الرسالة الجامعة - 5 | باب الصلاة (1) شروط الصلاة وأركانها وآدابها
الدرس الخامس في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
فجر الأربعاء 18 رجب 1447هـ.
يتضمن الدرس:
- بيان شروط صحة الصلاة: دخول الوقت، استقبال القبلة، ستر العورة، الطهارة من النجاسة، والقيام للقادر.
- شرح أركان الصلاة من النية وتكبيرة الإحرام إلى السلام.
- التنبيه على واجبات القراءة في الفاتحة وضبط ألفاظها.
- توضيح سنن الصلاة وما يكمل بها الأجر.
- بيان مبطلات الصلاة والتحذير منها.
- أهمية الإخلاص والخشوع لكمال قبول الصلاة.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام أحمد بن زين الحبشي رضي الله عنه ونفعنا الله به وبعلومكم في الدارين آمين، رضي الله عنكم إلى أن قال:
شُرُوطَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ: مَعْرِفَةُ دُخُولِ الْوَقْتِ بِيَقِينِ أَوِ اجْتِهَادٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنَّ، فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكُ.. لَمْ تَصِحٌ صَلَاتُهُ.
وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ.
وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بِسَاتِرٍ طَاهِرٍ مُبَاحٍ.
وَيَجِبُ رَفْعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ.
وَيَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَائِماً.
فرُوضُ الصَّلَاةِ
النِّيَّةُ، وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَالتَّشْدِيدَاتِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَإِخْرَاجِ الضَّادِ مِنَ الظَّاءِ وَلَيْسَ فِي الْفَاتِحَةِ ظَاءٌ.
ثُمَّ الرُّكُوعُ، وَيَجِبُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَطْمَئِنُّ فِيهِ وُجُوباً حَتَّى تَسْكُنَ أَعْضَاؤُهُ.
ثُمَّ الاعْتِدَالُ وَيَطْمَئِنُّ فِيهِ وُجُوباً.
ثُمَّ السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَيَطْمَئِنُّ وُجُوباً فِي الْكُلِّ.
وَيَفْعَلُ بَاقِيَ الرَّكَعَاتِ كَذَلِكَ.
وَالتَّشَهُدُ الأَوَّلُ وَقُعُودُهُ سُنَّةٌ، وَالتَّشَهُدُ الأَخِيرُ وَالْجُلُوسُ فِيهِ فَرْضٌ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ التَّشَهُدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ فَرْضٌ.
وَالسَّلَامُ مِنَ الصَّلَاةِ فَرْضٌ، وَأَقَلُّ السَّلَامِ: "السَّلَامُ عليكم".
وَأَقَلُّ التَّشَهُدِ الوَاجِبِ: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ".
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالسُّنَنِ جَمِيعِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًا
وَيَنْبَغِي الاعْتِنَاءُ بِالإِخْلَاصِ، وَهُوَ: الْعَمَلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
وَيَنْبَغِي الْحُضُورُ، وَهُوَ: أَنْ يَعْلَمَ بِمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ، وَالْخُشُوعُ، وَهُوَ: سُكُونُ الْأَعْضَاءِ، وَحُضُورُ الْقَلْبِ، وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُمُهَا؛ فَإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ الْحُضُورِ.
وَيَحْرُمُ الرِّيَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ: الْعَمَلُ لأجل النَّاس.
الحمد لله رب العالمين الآخذ بأيدي المُقبلين عليه سبحانه وتعالى، ومبلِّغهم ما لا تبلغ الآمال إليه، ونشهد أن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أرسل إلينا عبده المُجتبى محمدًا الذي فضَّله وكمَّله وزيّنه وجمَّله. اللَّهم أدم صلواتك على مَن جمعت فيه المحاسن سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه المؤدين للأمائن، وعلى مَن والاه واتبعه بإحسانٍ في الظاهر والباطن، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات عبادك الصالحين أرباب التمكين القائمين لك بحق العبودية على خير الوجوه في جميع الشؤون في الظواهر والبواطن، وعلى آلهم وصحبهم وتابعهم، وعلى ملائكتك المقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،
ابتدأ الشيخ -عليه رحمة الله- يذكر ما يتعلّق بفريضة الصلاة؛ والركن الثاني من أركان الإسلام وهو إقام الصلاة، بعد أن ذكر لنا الدخول إلى الصلاة بالطهارة، وشرح لنا فيما مضى من الفقرات: أخبار الطهارة، وأحكام الطهارة والوضوء والغُسل، والاستعداد لدخول الصلاة بالتطهُّر عن الأحداث وعن النجاسات، ثم أخذ يذكر شروط صحة الصلاة، والشروط جمع شرط.
- والشرط لغة: تعليق أمر بأمر، كل منهما مستقبَل. يقول: إن جاء زيد، عطيتك.. فعلقت العطاء بمجيء زيد. والكل من العطاء ومجيء زيد مستقبَل؛ تعليق أمر بأمر، كل منهما مستقبَل.
ويتجوّز بعضهم فيقول: الشرط لغة: العلامة، وليس كذلك لأن الذي هو معناه العلامة إنما هو الشَّرَط، الشَّرَط بفتح الراء، وجمعه أشراط. (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ ) [محمد:18] جمع شَرَط، لا جمع شَرْط. فالشَّرَط هو العلامة. أما الشرط فهو تعليق أمرٍ بأمر، كلُّ منهما مستقبَل.
- في العرف أو في الاصطلاح، معنى الشرط: ما يجب تقدُّمُه على الشيء واستمراره فيه. فالشرط اصطلاحًا: ما يجب تقدمه على الشيء واستمراره فيه.
فكل من هذه الشروط تتقدم على الصلاة وتستمر في الصلاة، فأولها: "مَعْرِفَةُ دُخُولِ الْوَقْتِ" لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء:103]؛ ذا وقت؛ فوقتت الصلوات الخمس بأوقات؛ ظهرها، وعصرها، ومغربها، وعشاءها، وفجرها، فيجب التقيُّد بالوقت. ولا يجوز تقديم الصلاة على وقتها، ولا تأخيرها عن وقتها، بل فعل ذلك تعمُّدًا عُدّ من الكبائر؛ من كبائر الذنوب.
فتوقيت الصلاة، ويعرف "دُخُولِ الْوَقْتِ" للصلاة إما "بِيَقِينِ" كأن يشاهد بنفسه غروب الشمس إلى المغرب، وليس أمامه سحاب، ولا مانع يمنع من رؤية الشمس، فهو في جهة الغرب فيها إما صحراء واسعة وإما بحر مديد، ولا هناك سحاب في السماء، فيرى الشمس قد سقطت وغربت، فهذا دخول الوقت بيقين أو يشاهِد ضوء الفجر بيقين،
وهكذا؛ إما "بِيَقِينِ أَوِ اجْتِهَادٍ" وذلك لمَن أشكل عليه الوقت، وجب أن يجتهد حتى يغلُب على ظنه أن الوقت قد دخل "أَوْ غَلَبَةِ ظَنَّ،"، فأما مع الشك؛ فلا. "فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكُ" أدخل الوقت أم لا؟ "لَمْ تَصِحٌ صَلَاتُهُ."
فيجب التأكد من "دُخُولِ الْوَقْتِ إما بِيَقِينِ أَوِ اجْتِهَادٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنَّ،"، فهكذا.. ثم هذه الأوقات لها فضائل، والفضيلة في أول الوقت غالبًا ولها اختيارات، فمنها اختيارات:
- تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل.
