(445)
(628)
(368)
تفسير الحبيب عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً{23} إلى آخر سورة الإنسان
﷽
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31))
الحمد لله رب العالمين، مُكرِمنا بالدين القويم المتين، والمُبيّن لنا الأحكام والحقائق بخير التبيين على لِسان عبده الصادِق الأمين، سيدنا محمد خاتِم النبيين وسيد المُرسلين. اللهم أدم صلواتك وأزكى تَسليماتك على المُصطفى وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن على مِنهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادِن الأنوار، وآلهم وصحبهم والملائكة المُقربين وجميع عبادك الصالِحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،،،
فإنّا في غدوات هذا الشهر الكريم المُبارك، في تأمُّلنا للقرآن الذي ابتدأ إنْزاله في مثل هذا الشهر الكريم، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]، وصلنا في التأمّل في سورة الإنسان إلى قول الرحمن جلّ جلاله وتعالى في علاه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)).
وقد ذكر الحق تعالى؛ أن المَآب والمصير للأبرار وللفُجّار، وهكذا بيان حقيقة الإنسان وغاياته في هذه السورة؛ سورة (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ) [الإنسان:1]، المُسمّاة باسم "الْإِنسَان".
وفيه أنّه خلق الإنسان مِن نُطْفة أمْشاج للاختِبار والابتلاء؛
فإمّا أن يكون هذا الإنسان شاكِراً وإمّا أن يكون كفوراً. جعلنا الله من الشاكرين. ثم ذكر المصير والمآب
ثم ختم السورة بهذه الآيات: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا (23)).
يقول الملك الأعلى لحبيبه المُصطفى محمد:
يقول: تذكّر نعمة الله عليك الكُبرى باختيارك واصطِفائك، أن جعلك خاتِم أنبيائه وسيّد رُسله، فأين مرجعك؟ وأين يكون ملاذك؟ وما مصدر ما تقوم به بين الخلائق؟
وأنت المُتلقّي للوحي، وأنت المُتلقّي للعِلم، وأنت المُتلقّي للحُكم من لدُن مُكوّن الأكوان وخالِق كل شيء من قِبَل اللطيف الخبير السميع البصير العلي الكبير: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا)
(نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) يقول الرحمن: تولّينا التنزيل عليك بما اخْترناك واخْترنا لك من ختم النبوّة والرسالة،
وقد كان ﷺ كذلك في أعلى ذروات ذلك.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا):
جعلناه مُفرّقاً مُنجِّماً في خِلال الثلاثة والعشرين عاماً، ابتدأ في ليلة القدر في رمضان ثم تنزّل شيئاً فشيئاً، آيات فآيات، وكُلّما نزل مِنه شيء أمرناك أن تضعه من موضِعه في السورة التي جعلناها فيه.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا)، (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)، ولم يأتِك دفعة واحدة؛ (كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان:32-33]؛ وفي هذا:
فلو أُعطي المُهِمّة والأمر جملة واحدة لصعُب عليه ونال مشقّة في مُقابلة مُختلف الأحداث، ولكن عند كلّ حدث وعند كل تغيّر، تنزيل وتبيين وتوضيح، حتى استكملت المسألة كلها في خلال ثلاثة وعشرين عاماً.
فكان آخر آية نزلت من القرآن على نبينا فيما قبل وفاته بتسع ليالٍ، آية: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]..
فنزلت وقال: "ضعوها في سورة البقرة بعد آية كذا، قبل آية الدّين"، فوضعوها في محلّها من التنزيل الحكيم. وتم تنزيل الله بالكتاب الحق المُبين، النور الساطِع الذي: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت:42].
ربطنا الله وإيّاكم بالقرآن، وجعلنا من أهل القرآن، وجعل لنا في رمضان هذا اتِّصالاً خاصاً بكتاب الله ووحيه وتنزيله وفهماً في معانيه..
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا (23))..
اللهم لك الحمد على نعمة هذا الوحي والكتاب، فارزقنا شكر هذه النعمة، وارزقنا اللهم معرفة قدرها.
يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا):
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا(23)): ورسم الحقُّ منهج المؤمن في تبعيّة سيد المؤمنين حبيب رب العالمين.
ما مُهِمّتهم في الحياة؟ ما وظيفتهم؟ ماذا يتشرّفون به؟ ماذا يختارون لأنفسهم؟ أن يُحقِّقوا الامتثال لأمر الكبير المُتعال، والتطبيق لمِنهاجه كما جاء عنه في كل الأحوال، غير مُتأثِّرين بأفكار ولا بمنشورات أحد من الخلائق كائناً ما كان..
