، قال: آه، جَرَسَ نَحلُه العُرفُط، نحْله أكل من هذا، وهذه الرائحة الآن، وكان يَشُق عليه أن أَحد يَجِد منهُ رائحة، دخل عند الثانية، قالت: يا رسول الله، أكلت مَغافير؟!، قال: ما أكلت مَغافير، قالت:أجد منك رائحة، قال: ما هو إلا عسل سَقتني زينب، ولكن والله لا أشربه، أنا لن أشرب هذا العسل، حَرَّم على نَفسهُ العسل، ولا فيه رائحة ولا شيء ولا مَغافير؛ لكن هذا تظاهُر سيدتنا عائشة وسيدتنا حفصة.

مرت الأيام أيضًا، ويوم تَستَأذِن سيدتنا حفصة في يَومِها أن تَذهَب تَزور أباها، فأذِن لها النبي، وجاء إلى حُجرة السيدة حفصة، وحفصة غائبة عند أبيها أبطَأت، فأرسل إلى جارِيَتِه مارية القِبطية التي أهداها إليه المُقَوقِس، فَجاءت إلى عنده، في الحُجرة، والحُجَر كُلها كانت مُلكه ﷺ ويُسَكِّن زَوجاته فيهن، ولكن هذه مُخَصصة للسيدة حفصة تَجلس فيها، فجلست مارية القبطية مع النبي ﷺ حتى جاءت حفصة، جاءت وإذا عنده الجارية، زعلت، غضبت، وأخرج ﷺ جارِيَتهُ إلى طَريقها، تَذهَب إلى مَسكَنها في العَوالي هُناك، حيث تَسكُن، وقد أبَعَدها وكان مَسَكنها قَريب مِنهُن ورأى تَضايُقُهُن، فَأبَعَد المَسكَن، فقالت: يا رسول الله؛ في يَومي! في بَيتي! في فِراشي! تُحضر جاريتك إلى هنا؟ ما فَعَلت هذا مع أحد من نِسائك! إلا أنا، تتعامل معي هكذا تَحتَقِرني، سُؤتَني، قال ﷺ: سَنُرضيكِ، لا أَقرَبها بَعد اليَوم والله لا أَقرَبها، أُكتُمي ذلك، قال: وإنه سَيَلي هذا الأمر من بَعدي أبوبكر، ثم يَليه أبوكِ، فاكتُمي: 

  • لا تُخبِري أحد، لا تَقولي لأحد بأني حَرَّمت مارية، وإني حلفتُ ما أقرَبها بعد اليوم.
  •  ولا تُخبِري أحدا بأسماء الخلافة؛ لأنه أمر سِرّ، وأمر من الغَيب، الذي أطلعه الله النبي، وما تَحَدَّث فيه مع أحد من الناس أبدا.

 أمْر الخلافة، ما تَحَدث مع أحد من الناس فيه، فَذَهَب غَضَبها، لما خَرج النبي من عِندها ﷺ، دَقَت على الجِدار، عائشة جَنبها: نعم، قالت، أُبشرك، -النبي استَأمنها! قال لها: لاتخبري أحد، قالت:

  • النبي حلف أن لا يَقرَب مارية، كُفَيناها - لاحول ولاقوة إلا بالله-. 
  • والثاني: قال لي إن أباكِ سوف يلي هذا الأمر بعده،  وأن أبي بعد أبيكِ.

 أفشتْ السر، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) -عسل أومارية- (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) أخلاقَك مَعَهِن وَصَلَت إلى هذا الحد! أنت صاحِب الحَق، ومن أجل مُراضاتِهِم حَرَّمت على نَفسَك شُرب عَسَلنا؟! حَرَّمت على نفسَك قُرب مارية؟! جارِية أبحتها لك، مُلك يَمينك، (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) أخلاقك معهم إلى هذا الحد؟! عَدِّل الأمر اجعلهن يَترَبين قليل، يَتَأدَبن يَعرِفن أنك أنت مَن، (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1)) سيغفر لك، وسيغفر لهن، لكن قَوِّمهِن، أدِبهِن  بالحُسنى.

(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ (2)) من أجل يَمينِك أنا قَد أَنزَلت حُكم تُكفِّر اليَمين، إما: 

  • تَعتِق رَقبة
  • وإما تَصوم ثلاث أيام
  • وإما تُطعِم عشر مساكين

كما قال سبحانه وتعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) [المائدة:89] الأول:

  •  إما عتق رقبة
  •  أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوة عشرة مساكين.
  •  من عَجَز عن هذه الثلاث، صوم ثلاثة أيام.