- وتأخير صلاة العصر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه لأن ذلك وقت دخولها عند الحنفية.
- وكذلك تأخير الظهر للإبراد بها في وقت الحر، إذا كان في قطر حار لجماعة يجتمعون للجماعة في قطر حار ووقت الحر؛ فيؤخرون الظهر شيئًا حتى يصير للجدران والحيطان ظل يمشون فيه. "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ؛ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهنَّم".
وقال الشافعية وغيرهم: أن الأفضل في الصلوات كلها الخمس، المبادرة بها أول وقتها. واختلفوا في إدراك فضيلة أول الوقت.
- فأما أن لا يشتغل عند دخول الوقت إلا بأعمال الصلاة من: طهارة، وستر، وصلاة نافلة، وانتظار جماعة قريبة؛ فهذا مدرك لفضيلة أول الوقت باتفاق.
- وقيل: تستمر فضيلة أول الوقت إلى نصف الوقت، حتى يمضي النصف. فإذا مضى النصف الأول؛ ذهبت فضيلة أول الوقت.
وفي الحديث الصحيح: "أفضلُ الأعمالِ الصَّلاةُ لوقتِها". وفي رواية: "الصَّلاةُ لأول وقتِها".
بعد ذلك يأتي في مثل صلاة الصبح عندنا:
- وقت الفضيلة؛ وهو أوله عند الشافعية وجماعة من الأئمة.
- ووقت اختيار وهو تأخيره إلى الإسفار وهو الأفضل عند الحنفية.
ومعناه أن يؤخر عن بداية طلوع الفجر الصادق، فإن دخول الوقت من طلوع الفجر الصادق وهو الضوء الذي يأتي بسبب الشمس من جهة الشرق فيبدو معترضًا في الأفق، يزداد حتى تطلع الشمس؛ هذا الفجر الصادق. قبله يأتي ضوء، اسمه مستطيل كذَنَب السرحان ثم تعقبه ظلمة في الغالب، فليس هذا بالفجر بل هو الفجر الكاذب، ولا يدخل به الوقت، ولكن يدخل الوقت بالفجر الصادق وهو الضوء المنتشر كما بيّنه ﷺ وأشار بأصبعيه هكذا؛ المنتشر في الأفق، فهذا المعترض في الأفق هو الضوء الذي يزداد حتى تطلع الشمس فهو ضوء الفجر. فإذا ظهر.. قد دخل وقت الفجر ووجب الإمساك عن المُفطرات بالنسبة للصائم، وصحّ أداء الصلاة، وتأخيرها إلى الإسفار معناه إلى أن يزداد الضوء حتى تميّز الوجوه، تعرف وجه هذا من وجه هذا، ومال إليه الحنفية.
- ويُكره بعد ذلك تأخيرها إلى الاحمرار، قرب الإشراق؛ إلى الاحمرار.
- ويحرم تأخيرها إلى أن يقع بعضها خارج الوقت.
فهذه مثل وقت صلاة الفجر، كذلك يتقسم وقت صلاة الظهر:
- من وقت فضيلة أوله.
- ويأتي فيه زيادة وقت عذر وذلك وقت العصر لمَن يجوز له الجمع بسفر أو بمرض، فيمتد له وقت الظهر إلى وقت العصر، فيجوز أن يؤخر الظهر إلى العصر.
وأما المقيم الصحيح، فيصل الظهر في وقته، والعصر في وقته، ويخرج وقته إذا صار ظل الشيء مثليه؛ فبدايته من زوال الشمس؛ أي تحوّلها من جهة الشرق إلى جهة الغروب. فإذا زالت الشمس دخل وقت الظهر فيكون أوله.
- و الإبراد بالظهر وقت الاختيار
ووقت العذر عَلِمْناه.
- وكذلك يأتي في الفرائض الخمس وقت الضرورة.
وذلك أن كل مَن كان بينه وبين وجوب الصلاة مانع من مثل صبا أو مثل حيض أو مثل جنون فزال ذلك المانع عن وجوب الصلاة قبل خروج الوقت ولو بلحظة واحدة، ويبعد أن يصلي تلك الصلاة، بأن يقضيها. فإذا أفاق المجنون أو طهُرت المرأة الحائض أو بلغ الصبي قبل دخول وقت العصر ولو بمقدار تكبيرة؛ وجب عليه صلاة الظهر مع صلاة العصر. وكذلك إذا بلغ أو طهُرت أو أفاق المجنون مثلًا قبل الغروب؛ فيجب عليه أداء صلاة العصر والظهر معًا لأنها تُجمع معها، والظهر تُجمع مع العصر كالمغرب تُجمع مع العشاء.
- فإذا كان زوال المانع في وقت العصر وجب معها الظهر.
- وإن كان زوال المانع في وقت العشاء؛ وجب معها المغرب.
فإذا طهُرت المرأة من الحيض مثلًا آخر الليل؛ وجب عليها أن تصلي العشاء وتصلي المغرب؛ تصلي المغرب وتصلي العشاء لأنها تُجمَع معها. بخلاف إذا طهُرت في وقت المغرب فلا تصلي العصر. وإذا طهُرت في وقت الظهر فلا تصلي الفجر. وإذا طهُرت في وقت الفجر لا تصلي العشاء، ولكن إن طهُرت في وقت العصر فتصلي الظهر لأنها تُجمَع. وإذا طهُرت في وقت العشاء؛ تصلي المغرب لأنها تُجمَع معها. فهذا بعض ما يتعلَّق بالوقت في الصلوات الخمس. فإن صلَّى مع الشك، أدَخَلَ الوقت أم لا لم تصح صلاته.
"وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ." لقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ) [البقرة:144]، إما بمشاهدة لمَن كان في مكة المكرمة، وإما بعِلم، وإما باجتهاد أن القبلة في هذا الاتجاه.
- فمَن لم يعرف عن القبلة؛ واجب عليه أن يجتهد بالعلامات.
- فإن تحيَّر؛ صلَّى إلى أي جهة وثم قضى.
والأماكن التي ثبت صلاته ﷺ فيها؛ لا يجوز لأحد من بعده الاجتهاد فيها، بل يكون كما يقول ولا يمنةً ولا يسرة، كما هو صلى الله عليه وعليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهكذا جاء في معجزاته أنه ما من بقعة صلَّى فيها إلا وكان الاتجاه إلى عين الكعبة من حيث صلى، وقبلته في المدينة المنورة على الخط المستقيم إذا مُدّ تأتي إلى وسط الكعبة؛ أي تحت الميزاب، عند الميزاب في الكعبة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بل ما عيَّنه من بعيد، عيَّن لقوم جاءوه من صنعاء، عيَّن لهم القبلة، وقال: اجعلوا جبل كذا عن يمينكم، حدد لهم المكان. فلما جاءت هذه الأجهزة ومدوا وشدوا الحبل يمتد يصل إلى وسط الكعبة من الركنين اليمانيين، فما أدق تبيينه وتعينه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإذا ثبت صلاته في مكان لم يجز لأحد أن يجتهد فيه يمنى ولا يسرى. وإذا استمر لأهل كل بلدة من علمائهم وكُبراؤهم اتجاه القبلة وضُبِط؛ فلا يجوز لمَن يأتي بعدهم أن يجتهد في الجهة حول إلى جهة أخرى. ولكن في اليمنة واليسرة؛ يجوز الاجتهاد إذا ما كان ما صلَّى فيه ﷺ؛ يجوز الاجتهاد تيمن أو تيسر. أما التحويل إلى جهة؛ ما يتأتى إذا قد شاع بين المسلمين في أي بلدة أن القبلة هكذا، فهي هكذا. والقبلة لا يسقط استقبالها إلا للمجاهدين إذا كانوا ملتحمين في حرب -وقت التحام في حالة الحرب- فيجوز أن يصلوا إلى القبلة ولغير القبلة، قال سبحانه وتعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة:239].