واعلم أن الأمور بيده وأنّك في عِنايته ورِعايته، كما يقول الله لحبيبه: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور:48].
يقول سبحانه (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)؛ فواجب على كل مؤمن:
فهذه مُهِمّته الكُبرى في الحياة الموجبة للسعادة في الدنيا والأخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200].
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24))، لا تُطع أهل الإثم وأهل الكفر:
فلا (تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، لا تُطع من يجحد النعمة، ولا تُطع من ينتحل المعصية..
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)؛ ويبيّن لنا الحق -تبارك وتعالى- المسلك الحق الذي يجب علينا به أن نتحقق بطاعة الله وتنفيذ أمره وحُكمه، غير مُبالين بما يعرِض علينا شياطين الإنس والجن في جميع أحوالنا.
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، ونقرأ في هذا المعنى آيات عجيبة:
والمعنى: ارسم مسارك رسماً صحيحاً غير مُتأثِّر بالدعاوي والبلاوي وما يُصدِر عن هؤلاء من الأقاويل والأباطيل.
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)؛ أعرض عمّا يقولون، وأعرض عمّا يرسِمون، وعمّا يوحون، وعما يُخططون، وعما يُحسِّنون ويُزيّنون؛ فليسوا بأهل أن تكون تبعاً لهم، وليسوا بأهل أن يكونوا القادة لك، ولا الآخذين بيدك.
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، ووقع في حياة النبي ﷺ مُحاولات من أنواع من الكُفار بأصنافهم، من الأساليب ليحرِفوه عن وحي الله، ليشغِلوه عن أمر الله، أو يشغِلوه عما أمر الله به، أو أن يستنقِصوا منه شيئاً مما أُمر به، أو أن يُطاوعَهم في شيء مما أحبّوه منه، فوجدوه الجبل الشامِخ الثابت القوي الصادِق المُخلص المُجتبى الذي قال: "وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ، مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، أَوْ أَهْلِكَ دُونَهُ"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأبو جهل يقول له: لا تسجد لإلهك عندنا عند آلهتنا -يعني عند الكعبة- وقد علّقوا عليها ثلاثمائة وستين صنماً. وكان يأتي ويصلي ﷺ عند الكعبة ويسجد لله، فيقول له: لئن رأيتك تعود إلى هذا لأطأنَّ رقبتك: وفيه أنزل الله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ) [العلق:8-9]، ثم ختم السورة تلك بقوله: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩) [العلق:19]. (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)).
فهذا أحد الآثمين الكافرين -أبو جهل- وجاءه عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة يقولان: يا محمد، اتْرُك سبّ آلهتنا وأصنامنا وخفّف من هذا الأمر، ونحن نُرضيك بما تشاء؛ من مال ومن تزويج، يقول له أحدهم: عندي ابنتي أزوجك إيّاها ولا أطلب منك مهراً. ويقول له الوليد: أعطيك من المال ما تشاء.
مِثال للإثم والكفر.
قال: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، وجاءوا إليه يقولون: اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، أو اعبد آلهتنا شهراً ونعبد إلهك شهراً؛ فأنزل: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الكافرون:1-3].
المسائل دين وحق ومبدأ، ومُعاملة مع عالم السرِّ وأخفى، ليست تشهيًّا ولا مُفاوضة ولا مُناورة بيننا وبين أحد، الأمر أكبر من ذلك:
ليست مُساومة، وليست مُصالحة، وليست من أمور المصالح والدنيا؛ يُسلَّم هذا مُقابل هذا، هذا شغل أرباب الأغراض الفانية من أهل السياسات وأهل التجارات وأهل الصناعات، يُساومون ويطلعون وينزلون، أما الأديان فوق ذلك، الدين الحق أعظم من ذلك؛ خذْ دين باطل، وساوم عليه، لكن دين الله المُنزّل من عند رب العرش، ليس فيه مُساومة، وليس فيه رأي لأحد، وليس فيه تبعيّة لأحد. هو أكبر والله أكبر جلّ جلاله: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا).
وعند قيامك بالأمر وإعراضك عمّا حواليك من هؤلاء المُتطاولين والمُتقوّلين والصادين عن سبيل الله:
وإذا تأملت آيات الكتاب، وجدت أن الرحمن -ربّ الأرباب- أمر أنبياءه ورسله من آدم -عليه السلام- إلى أن خُتموا بالنبي محمد؛ بالصلاة والصيام وإيتاء الزكاة والأخلاق والذكر والِفكر والاستِعْداد للدار الآخرة.