(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فأعتَق جارِية من أجل مارية، وكفارة اليمين المتعلق بمارية.

وبعد ذلك: (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) وسيتولاك ويرعى أمورك وشئونك، وإن صبرت وتَحَمَّلت من أجل من حواليك حتى نساءك، والكفار يؤذونك، ومنافقين يلمزونك، ويتكلمون عليك، وحتى وسط دارك تُحَصِّل، لكن أنا وليُّك، أنا أتولاك، لن أخذلك، ولن أُخزِيَك: (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ (2)) 

الأدرى بكل شيء -سبحانه وتعالى- (الْحَكِيمُ) له حِكمة في طَبائع الناس وأحوالهم وأخلاقهم وتمشية الأمور، حِكمَته تفوق كل عقل، يقول سيدنا علي: لو كُشِف الغِطاء ما اختَرتُم إلا الواقع؛ لأن هذا تَدبير الحكيم، الواقع هذا  تَدبير الحَكيم، الواقع هذا تدبير الحكيم، ما أحد غيره يأتي يدبر أحسن منه،  حاشاه، -جلَّ جلاله-.

  لكن إلى أين يَبلُغ عقل الإنسان أمام حِكمَة إله جَبار؟! ورءاها أشياء ما نعرفها، والآن الذي ما يَعرِف إتقان الصَّنعة ويجيء عند الصانع، يقول: لماذا تفعل كذا؟ ما يَعرِف الضرورة لِصِناعَته، ذاك خبير فيها ويحكمها لكن هذا فهمه ناقص، يقول لماذا يعمل هكذا هذا؟ لماذا يتعب نفسه؟ لماذا يصلِّح كذا؟ هذه أسرار مهنته وهو أعلم بها وأخبر.

وهذه ألوهية وربوبية لا يوجد عقل يَقدِر يستوعبها، هو أعلم بعباده ومَصالِحهم وأحكامهم -جلَّ جلاله- وما يمكن واحد يجيء على عقله وينْصبه لنا إله ثاني، لا .. لا، الإلٰه واحد هو الله، وعقلك وفهمك وكله تحت -عبيد للإله- وهو أعلم بمصلحته، إنما أعطاك نِعمة من هذا العقل تُدرك بها كثير من الأسرار والحِكَم، لكن ما غاب عنك أكثر؛ لأنك عَبد مَخلوق، وهذا إله خالق- جلَّ جلاله- (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3))

وبعد ذلك يقول: (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ (3)) -حفصة- (إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) كلام، كلمها خاص قال لها: لا تكلمي أحد (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) قامت تُكَلِم عائشة، صاحبتها هي وإياها يَتَعاوَنون على الأمور؛ 

  • (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أخبره الله: زوجتك فَشَت السِّر وقالت للزوجة الثانية كذا وكذا. 
  • (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) يعني: أطلعه الله عليه وكَشَف له هذا السر جلَّ جلاله. 

(وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) دعا حفصة وعاتبها في بعض، وتَرَك بعض، (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ (3)) عاتبها فيه، يقول: لماذا تتكلمين مع عائشة في شأن مارية؟ ما ذَكر شأن الخِلافة حتى لا ينتشر الكلام ولا يَخرُج، سكت، ساكت، وما استكمل عِتابه معها.

حتى سيدنا علي لمّا يذكر الآية يقول: إن الكريم لا يستوفي حقه، مهما كان الحق، الكريم ما يأخذ حقه كله، يترك شيء يَترُكُه؛ (عَرَّفَ بَعْضَهُ..(3)) أمسك .. سكت ما عاد عاتبها في باقي الكلام لحكمتين:

  • لِحِكمَة كماله وكريم خُلُقهُ 
  • ولِحِكمَة أن المَسألة حَساسَة، وهي سِر ما يُحِب أن يَظهَر ﷺ؛ لأنه ما خاض في هذا الكلام مع الناس، حتى مع خواص أصحابه. 