قال ابن عباس يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، إذا كان في شدة الخوف وقت الجهاد، فيصلون إلى أي جهة. كما تسقط عن المسافر في النافلة دون الفريضة، في النافلة دون الفريضة؛ يسقط وجوب استقبال القبلة.
- فإن كان يمشي على رجليه؛ وجب أن يستقبل القبلة عند الإحرام، وعند الركوع، وعند السجود، وعند السلام، ويمشي في باقي الوقت.
- وإن كان على راحلة ودابة ومثلها سيارة أو طائرة؛ فيجب عليه إن سهل تحويلها في وقت الإحرام، يستقبل عند الإحرام ثم يُكمّل إلى جهة مقصده.
وإلا فمن البداية يصلي إلى جهة مقصده بالسير المعتاد في الطريق، وتكون قبلته لأنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يصلي النافلة على راحلته حيثما توجهت به، كما جاء في صحيح البخاري وغيره. فكان يصلي النافلة على الراحلة وهي تمشي به، فيصلي إلى جهة مقصده صلى الله وبارك عليه وعلى آله، فهنا يسقط استقبال القبلة، وإلا فيجب في كل فرض ونفل. ولو نحو صلاة مثل سجدة التلاوة؛ ما تصح إلا لجهة القبلة؛ سجدة التلاوة أو سجدة الشكر؛ لا يجوز أن يسجدها إلا إلى جهة القبلة.
"مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ."، وقد كانت القبلة بيت المقدس كما هي قبلة النبي سليمان وبعض الأنبياء، ثم كانت قبلة سيدنا إبراهيم الكعبة، وكان ﷺ بمكة يصلي إلى الكعبة فيأتي ما بين الركنين اليمانيين فيستقبل الكعبة وبيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة كانت القبلة في الكعبة في جهة الجنوب والبيت المقدس في جهة الشمال، فكان يصلي إلى جهة الشمال سنة وأشهر إلى رجب في السنة الثانية من الهجرة، واشتاق قلبه إلى أن يستقبل الكعبة لِما فطره الله على محبتها. فكلَّم سيدنا جبريل قال: لو سألت ربك يحولنا لاستقبال الكعبة في الصلاة فإني أحبها، فقال له سيدنا جبريل: أنت أقرب إليه مني وأحب، اسأله أنت، ومن أدبه وعبوديته وهيبته ﷺ ما سأل، ولكن وقع في قلبه أن الله سيحول قبلة، فكان يرفع نظره الكريم نحو السماء يترقب نزول الوحي، فأنزل الله، (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ) [البقرة:144] حتى كان تعجّب بعض الصحابة وقالوا: إنَّا نرى ربك يسارع في هواك! لمنزلته عند الله -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله- (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
- ومَن كان وسط الحرم والكعبة أمامه يشاهدها؛ يجب عليه استقبال عينها باتفاق.
- ومَن كان بعيدًا؛ فتكفي الجهة لأنها معنى الشطر، الشطر؛ الجهة.
(فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ )؛ أي جهته. وقيل: يجب عليه في الأصل استقبال عين الكعبة، وفي هذا بعض المشقة، ويكفي الجهة بدليل قوله ﷺ لأهل المدينة: "لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولكن شرّقوا أو غرّبوا"، فجعل الجهة كلها قبلة. إذًا إذا استقبل جهة الجنوب؛ فقد استقبل القبلة، وإذا استقبل جهة الشمال؛ فقد استدبر القبلة، ولكن شرقوا أو غربوا، فهذا خروج عن استقبال القبلة. إذًا فما دام في الجهة فهو مستقبل لها وإن لم يكن لعينها.
- فتكون الكعبة لمَن هم داخل المسجد الحرام.
- والمسجد كقبلة لمَن هم خارج الكعبة من أهل مكة.
- ومكة كالقبلة لمَن كانوا خارج مكة.
"وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ بِسَاتِرٍ طَاهِرٍ مُبَاحٍ." والعورة؛
- لغة: النقص.
- وشرعًا: اسم لما يجب ستره، ويحرُم النظر إليه من بدن الإنسان.
وهذا بالنسبة له أحوال، فمنها في الصلاة،
- فالرجل غالبًا عورته في الصلاة وخارج الصلاة ما بين السُّرة والركبة.
- وأما المرأة، فجميع بدنها إلا الوجه والكفين في الصلاة. فإن ظهر شيء غير الوجه والكفين من مثل باطن قدمها أو شعر رأسها؛ بطلت صلاتها. فلابُد أن تكون مستورة جميع البدن، ما عدا الوجه والكفين.
"سَتْرُ الْعَوْرَةِ بِسَاتِرٍ طَاهِرٍ"؛ يجب أن يكون الثوب طاهر، وكل شيء يحمله الإنسان في الصلاة، من ساعة أو قلم أو خاتم أو مسبحة أو غير ذلك؛ يجب أن يكون طاهر. فلا يجوز حمل نجاسة، فإذا حمل النجاسة؛ بطلت صلاته وفي الثوب والبدن والمكان كما يذكر، "بِسَاتِرٍ طَاهِرٍ". شرط الساتر للعورة: أن لا يصف لون البشرة. أما إذا كان شفافًا رقيقًا يُعرَف منه لون البشرة؛ ولا يصح أن يكون ساترًا؛ ولا تصح الصلاة فيه. بل يستر لون البشرة، لا يصف لون بشرة الجسد؛ هذا الساتر وهذا هو الواجب.
ولكن السُّنّة أيضًا للرجل أن يجعل على عاتقه شيء، والأفضل له أن يصلي في إزار ورداء، ويسن له إذًا أن يصلي في قميص وفي جبة، ويستعمل الرداء ويستعمل العمامة إذا تيسر في الصلاة، فتلك كلها من السُّنن. قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31]؛ عند كل صلاة. إذا أردتم السجود لي، خذوا زينتكم. وهذه الزينة التي كان ﷺ يلبسها في صلاته، فكان كثيرًا ما يصلي بإزاره، وقميصه، وردائه، وجُبّته، وعِمامته، وخاتمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهكذا أكثر صلواته عليه الصلاة والسلام.
حتى لما مرَّ الشيخ ابن حجر في شرحه للمنهاج للنووي في كتاب اللباس، فوجد أحاديث كثيرة وردت في اللباس ما يسعها الشرح، فألّف رسالة مُستقلة سمَّاها: "دُر الغمامة للبس القميص والرداء والسراويل والعذبة والعِمامة"، فجمع فيها الأحاديث المتعلّقة بذلك، كُتيٍب دُر الغمامة. ويروى في بعض الأحاديث مضاعفة الصلاة، مضاعفة الصلاة لمَن صلَّى برداء، مضاعفة الصلاة لمَن صلى بعِمامة، مضاعفة الصلاة لمَن صلى بقميص، مضاعفة الصلاة لمَن صلى بخاتم، مضاعفة الصلاة لمَن صلى بطيب؛ يتعطر للصلاة، فيتُضاعف أجر الصلاة بهذه الأعمال، ساتر "طَاهِرٍ مُبَاحٍ".