فلا شيء غير هذا هو المُجدي والنافِع في الحياة، لا شيء غير هذا هو المُصلِح للإنسان والذي يفتح له أبواب السعادة، لا شيء غير هذا.
قال سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء:73]:
ولمّا جاء بعض الأعراب فصلّى خلف المُصطفى محمد، فقال عندما أحرم النبي وكبّر في الركعة، سمع "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً". فسلّم النبي ﷺ قال: "من قائل هذه الكلمات؟". قالوا: هذا الأعرابي يا رسول الله. قال: "أنا قلتها، ما أردت إلا خيراً". قال: "لقد عجبتُ لها، لقد فُتحت لها أبواب السماء"،" لقد عجبت لها، لقد فُتحت لها أبواب السماء". قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً"..
وهكذا قالوا:
فكان الذكر غالباً عليهم، وكان الذكر حاضِراً في قلوبهم، وكان الذكر مُتخلّلاً لكلامِهم وأعمالهم ومسارهم في الحياة، وقد ربّاهم سيّد الذاكرين رسول الله.
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)؛ فأعرِف بذلك قدر الذاكرين.
فأين فقَهَ عن الله أو عرف من دين الله من يقول: هؤلاء زيّدوا أذكار، يجلسون في الليل والنهار ذكر..ذكر! ليس لديهم إلا التسبيح! وشغلهم فقط: "يا الله، يا الله، يا الله"! شغلهم فقط "سبحان الله"! ما عاد معهم شغل ثاني! الدنيا تضيع وتذهب وهؤلاء لا ندري ماذا يفعلون، الناس يطلعون وينزلون ويخترعون، وهؤلاء في ذلك!
اذهب أنت ودنياك وشغلك هناك، وسترى النتيجة لهذا أو لهذا، والعاقِبة لهذا أو لهذا؛ في الدنيا وفي الآخرة، أذهب، ما نتيجة ما معك من الأفكار أنت وإيّاهم؟ ما النتيجة؟
وانظر ما نتيجة: "لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس":
أحبّ مِنك ومن حقول البترول التي تملكها، والنفط لأن تطلع عليها الشمس، ومن قصورك وقصور جماعاتك هؤلاء، التي تطلع عليها الشمس، ومن الخطط التي تخططها أنت وحزبك.
هذا أحبّ إليَّ؛ "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، من قال هذا؟ القدوة. من قال هذا؟ الصفوة. من قال هذا؟ أعلم الخلق بالخالِق وأحكامه وبمصالِح الخلق، أعلم الخلق بمصالح الخلق، هو الذي قال هذا. هل تستهين بذكر الله؟
ولقد حمل نبي الله الرسالة -موسى- عن الله تعالى، فتوجّه إلى الله أن يُعينه على كثرة هذا الذكر، فلّما أرسله إلى فرعون قال: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه:25-34].
(كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)؛ فهذه عُدّة الرسل في القيام بالرسالة وفي أداء هذه الأمانة، عليهم صلوات الله وتسليماته، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25))..
قال بعض الصحابة لسيدنا المُصطفى: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام كثُرت علي، فمُرني بأمر أتشبّث به -اختر لي من شريعتك هذه الكبيرة عمل أتمسّك به، قال له ﷺ: "لا يزال لِسانك رطباً من ذكر الله". إذهب تعلّق بالذِّكر، وأذكر ربّك. "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله".
فهذه خُلاصة اختارها صاحِب الشريعة من الشريعة:
"إن شرائع الإسلام كثُرت علي، فمُرني بعمل أتشبّث به"؛ "لا يزال لِسانك رطباً من ذكر الله".
وهل يُعتبر الجهاد وينفع إلا بذكر الله؟ وهل تُعتبر الصدقات وتنفع إلا بِذكر الله؟ والصوم كذلك، وبقيّة الأعمال؟
صائم يتلو القرآن كثيراً، صائم يُكرِر في رمضان: "نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنّة ونعوذ بك من النار"، كثير، يُسبِّح كثير، يحمد، يُصلّي على النبي كثير، خُصوصاً في يوم الجمعة وليلة الجمعة هذا، أعظم أجراً عند الله.
ثقافة الإسلام هذه، وإدراك حقائقه أقامها ﷺ، وعند ذِكْره لهذا الحديث جواباً على هذه الأسئلة في ذلك المجلس، سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر؛ التفت سيدنا أبو بكر إلى سيدنا عمر يقول له: يا عمر، ذهب الذاكِرون لله بخير الدنيا والآخرة، وسمعه النبي فقال: "أجل". التفت إليهم وقال: "أجل، ذهب الذاكِرون لله بخير الدنيا والآخرة".