حتى مع سيدنا أبوبكر، وسيدنا عمر، وسيدنا علي، ما خاض معهم في هذا الجانب، وهم من يَتَوَلى الأمر، والأمر مَطروح أمامهم، نبأهم عن الأُمراء الذي سيأتون من بعدهم، حتى ما ترك أمر من يقود ثلاثمائة فأكثر إلا ذَكَرُه، فكيف يَخفى عليه خُلَفاءُه القَريّبين؟! ما أخفى الله عليه ذلك؛ ولكن ليس من أمور الشريعة التي يقوم عليها الأمر، وكما قال في موضوع هذه الخلافة الظاهرة والحُكُم قال له: الأمر بيد الله (يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4] ما خصص بها.

نعم أمر الإمامة في الصلاة نَوَّب أبابَكر في حال حَياته وهذا أمر واضح: "مروا أبابكر فليُصَلي بالناس" هذا أمر واضح .. بَيِّن، لهذا حتى لما تشاوروا بعد ذلك قالوا: ألا تَرتَضون لِدُنياكُم مَن رَضيَهُ رَسول الله لِدينِكُم؟ قال الدين جعله نائِب عَنه يقوم يُصَلي بكم في حياته ﷺ، لما مَرِض، فارتَضاه لِلدين، من باب أولى لِدُنيا اجعلوه هو الخليفة، فكان هو الخليفة -عليه الرضوان-، في خلال تلك السنتين والستة الأشهر.

وأشار فقط إلى الخلافة بعدي، انتظام خلافة الحُكُم الظاهر مقرونًا بحقيقة الدِّين ما يَحيد عنه، يعني خلافة ظاهرة مُقتَرِنَة بالدين تمامًا، ثلاثين عام؛  "الخلافة بعدي ثلاثون عامًا" بعد ذلك كيف حال الأُمة؟ خِلافته الباطنة تَبقى في الأمة وخَيراته وسُنَتُه وهَدْيه؛ ولكن يَنحَرِف شَأنُ الحُكُم عن الإستِقامة على السُّنة في الغالِبِ، إلا إن جاءت نوادر مثل: عمر بن عبد العزيز، مثل بعض الأئمة العادِلين في ناحية من النواحي يَحصُل، لكن خِلافة كامِلة مُستَقِرَة تدوم في الأمة، لن يَحصُل بعد الثلاثين السنة هذه، إلا مُلك عَضود ثم جَبرِية. 

وعاشت الأمة في القُرون لم يذكرها ﷺ، هذا خَبَر عن أمر غَيب، الله تعالى رَتَبه، "ثم تكون خلافة على مِناهج النبوة" تَرجِع آخر الزمان؛ يعني يَلتَئِم شَعث ويجتمع شمل الخلافتين؛

  • الحُكُم الظاهِر. 
  • والمعرفة الباطنة في أسرار الشَّريعة.

تجتمع في آخر الزمان، أما من بعد الثلاثين العام فيحصُل افتَرَاق، فكانت خلافته ﷺ؛ في العِلم، والمَعرفة، وأسرار الشريعة الموجودة، عند: 

  • الحسن بن علي، ومن معه سواء كأخيه الحسين.
  • وخيار الصحابة الموجودين.
  • وأهل البيت الطاهر.
  • والعلماء العارفين المستقيمين على المناهج.

عندهم الخلافة الباطنة؛ خلافة العلم، خلافة النور، خلافة الهُدى، خلافة السنة، خلافة التقوى، خلافة الصفات النبوية، خلافة أسرار الوحي؛ موجودة عندهم، ولكن الحُكم بيد آخرين: "مُلك عَضود" كما ذَكَر ﷺ،  يَتَمَلَّكون، وبعد ذلك: "جَبرية" بالقَهر، ألا تشاهدون ما يفعلون!! هكذا إلى وقتنا جَبرِية، "ثم تَكون خِلافة على مِنهاج النُبوة".

 والعجيب في تحديده الثلاثين السنة حتى بأشُهرها: 

  • سيدنا علي قُتِل في رمضان. 
  • بقي من كمال الثلاثين السنة سِت أشهُر يَتَوَلى الخلافة الحَسَن. 
  • ستة أشهر وتنازل -بالضبط- من رمضان إلى ربيع الأول؛ وقت وفاة النبي، يُسَلِّم الحُكُم لمعاوية. 