وقال: "وَيَجِبُ رَفْعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ". والنجاسة:
- لغة: كل مستقذر.
- وشرعًا: كل مستقذر يمنع صحة الصلاة، حيث لا مُرخِّص
"النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ"
- والثوب كل ما يحمله الإنسان.
- والبدن من الرأس إلى القدم.
- والمكان؛ ما يلامسه بدن الإنسان من الأرض، فهذا هو المكان.
فيجب "رَفْعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ"، قال تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر:4]
"وَيَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَائِماً." لقوله ﷺ: "صل قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنب، فإن لم تستطع، فمستلقيًا"، والمستلقي يصلي، فيرفع رأسه قليلًا ليستقبل بأخمصيه؛ بباطن قدميه وبرأسه بوجهه القبلة. ولهذا ينبغي إذا مرض المريض فينا، وينبغي أيضًا المسلمين في مستشفياتهم؛ يجعلون الأسرّة متجهة إلى القبلة، حتى إذا لا يستطيع المريض، فيُرفع رأسه وأخمصاه إلى القبلة؛ فيصلي بهذا الاتجاه.
ولا يُعذر في ترك الصلاة ما دام عقله فيه. ما دام يعقل يصلي على أي حالة.
- ويومئ بالركوع والسجود إن عجز عن إتمام الركوع والسجود، ويومئ برأسه؛ ويكون خفضه للسجود أكثر من خفضه للركوع.
- فإن لم يستطع أن يومئ برأسه، فبجفنيه يشير إلى الركوع بضم العينين من دون استكمال الضم، ويشير للسجود بكمال ضم العينين.
- فإن عجز عن ذلك، أجرى الأركان على قلبه.
إذا كان حتى لا يستطيع يحرك جفنيه، فيجري الأركان على قلبه، تعظيمًا لشأن الصلاة، وصلة بين العبد وبين ربه، ولا يتساهل المريض أن يقول إذا شُفيت فأقضي الصلاة بعد أن أتعافى، فنقول: صلاتك على أي حال فيه ولو عندك بعض النجاسة أو شيء من النواقص، وأنت بنفسك تصلي في الوقت خير من قضاء ألف مرة. فصل أولًا، ثم القضاء إن عافاك الله تعالى، فياحبذا وأمامك إن أردت زيادة وإلا فقد أديت ما بينك وبين الله تعالى. "وَيَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ قَائِماً."
إذًا؛ فهذا ملخص عن شروط الصلاة:
- دخول الوقت
- وستر العورة
- واستقبال القبلة
- والطهارة عن النجاسة بالثوب والبدن والمكان
- والعلم بفرضية الصلاة
- وأن لا يعتقد فرضًا من فروضها سُنّة
- وأن يجتنب مبطلاتها
فهذه شروط صحة الصلاة. قبل الله منا كل صلاة، وأدرجها في صلوات المقرّبين من عباده إلى صلاة حبيبه المصطفى مُحمَّد، اللَّهم آمين.
ثم ذكر الفروض للصلاة بمعنى الأركان؛ أي: الأجزاء التي تتكون منها الصلاة. فذكر "النِّيَّةُ،" فالصلاة؛
- لغة: الدعاء.
- وشرعًا: أقوال وأفعال مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتسليم غالبًا. أقوال وأفعال غالبًا مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتسليم.
فُرضَت ليلة السابع والعشرين من رجب على أشهر الأقوال، ليلة الإسراء والمعراج باتفاق، فُرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج بنبيّناى محمد ﷺ. وكان من عظمة الصلاة وشأنها أنَّ جميع الفرائض أنزل بها جبريل إلى الأرض يخبر النبي بها. أما الصلاة، رُفِع النبي إلى فوق السماوات وأخبره الله مباشرة بها، وفرضها الله عليه؛ اعتناء بشأن الصلاة، تعظيمًا لها. استدعى الملك، القهار، الغفار، الجبار حبيبه، وأعطاه تعليم فرض الصلاة مباشرة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فغدت بذلك عماد الإسلام. عمود الإسلام؛ الصلاة، ولا خير في دين لا صلاة فيه، و"مَن تركَ الصَّلاةَ مُتعمِّدًا فقد برِئتْ منهُ ذِمَّةُ اللهِ ورسولِهِ". وإذا أخر العبد الفريضة عن وقتها، كُتِب اسمه على باب النار فلانًا ابن فلانًا؛ لابُد له من دخول النار، فإما أن يتوب ويمحى اسمه، وإلا بقي كذلك -والعياذ بالله تعالى-. وجاء في الحديث في تفسير قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون:4-5]، قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها. فإذا التهديد بالويل لمؤخرها، فكيف لتاركها نهائيًا؟! لا إله إلا الله… فما أعظم الصلاة! وما أكبر مكانتها في دين الله! "مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ، واضرِبُوهُم عليهَا وهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ وفرِّقُوا بينِهِم في المَضَاجِعِ."
ذكر فروض الصلاة، "النِّيَّةُ،" لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات". والنية في الفرض،
- يلزم فيها قصد الفعل بمثل أُصلي.
- ويلزم فيها الذكر الفرضية؛ فرض كذا.
- والتعيين؛ أن يُعيّن ظهرًا عصرًا مغربًا عشاء؛ أصلي فرض الظهر، أصلي فرض المغرب، أصلي فرض العشاء،
هذه الثلاثة واجبة. وما زاد سُنَّة: من مثل ذكر عدد الركعات، ركعتين، ثلاثة ركعات. من مثل الإضافة إلى الحق تعالى نقول: لله تعالى. ومثل أن يذكر استقبال القبلة، مستقبل القبلة، فهذه من السُّنن. وكذلك ذكر المأمومية للمأموم، ونيتها شرط لمتابعة الإمام، ولكن لو لم يذكرها عند النية، لم يضر وهو ناوي أن يتّبع الإمام. وكذلك نية الإمامة للإمام سُنّة، أن يقول: إمامًا.
وكذلك ذكر أنها قضاء أو أداء، المعتمد أن ذلك سُنَّة، وقيل: بالوجوب. وقيل: إن كان عليه قضاء، فيجب يذكر الأداء والقضاء، وإن لم يكن عليه قضاء، كفى أن يقول فرض كذا.
فهذه النية محلها القلب، إنما التلفظ ليساعد القلب اللسان، وبالقياس كما سمعنا عند الشافعية قاسوا تلفُظه صلى الله عليه وسلم بالنية في الحج، ببقية العبادات، ورأوا أن ذلك غير متناقض مع قولهم، إنه لم يُسمَع منه إلا التكبير، فقالوا: فرق بين التلفُظ وبين السمع، أن يسمع هذا جهر، لم يكن يجهر، ولم يقل أحد بسُنّية الجهر بالنية إلا لمَن كان يعلّم جهالًا لا يدرون كيف ينوون، فيتلفظ سرًا، ثم يجهر بالتكبير، فلا يُسمَع منه إلا التكبير.