فالله يوفِّر حظّنا من ذِكْرِه، ويُعيننا على ذِكرِه على الوجه المُرضي له.
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25)). اللهم أعنّا على ذِكْرك وشُكرك وحُسن عبادتك.
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ..(26))، قال في الصباح والمساء، في الليل والنهار:
لهذا سمعتم أنه:
هذه وسائل كسب حقائق العِلم: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ).
يقول الله لأكرم خلقه: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ)، اعتنِ بالسجود في الليالي..
وكان في أمّته من يرفع رأسه من موضع السجود وموضع السجود مُبلل من الدموع التي خرجت من عينيه وهو ساجِد. على مدى القُرون فيهم هذا الصِنف، الله الله.
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)):
(لَيْلًا طَوِيلًا)، ساعات الليل معلومة ومحدودة، ولكن يقول إن العطاء فيها جزيل، فلذلك كان الليل طويلاً؛ لكثرة التطوِّل فيه، ولكثرة الجود على أهليه.
(وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا)، اجعل لك نصيباً واسِعاً من الليل في تسبيح خالِق الليل والنهار، وإفاضاته من المِنح والمواهِب والفتوحات في الليل تغلب وتكثر.
ولذا كان يقول بعض أهل الله: ما عُقِدت ولايةٌ لوليٍّ إلا بقيام الليل، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا)..
قال وجاء من يطلب عِلم الحديث عن سيدنا الإمام أحمد بن حنبل، وفي أول ليلة بات عِنده، وقدّم له الماء ليتوضأ به عندما يقوم من الليل. فجاء وقت الفجر فوجد الماء لم يُمسّ، فأيقظ الرجل، قال: ألم تُصلِّ من الليل؟ قال: لا، الآن أقوم وأتوضأ. فودّعه، وبعد الصلاة قال له؛ ارجع حيث كنت، إنّك لست من أهل عِلم الحديث.
واحد يبيت نائما طول الليل لا يصلُح للحديث، لا يصلُح لأخذ هذا العِلم. هكذا كانت نظرة الأكابِر في القرون الأولى.
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ) أمامك ممن لم يؤمن بك؛ من المُنافقين، من المُشركين، من اليهود، حواليك ومن أهل الكتاب..
(إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ)، فكْرِهم في العاجِلة، وهمّهم في العاجِلة، ونظرهم إلى العاجِلة، ومقصورين على العاجِلة المُنتهية -الدنيا-.
(إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ)، ونسوا أنّهم خُلِقوا فيها وخُلِقت لهم ليستعِدّوا بها إلى ما وراءها، لكِنّهم ما أدركوا ذلك فأحبّوها لذاتها.
وهذا هو حال الكفرة على ظهر الأرض ومن شابههم من المسلمين، يُحِبّون العاجلة فقط؛ يُريدها من حيث ما جاءت تكون، المُهم دنيا، المُهم فلوس، تجيء من حيث ما جاءت؛ هذا هو المقصود، الله أكبر، لا إله إلا الله، المقصود الله الذي خلقك ياهذا.
(إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ)، صرفوا محبّة قلوبهم التي يجب أن تكون لربّهم وخالِقهم للمتاع الفاني الذي سيفارِقونه على الرغم من أنوفهم.
(إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ) -يتركون ويُهمِلون وينسون- (وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27))، يوم الحساب والجزاء والمُؤاخذة المُقبل عليهم.
(إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ):
(إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27))، أفلا يُدرِكون الحقيقة في خلقِهم وإيجادهم، وآياتنا الواضِحة أمامهم في كلّ شؤونهم والوجود كلّه وشؤون الوجود، كل آياتنا واضِحة:
(نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ)، قال الله: من أين جاءوا؟
(نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ..(28))، نسوا؟ (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) [يس:77].
(نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ): قوّمنا خلقهم تقويماً بديعاً..
(وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ): كيف تتماسك أعضاؤهم؟ كيف تتلاءم وتتلاحم؟ كيف تجري فيها العُروق جرياً مُتقِناً مُحكِّماً؟ وكيف تنتشر فيها الأعصاب، يستقيم بها الأخذ والعطاء والمدُّ والقبض والمشي والقيام والقُعود؟
(وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ)، وإلا لكانت اليد رخوة، لا تستطيع تحمل بها شيء ولا ترد بها شيء ولا تدفع بها شيء، لكن شدّ أسرك -جلّ جلاله-. ورجلاك لا تستطيع أن تنهض بها أو تمشي وستذهب يمنة ويسرة وتسقط (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ)،
(نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) أي أحكمنا خِلقتهم وقوّمناها، ومع ذلك من أين؟ من نُطف جئنا بها، فلو أردنا نبدِّلهم؛ نُبدِّلهم.
(وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28))، فلِمَ يغْترّون؟ ولِمَ يجترئون؟ ولِمَ يردون أوامِرنا ويُكذِّبون رُسلنا وأنبياءنا؟ لماذا؟! ليسوا بشيء، من عدم خلقناهم، وقوّمناهم ونستطيع أن نُبدِّلهم، فلماذا الغرور؟ لماذا تكذيب الأنبياء؟
(نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)).
وكان يتعجّب بعضهم في خلق الإنسان وشدّ الأسر هذا؛ يقول حتى إحكام عامة الإنسان فيما يخرج: سواءً من أفواههم أو بولهم أو ما يخرج من بُرازهم، كيف يكون بانتِظام وقوّة؟ وعندما يمشون؛ لا يخرج منهم شيء، حتى يأذنوا بذلك، ما هذا؟!
وكان يقول: أرى أننا نحمل على الدواب، نحمل عليها قِرَبَنا -قِرَبَ الماء-، ونجعل أفواهها إلى الأعلى ونربط عليها الخيوط ثم تمشي فيسقط منها شيء، قال وهذا الإنسان يمشي ومنافِذه إلى أسفل؛ ولا يخرج منه شيء، ولا شيء عليها خيوط، وهذه نقمّطها بخيوطِنا، ومع ذلك مع المشي لا بُدّ أن يتسرّب منها شيء!
فما الذي أحكم خلق الإنسان هذا؟ (نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ)، يكفيهم هذا تبيين للحقيقة ليُدرِكوا ويخرجوا من غرورهم. (إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (29)) بالإيمان به وتوحيده وطاعِته؛ اتّخذ لك سبيل؛
(وَمَا يَشَاءُونَ) وفي قِراءة (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) الحمد لله، كتب لنا أن نشاء أن نعمر هذا الوقت الشريف في بُكرة يوم الجمعة، أول جمعة في رمضان المُبارك، وشئناه بعد أن شاءه هو، فشاء لنا ذلك فشئناه بمشيئته وجئنا إلى هذا الخير، لك الحمد شكراً ولك المنُّ فضلاً، فاقبلنا يا رب وأقبِل بوجهك علينا.
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)): يعني لا تغترّوا بما آتيتكم من اختيار وإرادة فإنّها مقهورة تحت إرادتي واختياري. من شئتُ له الخير شاءه، ومن شئتُ له الشرّ شاءه.
يقول: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ)، وفي الآية الأخرى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29] جلّ جلاله.
(يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ)، اللهم أدْخِلنا في رحمتك الواسِعة، (والظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)): وهذا تخويف الله لعباده، وأي شيء أعظم من ذلك!
(والظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ)، وإذا أعدّ القوي الجبّار، فالعذاب الذي يُعِدُّه على قدر قوّتِه وعظمته، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]. اللهم أجرنا من عذابِك.
(والظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)): مؤلِم غاية الإيلام، لا تُساويه آلام الأمراض والأسقام والأوجاع والتعذيبات في الدنيا التي يتجرأ بها الناس على بعضهم البعض، فيُعذِّبوا بعضهم البعض بأنواع ما أوتوا؛ بالكهرباء وبغيرها، لكن هذا كله وألمه، يسيرٌ عند ألم عذاب جبّار السماوات والأرض، إذا عذّب -والعياذ بالله- عبده، قال سبحانه: (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25].
ولهذا سمّى العذاب بأسماء في القرآن:
كل هذه أسماء العذاب، أوصاف العذاب، أجارنا الله من العذاب.
يا رب لا طاقة لنا بعذابك ولا بعِقابك ولا بعِتابك، فاعف عنّا وسامِحنا وعامِلنا بفضلك يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، إنّك وليّ ذلك والقادِر عليه، وبيدك الأمر كلّه يا ملِك الممالك.
اللهم إنّك عفو تُحِبُّ العفو فاعفُ عنّا.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
فأصبروا لحُكم ربّكم وقوموا بأمره، وعظِّموا اليوم الذي أنتم فيه، واقرؤوا سورة الكهف في هذا اليوم، واحضِروا الجمعة قبل أن يدخل الخطيب في موضع الجمعة، بارك الله لنا ولكم في القيام بأمره وأمتثاله، والإجتناب لزجره والبُعد عنه، وجعلنا ممّن وفّر حظّهم من رحمته ومغفرته وعِتقه من النار.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
03 رَمضان 1439