انفصل حُكم الظاهر عن العلم والمعرفة، فتولى هذا، بدأ المُلك العَضود، كما اخبر ﷺ، وبقيت الخلافة الباطنة مع أهليها، مع الصالحين؛ زمنًا بعد زَمن، "اللهم ارحم خُلَفائي، قالوا: من خُلَفاؤك؟ قال: قَومٌ يَأتونَ من بَعدي يَروون أحاديثي، ويُعَلِّمونها عباد الله"، هؤلاء خلفائه، هؤلاء مستمرين ما انقطعوا -الحمد لله- 

لكن في أمر الحُكم، إلى حد أن يقول سيدنا جعفر الصادق: "من وصل تفكيره وعقله أنه يُقيم حُكُم الشريعة بالسيف وبالقُوة مِنا؛ نحن -سيُقْتل بالسيف-" نحن عندنا الخلافة الباطنة، يقول: "من ظن أنه بالسيف" -قَبل أن يَأتي المَهدي-، يَقول: "مَن حَمَلَهُ مِنا: أي السيف، قَبل أن يَظهَر المَهدي قُتِل به"، الذي يَحمِلهُ ويَقوم به سيُقتَل هو بالسيف، وأنه لن تنتظم الأمور تمامًا في جمع الخلافتين إلا حتى يأذن الله، بظهور الإمام  المهدي، يظهره في وقته متى شاء الله سبحانه وتعالى.

 لكن ما ينقص على الصادقين من الأمة صِلَتهُم بالله وصِلَتهُم برسوله، ومعرفتهم بالأحكام، ومشْيهم على الإنتظام: 

  • "في كلِّ قرنٍ من أُمَّتِي سابِقُونَ". 
  • "ويحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ".
  • يقول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لا تزالُ طائفةٌ مِنْ أُمِّتي ظاهرينَ على الحقِّ أوْ على الحقِّ ظاهرينَ لا يضرُّهُمْ مَنْ خذلَهُمْ وفارقَهمْ حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ، وهم ظاهرون". 

نعمة من نِعَم الله تعالى، أما مسألة الحُكم يمسِّكها هذا أو هذا أو ذاك، أصلا هي تآمرات، أشار إليها يقول: لا تَزيدوا الطين بَلَّة في مشاكل الأُمة "عليكم السمع والطاعة، وإن تَأَمَّر عليكم" -ما معنى تأَمّر؟  أي بالقوة، "وإن تَأَمَّر" -ليس أَمَّرتُم أنتم- بل "وإن تَأَمَّر"، "وإن تَأَمَّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" لا تعملوا مشاكل، لا تعملوا بلاوي للأمة، "حتى تروا كُفرًا بواحًا، لكم فيه من الله بَيِّنَة" ما يقبل التأويل، إلا إذا كان كُفرا ظاهرا واضحا، فواجب على المسلمين أن يقوموا ويُبعِدوا الكفر، والله يَدفع شر الكفر عنا وعن الأمة في المشارق والمغارب. 

تَكَلَّم على الأمراء من أُمته، هو أعرف بهم، هو صاحب الرسالة ومأمون من عند الله، "إنَّه يُسْتَعْمَلُ علَيْكُم أُمَراءُ، فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ"، ويكون منهم ما يكون، "قالوا يا رسول الله: أفلا نجادلهم؟! قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة"، ما داموا يقيمون فيكم الصلاة اتركوهم، حسابهم على الله، قالوا طيِّب: "ما تأمرنا؟ قال: أدوا الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم"، الذي عليكم قدموه، في طاعة الله، في غير معصية الله ولا تعملون مشاكل لا للعامة ولا للخاصة، قاربوا الأمور، "والذي لكم أسألوه من الله" يعني: لن يعطوكم حقكم، "أسألوا الله الذي لكم"، لا تعملون من أجل الذي لكم -ثورات، ومشاكل.

هذا هو الإرشاد النبوي، إرشاد نبوي ليس باجتهاد عقل من هنا ولا من هنا، هذا إرشاد نبوي، وما أحد أشجع منه ولا أَغيَر على دين الله منه، ما يتأتَّى، ما يمكن، لو كان مسألة شجاعة أو معرفة بالدين، فهذا عنده هو ﷺ، ما أحد أشجع منه ولا أغْير على دين الله، لكن هذه أمانة بلَّغها عن الله؛ رحمة بأمته، وأداء لحق الأمانة، وأدَّاها كاملة، "تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحجّةُ الْبَيْضَاءِ، لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكٌ". 

ومن دَخَل هواه وأراد أن يتبع نفسه، فهذا كلام آخر، سيلعب بعد ذلك بالآيات! سيلعب بالحديث) الأمر إليه راجع! لكن رسول الله ما قصَّر، وكل صادق من الأمة سيجد البيان، سيجد البيان، في أي عصر كان؛ فضلًا من الله على هذه الأمة.

