(444)
(628)
(368)
الدرس الرابع في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
فجر الثلاثاء 17 رجب 1447هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
من كتاب "الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة" لسيدنا الإمام أحمد بن زين الحبشي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين آمين. إلى أن قال: قسم الفقه، بَابُ الطَّهَارة:
فصلٌ فِي فُرُوضِ الْوُضُوءِ
فُرُوضُ الْوُضُوءِ سِتَّةٌ:
الْأَوَلُ: النِّيَّةُ.
الثَّانِي: غَسْلُ ٱلْوَجْهِ معها، وَحَدُّهُ: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَىٰ مُنْتَهَى اللَّحْييْنِ وَالذَّقَنِ طُولاً، وَعَرْضاً: مِنَ الأُذُنِ إِلَى ٱلْأُذُنِ.
ٱلثَّالِثُ: غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ إِلَى ٱلْمِرْفَقَيْنِ.
الرَّابعُ: مَسْحُ شَيْءٍ مِنْ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ شَعَْرٍ فِي حَدِّهِ.
ٱلْخَامِسُ: غَسْلُ ٱلرّجْلَيْنِ مَعَ ٱلْكَعْبَيْنِ.
السَّادِسُ: التَّرْتِيبُ عَلَىٰ هَٰذِهِ ٱلْكَيْفِيَّةِ.
فصلٌ في الغُسُلِ
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ مِنْ مُجَامَعَةٍ، أَوْ خُرُوحٍ مَنِيٍّ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ. . لَزِمَهُ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ ٱلْجَنَابَةِ.
فصلٌ في نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ
وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ ؛ الْقُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ عَلَىٰ مَا كَانَ.
وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ أيضا: زَوَالُ الْعَقْلِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلاَّ نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنَ ٱلأَرْضِ.
وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: مَسُّ قُبُلِ أَوْ دُبُرِ آدَمِيٍّ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِبَطْنِ ٱلْراحة، وَبُطُونِ ٱلْأَصَابعِ، كَبِيراً كَانَ أَوْ صَغِيراً وَلَوْ وَلَدَهُ مَيْتاً.
وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ كَبِيرَيْنِ أَجْنَبيَّيْنِ بِلاَ حَائِلٍ؛ إِلَّا ظُفْراً أَوْ شَعَراً أَوْ سِنَا فَلَاَ يَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ.
الحمد لله ينور قلوب من يشاء لفهمهم لخطابه وتفقِيههم في دينه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يأخذ بأيدي المقبلين عليه على اتباع حبيبه وأمينه، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المجتبى المختار، سيد أهل قربه وأهل محبته، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آلهِ وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، أئمة أهل محبة الله وطاعته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ابتدأ الشيخ -رضي الله عنه- في كتاب في علوم الإسلام من الفقه في الدين، وأولها كتاب الطهارة، لأنه مفتاح الصلاة، وذكر فروض الوضوء، والوضوء أحد مقاصد الطهارة؛ والطهارة:
ما كان من رفع حدث أصغر أو أكبر.
في معنى رفع الحدث، وليس برفع الحدث؛ كما يذكرون لمن يستنجي بالحجر، الحدث في معنى رفع الحدث وهو التيمم، فعند الشَّافعية: التيمم لا يرفع الحدث، ولكن يُباح به ما مُنِع من نحو صلاةٍ وقراءة وغير ذلك.
فهذا تعريف يشمل ما يطلق عليه فقهًا، مصطلح الفقهاء الطهارة، رفع حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما، أو على صورتهما.
ثم أن مقاصد الطهارة أربعة، كما أن وسائلها أربعة، و وسائل الوسائل اثنان،
فمَقاصد الطهارة:
هذه مقاصد الطهارة، يقصد بالطهارة: وضوءٌ، أو غسلٌ، أو تيممًا، أو إزالة النجاسة، فهذه مقاصد الطهارة.
ووسائل الطهارة أربعة أيضًا:
هذه وسائل للطهارة. الماء، والتراب، و الدابغ، و حجر الاستنجاء.
و وسائل الوسائل اثنان:
إذًا؛
فمَقاصد الطهارة أربعة: الوضوء، والغسل، والتيمم، وإزالة النجاسة.
ووسائل للطهارة أربعة: الماء، والتراب، والدابغ، وحجر الاستنجاء.
ووسائل الوسائل اثنان: الاجتهاد والإناء؛ الآنية.
لهذا يتكلمون في كتب الفقه على باب الآنية في كتاب الطهارة، لأنه من وسائل الوسائل في الطهارة، ويباح استعمال أي إناء إلا ما كان من ذهبٍ أو فضة، فيحرم استعماله في الطهارة وفي غيرها.