وقال: أن يصلي "تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ مَعَ النِّيَّةِ."؛ يعني يجب أن تكون النية مقترنة بتكبيرة الإحرام. إذا تلفظ بها قبل التكبير، فهذا من أجل استحضارها ولكن يجب أن تكون حاضرة عند التكبير؛ مع تكبيرة الإحرام، فتقارن النية تكبيرة الإحرام. ويكفي بأن يكون قلب الفاعل مستحضر النية غير غافل، فيستحضر الصلاة في أثناء التكبير. ومن الفقهاء من شدّد وقال: يستحضر جميع الصلاة من أول التكبير إلى آخره، ولكن قالوا: استحضار عظمة الله الذي يقف بين يديه أهم، فيستحضر عظمة الله الذي هو يقف بين يديه، ويستحضر أنه يصلي هذا الفرض الذي عليه، ويكفي ذلك.
قال: "تكبيرة الإحرام"، سميّت تكبيرة الإحرام لأنها تحرّم ما كان حلالاً قبلها من مبطلات الصلاة، مبطلات الصلاة التي كانت حلال قبلها مثل الأكل والشرب، ومثل الكلام كانت حلال قبل التكبيرة لكن بعد التكبيرة خلاص، ما عاد يجوزأن يتكلم مع أحد، ما عاد يجوز أن يشرب، ما عاد يجوز أن يأكل، ما عاد يجوز أن يضحك، قبل التحريم يجوز فلهذا سميّت تكبيرة الإحرام؛ تُحرّم ما كان حلالًا قبلها من مبطلات الصلاة.
ويقول: الله أكبر، فتجتمع فيها الشروط التي تتفرع إلى 16 شرط أو إلى 20 شرط. الله أكبر، فقد جمع الشروط كلها. الله أكبر… لم ينطق بها بغير العربية، ولم يزد فيها حرفًا، ولا واوًا ساكنة متحركة بين اللفظين، اسم الجلالة وأكبر، فيقول: اللهُ بمدّ واو الضم- أكبر، ما يصح؛ تبطل الصلاة هذه واو ساكنة.
أو واو مفتوح، اللهُ -وَا- أكبر، الله أكبر ماذا؟ هذا مبتدأ، أين الخبر؟ الله أكبر، ماذا؟ الله أكبر، ما لهم؟ أين الجواب؟ أكبر، هذا هو الجواب. الله مبتدأ، أكبر هو الخبر، الله أكبر.
ولا يزيد في مد اسم الجلالة على 16 حركة، وهي سبع ألفات؛ سبع ألفات بمقدار 14 حركة. فلا يزيد على سبع ألفات، والألف مقدار حركتين بالإصبع. وإذا زاد، كما يزيد بعضهم حتى في الأذان، يقولون: اللــــــــــــــــــــــه، إلى أين؟ ما هذا؟.. الأصل المد حركة الله، ويجوز للتعظيم، المد إلى غاية سبع ألفات، ما زاد على ذلك خلاص صار غناء لا ذكر!.. فلا يزيد في المد الجلالة على سبع ألفات، الله أكبر. ويقول الحنفية: كل ذكر لا يصح دخول الصلاة به. واشترط جمهور الفقهاء، أنه لابُد من اسم الجلالة، ولابُد من لفظة: أكبر ولكن إذا جاب معنى آخر، قال: الله أعظم؛ ما يدخل الصلاة. أو الله أجلّ؛ ما يدخل الصلاة. يقول: لابُد أكبر، الله أكبر لقول ﷺ: "تحريمها التكبير"، "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، الله أكبر.
"وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِالْبَسْمَلَةِ،" لقول ﷺ: "لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فقراءتها خصوصًا في الركعتين الأوليتين مُجمع عليه. يجب قراءة الفاتحة، وقوله: "بِالْبَسْمَلَةِ،" هو عند الشافعية أخذًا بأن البسملة آية من الفاتحة بل عندهم ومن كل سورة من سور القرآن البسملة؛ فيلزم عندهم ذكرها، ويُسن الجهر بها للإمام. بخلاف التعوذ سُنَّة، ولا يجهر به الإمام بالاتفاق.
- ما يجهر بالتعوذ ولكن الجهر بالبسملة سُنَّة عند الشافعية.
- ويُسن الإسرار بالبسملة عند الحنفية وعند الحنابلة، فيُسر بالبسملة ثم يبدأ بالحمد لله.
- ولم ير المالكية أن البسملة آية من الفاتحة.
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ. "وَالتَّشْدِيدَاتِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ،" في خلال كلمات الفاتحة من عند البسملة إلى قولك وللضالين 14 تشديدة فتأتي بها لأن الحرف المشدّد مثل حرفين. فإذا قال: (بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، الحمد لله! أين التشديد؟! لله. فإذا أسقط التشديدة؛ بطلت صلاته. أو قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) رَبِ الْعَالَمِينَ! لابُد من تشديدة على الباء. (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، الرحْمَٰنِ الرحِيمِ، (الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) هذا راء مشدد، فلابُد تشدده إِياكَ نَعْبُدُ وَإِياكَ نَسْتَعِينُ؛ صلاتك باطلة. إِياكَ نَعْبُدُ! إيّاك، ياء مشدد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيأتي بالتشديدات الأربعة عشر كل واحدة فوق حرفها، يشدّد المشدد منها (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وهكذا. (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
ومما يغلط فيه العوام يقولون: أهدِنا. أهدنا؛ يعني أعطنا هدية (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). اِهدنا، أعطنا هداية (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) بكسر الهمزة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). ثم قال: "وَإِخْرَاجِ الضَّادِ مِنَ الظَّاءِ"؛ يعني: التفرق بين الضاد والظاء وهذا أيضًا على المعتمد عند الشافعية عنه في قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) وهي قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) لا يحول الضاد الذي هو قرين الصاد إلى ظاء الذي هو قرين الطاء، فإن مخرجهما مختلف:
- فتكون اللسان داخل الفم عند الحنك، داخل الأسنان عند النطق بالضاد.
- وعند النطق بالظاء، تخرج عن الأسنان ظاء.
أما الضاد، تكون داخل الفم، داخل الأسنان عند الحنك. الضَّالِّينَ، الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضَّالِّينَ. فالمعتمد عند الشافعية، يجب أن ينطقها بالضاد لا بالظاء وإلا بطلت صلاته. وفي قول: فالضاد وسبعة حروف ليست في الفاتحة من الحروف الـ 28 الهجائية. سبعة ليست في الفاتحة: الظاء منها؛ ث، ج، خ، ز، ش، ظ، ف؛ سبعة ليست في الفاتحة. بقية حروف الهجاء في الفاتحة موجودة إلا سبعة.
هاك حروفًا خرجت عن فاتحة *** ثجٍ، خزٍ، شظفٍ، أتت متتابعة
- ثجٍ: ثاء وجيم
- خزٍ: خاء وزاي
- شظفٍ: شين، ظاء وفاء
هذا ليست في الفاتحة، بقية حروف الهجاء كلها موجودة في الفاتحة.
هاك حروفًا خرجت عن فاتحة *** ثجٍ، خزٍ، شظفٍ، أتت، متتابعة
قال: وليس في الفاتحة: الله -بتفخيم اللام-.
"ثُمَّ الرُّكُوعُ"،
- وهو لغة: الانحناء.
- وشرعًا: "أَنْ يَنْحَنِيَ" المُصلي القائم "بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ،". وينحني المُصلي القاعد بحيث تخرج جبهته عن ركبته -تتقدم على ركبتيه-، هذا ركوع القاعد.