 بعد ذلك يقول له: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ)، (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ) قالت: يارسول الله: من قال لك؟ من أخبرك؟ هي تقول لعائشة استكْتمَني هو هذا، فاكتميه عندك هو سر (مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا) من الذي أخبرك أني قلت هذا الكلام؟ أتى بنفس الألفاظ التي قالتها، قلتِ وقلتِ؛  في الجانب الذي حَدَّثَها عنه وعَرَّفها فيه، أتى بنفس الألفاظ التي قالتها، كأنه كان حاضر عندهم، الذي نبأه هو الله سبحانه وتعالى، (مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا) من أين تجيء بهذا الخبر! كأنه عندك مُسَجِّل تسجِّل عندي، وأنت حاضر تشاهدني.

(مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)) الله هو الذي نَبَأني، جاء الخبر من فوق، ليس عندي جواسيس ولا عندي جهاز وضعته لكم في غرفتكم، ولا عندي مُسَجِل، ولا عندي شيء من هذه الأشياء، (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) -الله اكبر-. 

 

تفسير قوله تعالى: (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4))

 وجَّه الحق خطابه: (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) تعالي ياعائشة، وياحفصة، أحسنوا المعاملة مع حبيبنا هذا، رأيتوا أخلاقه؛ سهلة، زينة، لينة، وصلتم لهذا الحد!! لا .. (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ..(4)) يعني مالت قلوبكما إلى تحريم العسل، وتحريم مارية، (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) يعني اقبلوا؛ فالعسل سيشرَبه، ومارية سيُعاشرها لأني أحللتها له في شريعتي، (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) اقبلوا هذا.

 فقال: (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ) يعني: احذرن، احذرن، فالغضب سيأتيكم من الله (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ (4)) وقد سَبق لهذا سيدنا عمر، سيدنا عمر يقول إنه: كان بيته في العَوالي -هو بعيد هناك- وعنده صاحب من الأنصار، كانوا يتقاسموا الأيام هو وإيّاه؛ 

  • يوم هو يَخرُج يُلازم النبي طول اليوم، يَحضُر معه الصلوات، ويَرجِع في الليل يُخْبر صاحبه، يقول النبي اليوم قال كذا، وفعل كذا، ونزل عليه كذا، وجاء إلى عنده فلان. 
  • واليوم الثاني يذهب هذا للعمل لكي يُساعده على العمل، ولا يحب أن ينقص عليهم الإتصال بالحبيب.

يقسِّمون؛ يوم عنده ويوم عندك، اليوم الثاني يذهب سيدنا عمر يشتغل، ويجيء الرجل هذا الثاني ويلازم النبي طول اليوم، ويحضر معه الصلوات، ويسمع منه ما يقوله، ويرجع إلى عند سيدنا عمر، يقول له: قال كذا، وعمل كذا، وفعل كذا، ونزل عليه كذا، وجاء له فلان؛ يعني الأخبار التي في اليوم يوصلها له؛ مِن حرْصهم على تتبع أحوال النبي يومياً، يعني مدمنين على المسلسل الأعلى، عندهم إدمان، يُحِبون أخبار الحبيب، يتغذون بهذا -الله أكبر- ونِعم قلوب الصحابة، ونِعم عقولهم؛ متعلقة بهذا الجناب.

 قال اليوم الذي كان فيه نَوبَة صاحبي، حصل فيما يَتَعَلَّق بالأسرة، إن النبي ﷺ لما تظاهرن عليه وعملن هكذا، وغضب وحلف ألا يقرب نساءه شهراً، تَرَك النساء كلهن شهر، في ذاك اليوم كانت النوبة عند صاحب عمر، وانتشر بين الصحابة أنه يمكن أنّه طلَّق أزواجه، وهو ما طلقهن ولكن دار بينهم كلام، واستنتجوا أنه يمكن طلَّق أزواجه.

هذا الشأن كان عند الصحابة خطير وكبير؛ لأنهم يعلمون أنه إذا وصل الغضب لهذا القلب، فحالهم خطير بينهم وبين الله، فثقُل على الصحابة واشتد الأمر، قال: ما أحسستُ إلا بصاحبي، يَطرُق الباب عَليَّ بقوة، ماهذا؟!، خرج: نعم؟، قال: حدث أمر عظيم اليوم، قال: كنا نتحدث أن المَلِك غسان يُعد الخيول ليأتي ليغزو المدينة، يغزو النبي، قال: أجاء خيل غسان؟ قال: لا، الأمر أكبر من ذلك، يعني يأتينا -نحن- جيش، هذا أمر سهل، لكن رسول الله، قال: ما معك؟! قال: طَلَّق رسول الله نساءه، قال: ويح حفصة، مَن حفصة فأنا قد قُلت.

