الرسالة الجامعة - 3 | أصول الإيمان: الإيمان بالرسل والآخرة والكتب والملائكة
الدرس الثالث في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
فجر الإثنين 16 رجب 1447هـ.
يتضمن الدرس:
- مقاصد بعثة النبي ﷺ: هداية الخلق وتكميل المعاش والمعاد.
- أقسام علم الإيمان: الإلهيات – النبويات – السمعيات.
- الإلهيات: معرفة صفات الله الواجبة والمستحيلة والجائزة، وأسماؤه الحسنى.
- النبويات: صفات الأنبياء، وخصوصية رسالة النبي ﷺ للعالمين.
- المعجزات والإرهاصات: دلائل صدق النبوة، وأعظمها القرآن الكريم.
- الشريعة: الأحكام الخمسة وتنظيم حياة الإنسان دينيًا ومعاشيًا.
- السمعيات: الإيمان بالبرزخ، الصراط، الميزان، الحوض، الحساب.
- الإيمان بالكتب والملائكة والجنة والنار.
- أثر الإيمان في تزكية النفس وتحقيق الحياة الطيبة.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل لسيدنا الشريف العالم العلامة الحبيب أحمد بن زين بن أحمد الحبشي صاحب "الرسالة الجامعة"، نفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين.
"وأنَّهُ تعالى بَعَثَ سَيَّدنا محمَّداً عَبْدَه ورَسُولَه إِلى جميع الخَلْق، لِهِدَايَتِهِم، ولِتَكْمِيْل مَعَاشِهِم وَمَعاَدِهِم، وَأيَّدَهُ بِالمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَة.
وَأنَّهُ عَليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَادقٌ فِي جَمِيعِ ما أَخْبرَ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى: مِنَ الصِّرَاطِ والْمِيزَانِ والحَوْضِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ والْبَرْزَخِ، ومِنْ سُؤالِ الْمَلَكيْنِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ."
وأنَّ القُرْآنَ، وجَمِيعَ كُتُبِ اللهِ الْمُنْزَلَةِ حقٌّ، والْمَلائِكَةَ حَقٌّ، والْجَنَّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، وجَمِيعَ مَا جَاءَ بهِ سَيٌُدُنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ".
الحمد لله مُكرمنا بإشراق أنوار المعرفة والإيمان لجميع أهل الإقبال عليه تعالى بالصدق والإخلاص في السر والإعلان، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الكريم العظيم المنّان، ونشهدُ أن سيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسوله، مَن أَنزل عليه القرآن وجعلَه سيِّدَ الأكوان، اللهم أدِمْ صلواتِك على حبيبك المُختار المصطفى سيدنا محمدٍ، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن والاهم فيك واقتفى الآثار، وعلى آبائِه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادنِ الصدق والهدى والأنوار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقد تقدّم معنا ما ذَكرَ من الخُلاصة في علم الإيمان؛ ما يتعلق بالإلهيات:
وذلك معرفة الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومرجعُها إلى أن:
- الواجبَ في حق الله تعالى كلُّ كمال؛ أي: كل ما يليق بجلاله وعظمته، فهو المتصف بكل كمال.
- والمستحيلُ عليه كلُّ نقص.
ومظاهرُ الكمال المطلق الإلهي الرباني في صفات الوجود والبقاء، وكونُه الحيُّ المريد القادر السميع البصير، وما تقدم معنا من ذكر هذه الصفات، التي رؤوسُها -كما بيّن أهل السنة مما ورد في الكتاب والسنة الغراء- عشرون صفة، مقررة في كتاب الله تبارك وتعالى، فهي إجماليُّ الصفات، ولها فروعٌ.
كما أن للحق تعالى أسماء، وعَلِمْنا أنّ منها ما أنزله في كتابه، ومنها ما علَّمه بعضَ أنبيائه، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، جل جلاله وتعالى في علاه، وأن منها ما ذكَرَه ﷺ في حديث من تسعةٍ وتسعين اسماً من جُملة أسماء الله، وأنه في دعائه يقول: "أسألُك بِكُل اسمٍ هو لك سمَّيتَ به نفسَك أو أنزلتَه في كتابك أو علَّمتَه أحداً من خلقِك أو استأثرتَ به في علم الغيبِ عندَك"، فلا يُحيط بأسمائه إلا هو، كما لا يحيط بصفاته إلا هو، كما لا يحيط بذاته إلا هو، جل جلاله وتعالى في علاه.
- وأن الجائزَ في حق الله تعالى فعلُ ما شاء من جميع المُمكِنات، وترك ما شاء سبحانه وتعالى، لا يجبُ عليه لأحدٍ شيء، وأنه يثيب بفضله، ويعاقب بعدله جلّ جلاله وتعالى في علاه، وأنّ الكائناتِ جميعَها مُلكه يتصرّف فيها كما يشاء.
وكان من آخر ما ذكَر من الأسماء: القهّار، "وهو الواحد القهار"، القهّار: من أسماء الجلال الإلهية التي ينطوي تحتها كلُّ شيءٍ من جميع الكائنات والموجودات، وكلُّها تحت قهره وتدبيره وإرادته. وكان من الأذكار التي تلهج بها النفس إذا صَفَت وكمُلت، اسمُه القهّار جل جلاله وتعالى في علاه، فهو القاهر سبحانه وتعالى، الذي تحت حُكمه كلُّ شيء، وكلُ كائنٍ، وكل حسٍّ وكل معنى.
وقلنا أن ما حُرِرَ في علوم الإيمان من قِبَل علماء الدين والشريعة، أنه ثلاثةُ أقسام:
- قسمٌ يتعلق بالإلهيات؛ وهي معرفة صفات الله تبارك وتعالى، وما يجبُ وما يستحيلُ من كل نقصٍ لا يليق بجلاله وكماله، سبحانه وتعالى، وما يجوز من فعل كل ممكنٍ أو تركِه كما يريد، فعَّالٌ لما يريد.
- وأن القسم الثاني: هو النبويات؛ والذي ابتدأ فيها؛ وهو ما يتعلق بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- الصفات الواجبة في حقهم، والصفاتُ المستحيلة، والجائز في حقهم، عليهم صلوات الله وتسليماته.