وركوع القائم، "أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ"؛ تصل الراحتين للركبتين، بشرط أن يكون بغير انخناس. والانخناس؛ يطأطأ عجيزته؛ يقدم ركبته، يطأطأهما، ما يصح هذا، لا بُد يكون بانحناء من غير انخناس.
بل الأفضل أن لا يتأخر أصلًا، يُبقي قدميه على ما هي عليه في القيام، وإنما ينحني بظهره، فلا يكثر رجوع إلى الخلف، ينحني بظهره. والسُّنّة أن يستوي ظهره ورأسه حتى تصير كالصحيفة الواحدة، ويكون الانحناء "بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ،" ويُسن أن يضع الراحتين على الركبتين مفرّقة الأصابع.
"وَيَجِبُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَطْمَئِنُّ فِيهِ وُجُوباً". فالطمأنينة واجبة في أربع أركان من أركان الصلاة وهي: الركوع، والاعتدال، والسجود، والجلوس بين السجدتين. أربع طمأنينات.
- ومعنى الطمانينة؛ سكون بعد حركة بحيث يستقر كل عضو مكانه بقدر سبحان الله، فما زاد على ذلك استقرار الأعضاء.
قال: "حَتَّى تَسْكُنَ أَعْضَاؤُهُ." "يَطْمَئِنُّ فِيهِ وُجُوباً" لقوله ﷺ: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا." علَّم المسيء صلاته، فجاءت أكثر أركان الصلاة مستنبطة من هذا الحديث، قال للذي صلى فلم يحسِن، جاء وقعد معهم في الحديث…، قال له: "صلِّ فإنك لم تصلِّ". فراح يصلي ثاني مرة مثل الأولى، فرجع، أراد يجلس معهم، قال له: "صلِّ فإنك لم تصلِّ". وفي الثالثة رمق إليه رسول الله، كيف؟ علمني الصلاة، قال له: إذا تطهّرت فاستقبل القبلة ثم كبّر ثم اقرأ ما معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا… فعلمه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"ثُمَّ الاعْتِدَالُ"؛
- ومعناها في اللغة: الاستواء والاستقامة، اعتدل استوى واستقام.
- وشرعًا: هو عود الراكع إلى ما كان عليه قبل ركوعه؛ عود الراكع المصلي إلى ما كان عليه قبل ركوعه؛ إن كان قائم إلى القيام؛ إن كان قاعد إلى الاستواء قاعد؛ عود الراكع المصلي إلى ما كان عليه قبل ركوعه؛ هذا هو الاعتدال.
قال: "وَيَطْمَئِنُّ فِيهِ" أيضًا "وُجُوباً." لقوله: "ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا"، ثم أنه لا يجب الذكر عند الجمهور في الركوع،
- وقال الحنابلة: يجب أن يقول سبحان ربي العظيم في الركوع، فمرة واجب عند الحنابلة، والثلاث سُنّة.
- وعند الجمهور، أن كلها سُنَّة، وإنما الواجب الطمأنينة، والثلاثة أفضل ويمكن أن يسبّح خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو إحدى عشر، إحدى عشر أكملها.
وأما في مثل تهجده، فقد كان يسبّح كثير ﷺ، وفي الركوع وفي السجود يسبّح كثير، كثير.. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) [الإنسان:26] صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم.
وهكذا، قال: "ثُمَّ السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ،" والسجود؛
- لغة: الخضوع والتذلل.
- وشرعًا: وضع المصلي جبهته على مصلاه.
السجود مرتين في كل ركعة؛ فسجودان. "وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَيَطْمَئِنُّ وُجُوباً فِي الْكُلِّ." في السجود وفي الجلوس بين السجدتين، "وَيَفْعَلُ بَاقِيَ الرَّكَعَاتِ كَذَلِكَ." ثم افعل ذلك في باقي صلاتك. "وَالتَّشَهُدُ الأَوَّلُ".
هذه الأركان ترجع عند الشافعية إلى سبعة عشر، وهي: النية، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه، والتشهد الأخير، والقعود فيه، والصلاة على النبي ﷺ فيه، والترتيب، والسلام، فهذه أركان الصلاة؛ أي أجزائها التي تتكون منها.
قال: "وَالتَّشَهُدُ الأَوَّلُ وَقُعُودُهُ سُنَّةٌ،" التشهد الأول في الفرائض الأربع: في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وليس في الفجر لتشهد واحد هو الفرض. "وَالتَّشَهُدُ الأَوَّلُ وَقُعُودُهُ سُنَّةٌ، وَالتَّشَهُدُ الأَخِيرُ وَالْجُلُوسُ فِيهِ فَرْضٌ.
وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ التَّشَهُدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ فَرْضٌ." وهذا قول الشافعية؛ لأن الأئمة أجمعوا على أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة، لكن متى تجب؟
- فقيل: مرة في العمر.
- وقيل: في كل يوم.
- وقيل: كلما ذُكِر ﷺ.
- وقال الشافعية: الوجوب في الصلاة؛ لأنهم سألوه عن السلام عليه وعن الصلاة. قالوا: عرفنا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ فعلَّمهم هذه الصلاة.
والسلام واجب عليه في التشهد، فلحقها الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأوجبها الشافعية في كل فرض في التشهد الأخير أن يُصلى على النبي ﷺ. وهي عند بعض الأئمة سُنّٰة. وهي عند الشافعية ومَن وافقهم فرض في كل صلاة.
بل والمذهب الأول للشافعي -المذهب القديم- أن الصلاة واجبة وعلى الآل واجبة عليه لأنه علَّمهم الصلاة، لما طلبوا منه يعلِّمهم الصلاة عليه، ذكرها مع الآل فجعلها واجبة، وعليه يُحمَل قول الشافعي:
يا آل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم القدر أنكم *** مَن لم يصلي عليكم لا صلاة له
ومعتمد الشافعية أنها سُنَّة في التشهد الأخير بعد الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأفضلها الصلاة الإبراهيمية. التشهد الأول وقعوده سُنَّة بخلاف التشهد الأخير، وكان ﷺ، قال: يُعلِّمنا التشهد كما يُعلِّمنا السورة من القرآن.
"وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ التَّشَهُدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ فَرْضٌ..
وَالسَّلَامُ مِنَ الصَّلَاةِ فَرْضٌ، وَأَقَلُّ السَّلَامِ: (السَّلَامُ عليكم)." والأفضل السلام عليكم ورحمة الله، وقيل: وبركاته. وهي في معتمدة الشافعية تزاد بركاته في صلاة الجنازة، فإذا سلَّم من صلاة الجنازة، يسلِّم تسليمتين ويقول في كل تسليمة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والالتفات بالوجه يكون عند قوله ورحمة الله؛ فيبدأ السلام ووجهه إلى القبلة السلام عليكم، ثم يلتفت بوجهه عند قوله ورحمة الله، وكذلك يرجع يستقبل القبلة بوجهه، فإذا سلَّم يقول: السلام عليكم عند قوله ورحمة الله يلتفت عن يساره، والالتفات ليس فيه تنكيس كما يفعل بعض الناس، يلعب بالرأس والسلام... خلِّ رأسك محله، يلتفت فقط يمينًا ويلتفت يسارًا، ولا تطلّع ولا تنزّل على ما هو عليه معتدل السلام عليكم ورحمة الله. فإن كانت جنازة، ورحمة الله وبركاته، وقيل: حتى في غير الجنازة. السلام عليكم. وينوي السلام على مَن على يمينه إذا آخر العالم من الملائكة ومؤمني الإنس والجن وكذلك على يساره. فإن كان إمام، فينوي السلام أيضًا على المأمومين مع كل مَن على يمينه من الملائكة ومؤمني الإنس والجن والمأمومين وعند يساره كذلك.
والمأمومين يُسن لهم أن ينووا به رد السلام على الإمام. فمَن كان على يمينه؛ فينوي بالتسليمة الثانية رد السلام على الإمام. ومَن كان على يسار الإمام، فبالتسليمة الأولى أيضًا ينوي رد السلام على الإمام والتسليم على كل مَن على يمينه من الملائكة ومؤمني الإنس والجن.
ولما كان دين السلام، علَّمنا أن نخرج من حضرة الله وكل مَن على يمينك إلى آخر العالم سلام، لا تؤذي أحد، لا تغتاب أحد، لا تضر أحد، سلام. تقول: السلام عليكم، وبعدين تخدش سلامك بأذى أحد، السلام عليكم، الدين دين سلام (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]، ما تصدر منهم إلا الحسنة. قالوا: سبّ بعض السفهاء سيدنا عيسى بن مريم؛ فدعا له. سبّه ثاني مرة فدعا له، وثالث مرة، وقال مَن معهم الحوارين: يا روح الله هذا ما يمدحك، هذا يسبك، وأنت تدعو له. فقال سيدنا عيسى: كل ينفق بما عنده، كل ينفق بما عنده، عنده السوء، نحن عندنا للخير، الحسنة، روح الله يتكلم بالكلام الطيب.
قال: "وَأَقَلُّ التَّشَهُدِ الوَاجِبِ: التَّحِيَّاتُ للَّهِ" ثم جاءت عدة روايات، وكل من الائمة الأربعة اختار رواية، ولكن "التَّحِيَّاتُ للَّهِ" عندهم كلهم وهذا فرض؛ لأنه أقل ما ورد من جميع الروايات هذا: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ".
- وجاء في الرواية، التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، وأخذ بها الإمام الشافعي.
- وجاء في بعض الروايات، التحيات لله والصلوات والطيبات.
- في بعض الروايات: التحيات الزاكيات الطيبات
وإلى غير ذلك مما ورد في الحديث الشريف السُّنّة كيفية التشهد لكن أقله "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ." وفي الرواية: السلام.. فكلٌ جائز. سلام أو "السَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،" فعلَّمهم هكذا يقولون، فكانوا يأتونه بهذا اللفظ وهم عنده أو حيثما صلوا في أي مكان في الأرض، يقولون له: سلام عليك أو السَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
وقال: واستحضر تسليم الله له من جميع المعايب بأعلى السلامة التي ليست لغيره، "سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ" الخاصة به والفائضة عليه، ومنه إلى الحظائر القدسية وإلى جميع العوالم الملكية والملكوتية "سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا". وفي رواية، "السَّلام علينا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ،" لكن بعض الصحابة كانوا يقول: السلام على جبريل على ميكائيل، السلام على فلان في الصلاة، فقال ﷺ: علَّمهم قولوا "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإنك إذا قلتها أصابت كل عبد صالح لله في الأرض والسماء. عباد الله الصالحين.
ولما قالوا لبعضهم: إنك لتعتني بزيارة الصالحين وتروح إلى مآثرهم! قال: ربي أمرني أسلِّم عليهم في الصلاة. قل: السلام علينا وعلى عباد الله، فإذا خرجت من الصلاة أروح إلى عندهم، تريدني أسلِّم عليهم في الصلاة، وإذا خرجت، أكسّر قبورهم؟!! أنا أسلم عليهم في كل وقت، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين على وجه الخصوص.
"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ"؛ تجديد العهد مع الله تعالى. "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ"، وهنا تكون التشديدة فوق اللام لأن النون قبل اللام الساكنة تُدغَم إدغام تام في اللام، فلا تظهر. "أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فلو قال: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؛ لم تصح لأن اللام مشدّد والنون مدغمة لا تُنطق. "أَشْهَدُ ألَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ." وبهذه الرواية أخذ الحنفية. في رواية ثانية: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله. وفي رواية: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه".
"وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ."، والأفضل الصلاة الإبراهيمية. وقد جاءت بنحو 17 صيغة، الصلاة الإبراهيمية ومن أجمعها ما جاء في صحيح مسلم: اللَّهم صلّ على سيِّدنا مُحمَّد عبدك ورسولك النَّبي الأُمي وعلى آل سيِّدنا مُحمَّد وأزواجه وذريته، كما صليت على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيِّدنا إبراهيم، وبارك على سيِّدنا مُحمَّد عبدك ورسولك النَّبي الأُمي وعلى آل سيِّدنا مُحمَّد وأزواجه وذريته، كما باركت على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيِّدنا إبراهيم في العالمين أنك حميد مجيد.
المعلوم أن اللفظ الوارد ليس فيه سيدنا، ولكن العمل به حسنٌ من قِبَل المؤمنين تعظيمًا للمقام، وهو سيد ولد آدم ﷺ، وسيد الأولين والآخرين والأنبياء كلهم سادتنا. وما يُذكَر من ينسب أن حديث: "لا تسيدوني في الصلاة"، فلا أصل له؛ ما له أصل عند علماء الحديث، ولفظه في اللغة العربية خطأ لحن لأنه أصل سيد سوّد، فيقال: لا تسوّدوني. ما يقول: لا تسودوني في الصلاة، ولم يأتِ هذا اللفظ ولا هذا اللفظ؛ كله باطل. ثانيًا لحنه في حد ذاته، ولم يرد بطريقٍ معتبرٍ قط عن رسول الله ﷺ، ليس له سند عن رسول الله ﷺ. بل الحديث الذي في الصحيحين: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" صلوات الله وسلامه عليه.
"وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ." والأفضل الصلاة الإبراهيمية.
ثم إنه في التشهد الأخير، يسن الدعاء بعد الصلاة على النبي ﷺ، ومن أهم ما يكون التعوذ من عذاب القبر وفتنته، فإن ابن عباس كان يجعل التعوذ من عذاب القبر شرط من شروط الصلاة، فيجعله واجب حتى كان يقول لمَن صلى، تعوذت بالله؟ واستعذت من عذاب القبر؟ يقول: لا، يقول له: عِد صلاتك؛ فيُسن التعوذ من عذاب القبر. بل من هذه الستة الأشياء: اللَّهم نعوذ بالله من عذاب الجهنم، ومن عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيخ الدجال، ومن المغرم والمأثم.
وسيدنا أبو بكر لما طلب من النبي دعاء يعلّمه؛ يعني بعد التشهد، فعلّمه، قل: اللَّهم أني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا. وفي رواية، كبيرة فاغفر لي مغفرة من عندك، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. فهم من مواطن الدعاء بعد التشهد الأخير وقبل السلام.
"وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالسُّنَنِ جَمِيعِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًا". وفي كل ركعة، وفي كل… حتى ذكر الشافعية في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام عشر سنن:
- أن تكون اليدين مكشوفة
- وأن يستقبل ببطونها القبلة
- وأن يفرّق بين الأصابع
- وأن يكون التفريق وسط -لا كثير ولا يضم-
- وأن يحني رؤوس الأصابع
- وأن تكون الإبهامين في مقابلة شحمة الأذنين
- وتكون رؤوس الأصابع في مقابلة رؤوس الأذنين
- وأن يبتديها عند ابتداء التكبير
- وأن ينهي الرفع عند انتهاء التكبير
فصارت عشر سنن وسط السنة، وكل واحدة لها ثواب، وهكذا. والسنن: دعاء الافتتاح بأدعية أيضًا متعددة وردت:
- واختار الشافعية منها أفضلها دعاء التوجه: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكس -أي: عبادتي- ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين.
- وكذلك: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
- وجاء غير ذلك مثل: سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، اللَّهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
أدعية الإفتتاح التيتفتتح بها الصلاة قبل قراءة الفاتحة.
وقال: "وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالسُّنَنِ جَمِيعِهَا"، والسنن بعد ذلك في الفاتحة التعوذ وآمين، فالتعوذ وآمين من سنن الصلاة وليست من الفاتحة. وكذلك السكتات بمقدار سبحان الله: بين التعوذ والبسملة، وما بين الفاتحة وآمين، وما بين آمين والسورة، وما بين السورة والركوع، فإنه لم يكن يصل بين السورة والركوع بل يقف قليلًا إذا كمَّل السورة ثم يركع، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهكذا أيضًا غير ذلك من السنن.
"وَيَنْبَغِي الاعْتِنَاءُ بِالإِخْلَاصِ، وَهُوَ: الْعَمَلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ." بأن لا يكون له قصد غير وجه الله -جل جلاله- (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ) [الزمر:3]. قال: "وَيَنْبَغِي الْحُضُورُ،" ما الحضور؟ "أَنْ يَعْلَمَ بِمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ" هذا الحضور، وهو شرط في الخشوع، قال: "وَالْخُشُوعُ، وَهُوَ: سُكُونُ الْأَعْضَاءِ، وَحُضُورُ الْقَلْبِ،" قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:1-2].
"وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُمُهَا؛" قال الإمام الغزالي: ست معاني إذا اجتمعت صح الخشوع وكمُل:
- الأولى: حضور القلب.
- الثاني: تفهّم المعنى.
- الثالث: التعظيم.
- الرابع: الخوف؛ الهيبة.
- الخامس: الرجاء.
- السادس: الحياء.
فإذا اجتمعت فقد تمّ الخشوع. فالأول حضور القلب لا يكون غافل. الثاني يتفهّم المعنى، معنى ما يقول، ومعنى ما يفعل؛ معنى القيام، ومعنى التكبير، ومعنى دعاء الافتتاح، معنى التعوّذ، ومعنى الفاتحة يستحضر معانيها، ويكون ذلك بالتعظيم قال؛ فقد يحضر القلب ويتفهّم المعنى من طفل صبي صغير لكن بدون التعظيم.. ومع التعظيم هيبة وهو خوف أن يُرَد ولا يُقبل؛ ومع الهيبة رجاء أن يُقبل وأن يُثاب وأن يُرفع قدره لدى الوهاب. والحياء؛ أن يستشعر أنه مقصِّر مهما بذل واجتهد فهو مقصِّر، يكون منكسر القلب، مستحي من الله، فهذا هو تمام الخشوع، (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، "فَإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ الْحُضُورِ."
"وَيَحْرُمُ الرِّيَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا" من جميع الطاعات "وَهُوَ: الْعَمَلُ لأجل النَّاس.".
- فإنشاءه من أجل الناس كله هذا رياء واضح صريح.
- وأخفى منه أن يعمل عمل لأجل الله ولكن يحب أن يطلع عليه الناس.
- وأخفى منه يعمل العمل لله، ولا يحب يطلع الناس عليه ولكن إذا أحد اطلع عليه منهم، يفرح.. فرحه دليل على أنه يريدهم، وأنه يقصدهم.
- قال: وأخفى منه أن يعمل عمل لأجل الله، ولا يحب أن يطلع الناس عليه، إذا أحد اطلع عليه ما يفرح ولكن يتوقع أنه بعبادته هذه يُقدَّم ويُحترَم ويُستمَع إليه… قصدك بالعبادة هذا أم ماذا؟ لا إله إلا الله.. (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110].
ثم ذكر "مُبْطِلاتُ الصَّلَاةِ"، حفظ الله صلواتنا من المبطلات، فمنها الكلام لقول نبينا: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، يأتي معنا إن شاء الله.
إجابة أسئلة:
- الرداء في الصلاة:
نعم، الأصل في الرداء في الصلاة أن يُوضَع على المنكب، ولكن إذا سقط لا يعيده وهو في الصلاة، يتركه.. ولئلا يشتغل به بعضهم، يضعه أمامه، فيكون حاضرًا معه، وكونه حضر بالرداء للصلاة، فيضعه أمامه، والأصل فيه أن يستعمله.
- في الاجتهاد وغلبة الظن:
غلبة الظن يكون بأي علامة، ومنه إخبار الغير أيضصا؛ فإن كان يخبِر عن علم، فهذا غلبة الظن غير الاجتهاد. فإذا صدّق الغير، والغير يخبر عن علم لا عن اجتهاد، فهذا غلبة الظن لا اجتهاد. وإذا كان بعلامة من العلامات غلب على ظنه، فهذا هو الاجتهاد.
- الصلاة في الطائرة:
يحاول أن يقوم يصلي بخفيف في أي موضع هذا، وإلا يصلي على ما هو عليه في الكرسي مثلما يصلي النافلة ثم يقضي، ولكن ما لهم حق يمنعون الناس من الصلاة. وعجيب كنا لما مشينا من كاليفورنيا إلى لندن جاءتنا خمس صلوات في الطائرة، فقلنا في كل صلاة نقوم نصلي جماعة، فصاروا هؤلاء المضيفين إذا رأونا يبعدون حقهم الأواني لنصلي جماعة. وبعدين سافرنا من بريطانيا في طائرة من بلاد عربية مسلمة، قلنا بنصلي، قالوا: ممنوع!! الكفار يبعدون الأواني من قدامنا ونصلي، وأنت مسلم تقول هذا!! ولكن ما باليْنا وقمنا وصلينا. وللوالد فتوى في الصلاة في الطائرة وأنها مجزية كالصلاة على الأرض، إذا صلّاها بقيام وركوع مستقبل القبلة، فكأنه صلى على الأرض. والله أعلم.
يمنحنا الرضوان، ويصلح لنا كل شأن، ويرفعنا إلى أعلى مكان، ويصلح أحوال أهل الإسلام والإيمان، ويجعل كل منا ومنكم مفتاح للخير مغلاق للشر، وسبب للهداية ونشر النور، ويدفع عنّا جميع الشرور وكل محذور في البطون وفي الظهور، ويوالي لنا هِباته ويجزل علينا عطيّاته، ويرزقنا الشكر والقيام بالأمر كما هو أطيب وأحب إليه وإلى رسوله الأطيب، وأن يصلح أحوال المسلمين أجمعين، ويجعلنا في الهُداة المهتدين، ويبارك لنا في رجب وباقي أيامه ولياليه، ويجعلنا من خواص أهليه، ويبارك لنا في شعبان ويجعلها مفاتيح فرج للمسلمين، ويبارك لنا في رمضان ويبلغنا إياه، ويجعلنا من خواص أهليه لديه في لطف وعافية، ويصلح أحوال الأُمة أجمعين، ويجمعنا على مَا يحب، ويجعلنا فيمَن يحب بِسِرّ الفاتحة وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
18 رَجب 1447