فخرج سيدنا عمر، بعد أن انتظر طلوع الفجر بفارغ الصبر، مشى قبل الفجر وصلى الفجر مع النبي، ودخل إلى بيت حفصة، والنبي اعتزل في مَشرُبَة له -غرفة يَطلَع لها على جذع كانت عنده، يَطلَع على الجِذع ومن الجِذع يَصِل إلى المَشرُبة، ويَجلس هناك- فطلع في المكان هناك، واعتزل نساءه، من اليوم الأول، كان يخرج يصلي بالناس ويرجع إلى مكانه، فجاء سيدنا عمر والنبي في المشربة، وسيدنا عمر دخل عند حفصة: حفصة، أطلقك رسول الله؟ قالت له: والله ماأدري،  تبكي، أبَلغَ من شأنك أن تُسيئي الأدب مع رسول الله  ﷺ؟! فبكت، قال: أطلَّقك؟ قالت: لا أدري، هو بات في المشرُبة، ومرَّ على سيدتنا عائشة: أبلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله وتسيء الأدب عليه؟! قالت: دعنا عنك يا عمر، نحن الآن في حال وأمر.

 جاء إلى المسجد فوجد جماعة من الصحابة يبكون، ومتأذون وخائفين، ما يدرون ما الذي حصل؛ لأنهم يهمهم أمر رسول الله ﷺ وخائفين من غضبه، وأن شيئا ينزل عليهم شر، قال: جئتُ إلى عند المَشرُبَة، وجدتُ واحد من موالي رسول الله ﷺ، مُدلِّي رجليه على الجذع على حرف المشربة.

  • قلت له: يا فلان، استأذن لي رسول الله، دخل إلى عند النبي ورجع، قال ياعمر، ذَكَرتُك له وسكت، قال: رجعتُ إلى المسجد، وما تركني ما بي. 
  • وخرجت قلت يا فلان: استأذن لي رسول الله: قل له عمر بالباب، دخل ورجع، قال: ذَكَرتُك له، سكت، قال: رجعت إلى المسجد. 
  • وعدت ثالث مرة، ورفعت صوتي قلت له: ربما ظن رسول الله أني جئت أكلِّمه في شأن حفصة، والله لو أمرني بضرب عنقها لضربت عنقها، -لم آتي من أجل حفصة، ولكن أتيت لأستفتيه -أسأله-، قال: دخل عنده، رجع قال لي: أن رسول الله سكت.

فوليتُ، إذا بالنبي ينادي: قل لعمر يدخل، فناداني، قال: تعال ياعمر، يقول لك رسول الله ﷺ ادخل، وجئت وطلعت على الجذع -الدرج الذي يصعد منه النبي أو المصعد، ليس درجا كهربائيا- يطلع فوق الجذع ﷺ، فطلعتُ.

قال: دخلت على النبي ﷺ فوَجَدتُ عليه إزارا، ليس عليه غيره، وقد وضع ثيابه، وهو على حصير متكيء، وأثر خطوطًا في جنبه من الحصير، قال دَخلتُ، قلت: يارسول الله، أطلَّقت نساءك؟ قال: لا، قلت: الله أكبر، الله أكبر، رفع صوته، يعني ما هناك شيء يخافون على أنفسهم منه، على وضعهم، قال: لما وجدته كلمني، أردتُ أن أستلَّ غضبه وسخطه، قلت يا رسول الله: استأنسك؟ قال:نعم، جلس. 