ثم إن من أول المقاصد الوضوء، فذكر فروضه في قوله: "فُرُوضُ الْوُضُوءِ"، والفروض: جمع فرض، والفرض:
ولا فرق عند الشَّافعية، وكذلك عند عددٍ من غيرهم ما بين الفرض والواجب؛ بل الفرض، والواجب، واللازم، والمتحتم، والمكتوب، بمعنى واحد عندهم، وهو ما يُثاب على فعله ويعاقب على تركه.
والمراد بفروض الوضوء، أركانه أي أجزاؤه التي يتكون منها، لأن الركن:
فهذه "فُرُوضُ الْوُضُوءِ"؛ أي: أجزاؤه التي يتكون منها، ولا يصح الوضوء إلا بها، اثنان مرجعهما إلى السُّنة، وأربعة مذكورة في القرآن.
فأما ما كان دليله في السنة: فالنية والترتيب.
وأما الأربعة المذكورة في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن) [المائدة:6]، وفي قراءة: (وَأَرۡجُلِكُمۡ).
"فُرُوضُ الْوُضُوءِ"، الوضوء أيضًا في اللغة: اسمٌ لغسل بعض الأعضاء، يقال له وضوء، فمن غسَّل شيئًا من الأعضاء فقد توضأ في اللغة.
وأعضاء الوضوء أربعة:
فذكرَ "فُرُوضُ الْوُضُوءِ: الْأَوَلُ: النِّيَّةُ"
ودليله الحديث: "إنَّما الأعمَالُ بالنَّياتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى"، فالنية:
والنية لها حكمٌ ولها وقتٌ؛ فحكمها: الوجوب غالبًا، في غالب العبادات إلا بعض العبادات لا تلزم فيها النية كالأذان، وكنَفل الصدقة، لا يلزم فيها النية، وعامة العبادات تلزم فيها النية، وهو في الوضوء واجب؛ فرض، كما هو عند الجمهور، وعند الحَنَفِية أن النية في الوضوء سُنَّة.
النية وقتها في الوضوء عند غسل أول جزء من الوجه، لأنه أول فرض من الفروض بعد النية غسل الوجه، فعند غسل أول جزء من الوجه تبدأ النية، فلو غسل بعض وجهه قبل النية، ثم نوى فالنصف الثاني الذي غسله صحيح، يجب عليه أن يعيد غسل النصف الأول لأنه كان قبل النية، والنية محلها القلب.
قال الشَّافعية: التلفظ بها سُنَّة قياسًا على تلفظ النَّبي ﷺ بالنية في الحج، وفي الحديث الصحيح: أن جبريل أتاني فقال لي: "قُلْ عُمرةً في حَجَّةٍ" قال: والقول هو اللفظ الدال على معناه، وليساعد القلب اللسان. ولكن إذا أراد أن يعمل بالسُنن فقبل غسل الوجه سنن، فلها نية، فبداية ما يبتدئ في الوضوء بعد البسملة ينوي، ينوي أداء سنن الوضوء، ولو قدَّم النية؛ نية رفع الحدث أو نية الوضوء، أو نية الطهارة للصلاة قبل، عند غسل اليدين صحت، بشرط أن تحضر بقلبه عند غسل أول جزء من الوجه، ولذا:
"فُرُوضُ الْوُضُوءِ سِتَّةٌ:
الْأَوَلُ: النِّيَّةُ"، هذا بعض ما يتعلق بالنية.
ثم "الثَّانِي: غَسْلُ ٱلْوَجْهِ" قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة:6] سُمي وجهًا لأنه تقع به المواجهة، هو حده من أين إلى أين؟
أما طولًا من منابت شعر الرأس، أي كما هو الغالب أنه فوق الجبهة يبتدي نبات شعر الرأس، فمنبت الذي يبدأ من شعر الرأس في غالب الناس، هذا حد الوجه ما تحته، ولا عبرة بذي َغمم؛ نزل شعره إلى فوق جبهته، ولا بأصلع، شعره من نصف رأسه أو من خلف رأسه فقط أو ما فيه شعر، فالمكان الذي ينبت فيه الشعر غالبًا هو حد الوجه، الذي ينبت فيه شعر عند من عندهم شعر في غالب الناس، هو ذا حد الوجه، من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين طولاً، اللحيين والذقن، اللحيين العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان، فهذا في الطول.
وفي العرض من الأذن إلى الأذن، فهذا حدود الوجه يجب استيعابها بإسالة الماء عليها، يغفل الماء فيها عن المُوقين وخصوصًا عند القيام من النوم واللِحاظين، فيُسن أن يتفقدها عند غسل الوجه بإصبعه السبابة طرفها يتعاهد الموقين، أو طرف العينين مما يلي الأنف هذا المُوقان، ويتعهد بالشق الثاني من السبابتين اللِحاظيين، أو طرف العينين مما يلي الأذن؛ فهذا قد يغفل الماء عنها فيبقى الحدث على الإنسان، ولا يصح غسله لليدين ولا ما بعدها عند الشَّافعية ويصلي محدث، فينبغي أن يتفقد هذا ويُحسن الوضوء.
وقد أثنت السيدة نفيسة على سيدنا الشَّافعي عند موته بقولها: رحم الله محمد بن إدريس الشَّافعي، إنه كان يُحسن الوضوء. وما ذكرت من فضائله ومناقبه إلا هذا ِلفقهها، لتعلم أن من يُحسن الوضوء، أحسن الصلاة، ومن أحسن الوضوء والصلاة أحسن الدين كله وجمع جميع المكارم. ويقول ﷺ: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ"، واعتنى بتعليم الصحابة الوضوء كثيرًا ﷺ.
"غَسْلُ ٱلْوَجْهِ وَحَدُّهُ: مِنْ مَنَابِتِ شَغْرِ الرَّأْسِ إِلَىٰ مُنْتَهَى اللَّحْبَيْنِ وَالذَّقَنِ طُولاً، وَعَرْضاً: مِنَ الأُذُنِ إِلَى ٱلْأُذُنِ" ومما قد يغفل عنه الماء أيضًا ما تحت الأنف في وسط الشارب. ويجب غسله شعرًا وبشرًا، ظاهرًا وباطنًا إلا ما كَثُف من اللحية والعارضين، وإذا كَثُفت كفى غسل ظاهرها، العارضان واللحية، يكفي غسل ظاهرها لأنه ﷺ جاء في وضوئه مرة أنه توضأ بغَرفة واحدة، وكان كث اللحية، فغَرفة الواحدة في القلب ما تستوعب جميع الوجه وباطن الشعر، فاكتُفيَ في كتب الفقهاء عندنا في غسل الوجه إذا كانت اللحية كثيفة أو العارضان كثيفان في ظاهرها، ويُسن تخليلها.
فأما إذا كانت خفيفة، أو العارضان خفيفان فيجب غسل ظاهرها وباطنها.
بخلاف بقية شعور الوجه فإنه يجب غسل ظاهرها وباطنها خفّت أو كَثُفت، فيأتي أحدٌ ويقول: أنا عندي حاجب كثيف فاكتفي بغسل الظاهر، نقول لا، لابد توصل الماء إلى منابت الشعر في:
فهذه شعور الوجه يصل عددها إلى العشرين، باعتبار: العارضين اثنين، والسُبالان اثنين، النكفتان اثنين، والحاجبين اثنين والأهداب أربعة، فتصل المجموع عشرون شعور الوجه، يجب غسل ظاهرها وباطنها؛ إلا باطن اللحية الكثيفة والعارضين الكثيفين، ويُسن أن يبدأ الغسل من أعلى الوجه من عند منابت الشعر، يبدأ يضع الماء هناك، ويمشي معه إلى بقية أجزاء الجسد، وذلك بأن يغرف الماء بكفيه، يبتدئ من أعلى الوجه ويتفقد المعاطف والشعر، والفرض هو الواحدة والثانية والثالثة سنة.
"غَسْلُ ٱلْوَجْهِ"، وقالوا: كل شيء طوله أكثر أم العرض أكثر؟ الطول أكثر من العرض إلا الوجه، لأن طوله شبر بيد صاحبه، العرض من الأذن إلى الأذن شبر وأربع أصابع، فسبحان الله، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) هكذا يقول الله. لا إله إلا هو.
"غَسْلُ ٱلْوَجْهِ"، وفي الحديث أنه يخرج كل خطيئة من العينين مع غسل الوجه، تخرج مع آخر قطر الماء.
و "ٱلثَّالِثُ: غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ إِلَى ٱلْمِرْفَقَيْنِ"؛ فاليد من أطراف الأصابع الى المرفقين، وإن لليد اطلاقات:
قال "غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ"؛ وتخرج مع الماء خطايا اليدين، حتى تخرج من تحت أظفاره. لذا كان قول في مذهب الإمام أبي حَنِيفَة لكنه مرجوح: أن الماء المستعمل لفرض الوضوء نجس، لأن الخطايا فيه، تخرج فيه الخطايا، المعتمد عندهم لا، كغيرهم ليست بنجس المستعمل.
وهكذا وإذا كان صاحب الخطايا تخرج الخطايا مع الماء منه، فإذا كان ما عنده خطايا يخرج نور الطاعة، الطاعة يمتلئ الوضوء بنور طاعته، ومن هنا حرص الصحابة أشد الحرص على ماء وضوئه ﷺ، حتى كادوا يقتتلون على وضوئه. وهكذا جاء في البخاري أنه لما كان في سفر وتوضأ يقول الراوي: فلما فرغ من وضوئه، جمع بلال وضوءه في إناء كان يصب عليه ويتلقى الوضوء في إناء، فأقبل الصحابة حتى كادوا يقتتلون على وضوئه، قال فرأيت من لم يصب منهم شيئًا أخذ من بلل صاحبه فتَمسح به، فالصحابة بهذه الصورة، كما يقول بعض الناس صوفية كلهم مُتبركين! كادوا يقتتلون وما حصل شيء، يأخذ من حق الثاني ويتمسح به -عليهم رضوان الله- أمامه ﷺ وهو يعلم بهم ويراهم، صلوات ربي وسلامه عليه.
وهكذا، حتى صار بلال إذا جاب الماء للوضوء يأتي بإناء ثاني فارغ يضعه تحته من أجل أن يتلقى الماء الذي يخرج منه، ومن أجل أن يوزع بعد ذلك بينهم عليهم رضوان الله.
ويُسن الابتداء في اليدين من الأصابع يمضي بها إلى المرفقين، والسُنة أن يرفعه إلى العضد نصفه أو كله هذا أفضل، وإن الحلية في الجنة تبلغ ما بلغ الوضوء، فمن كان يغسل أكثر حليته أكثر.
و"غَسْلُ ٱلْيَدَيْنِ إِلَى ٱلْمِرْفَقَيْنِ" كما قال تعالى (إِلَى الْمَرَافِقِ)؛ والمرفق مجتمع عظمي العضد وإبرة الساعد، مجتمع عظمي العضد وإبرة الساعد ما بين هذه يسمى مرفق لأن الإنسان يرتفق به. فالثلاثة العظام ما بينها يقال لها مرفق، ويُسنُ فيه التخليل، وبعد أن يغسل اليدين يُخلل بين الأصابع بالتشبيك اليمنى واليسرى، ليستوثق من وصول الماء إلى ما بين الأصابع، ومن الواجب أن يصل الماء إلى ما تحت الأظفر فإن كان تحت الأظفر شيء مادة من خارج البدن من غير عرق البدن يجب إزالتها حتى يصل الماء إلى ما تحت الأظافر، وإذا استعملت المرأة شيء من هذه المزينات، وله جرمٌ على أظافرها، فيجب أن تزيله عند الوضوء حتى لا يحول بينه وبين البشر وبين الأظفر، فإن له جرم يحول بينه كما قلت حطوا اسمها مناكير، كلٌّ له من اسمه نصيب! إذا كانت ما تزيله عند الوضوء صار صدق مناكير، جمع منكر صيغة منتهى الجموع ذا صيغة منتهى الجموع مناكير. سبحان الله!.. فينبغي إذا جاء لزوجته بهذه المادة يُحضر المزيل معها، يُحضر لها المزيل معها لكي إذا تتوضى تزيله بسهولة وتتوضأ فيصح وضوءها.
فيجب استيعاب هذا الحد من طرف الأصابع إلى المرفقين، ويُسن الزيادة.
إذًا فحديث "إنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَومَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ"؛ يعني: عليهم نور في وجوههم وأيديهم وأرجلهم من آثر الوضوء، يعني الأمم كلها يتوضؤون لكن ظهور هذا النور خاص لأمة النبي محمد ﷺ، حتى قالوا كيف تميز أمتك من بين الأمم؟ "قال: أرأيتم لو واحد عنده خيل جردة وخيل غر هل يتميز بينهم قالوا نعم، فإن أمتي يحشرون غُرا محجلين من آثار الوضوء.
فمعنى إطالة الغُرة هذا من سنن الوضوء، أما نفس الغُرة والتحجيل هي في حقها واجب لأنه لا يتحقق الواجب إلا به، أدنى شيء مما زاد هذا ضروري واجب؛ لكن الزيادة على الواجب في الوجه وفي اليدين، في الوجه يقال له إطالة غُرة، وفي اليدين والرجلين يقال له إطالته تحجيل، التحجيل في اليدين والرجلين، والغُرة في الوجه، وما زاد على الواجب في اليدين يُقال له تحجيل، وفي الرجلين كذلك. فيُسن إطالة الغُرة وإطالة التحجيل كما يُسن التثليث، والفرض غسلة واحدة.
"الرَّابعُ: مَسْحُ شَيْءٍ مِنْ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ شَعَْرٍ فِي حَدِّهِ"، إما من بشرة الرأس مثل الأصلع ونحوه، أو شعرٍ لكن الشعر في حد الرأس، ومعنى في حد الرأس أنه لو مدّها لم تخرج عن حدود الرأس، فأما من عنده شعر طويل ومسح طرفه ومده لخرج عن حدود الرأس فلا يكفي هذا المسح لا بُد أن يمسح شعرًا لا يخرج عن حدود الرأس بمدّه إذا مده ومَطه لا يخرج عن حدود الرأس، أو شيء من بشرة الرأس، لا فرق بين البشرة والشعر.
وقال الشَّافعية: الباء للتبعيض، (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)؛ أي: بعض رؤوسكم، والبعض يطلق ولو بعض شعرة في حد الرأس أو شيء من البشرة، والأفضل أن يَبُل يديه بالماء ثم يضع السبابتين على الناصية، وسط الرأس، ويمشي بها إلى الخلف، فإن كان له شعر ينقلب يردها.
فقال الجمهور: أنه مرة واحدة يمسح الرأس. وقال الشَّافعية: يُسن ثلاث مرات كغيره. "مَسْحُ شَيْءٍ مِنْ بَشَرَةِ الرَّأْسِ أَوْ شَعَْرٍ فِي حَدِّهِ".
"ٱلْخَامِسُ: غَسْلُ ٱلرّجْلَيْنِ"، وأيضًا تخرج بها ذنوب كل خطيئة مشتها رجلاه، أي الذنوب الصغائر، من طرف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان العظمان البارزان بين الساق والقدم، هؤلاء الكعبان، ففي كل يد مرفق واحد، وفي كل رجل كعبان اثنان، ولهذا قال في الآية: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)؛ أي: كعبيَّ كل رجل.
وكذلك ما تحت الأظافر يجب إيصال الماء إليه. وكذلك ما بين الأصابع يُسن التخليل فيه؛ لكن التخليل بخنصر اليد اليسرى، يضع الماء على الأصابع ويدخل الإصبع من تحت، من أسفل إلى أعلى من عند خنصر الرجل اليمنى يمشي على الترتيب إلى خنْصر الرجل اليسرى.
قال ابن المقري في كتاب الإرشاد في ذكر سُنن الوضوء، في تخليل الرجلين: من خنصرٍ إلى خنصرٍ بخنصر يسرى يديه.
وأصل الرجلين مع الكعبين لتقدير أساس الترتيب وهو أن لا يقدّم عضوًا على عضو، بحيث لا يبدأ في غسل اليدين إلا بعد إكمال غسل الوجه، ولا يبدأ في مسح الرأس إلا بعد إكمال غسل اليدين، ولا يبدأ في غسل الرجلين إلا بعد إكمال مسح الرأس؛ هذه معنى الترتيب، على هذه الكيفية بدايةً بالوجه وختمًا بالرجلين.
فالسُنن قبل الفرائض، التي قبل الفرائض:
"لا وُضوءَ لِمَن لم يُسَمِّ اللهَ" وجاء في حديث سنده ضعيف "لا وُضوءَ لِمَن لم يُسَمِّ اللهَ" فحملوه على الوضوء الكامل، وقال الإمام أحمد: تجب البسملة عند الوضوء.
وهما واجبان عند بعض الأئمة الأربعة، يجب المضمضة والاستنشاق، كالحَنَفِية يجب عندهم المضمضة والاستنشاق، والمَالِكْية كذلك، فيجب المضمضة والاستنشاق، وبعد الفقهاء أوجب الاستنشاق دون المضمضة. وقال ﷺ لأصحابه: "وبالِغْ في الاستنشاقِ إلّا أن تَكونَ صائمًا"، فيُسن المضمضة.
فتُسن المبالغة بأن يصل الماء للغَلصمة في الفم، وإلى أعلى الخيشوم في الأنف في الاستنشاق، ويُسن عن ذلك ثلاثًا؛ ينظف الفم والأنف استعدادًا للصلاة، وكذلك يدرك طعم الماء وريحه حتى إذا كان في شيء يحذر منه.
و الصائم يُسن أن يرفق في المضمضة والاستنشاق، فلا يبالغ في رفع الماء بالنفس في أنفه، ولا يبالغ في إيصال الماء إلى الغَلصمة بل يكفي طرف الفم وطرف الأنف للصائم، حتى لا يسبق شيء إلى الجوف يتعرض لبطلان الصوم.
والسواك كذلك سُنَّة، في الحديث: "لولاَ أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ وضوءٍ".
ثم بعد تخليل أصابع الرجلين والواجب إلى الكعبين والسُنة إطالة التحجيل إلى نصف الساق، والأكمل إلى الركبة.
وإحسان الوضوء على المكاره؛ إسباغ الوضوء على المكاره من الرباط في سبيل الله، وما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، "كثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره"، أي على ما يشمئز منه نفس الإنسان عند برد، أو عند مرض، أو عند تعب، فإسباغ الوضوء في حالة هذه المكاره من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى-.
ثم الدعاء بعد الوضوء، بـ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.. وقد جاء في الصحيحين أن من يأتي بهما بعد كل وضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وفي رواية في غير الصحيحين أن في السُنن يقول زيادة: آللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصَّالحين.
ومما يُسن أيضًا أنه بعد الوضوء يأتي بهذا الدعاء مستقبل القبلة أفضل، رافعًا يديه، وكذلك ذكر: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وكذلك قراءة سورة (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر:1] مرةً أو ثلاثاً بعد الوضوء من السُنن. هذه كيفية كيفية الوضوء بفروضه وسُننه.
قالوا: ومن أحسَنَ الوضوء أحسَنَ الصلاة. قالوا: وحضور القلب مع الله عند الوضوء من أقوى أسباب الحضور في الصلاة يعان صاحبها الحضور في الصلاة. ويُكره للمتوضئ أن يتكلم مع أحد، ويروى أن على المتوضئ قبة من نور فإذا تكلم ارتفعت.
ويُسن الدلك كذلك وهو واجب عند المَالِكْية، وهو: إمرار اليد على المحل الذي يُغسل، إمرار اليد على الجسد؛ المواضع التي تُغسل في الوجه واليدين والرجلين، فالدلك سُنَّة، وهو واجبٌ عند المَالِكْية.
والبداءة باليمين، وهو التيامن، أن يبدأ باليد اليمنى وبالرجل اليمنى قبل اليسرى، فإن كان مقطوع اليد فيُسن التيامن في الوجه كذلك، وفي مسح الرأس كذلك.
إذا كان مقطوع اليد يُسن التيامن، يغسل الجانب الأيمن من الوجه أولا ثم الجانب الأيسر، وكذلك في الرأس يمسح الجانب الأيمن ثم الأيسر، وكذلك في الأذنين بالنسبة لمَقطوع اليد يُسن التيامن فيمسح أذنه اليمنى ثم اليسرى؛ أما من له يدان فيَمسحهما معًا، لا يُسن التيامن في مسح الأذنين لمن له يدان. وهكذا والعضو الواحد لا تيامن فيه إلا لمن كان مقطوع اليد.
ثم ذكر بعد الوضوء الغُسل، وهو اسمه الغُسل
فالغُسل الواجب: ما يكون بسبب الجنابة أو بسبب انقطاع الحيض والنفاس عند المرأة، فالجنَابة إما خروج المني وإما الجماع، كل منهما جنابة. وإذا انقطع دم الحيض عند المرأة أو النفاس وجَب عليها الغسل من أجل إقام الصلاة.
وكذلك يجب الغُسل فرض كفاية على الأحياء للميت إذا مات بينهم، يجب عليهم أن يغسلوه.
ثم هناك أغسال مسنونة:
ثُمَّ قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ مِنْ مُجَامَعَةٍ، أَوْ خُرُوحٍ مَنِيٍّ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ ٱلْجَنَابَةِ"، فتعميم البدن بالماء مع النيَّة هذا فرض الغُسل، فرض الغسل اثنان:
وتبقى سُنَنه، سُنَنه يأتي فيها:
فإن الماء يغفل عند الغُسل عن محل الاستنجاء، فينبغي عند الاستنجاء ينوي رفع الحدث عن محل الاستنجاء، ثم يغسل كفّيه ويتمضمض ويستنشق لأجل الغُسل، ثم يعيدها لأجل الوضوء، يتوضأ، يغسل كفيه مرةً أخرى، ويتمضمض ويستنشق ويكمل الوضوء ثم يصب الماء على رأسه ثلاثًا، ثم ما أقبل من الجانب الأيمن ثلاثًا، ثم على ما أدبر منه ثلاثًا، ثم على ما أقبل من الجانب الأيسر ثلاثًا، ثم على ما أدبر منه ثلاثًا، فهذه السُنن في أداء الغُسل.
ويجب تعميم البدن بالماء، إلا أن الباطن منه حتى مثل الفم والأنف عند الشَّافعية لا يلزم، وقال بعض الأئمة يلزم المضمضة والاستنشاق من أجل رفع الحدث، وكذلك باطن العين لا يلزمها الغُسل إيصال الماء إليها باتفاق.
وبقية البدن تحت كل شعرةٍ جنابة، لو بقيت لُمعة ما وصل إليها الماء بقيت عليها الجنابة، حتى قال سيدنا علي: بعد ما سمعت النَّبي يقول: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جَنابةٌ" عاديت شعر رأسي، صار يميل للحلاقة، يحلق من وقتٍ لوَقت.
وبعد ذلك ذكر: "نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ"، وهي أسباب الحدث، تُحول المتطهر إلى محدث، وهي أربعة عند الشَّافعية:
أي شيءٍ كان معتاد أو غير معتاد، فأما المعتاد فبالإجماع ينقص الوضوء من بولٍ، وغائطٍ، وريح فهذا بالإجماع ينقض الوضوء، وكذلك عند الشَّافعية وعند بعض غيرهم كذلك ينقض أي خارج كان من حصاةٍ أو دودةٍ أو دمٍ أو أي خارج من أحد السبيلين فينقض الوضوء.
قال سيدنا ابن عباس إنما الصوم مما دخل وإنما الوضوء مما خرج؛ ما خرج ينقض الوضوء.
كيف غيره؟ قال: غيره الإغماء، والسُكَر، والجنون، ثلاثة. فزوال العقل: إما بنوم، أو بالجنون أو بسُكَر أو بإغماء.
فكل واحدٍ منها ينقض الوضوء.
قال: "إِلاَّ نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَتَهُ مِنَ ٱلأَرْضِ" فإذا نام هناك أربعة شروط لا ينقض الوضوء:
فهذه شروط عدم النقض بالنوم:
بهذه الشروط ما ينتقض بالنوم.
وقال الحَنَفِية: أنه لو كان على شيءٍ من هيئات الصلاة، أو كان متمكنًا لا ينتقض وضوءه.
وقال المَالِكْية: إن كان نوم خفيف لا ينقض الوضوء، وإن كان نوم ثقيل نقض وضوءه، نوم ثقيل بحيث تسقط ما في يده من مسبحة وغيره ولا يشعر، هذا نوم ثقيل ما دون ذلك فهو نوم خفيف ما ينقض الوضوء.
مثل النعاس، النعاس عند الشَّافعية ما ينقض الوضوء، وهو أن يحس بسماع بكلام من حواليه لكن ما عاد يركز عليه، ما يميزه لكن يحسه، ينعس. إلا الأنبياء فإنه لا ينتقض وضوؤهم بالنوم، لمّا قالوا للرسول ﷺ قال: "تَنامُ عَيْناي، ولا يَنامُ قَلْبي" صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبهِ وسلَّم.
وكذلك من أُغمي عليه، ومن جُن، ومن أصابه السُكر -والعياذ بالله تعالى- فينتقض وضوءه.
ثُمَّ "وَيَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ أيضًا: مَسُّ قُبُلِ أَوْ دُبُرِ آدَمِيٍّ" سواءً من نفسه ولو ولده ولو ميت لكن بشرط أن يكون بباطن الراحة أو بطون الأصابع، "بِبَطْنِ ٱلْكَفِّ وَبُطُونِ ٱلْأَصَابعِ" فقط، سواء أن "كَبِيراً كَانَ أَوْ صَغِيراً وَلَوْ وَلَدَهُ" الصغير ولو "مَيْتاً" فإن ذلك ينقض الوضوء لقوله ﷺ "من مسَّ ذَكرَه فليتوضَّأ".
وينقض الوضوء عند الشَّافعية: "الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ كَبِيرَيْنِ أَجْنَبَّيْنِ بِلاَ حَائِلٍ؛ إِلَّا ظُفْراً أَوْ شَعراً أَوْ سِنَا فَلَاَ يَنْقُضُ ٱلْوُضُوءَ"؛ لمس الظفر أو الشعر أو السن وحده، ليس ببشرة، وهذا بالخمسة القيود ينقض الوضوء عند الشَّافعية،
خمسة قيود:
والمحارم منهم ثمانية عشر صنف، من النسب سبعة، ومن الرضاع مثلهم سبعة، أربعة عشر، ومن الصهارة أربعة، هؤلاء المحارم ثمانية عشر صنف من النسب سبعة هم الذين مذكورون في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) [النساء:23].
ومثلهم من الرضاع، من الرضاع سبع لقوله ﷺ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ"؛ فيحرم الأم من الرَّضاع: وهي من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من أَولدك، كلهم أم، أمك من الرضاعة من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من أَولدك، أرضعت أبوك أو أرضعت أمك خلاص هي أمك كذلك، اذا أرضعت أباك أو أرضعت أمك أو أرضعت مرضعتك هذه الأم من الرضاع؛ أرضعت مرضعتك او أرضعت أمك أو أرضعت أباك صارت أمك من الرضاعة، أرضعتك بنفسك أو أرضعت مرضعتك، أو أرضعت من أولدك هذه الأم من الرَّضاع، (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ).
(وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) ومن الأخت من الرَّضاع؟ الأخت من الرَّضاع من ارتضعت من أمها، أو ارتضعت هي من أمك، أو ارتضعت أنت وإياهما من أجنبية لا أمك ولا أمها واحدة ثانية رضعتك ورضعتها، فهذه أخت من الرَّضاع، من ارتضعت من أمها أو ارتضعت هي من أمك أو ارتضعت أنت وإياها من امرأة واحدة غير أمهاتكم، فهذا أختك من الرَّضاع بشرط أن يكون الرَّضاع خمس رضعات متفرقة، فالحديث: "لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتانِ، أَوِ المَصَّةُ أَوِ المَصَّتانِ"، و "خمس رضعات يحرمنًَّ". يقول الأخت من الرَّضاع.
والبنت من الرَّضاع. معك بنت من الرَّضاع أنت ما ترضع أحد أنت رجل، بنتك من الرَّضاع من ارتضعت بلبنك، من أرضعتها زوجتك التي في عقدك فهي بنتك من الرَّضاع، أولا، ما دام اللبن منسوب لك أنت الذي حملت منك إذا أرضعت أحد فمن أرضعته فهو ابنك من الرَّضاع، فالبنت من الرَّضاع من ارتضعت بلبنك، ومثله من ارتضعت بلبن من ارتضع من لبنك، أو من بنتك، أو ابن ابنك أيضًا ارتضعتها تدخل في البنت من الرَّضاع، بحيث إذا زوجة ابنك رضعت واحدة، وهذه التي أرضعتها هي بنت ابنك فهي بنتك، بنت ابنك صارت، وكذلك إذا بنتك رضعت واحد، خلاص بنت بنتك صارت لك محرم هذه البنت من الرَّضاع، والأخت وكذلك العمة أخت من أولدك، و أولد من أولدك، أو من أرضعتك، ومن أرضعت من أرضعتك أو أختهم من الرَّضاع أخت لك، الأخت من الرَّضاع، عمة لك، وإن كانت أخت من ولدتك أو أرضعتك فهي الخالة من الرَّضاع، العمة والخالة من الرَّضاع، فهولاء الأربعة عشر من النسب ومن الرَّضاع.
بقي أربعة من الصهارة وهي: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن، أم الزوجة وبنت الزوجة إذا كانت من غيرك، إذا دخلت بأمها، و زوجة الأب أبوك مثله جدك، زوجة كل من أولدك وأولد من أولدك، أو زوجة الابن زوجة ابنك مباشرة وابن ابنك مثله، فهؤلاء الأربع يحرمون من الصهارة، فالمجموع ثمانية عشر، يحرم نكاحهم على التأبيد، فلا ينقض منهم الوضوء.
"الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ كَبِيرَيْنِ أَجْنَبَّيْنِ بِلاَ حَائِلٍ"، فلا يضر اللمس من فوق الثوب؛ وإنما بالتقاء البشرة، إلا الظفر والشعر والسن فليس ببشرة ولا ينقض الوضوء.
إذًا فالاستدلال بقوله تعالى (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [النساء:44] وفي قراءة من القراءات السبع أو لمستم النساء، والأصل: اللمس بالبشرة، أوله فالأئمة الآخرون منه الجِماع؛ ولكن أيضًا اعترضوا عليهم قالوا: فإذا أوّلتموه بالجماعة فكيف تقولون اللمس بشهوة ينقض الوضوء؟! أين دليله؟..
وأن اللمس في الأصل هو هذا، قال تعالى: "وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ" [الأنعام:7]. وأنه لما جاء الذي يقر عند النَّبي ﷺ بفعل الفاحشة قال له: "لعلَّكَ قَبَّلتَ، لعلَّكَ لَامَستَ"؛ معناه الملامسة غير الجماع، فلو كان الجماع ما بيقول له كذا.. "لعلَّكَ قَبَّلتَ، لعلَّكَ لَمَستَ" قال: لا يا رسول الله.. فيقام عليه الحد. هذا دليل الشَّافعية. وأيضًا:
والأصح أنه ينتقض اللامس والملموس، وهذه الفوارق لنقض الوضوء بين اللمس بين الذكر والأنثى، وبين مس الذكر والدُبُر مس الذكر والدبر ما يشترط اختلاف الجنسين، ولا يشترط أن يكونا كبيرين، ولا ينتقض إلا اللامس دون الملموس في مس الذكر والدُبر.
أما التقاء بشرتي الرجل والمرأة لابد من كبيرين، ولابد اختلاف الجنس ولابد وينتقض الاثنين معًا اللامس والملموس، هذه الفوارق بين المس واللمس، والله أعلم.
رزقنا الله الطهارة الظاهرة والباطنة، وإحسان الوضوء، وإحسان الصلاة، وإحسان الأعمال الصالحة كلها، ألحَقَنا بالمحسنين ورقانا مراتب أهل الإحسان في كل شأن، وغمرنا بفائضات الامتنان في خير ولطف وعافية بسر الفاتحة إلى حضرة النَّبي محمد ﷺ.
17 رَجب 1447