ومعرفةُ مَن النبي ومَن الرسول.
- وأن النبيَّ عبارةٌ عن إنسانٍ حُرٍّ ذكَرٍ، سليمٍ عن منفّرات الطبع، وعن دناءة الأب وخنا الأم، أوحى الله إليه بشرعٍ ولم يأمرْه بتبليغه.
- وأن الرسول مَن أوحى الله إليه بشرعٍ وأمره بتبليغه.
وأنه يكون من المرسلين من أُنزِل عليه كتاب، أو نسخَ شرائع مَن قبله، وأن الأنبياء يُجدِّدون للناس مناهجَ الرسل الذين جاءوا مِن قبلهم، ويحفظون عليهم استقامتَهم على المناهج التي جاؤوا بها، صلوات الله وسلامه عليهم.
وأن هؤلاء الرسل أولُّهم سيدُنا آدمُ عليه السلام في عالم المَظهر والخَلق، وآخرُهم وخاتَمُهم نبينا محمدٌ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، مع أن نبوتَه سابقةٌ فيما صحَّ من حديث: "إنّي عند الله لَخاتَمُ النَّبيين وإن آدمَ لمُنْجَدِلٌ في طِينتِه" صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
إذا علمنا ذلك فإن الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، يجب الإيمان بهم إجمالاً؛ أي: بجميعهم، فآمنّا بكل رسولٍ أرسله الله، بكل نبيٍ نبَّأه الله جل جلاله، وإنما نَعرفُ من جملة أسمائهم تفصيلاً خمسةً وعشرين، ذكرَهم الله في كتابه، خمسةً وعشرين رسولاً، فهؤلاء لا يسَعُ المؤمنُ أن يجهل أنّهم رسل، وبقيةُ الأنبياء والرسل لا نعرف أسماءهم ولم نُكلَف بذلك، ولكن وجب علينا الإيمانُ بهم جميعًا، فآمنّا وصدّقنا بجميع رُسل الله وأنبياء الله، صلوات الله وسلامه عليهم، رزقنا الله كمال الإيمان واليقين.
وفي عظيم شأنهم رتّب الله تبارك وتعالى المآلَ والعاقبة على الإيمان بهم والاتصال بهم، قال سبحانه وتعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) [الحديد:21]، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، صلوات الله وسلامه عليهم، رزقنا الله كمال الإيمان بهم.
يقول: "وأنَّهُ تَعَالى بَعَثَ سَيَّدنا مُحمَّداً" خاتمَ النبيين، أوحى إليه بشريعةٍ مُوجَّهٌ فيها إلى جميع المكلّفين من الإنس والجن، إلى أن تقوم الساعة، "بَعَثَ سَيَّدنا مُحمَّداً عَبْدَه"، وذلك من أعظم صفات نبينا عليه الصلاة والسلام، عَبْديَّتُه وعُبوديته لله وعُبودَته، فإنّه ﷺ خيرُ عبدٍ تحقّق بحقائق العبودية للرحمن جل جلاله وتعالى في علاه، فهو عبد الله ورسوله الذي أرسله.
قال: "إِلَى جَمِيْعِ الخَلْقِ"، كما جاء ذلك أيضًا في روايةٍ في الحديث: "وكان النبيُّ يُبعَثُ إلى قومه خاصَّة وبعثتُ إلى الخلق -في روايةٍ: الناس- كافّة" في رواية: إلى الخلق. والخلقُ يشمل الإنس والجن والملائكة، بل وسائر الكائنات، وذلك:
- أما بالتكليف، فللمكلفين من الإنس والجن.
- وأما بالتشريف، فلجميع الملائكة.
وهو أيضًا مرسَلٌ أو معروفٌ بالرسالة من الله والنبوة عند جميع الكائنات، حتى من الحيوانات والنباتات والجمادات، وكلُّها تشهد أنه رسول الله ﷺ، وقد جاءنا في سُنّته الغراء في شهادة الضبِّ له والغزالة والشجرة بالنبوة والرسالة صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، فهو رسول الله إلى جميع الخلق، صلوات ربي وسلامه عليه، (مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله) [الفتح:29].
وكان الأنبياء من قبله ممهِّدين له ولِظهوره ومبشِّرين به، حتى خُتموا به، عليه الصلاة والسلام، صحَّ عنه في الحديث: "إن مَثَلي ومثَل الأنبياء من قبلي كمثل مَلِكٍ ابتنى دارًا فأحسن بناءَها إلا موضعَ لبنةٍ، فجعل الناس يطوفون بها فيقولون: ما أحسنَها لولا موضع هذه اللبنة، قال: فأنا موضعُ تلك اللبنة"، تمّت به النبوةُ والرسالة وكمُلت، وعظُمَ به أمرُ فضل الله على عباده وخلقه، وببعثتِه إليهم.
له المنةُ العُظمى علينا ببعثِه *** إلينا ومنّا عالي الذكر والكعب
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164].
"إِلَى جَمِيْعِ الخَلْقِ"، وهذا أيضًا من أعظم خصوصياته، فإن الأنبياء كلَّهم قبله إنما بُـعثوا لأُممهم على الخصوص، ولم يبعثوا لجميع الخلق لكنه بُعث إلى جميع الخلق.
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ:28].
- (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1].
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].
صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال: "لِهِدَايَتِهِم"، وذلك خصوصًا فيما يتعلق بجميع المكلفين من الأوامر والنّواهي، ورسمِ المنهج الذي يرضَى به الحق عنهم، ويرضى به منهم، فقام منهجُه على الأوامر والنواهي.
- ودخل في الأوامر ما هو فرضٌ وواجبٌ، وما هو مسنونٌ ومندوبٌ ومُستحبٌ.
- ودخل في النواهي ما هو محرّمٌ ومحظورٌ وممنوعٌ، وما هو مكروهٌ ينبغي اجتنابه.
وقامت أحكامُ شريعة الله كما تقدّم معنا على هذه الخمسة الأحكام؛ الواجب، والمُستحب والمسنون، والمُباح، والمكروه، والحرام، فما مِن فعلٍ للمكلفين ولا كسبٍ إلا ويدخل تحت واحدٍ من هذه الأحكام الإلهية، والتي بها قام نظامُ المكلفين على ظهر الأرض في مسلك حياتهم وحركتهم فيها، "لِهِدَايَتِهِم"، فبذلك يحصلُ الهدى والهداية، قال تعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54] وقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة:33]، الله يجعلنا من أنصاره حقيقةً، والذابّين عنه والناشرين لدينه.
قال: "ولِتَكْمِيْلِ مَعَاشِهِم"، ذلك أن المعاش إذا انقطع عن شهود المُحْيي الفاطر، وعن قصده -سبحانه وتعالى- وحمده وشكره بما يَسَّرَ وأتاحَ وأنعم، يكون معاشًا ناقصًا وقاصرًا، وتشوبُه الأكدار، ويُشبَّه أهله بالأنعام، فاقدي الخصوصية في هذا المعاش، من خلال معرفة المُحيي المُميت الحيِّ القيوم، وترتيب أمر المعاش على منهجه وعلى طاعته، ولذا قال عن الكفار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12]؛ ومفادُه: أن المؤمنين لا يأكلون كما تأكل الأنعام، ولكنْ يأكلون كما يأكل الطائعون الكرام، الذين أدركوا مَن المُطعِم ومَن المُنشِئ، ولماذا خلقَهم ولماذا أطعمهم، قال سيدنا الخليل إبراهيم: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء:79]، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)، فهم حاضرون مع خالق الطعام ومُوجِده، ومرتِّب آثاره على أجسادهم وعلى حياتهم، إلى الحين الذي وقَّته لكل فردٍ منهم جل جلاله.
والمعاش أيضًا فيما يتعلق بالمعاملات بين الناس وكيفية الاكتساب، لا يتمُّ على قانونٍ صحيح حسنٍ يشمل الكل، فيقيهم أن يظلم بعضُهم بعضًا، أو يتطاولَ بعضهم على بعض، أو يأخذ بعضُهم حق بعض، ويمضون في ذلك المنهج والسبيل، بطمأنينةٍ واستقرار وسكينة، لا يكون إلا بهذا النّظام الإلهي، وإلا فإن المعاش من دون منهج الله تبارك وتعالى كما هو معلوم؛ أن الناس يتجاوزون فيه بحكم طبائعهم وأنفسهم حدودَ الفطرة والإنسانية والعقل، إلى مُقتضى الأهواء والشهوات، كما هو الحاصل في كل مجتمعٍ لا يؤمن بالله تبارك وتعالى، ولا ينقاد لمنهج رُسلِه، صلوات الله وسلامه عليه، فما هم إلا متَّبعو الأهواء، كما قال تعالى في المنافقين الذين يخرجون من عند رسول الله يقولون: (مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد:16]، وقال سبحانه: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:1] (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، فأعمالُهم الضلال، بأنظمتِهم المختلفة، وقوانينهم المختلفة، وحضاراتهم المختلفة، هم في الضلال، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)؛ يعمهون: في عَمَه. (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) [النمل:4-5]، والعياذ بالله تبارك وتعالى. فالعَمَه حاصلٌ لكلِّ من انقطع عن الإيمان بالله تعالى في أنظمته، وفي أنحاء حياته وفي تراتيبه كلها، فهو في عَمَهٍ كما ذكر الله تعالى يعمه فيها، ويدّعي ما يدّعي ويقول ما يقول، وكما تسمعون وتشاهدون، وربما ينتهي بهم العمَه إلى التبجُّح بالظلم والتبجّح بانتهاك الحرمات، وأخذ حق الغير، وأن يقولوا هذا من طول باعنا، إلى غير ذلك مما يتكلمون به ويخوضون فيه كما تسمعونه، وكما هو حاصل في الأمم السابقة، وكما هو حاصل في كل الفراعنة، وفي كل الجبابرة الذين مضَوا، وبعث الله إليهم الرسل، ولم يستجيبوا لهم، ضلوا في العَمَه، حتى ماتوا بشرِّ حال، وآلوا إلى أسوأ مآل، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
تكميل المعاش لا يتم إلا بمناهج الخالق للمعيشة، والخالقِ للحياة جل جلاله، يكمل المعاش استقرارًا وطمأنينةً وسكينة وذوقًا حسنًا، كما عاش أهل الإيمان والعمل الصالح، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97]، انظر لهذه العناية الإلهية، والتأكيد بـ لام التوكيد، ونون التوكيد ونون العظمة، (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، أحيانا الله بتلكم الحياة الطيبة.
"ولِتَكْمِيْلِ مَعَاشِهِم"، فنظَّم ما يتعلق بشؤون مآكِلهم ومشارِبهم وسكنِهم وملابسهم ومراكبهم، الحلال منها والحرام، والمحبوب والمندوب والمكروه، وكذلك تَباَيُعهم وشرائهم وتوكيلاتهم، وقراضهم وقرضهم ووكالاتِهم، وما يتعلق بذلك، وبيَّن ما يتعلق بالصناعات وبالزراعات وبالحِرَف والمهن، وما يَجوز وما يحرم وما يحل، وما يندب وما يستحب وما يكره في كل ذلك، منهاج كامل شامل.
"لِتَكْمِيْلِ مَعَاشِهِم وَمَعاَدِهِمْ"، مرجعهم إلى الله تبارك وتعالى فيكملُ لهم المعاد، ويتزوّدون بخير زاد، ويصفو لهم الوداد، ويَلقَون الحق تبارك وتعالى على خير حالٍ، وهو راضٍ عنهم، بعطايا ما لها من نفاد، فالمَعاد والمعاش يكمُل على يد النبيين لأتباعهم، من كل من اتبعهم، وصدق في المشي على طريقتهم. ثبّتنا الله على قدم نبينا، ورزقنا حسن متابعته، (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31].
وقد أجمع علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه لو ادّعى مدّعٍ أنه يؤمن بالله وآياته وصفاته، وأنه يؤمنُ باليوم الآخر وأنه متّقي، ولكنه يُكذّب بمحمدٍ ﷺ، ولا يصدّق بنبوته ورسالته أنه كافرٌ، وأنه مخلّدٌ في النار، لا ينفعه شيءٌ مما يقول ولا مما يفعل، حتى يوقن أن محمدًا رسول الله، بل ويؤمن بجميع النبيين والمرسلين، فمن كذّب بواحدٍ منهم، خرج عن الملة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال: "وَأيَّدَهُ بِالمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَة"، وذلك أن كل نبيٍ بعثَه الله تبارك وتعالى جعل معه من المعجزات ما يكفي لأمّته أن تهتديَ إلى الحق، وأن توقنَ بأنهم رسلٌ من عند الله جلّ جلاله.
- والمعجزاتُ: خوارق للعادات.
- والعادات: هي القوانين التي جعلها الله تعالى في شؤون الحياة وتراتيبها الظاهرة.
فإنه رتّبَ لذلك ترتيبًا من عنده لم يضعه مخلوق؛ أنّ السماء فوق، والأرض تحت، وثقل الأجسام، وسيولة المياه، وتميُّز الأعيان والمواد؛ هذا حجر، هذا ذهب، هذا فضة، وهذا… وما إلى ذلك، وأن هذا يحصل بحركة كذا، وهذا يحصل بحركة كذا، وهذا يحصل بوسيلة كذا، وهذا يحصل… كل ذلك قانونٌ هو وضَعه سبحانه وتعالى، فإذا أرسل رسولاً ليعلموا صدقَ هذا الرسول يخرقُ لهم العادة في هذا القانون، ليعلموا أن المُكوِّنَ أرسله، المُكوّن الذي بيده هذه التدابير أرسلَه، وهذا أعلى ما يحصل به خرق المعتاد، لأن خرق المعتاد يأتي على ستة أنواع، فهذا أعلى الأنواع، وهي معجزات الأنبياء، وهي: ما يخرق الله به العادة على يد نبيٍ يتحدّى ويدّعي النبوة، ويدعو إلى الإيمان به، بدلالة المعجزات التي جاء بها، قال تعالى: (إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) [الأعراف:106-108].
فهذه المعجزات على أيدي الأنبياء أعلى أنواع خرق العادات، ويجري الله صور خرق العادة بغير ذلك، أقربُها منزلةً إلى هذه المنزلة العظيمة، ما يُجريه على أيدي أتباع الأنبياء مما يُٕسمّى بالكرامة، على أن الأنبياء يُظهِر الله على أيديهم خوارق للعادات بعد البعثة والرسالة بالتحدّي، ويُظهر الله على أيديهم خوارق العادة قبل أن يُنبِّئهم فتُسمى: إرهاصات، الإرهاصات: ما يتقدم للأنبياء قبل أن يُبعثوا، وقبل أن يُنبؤوا من خوارق للعادات؛ مثل وضع سيدنا موسى في الصندوق؛ في التابوت في البحر، هذه مشكلة، هذا محل الهلاك يصبح سبب النجاة، ويتربى في قصر فرعون، وينفِق فرعون على أمه وهو الذي يتهددهم بالتقتيل، وقتل آلاف منهم، وهذا الذي على يده يزول الهلاك، قال أنت ربّيه وأعطِه لأمه، وأجرة من عندك… فهي إرهاصات كلها عجائب، من قبل نبوته ومن قبل بعثته.
وكذلك ما حصل لسيدنا عيسى بن مريم وهو ما زال طفل في المهد، (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) [مريم:29-30]، وقال خطبة، وهو في المهد خطب خطبة، هذا إرهاص ولم يكن نُبيء ولا بُعث لكنها ارهاصات له، وهكذا ما جعله سبحانه وتعالى.
وجعل لنبينا الكثير من ذلك من الإرهاصات، فابتدأت المبشِّرات به من عهد آدم عليه السلام، واسمُه من قبلِ آدم كانت تذكرُه الملائكة، واسمه على قوائم العرش، وكلُّ النبيين بشّروا به ﷺ وذكروا من أوصافه وأخلاقه، وما من كتابٍ نَزل من السماء إلا وفيه ذكره ﷺ، وذكر أوصافه، حتى جاء سيدُنا عيسى مبشِّرًا به، (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف:6] ﷺ.
ثم لم تزل أمّه أيام حمله ترى عجائب الإرهاصات، ولم تجد ثِقَلاّ ولا ألمًا للحمل، ولا شيئًا مما يعتاده النساء، ولا عرفتْ أنها حاملٌ إلا أنها أنكرت رفعَ حيضِتها، ثم بداية أثر البطن، ومرائي مع الأنبياء والرسل تبشرها بأنها حَمَلت بخاتم الأنبياء ونبيِّ الأمة ﷺ، حتى جاء في السيرة أنها إذا كانت وحدها في مكان آنسَها فكلَّمها من بطنها ﷺ، ولم تزل العجائب من الإرهاصات إلى ليلة مولده ﷺ، فكانت الإرهاصات العُظمى الكبيرة:
- نُكّست الأصنام في الدنيا، أصبحت منكوسة.
- وشُقَّ إيوان كسرى، وسقطت منه 14 شُرّافة.
- وخمدت نار فارس، ولها ألف سنةٍ لم تخمد، فلم يدروا بها إلا طُفئت.
- وغارت بـحيرة ساوَة.
- وسطع نور، فصارت آمنة من وسط مكة تشاهد قصور بُصرى من أرض الشام، حتى رأت أعناق الإبل في بصرى، وهي بيتها في مكة المكرمة.
قال ﷺ: "وإن أمي رأت حين وضعتني نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك أمهات النبيين يرين" قال ﷺ "وأمهات النبيين يرين"، فكانت الإرهاصات كبيرة، ثم تفاجأت أن يخرج من بطنها فيخرَّ ساجدًا لله تبارك وتعالى، ويفتح طرفه ويرفع إصبعه نحو السماء، ويخرج نور ساطع من عينيه يلحق بالسماء، وإلى غير ذلك مما شاهدت من وجود الملائكة، والحور العين ومريم وآسية، وعجائب وغرائب في الإرهاصات به صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله، من أيام حمله وأيام ولادته.
ليلة المولد الذي كان للدين *** سرورٌ بيومه وازدهاءُ
يوم نالت بوضعه ابنةُ وهبٍ *** من فَخارٍ ما لم تنلْه النساءُ
وأتت قومها بأفضلَ مما *** حملت قبلُ مريمُ العذراءُ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجاء جدّه عبد المطلب لمّا بُشِّربه، وحمله فتبسّم في وجهه، وخرج من فمه نور، فضمّه إليه، وخرج به ملحوف بقطعةٍ من حرير، فجاء به إلى الكعبة المشرّفة، يحمد الله على ما آتاه. وجاء في بعض الروايات أنه لما أدناه من الحجر الأسود التصق الحجر بوجهه ﷺ.
وحصل ذلك لحليمة لما جاءت كذلك في رضاعه، وكان الرّضعاء وصلن في الموسم الذي أتين فيه لأخذ الرضعاء من مكة من بني سعد، -أنواع من البادية- لكن هذه من جملة البوادي التي تَرِد إلى مكة، وتأخذ الأطفال لتربيتهم عندهم، وكانت الثقافة في مكة أنّ الطفل الذي تربّى في البادية في الهواء النقي وفي المُجالدة، يأتي بجسدٍ قوي وفكرٍ صافي، وأن ذلك أحسن في تربية الأولاد، فينقلونهم ويُسلّمونهم إلى أهل البوادي يربونهم عندهم. وكان من عادة أهل مكة أن يرسلوا الأطفال إلى البادية، لكي يعيشوا في الهواء النقي ويرجعوا بالجسد القوي، ووردت المرضعات يسألون عن الأطفال، وتأخّرت حليمة لضعف أتانها، ما تمشي، سبقَها النساء وأخذن كل رضيع، إلا أنه -سبحان الله- كلما ذُكر رضيع لهن وقالوا لهن إن أبوه توفي يتأخرن، لأنهم كانوا يرجون الرِّفد من آباء الرضعاء يواسونهم ويمدونهم، والذي أبوه قد مات تكون المواساة خفيفة، فلهذا أعرضواعنه من دون أن يروه، وأخذوا الباقيين، لِما كتب الله من السعادة لحليمة.
ووصلت تبحث، قالوا لها أخذوا الرضعاء، لم يبق إلا رضيع واحد يتيم قالت: الآن يرجع الناس كل واحدةٍ معها رضيع، وأنا ليس معي، سأرى هذا اليتيم، وجاءت لعند أمه، فلما قرَّبته إليها تبسّم في وجهها، وخرج منه نور من عينيه، رأته ساطع إلى السماء فذهلت، ذهلت ورجعت إلى زوجها تقول: تعال هذا ولد ليس مثل الأولاد، له شيء ثاني! فذهب قال: أريني حتى أنظر إليه، فجاء زوجها، فلما فتحوا وجهه رأى نوره، وسطع منه النور، قال: خذي هذا، لعل الله ببركته يرحمنا، خذيه، فلقيتْ جدَّه عبد المطلب قال: مَن؟ قالت حليمةُ السعدية، قال حِلمٌ وسَعْد، مرحبًا، وسلّمه لها، فقالت: لما خرجتُ به جئتُ إلى الكعبة، فخرج الحجر الأسود، تزعزع من مكانه والتصق بوجهه، كأنه يُقبِّله، قالت: أهويتُ أنا أقبل الحجر، تزعزع الحجروقبّل وجه الصبي، ثم رجع إلى مكانه، فكانت تتعجب.
وقالت: وكان عندي ابني ضَمُرة يقلقني طول الليل من شدة الجوع، ما يجد لبن في ضرعها، جاءوا في سنةٍ مُمحلة، كانت عندهم ببني سعد، قالت: فلما ناولتُه الثدي درَّ اللبن، حوَّلته إلى الثدي الأيسر فأمسك، ما رضي يرضع، لأجل أخيه، وما كان طول الوقت معها يرضع إلا من ثديٍ واحد، من الأيمن ويترك الأيسر لأخيه، تقول: ألهمه الله العدل حتى في الرضاع، ايش من آدمي هذا.. ايش من طفل هذا! قالت: وجئنا وكان زوجي كل ليلة -ومعنا الناقة- يحلبها، فما يتحصّل معه إلا قليل من اللبن، ما يكفيني أنا وإياه، قالت: فلما قام يحلبها وجدها حافلة، فيها لبن كثير، قالت: وضمرة بات نائم تلك الليلة لا بكاء ولا جوع، قالت: وأنا وزوجي بتنا في خير ليلة، وشبعنا من اللبن الذي أخذناه من هذه.
فيقول: إن هذا المولود مبارك يا حليمة! قالت ثم جاء وقت الرحيل واستعددنا مع النساء، والنساء يعرفن أن هذه متأخرة، لأن أتانها ضعيفة، قالت: فلما حملتُه على الأتان سَمُنَت لوقتها وجَرَت، قالت حتى أدركتُ النساء، وصارت تسبقهم، يقولون من هذه؟ قالوا: حليمة، حليمة من؟! أيش من أتان معها، حتى صرن يقلن أمسكي أتانك عنا، من أرسل هذه الأتان؟ هذه التي جئتِ بها؟ قالت: نعم، قالوا: كيف هي؟ كانت ضعيفة… من أين جئتِ بهذه الأتان؟ قالت: سمعتُها تتكلّم تقول ما لي لا أسمن وأقوى وقد ركبني رسولُ الله ﷺ، قالت: وأنا أمشي في الطريق وأسمع أحجار وأشجار يُسلّمن من هنا ومن هنا، حتى وصلوا الى بيتهم.
واستمرت عندهم طول السنتين وهو عندهم؛ عجائب من فضل الله تعالى عليهم، ومنه قالت: كنا في البادية لا نشعل لنا شيء من السرُج إلا في غير أيام القمر، في غير أيام البيض، لما جئنا بمحمد ما عدنا نحتاج إلى السراج، نكتفي في الليل بنور وجهه، في الليالي المظلمة لم يكن لنا مصباح إلا نور وجهه، نشاهد الحاجات به، ما عدنا نحتاج المصباح!..
قالت: ورأيته يشب في اليوم كما يشب الصبي في شهر ﷺ، حتى أنه في سنٍ مبكر خرج مع أخوانه يرعى الغنم، وفي أيام الجدْب ترجع أغنامي شبعى وهي حافلة باللبن، قالت والناس في الحلة عندنا يقولون للرعاة: ما لكم! ما تعرفون ترعون، ما ترون أغنام حليمة، المحل الذي ترعى فيه روحوا وارعوا فيه، قالت: فيسرحون حيث تسرح الغنم وترعى، لكنّ أغنامي ترجع شبعى حافلة، وأغنام الناس جوعى ما عندها، حتى جاءهم الغيث.
وهكذا توالت حتى جاءت حادثة شق الصدر وهو عندهم صلى الله عليه وسلم، ثم خافت عليه وأرجعته، لأنه بعد أن وصل سنتين وردّته إلى أمه، ألحّت عليها أن تردّه معها لما رأَوا من بركته، وصادف وباء في تلك الأيام بمكة، فخوّفتها قالت عندكم الوباء هذا، فألحّت عليها فردته، لمّا ردته معها، حصلت حادثة شق الصدر فخافت عليه، وأرجعته إليها، قالت لها آمنة: ما لك رجعتي كنت حريصة عليه فلم أرجعتيه؟ قالت لها خلّص الوباء من مكة وهكذا، قالت لها: فيه سبب لارجاعه، ما السبب؟ وألحت عليها، حتى أخبرتها بحادثة شق الصدر، قالت آمنة لها: لا تخافي على ابني فإني قد رأيته له كذا وكذا، والله ليكونن لابني هذا شأن عظيم، وهكذا..
وكثرت الإرهاصات في مختلف أطوار حياته، إلى أن جاءته النبوة والرسالة ﷺ وجاءت المعجزات التي أعظمُها القرآن، وقال: إن كل نبي أُوتي من المعجزات ما آمن به قومه وإن الذي أوتيته إنما وحي يُتلى. وكلام، وهو أعظم المعجزات، وما من معجزةٍ لنبيٍ إلا كان له نظيرها في حياته وما يماثلها، فكان أكثرَ الأنبياء معجزات، صلى الله عليه وسلم.
فأوَّلها هذا القرآن وأعظمها، وهو دائمٌ وباقٍ، لا يُستطاع أن يؤتى بمثله من قِبل الإنس ولا الجن، ولو اجتمعوا على ذلك (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]. ولا يزال التحدي قائم أن يُؤتى بمثل سورةٍ فقط، وما يستطيع أحد على مدى القرون أن يأتي بمثل سورة من هذا القرآن الكريم، كأقصر سورة، وهي سورة: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [الكوثر]، هات مثلَ هذا الترتيب والتركيب والدلالات، تحدي، ولا يُستطاع، ما قدروا لا في زمانه ولا بعد زمانه، وهكذا… صلوات ربي وسلامه عليه.
"وَأيَّدَهُ بِالمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَة"." وكان من أعظمها بعد القرآن الكريم ما أُيّد به مما اختُص من دون الأنبياء، من مثل انشقاق القمر، لم ينشق لأحدٍ من الأنبياء على مدى القرون، (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر:1] قالوا إن كنت صادقاً شق لنا القمر، تحدي غريب، ومع ذلك شق الله لهم القمر نفسَه، وبينما هم قائمون، وكان ذلك كما جاء في بعض الروايات في ليلة النصف من شعبان. اجتمعوا ودعا ربه وإذا القمر ينشق، يرون فلقة في هذا الشق، وفلقة في الشق الآخر، حتى يرون الجبل بينه، فقالوا سحر، ثم قالوا سحرنا نحن، ولا يقدر يسحر الناس، فنسأل الناس خارج مكة، قالوا لمن جاؤوا من خارج مكة رأيتم انشقاق القمر؟ قالوا انشق القمر، قالوا هذا سحر كبير، لكن اصبروا حتى يجيء موسم الحج سيأتون الناس من محلات بعيدة.
جاء موسم الحج، رمضان ثم شوال وبعده وصل الناس، فيسألونهم: هل من شيءّ كان في ليلة النصف من شعبان؟ قالوا: انشق القمر، نعم انشق القمر، كلنا رأيناه، فرجع الكفار يقولون هذا سحر كبير!.. (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ) [القمر:1-3].
وكان أيضًا نبعُ الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكرر، تكرر له ﷺ، وتوالت المعجزات عليه ﷺ، يقول الصحابة: والله ما زال الله يزيدنا بك يقينًا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
"وَأنَّهُ عَليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَادقٌ فِي جَمِيعِ ما أَخْبرَ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى"، قالوا وهذه الأوصاف الأربع وهي: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة لازمة وواجبة لكل نبي.
- الصدق: الإخبار بالواقع.
- والأمانة: عدم الخيانة لا ظاهرًا ولا باطنًا بأن لا يفعل أحدٌ من الانبياء محرمًا ولا مكروهًا، بل ولا خلاف الأولى، فهم معصومون عن ذلك.
- والتبليغ: تبليغهم جميع ما أمرهم الله بتبليغه إذ قد ائتمنهم الله تبارك وتعالى عليه، فبلغوا جميع ما أمرهم الله بتبليغه.
- ولهم فطانةٌ؛ كلُ نبيٍ من الأنبياء يكون ذا فطانةٍ؛ عقلٍ وذكاء يستطيع أن يقيم به الحجة، ويلزم به الخصوم في المجادلة، صلوات الله وسلامه عليهم.
وضد ذلك هو المستحيل على الأنبياء، والجائز في حقهم الأعراض البشرية، لأنهم أبرزهم الله في قالب البشر؛ فمِن أكلٍ وشربٍ ومرض وصحة، وما الى ذلك، هم بشر، كلُّ الاعراض البشرية التي لا تؤدي الى نقص في مراتبهم العلية. بخلاف ما يؤدي الى النقص أو إلى نفرة طبع الناس فلا يكون مع الأنبياء من مثل عمى، ومن مثل برص، ومن مثل جذام ونحو ذاك مما تنفر منه الطباع، لا يأتي للأنبياء، ولكن الأعراض البشرية من مرضٍ، وشدة مرض، ومن قتلٍ يحصل لبعضهم، ومن نوم ومن أكل وشرب وزواج، وما الى ذلك. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [الرعد:38] صلوات الله وسلامه عليهم. فهذا ما يتعلق بالنبويات.
ثم ذكر ما يتعلق بالسمعيات.
- القسم الثالث؛ وهو الغيبيات التي أُمرنا بالإيمان بها، وما طريقها الا السمع عن الله وعن رسله.
وهو ﷺ "صَادقٌ فِي جَمِيعِ ما أَخْبرَ بِهِ مِنَ الصِّرَاطِ"، والصراط :جسرٌ ممدود على متن جهنم. أدقُّ من الشعرة وأحد من السيف كما جاء في روايات. وهو طول ثلاثة آلاف سنة.
ويمر مَن يمر عليه كلمح البصر، ومثل البرق الخاطف، ومثل الريح المرسلة، ومثل الجواد المرسل، ومثل مَن يجري، ومثل مَن يمشي، ومثل من يحبو، ما له من الإيمان والعمل الصالح ما يهزه فيحبو فيقع في النار والعياذ بالله تبارك وتعالى. فهذا هو الصراط، يُنصب على متن جهنم بعد أن تحيط بأهل الموقف ويؤمرون بالمرور عليه. فيجوز ﷺ بأول طائفة مع اول طائفة من أمته، ثم كل الناجين من الناجين من أمته يمرون، ثم تبدأ الأمم الأخرى بالمرور على الصراط، آمنّا بالصراط.
"والميزان"؛ وهو كفتان أوسع مما بين السماء والأرض، توضع فيهما الأعمال (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. قال تعالى: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ)؛ أي: رجحت كفة حسناته. (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ)؛ أي: مصيره (هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ) [القارعة:6-11]. اللهم أجرنا من النار.
"والْمِيزَانِ والحَوْضِ"، وكلُّ نبيٍ له حوض، يقفون على أحواضهم يتباهون أيّهم أكثر وُرُودًا، قيل أن هذا الحوض بعد المرور على الصراط. يردون على الحوض، ومن شرب شربةّ لم يظمأ بعدها أبدا، وكذلك ما ذَكر من العرض على الله ومن إيتاء الكتب بالأيمان وبالشمائل، حينما تُبَثُ من قبل العرش فتتطاير، فكل مؤمن يرفع يمينه ويستلم كتابه بيمينه ولا يستطيع الكافر والمشرك والمنافق إلا أن يمدَّ يساره وشماله، ويأتيه من وراء ظهره. (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) أي هلاكا (وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا) [الانشقاق:7-12].
وقال: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) ويقول الله للملائكة: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) [الحاقة:19-31] أجارنا الله من ذلك.
ومن العرض على الله تبارك وتعالى، وهذا أعظم المواقف في أرض الحساب، وهي الأرض التي ينقَلون إليها بعد ارتفاع الشمس عنهم بالشفاعة العظمى، لسيدنا رسول الله ﷺ، فأعظم ما يحصل فيها أربع أشياء:
- العرض على الله، ليقم فلان بن فلان للعرض على الله، ليقم فلان بن فلان للعرض على الله…
- والثاني إعطاء الكتب إما بالأيمان وإما بالشمال.
- الثالث الميزان؛ وزن الحسنات والسيئات.
- الرابع: الصراط.
هذا أعظم ما يجري في ساحة القيامة، بعد ارتفاع الشمس عنهم. لا إله إلا الله…
ويقول: "وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ والْبَرْزَخِ"، والبرزخ: وهي الحياة بين الدنيا والنفخة الثانية في الصور، هذا هو البرزخ، وقال تعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:100].
"ومِنْ سُؤالِ الْمَلَكيْنِ" في القبر، إذا قُبِر الإنسان دخل عليه الملكان، عندما يسوون تراب القبر بالأرض، فإذا استوى تراب القبر بالأرض التي حواليه، تدخل الملائكة، منكر ونكير لسؤال الميت، "ومِنْ سُؤالِ الْمَلَكيْنِ" منكر ونكير، جاء في بعض الروايات أن من مات في طلب العلم بعث الله إليه من الملائكة مبشرًا وبشير، بدل منكر ونكير، بصورة تكون لطيفة وطيبة، غير صورة منكر ونكير، تأييدًا لهم من الله تعالى وإكرامًا له من الله لأنه مات في طلب العلم.
"وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ."، ودليله في القرآن قوله تعالى في قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا)، فالعرض في الغدوة العشية هذا هو عذاب القبر، ما داموا في البرزخ في كل يوم، كم مرة عُرضت عليهم من أيام موتهم إلى الليلة؟ البارحة عرضت عليهم، واليوم تعرض عليهم النار، غدوا، كل غدوة كل عشية يشاهدون منازلهم في النار، منتظرين القيامة، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46].
والى غير ذلك مما جاء في الحديث عن عذاب القبر ونعيم القبر، وفي الحديث: "القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار"، اللهم اجعل قبورنا رياضًا من رياض الجنة، برحمتك يا أرحم الراحمين. وقال في بعض أصحابه الذين قبَرهم: "ادعو الله له التثبيت فإنه الآن يُسأل"، إنه الآن يسأل. وقال عن القبرين الذين مرّ بهما وقال "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير"؛ أي: في نظركم بل إنه كبير في ميزان الله، "أما أحدهما فكان لا يستتر من البول" ما يستبرئ من البول، "وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". وفي بعض الأخبار أن عامة عذاب القبر من عدم الاستبراء من البول، التساهل بالبول حتى تخرج منه قطرة أو قطرات، فيتنجس ويبطل الوضوء إن كان قد توضأ ولا يبالي بذلك، لا إله إلا الله!...
"وأنَّ القُرْآنَ، وجَميعَ كُتُبِ اللهِ الْمُنْزَلَةِ حقٌ"، وهذا كلام الله تعالى الذي أنزله للأنبياء. بقي بين القرآن، وبين كلام الله في الحديث القدسي فرق، والكلام الذي هو حديثٌ نبوي أيضًا هو وحي، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]. لكن هناك فرق..
- فالمعنى واللفظ في الحديث النبوي من عنده ﷺ.
- والحديث القدسي يكون المعنى من عند الله، واللفظ التعبير عنه من عند المَلَك، أو من عند النبي، يعبّر عن المعنى الإلهي.
- أما القرآن؛ فمعناه وتعيين ألفاظه المعبر عنه كلها من عند الله، لا من الملك ولا من النبي، هذا القرآن.
فتميز القرآن عن الحديث القدسي، والحديث القدسي عن الحديث النبوي، وإن كان كله وحي،(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)، لكن القرآن معناه من عند الله، وتعيينُ الألفاظ الدالة على المعنى أيضًا من عند الله، لا من الملك ولا من النبي. أما الحديث القدسي فالمعنى من عند الله، والتعبير عنه بلسان الملَك أو لسان النبي. والحديث النبوي يكون معناه ملقى في قلبه ﷺ، وألفاظه من عنده، يكون معناه ولفظه من عنده ﷺ.
والكتبُ المنزلة كثيرة، ويَذكر منها مئةً وأربعة، ولكن الصحيح عدم حصرها. فآمنّا بكل كتاب أنزله الله، إنما أربعةٌ ذكرها باسمها في القرآن وجب الإيمانُ بها؛
- التوراة
- والإنجيل
- والزبور
- والفرقان.
هذه الأربعة يجب معرفة أسمائها، والبقية من دون ما نعرف أسماءها آمنّا بها، فجميع ما أنزل الله في الصحف والكتب حق وصدق، فالقرآن وجميع كتب الله المنزلة حق، أي: هي من عند الله، وكلها صدقٌ وهدىً ونور.
"والمَلائِكَةَ حَقٌ"؛ والملائكة: أجسام لطيفة نورانية خلقهم الله من نور لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم أكثر خلق الله عدداً. منهم حملة العرش أربعة، يضاف إليهم يوم القيامة أربعة، (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة:17]كما قال جل جلاله.
والملائكة من أفاضلهم الكروبيون، ومن أفاضلهم العشرة الذين جاءت أسماؤهم في السنة الغراء وفي القرآن؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ومنكر ونكير، ورقيب وعتيد، ومالك ورضوان. فهؤلاء العشرة ووظائفهم:
- سيدنا جبريل له وظائف، ومن أظهرها إنزاله الوحي على الأنبياء والمرسلين.
- وسيدنا ميكائيل له وظائف، من أظهرها وكله الله بالأمطار والأرزاق.
- وإسرافيل أعظم وظائفه النفخ في الصور، النفخة الأولى والنفخة الثانية بأمر الله تبارك وتعالى.
- وعزرائيل موكّل بقبض أرواح الموتى.
- ومنكر ونكير يسألان الميت في قبره.
- ورقيب وعتيد يكتبان الحسنات والسيئات. (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق:18].
- ومالك خازن النار.
- ورضوان خازن الجنة.
ومع كل واحد من مالك ورضوان ألوف من الملائكة، خزنة الجنة وخزنة النار، ولكن هذا رأسُهم، رأس خزنة الجنة سيدنا رضوان، ورأس خزنة النار سيدنا مالك، عليهم السلام، فآمنا بالملائكة.
- ومنهم الذين يترددون علينا، "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار"
- ومنهم السيارة الذين يلتمسون حِلَق الذكر.
- ومنهم أهل البيت المعمور ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك، فوق السماء السابعة ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، يدخل إليه في اليوم الثاني سبعون ألف ملك غيرهم، وهكذا.
ومنهم ملائكة الصفيح ومن يُسمَون بالكروبين أعلى الملائكة، ولا يُحصي عددهم إلا الله تبارك وتعالى. وقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) [فاطر:1]. وهم من نور مخلوقون، لا ذكورًا ولا إناثًا، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
"والمَلائِكَةَ حَقٌ، والْجَنَّةَ"، جعلنا اللهم من أهلها، ومن أهل الفردوس الأعلى فيها، آمين. "والْجَنَّةَ حَقٌّ"؛ أي: أنها واقعةٌ وثابتة، ولابد من وصول المؤمنين إليها وحلولهم فيها، وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي ثمانٍ من الجنان، وأعلاها الفردوس الأعلى، وجنة المزيد، وعليين، ثم بقية الجنان؛ خمس بعد هذه الثلاث تحتها، وفي الفردوس الأعلى درجة ما يصل إليها غيره ﷺ، وهي درجة الوسيلة، وآتِ سيدنا محمدًا الوسيلة، ﷺ.
"والْجَنَّةَ حَقٌّ"، وجميع نعيمها وما فيها مما لاعين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. "والنَّارَ حَقٌّ"؛ ثابتة وواقعة ولابد أن يصل اليها الكفار والمجرمون الذين لم يعفُ الله عنهم، ويخلّد فيها الكافرون، ويخرج مَن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
"وجَمِيعَ مَا جَاءَ بهِ سَيٌُدُنا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ". آمنا بالله ورسوله وما جاء عنه. وقال سيدنا الإمام الشافعي قولة تشمل حقائق الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، قال: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. صلى الله عليه وسلم، اللهم زدنا إيمانا، اللهم زدنا إيمانا، اللهم زدنا إيمانا، وزدنا يقينا.
بعد معرفة هذا والإيمان به، فإن طريقة تقويته:
- حضور القلب مع الله تعالى.
- وتصفيته عن الأدناس.
- والفكر فيما ذُكر من أخبار الآخرة والقيامة والملائكة والجنة والنار.
وهذا هو السبب لتقوية الإيمان حتى ينتقل الإنسان إلى علم اليقين وعين اليقين.
إجابة سؤال
سيدنا يعقوب -عليه السلام- ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، فلم يكن العمى الذي يستحيل معه النظر ولكن غشاوةٌ طلعت على العينين وغطّتها، لأجل الحزن، كُشفت بمجرد ما وضع عليها القميص ليوسف، (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي)[يوسف:93] فليس من جنس العمى الذي هو معتاد بين الناس.
اكتبنا في ديوان أهل الصلاح والفلاح والنجاح والفوز والسعادة الكبرى مع بركة العمر، اجعل لنا في كل لحظة من اللحظات زيادة في الإيمان واليقين، ارفعنا مراتب علم اليقين وعين اليقين وألحقنا بأهل حق اليقين، في لطفٍ وعافية وتمكين، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
16 رَجب 1447