قال: يا رسول الله نحن كنا قوم قريش في مكة نغلب نساءنا، فجئنا عند قوم تغلبهم نساؤهم؛ عند الأنصار في المدينة نساءهم تغلبهم، قال: ولقد راجعتني يوما زوجتي، أي تعلمتْ نساءنا منهن -من نساء الأنصار، من نساء المدينة- فأنكرتُ عليها، عندما راجعتني، قالت لي: لِم تنكر علي مراجعتك؟ إن أزواج النبي يراجعنه، قال: ها! اتفعل ذلك حفصة؟! خابت وخسرت إن فعلت ذلك، قالت إن إحداهنَّ تراجعه وتهجره إلى الليل، قال: فخرجتُ إلى عند حفصة، قلت: أتراجع إحداكن رسول الله ﷺ وتهجره؟ قالت: نعم، قال: خابت وخسرت من فعلت ذلك، أما تخشين من غضب الله عليك؟ أن تراجعي رسوله؟ 

  • قال: ضحك رسول الله ﷺ، قال: ففرحت، قال قلت لها: لا تغرك جارتك إن كانت أضوأ منك وأحب إلى رسول الله، أنت، ما أنت مثلها -عائشة- لا تغتري واحذري.
  • ضحك ﷺ، ففرحتُ لما رأيته تبسم وضحك، قلت له: يا رسول الله، الناس هناك خائفين أنك طلقت نساءك، فهل أبلغهم ؟، قال: بلِّغهم إن شئت. 

قال: خرجت، ووضعت رجلي على هذا وأمسكت بيدي الجذع من أجل المخرج، قال: فخرج ورأى الرسول ﷺ كأنما يمشي في سهل، لم يمسك الجذع بيده أبدا، قال برجله كذا ومشى؛ ألِف الصعود والطلوع على هذا الجذع، يطلع وينزل حتى ما احتاج أحد أن يمسك بيده، وضع رجله، كأنه يمشي في مكان سهل. 

قال وقلت للناس: أبشروا، أن رسول الله ﷺ لم يطلِّق نساءه، كبَّروا أهل المسجد وفرحوا، ومضى تسعة وعشرين يوما، وكانت لما فشت السر -حفصة- غضب عليها ﷺ وطلقها، فجاءه جبريل يقول: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة وإنها زوجتك في الجنة، وإنها صوامة قوامة" فراجعها ﷺ 

انتهت تسع وعشرون يوما، الشهر كمل، رؤيَ الهلال وثبت عنده ﷺ، فخرج ودخل على على سيدتنا عائشة، قالت: يا رسول الله، آليت، يعني حلفت من نسائك شهر، و أنا أعدها تسع وعشرين، أي بقي يوم، قال إن هذا الشهر يكون تسعة وعشرين يوما، -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- .

وجاءت هذه الأخبار والقصة، حتى يقول سيدنا عبد الله بن عباس أردتُ أن أسأل عمر بن الخطاب من المرأتين اللتين  تظاهرتا على رسول الله ﷺ، وقال الله: (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (4)) قال: فما وجدتُ فرصة، وذلك من اشتغال عمر بالخلافة، قال: إلا بعد سنة، خرج إلى الحج فخرجت معه، قال فقام يوما يقضي حاجته، فجئت بالماء وصببت عليه الماء ليتوضأ، وقلت له من المرأتان؟، قال: يا ابن عباس ما تعرف ذلك؟! هما عائشة وحفصة، عائشة وحفصة، اللواتي تظاهرتا على النبي، ثم أخذ يذكر له القصة في خروجه إلى عند حفصة لما راجعته امرأته وما إلى ذلك.

 فصلى الله على طيب الأخلاق، حسن الفعال، حبيب الخلاق محمد، وربطنا الله وإياكم به ربطًا لا ينحل، وجَعَلنا من أنصاره. 

وهو في خطاب سيدنا عمر له قال: يا رسول الله ، ما عليك من نسائك، الله معك، يقول له، وأنا وأبوبكر معك، والمؤمنين معك، والملائكة معك، سيدنا عمر يقول ذلك، ونزلت الآية مطابقة لقول سيدنا عمر، وذهب عند النسوان، يقول أيه! انتبهن من رسول الله، (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ (5)) يقول لهم كذا قبل نزول الآية، ونزلت الآية موافقة لقوله الأول وقوله الثاني- سبحان الله - لصدقهم مع الله، ومع رسوله ﷺ.

 رزقنا الله محبتهم، وحشرنا في زمرتهم، وأصلح بيوتنا ونساءنا وديارنا وأهلينا ، وسار بهم مسار صالح، وجنَّبهم ما يوجب الخزي والعار في الدنيا ويوم القيامة، وألهمنا الرشد وتمم السعد.

 بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد

 العفو طال الوقت علينا سامحونا لكن الكلام عن الحق ورسوله يطيب

تاريخ النشر الهجري

29 رَمضان 1440

تاريخ النشر الميلادي

02 يونيو 2019

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام