الرسالة الجامعة - 2 | أصول الإيمان (الإلهيات)

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثاني في شرح كتاب: الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة، للإمام أحمد بن زين الحبشي،

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

فجر الأحد 15 رجب 1447هـ.

يتضمن الدرس:

  • *  تنزيه الله عن المشابهة، موضحاً أن صفات الخلق كالعلم والسمع والبصر حادثة ومحدودة وبواسطة آلات، بينما صفات الحق قديمة وبذاته سبحانه.
  • *   فصَّل في مسألة خلق أفعال العباد، مؤكداً عقيدة أهل السنة بأن الله خالق كل شيء، وأن للعبد "كسباً واختياراً" يترتب عليه الثواب والعقاب.
  • *   شرح مفهوم الحياة والموت، مبيناً أن هناك حياة حسية وأخرى معنوية (حياة القلب بالإيمان)، وأن الأنبياء والشهداء أحياء عند ربهم بحياة شريفة تليق بمقامهم.
  • *   اختتم ببيان شمولية القضاء والقدر والرزق والأجل، حيث لا يمكن لأحد أن يزيد أو ينقص في رزقه أو عمره عما قدّره الله في الأزل.

 

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى "الرسالة الجامعة والتذكرة النافعة" للسيد العلامة الحبيب أحمد بن زين الحبشي، إلى أن قال رضي الله عنه وعنكم:

"خلق السماوات والأرض، وخلق الموت والحياة، والطاعة والمعصية، والصحة والسقم، وجميع الكون وما فيه، وخلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، لا تزيد ولا تنقص، ولا يحدث حادثٌ إلا بقضائه وقدره وإرادته. 

وأنه تعالى حيٌّ، عالمٌ، مريدٌ، قادرٌ، متكلمٌ، سميعٌ، بصير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم السر وأخفى، خالق كل شيء، وهو الواحد القهار".

 

جلَّ جلاله و تعالى في علاه. 

ابتدأ الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- بشرح علوم الإيمان، وتقدّم معنا قوله: "وأصل الإيمان أن تعتقد أن الله تعالى موجود"، و تحدثنا عن الوجود، وقلنا أنه بالنسبة للحق -تبارك وتعالى- وجودٌ ذاتي، أبديٌّ سرمدي، ليس بسبب، بل هو موجودٌ بذاته، وأن كل موجود سواه فبإيجاده سبحانه وتعالى، وأن كل ما سواه فهو حادث، وأن القِدَم مختص به سبحانه وتعالى، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ) [الحديد:3]، وفي الخبر: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، وهكذا.

وأن هذا الوجود بهذا المعنى مختص به، كذلك جميع الصفات وجميع الأسماء؛ لأنه قد يوصف المخلوقون بشيءٍ من الصفات من حيث الاسم واحد؛ اسم الصفة؛ ولكن من حيث معناها: 

  • فإذا انطلقت الصفة إلى المخلوقين فبمعنى. 
  • وإذا انطلقت إلى الخالق فبمعنى آخر لائق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. 

فما جاء من أوصافه مثل العليم والقادر والمريد والحي والسميع والبصير، كلها تأتي بالنسبة للخلق بمعنى، والمعنى المتعلق بالخلق كله حادث ومحصور، ولكن بالنسبة للحق الأمر أكبر من ذلك و أجلُّ. فليس كمثله شيء كما أخبر، بل ذكر أنه واحد سبحانه وتعالى، كما قال: (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)[البقرة:163]، واحد في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله. 

ومن لطيف الفرق بين دلالة "الواحد" و"الأحد"، ذكرنا أنه لما سأل المشركون رسول الله ﷺ: صِف لنا إلهك؟ فأنزل الله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤَاً أَحَدٌ)[الإخلاص]، أي: مماثلاً أو شبيهًا؛ أحد.  

  • ثم إنه إذا قيل "الواحد" فيشير إلى ذات الحق -تبارك وتعالى- وصفاته.
  • فإذا نُظِر إلى عين الذات فيقال "الأحد" سبحانه وتعالى. 

فهو الأحد لا شريك له، وهو الواحد لا شريك له ولا مثل ولا شبه.

وذكرنا الفرق بين المِثل أو المثيل والنظير والشبيه، وأنها كلها منتفية عن الحق -تبارك وتعالى- فليس في الخلق والكائنات ما يماثله ولا ما يناظره ولا ما يشبهه -سبحانه وتعالى- وقلنا أن: 

  • مشاركة الشيء للشيء الآخر في جميع الصفات يقال له: مثيل. 
  • والمشاركة في أكثر الصفات يقال له: نظير. 
  • و مقارنته ومشاركته في بعض الصفات يقال له: شبيه. 

والحق لا مِثل له ولا نظير ولا شبيه جلّ جلاله وتعالى في علاه. "وكل ما خطر ببالك فمحوٌ هالك، والله بخلاف ذلك"، ولا مثل له ولا شبه له، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى:11].

فإذا سمينا الحق "السميع البصير" كما سمى نفسه في كتابه، فليس المراد سمع كسمع الآدميين، ولا سمع كسمع الملائكة، ولا سمع الجن، ولا سمع الحيوانات؛ فأسماع الملائكة والإنس والجن والحيوانات مكوّنة ومخلوقة وحادثة ومحدودة وبواسطة آلات يجعلها الله سبحانه وتعالى. أما سمعه فهو سميعٌ بذاته، وسع سمعه كل شيء -جلّ جلاله وتعالى في علاه- وسمعه أزليٌّ قديمٌ أبدي، تنكشف له به جميع الأشياء.

كذلك إذا قلنا "البصير"، فالبصير بالنسبة للمخلوقات والكائنات من له حس البصر يمده الله تعالى به بواسطة آلة وحدقة وأجفان وخلايا وما إلى ذلك، كل هذا البصر بالنسبة للخلق، وهو لكل منهم حادث ومحصور. وأما إذا قلنا الحق بصير، فالمراد أنه بصير -سبحانه وتعالى- بذاته، يبصر كل شيء، ويستوي عنده القريب والبعيد، والظلام والنور. ولذلك قالوا: لو أنّا فرضنا نملة سوداء وضعت وسط صخرة صماء فرميت في أقعار البحار في ليلة ظلماء، فإن الرحمن جل جلاله الخالق بسمعه وبصره يراها، ويرى مخ عروقها فيها، ويسمع دبيبها، جلّ جلاله. 

هذا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)؛ ليس كسمعه سمع، ولا كبصره بصر. وأحدث هذه المسميات في الخلق بمعنى محصور لائق بهم، فهو المنزه المقدس -جل جلاله- عن أن يكون شيء يشبهه في وصفٕ، ولا في ذاتٕ، ولا في فعلٕ. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فأفعاله تحت دائرة الإرادة عبّر عنها في كتابه بقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)[يس:82]، ولا كذلك فعل شيء آخر سبحانه وتعالى.

يقول: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، إذًا؛ 

  • السمع صفة قديمة قائمة بذات الحق -تبارك وتعالى- ينكشف له بها جميع الأشياء.
  • والبصر كذلك صفة قديمة قائمة بذات الله -تبارك وتعالى- يرى بها كل شيء، ولا فرق بين القريب والبعيد والقليل والكثير، والذي في الظلمة والذي في النور، ليس شيء يحجب بصره سبحانه وتعالى.

فهو هكذا كما علمنا الأنبياء والمرسلون وخاتمهم محمد ﷺ أنه يبصر كل شيء ويرى كل شيء، فهو سميع بذاته، بصير بذاته، بسمعٍ أزلي قديم واسع كامل، وليس هذا لشيء لغيره قط. وكل بصر للخلق -حسي ومعنوي- أوله الحسي هذا منوط بحدق وأجفان وخلايا وعيون، وتؤثر عليه الأشياء، وإذا قرب شيء منه قرب قوي لم يره، وإذا بَعُد بُعد كثير لم يره، وإذا كان في الظلمة لم يره، فهذا بصر حادث محصور.. وله بصر معنوي أوسع من هذا، ومع ذلك بعيد عن بصر الله، بنور البصيرة يبصر به المعنويات ويبصر به أشياء كثيرات وقريبات وبعيدات، ولكنه حادث ومحصور، فليس كمثل بصر الله بصر.

وكذلك السمع في حق الآدميين، سواءً كان السمع الحسي بواسطة الصماخ والآذان والخلايا التي فيها، أو السمع المعنوي؛ سمع القلوب، سمع البصائر، والسمع للحق وإدراكه الذي نفاه الله تعالى عن أهل الإعراض عنه، وقال سبحانه وتعالى: (وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)[الأنفال:21]، وقال: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]، وقال: (لَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا وَلَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف:179]؛ أي: السمع الذي سمعه أهل الحق والهدى، والبصر الذي أبصره أهل الحق والهدى من إدراك الحق؛ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ)؛ إلى محمد ﷺ (وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)؛ لا يبصرون خصوصيتك مع عبوديتك، في نبوتك ورسالتك واصطفائنا لك، لكن عين أبي بكر الصديق تراك وترى خصوصيتك ومكانتك، وعين عمر بن الخطاب وعيون… وأما عين أولئك يرونك شخص آدمي... ذا يسميك ابن أبي كبشة، و ذا يسميك يتيم أبي طالب، ما يدركون خصوصيتك في النبوة ولا الرسالة ولا اصطفاءنا واجتباءنا لك!.. (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)[الأعراف:198]، (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)[البقرة:171]، كما قال الله تبارك وتعالى، مشيراً إلى أنه ليس الشأن مجرد السماع الحسي والبصر الحسي والكلام الحسي، السمع الحسي والبصر الحسي تشارك فيه الحيوانات وغيرها، ليس المراد ذلك. لهذا قال في الآية الأخرى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الحج:46]؛ يعني: ليس الخطر ولا الضرر ولا الشر على الإنسان أن يعمى بصره، فكم من أعمى بصر وهو منوّر البصيرة، ولكن المصيبة: (تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)؛ إذا عمي القلب صار البصر هذا مثل بصر الحيوان، وأضل من بصر الحيوان، ما يفيدك شيء من إدراك الحقيقة.

وهكذا، قال تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى:11]. وقال: "خلق السماوات والأرض"؛ فما من شيء في السماوات ولا في الأرض ولا من ذرّة فيها إلا وهي حادثةٌ بإحداثه، موجودةٌ بإيجاده، مخلوقةٌ بخلقه، مكوّنةٌ بتكوينه، قائمةٌ به سبحانه وتعالى، فهو الحي القيوم. خلق السماوات والأرض، وما فيهما، وما بينهما جلّ جلاله وتعالى في علاه. 

  • يقول: (الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)[الزمر:62]، كما قال في كتابه، والخَلْق بهذا المعنى خاص به. 
  • أما الخَلْق بمعنى التسبب في إيجاد شيء أو نقله من حالة إلى حالة، هذا الخلق المجازي يُنسب إلى الخّلْق، قال تعالى: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا)[العنكبوت:17]، كيف تخلقون؟ يعني تصنعون وتوجدون، لا بمعنى التكوين والإيجاد للشيء من العدم . 

وقال: "وخلق الموت والحياة" كما قال: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)[الملك:1-2]. وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الروم:40]. 

"خلق الموت"، ولولا خلق الموت ما كان موت، وخلق "الحياة" سبحانه وتعالى. والأصل في جميع الكائنات -كما أسلفنا- أنها عَدَم محض، لا وجود لها، وهذا سُمي بموت ولكنه عدم من الأصل، ثم يحيي ما شاء منها، ويميت ما شاء، ويحيي ما شاء بعد الموت. (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، والحكمة في خلق الوجود: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الملك:2]، فيكون هذه الحكمة الواضحة الظاهرة.  أما قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات:56]، أي: هيّأهم للتشرف والكرامة بعبادتي، ولذا ما كلهم بعد ذلك عبدوه، ولكن عبده من قَبِلَ الكرامة والشرف. وأما الحكمة في الخلق فهي: (لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الملك:2]، وليجعل: (فَرِيقًا فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقًا فِي السَّعِيرِ)[الشورى:7]. هذه الحكمة في الخلق.

أما من يفهم من معنى قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)،أنه مراده في الخلق والحكمة، وأنها تخلّفت فأكثر الخلق لا يعبدون!.. ليس المعنى كذلك.. يُقال له: لماذا خلق الإنس والجن؟ يقول: ليعبدوه، فعل عبدوه؟ يقول: لا، خلاص إذًا ما حصلت الفائدة من خلقهم! بل خلقهم ليكون غاية ما ينالونه من الشرف والكرامة أن يعبدوه، وهيّأهم كلهم لذلك، ولكن منهم من قَبِل فأُكرِم ورُحِم وارتقى، ومنهم من رفض وأبى، كما قال سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)[الحج:18]، لا يسجدون ولا يؤمنون ولا يعبدون الله سبحانه وتعالى. 

وقال الله لنبيه عن الكفار: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)[الكافرون:1-3]. ولكن من قَبِل الكرامة والشرف قام بحق العبادة فحاز حقائق السعادة في الغيب والشهادة في الدنيا والآخرة. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.

فخَلَق الخلق لحكمة وطوى عليها علمه. وقال: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)[السجدة:13]، تحولوا كلهم عابدين، لكن الحكمة سبقت مني، (وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[السجدة:13]. فهذه واسع حكمته في الخلق والإيجاد. ولكن ما برأ نسمة من المكلفين من الإنس والجن إلا وهي مهيأة لأن تعقل وتفهم وتعبد، وأرسل لهم الرسل وأنزل كتباً، فمنهم من قَبِل ومنهم من أعرض وتولى وصد، والعياذ بالله تبارك وتعالى، (وَيَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)[النور:35]، اللهم اهدنا فيمن هديت.

"خلق السماوات والأرض، وخلق الموت والحياة، والطاعة" ولو لم يخلق الحياة للكائنات ما كانت حياة. أما حياته، فهو الحي بنفسه، هو الحي لا إله إلا هو، (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)[البقرة:255]. 

أيضاً معنى الحياة، الحياة بالنسبة للكائنات والخلق معاني مجازية، فحقيقة الحياة لله وحده، هو الحي، لكن جعل في الكائنات حيًّا وميتًا، وجعل فرقًا بين الأحياء والأموات: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) [فاطر:19-22].

  • وجعل حياة تتعلق بشأن الإنس والجن والملائكة، وهي أشرف حياة. 
  • ثم حياة تتعلق ببقية الحيوانات من دواب الأرض والطير وما إلى ذلك. 
  • ثم حياة تتعلق بالنباتات وفيها حياة وموت دون حياة الحيوانات، تميز عنها الحيوانات بالحس والحركة وليس ذلك في النبات بهذا المعنى الذي هو في الحيوان. 
  • ثم الأرض نفسها تبع للنبات: (يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)[الروم:19]، يحيي الأرض ويميتها جل جلاله، فأرض حية وأرض ميتة. 

وهكذا معاني الحياة حتى يقول الناس: ما شاء الله صار البيت حي! وُجِد فيه ناس يتكلمون ويدخلون ويخرجون، فيقولون: حيِّي البيت. فهذه أنواع من الحياة في الكائنات ليس منها شيء شابه حياة الحي القيوم قط. فالحي القيوم حي بحياة أبدية أزلية، حي بذاته؛ كل معاني الحياة الشريفة الربانية الإلهية فوق تصوّرات العقول، وأعلى وأشرف حياة جعلها في الخلق ما جعلها في خواص الإنس والجن والملائكة. ترجع هذه الحياة الشريفة التي أحياهم بها إلى معاني: حياة حسية، ومعنوية. 

  • الحياة الحسية: ما يكون من أيام وجود الروح في الجسد، ثم تكون الوفاة والموت عند نزع الروح من الجسد؛ هذه حياة حسية يستوي فيها البر والفاجر، كلهم تُنفخ فيهم الروح في بطون أمهاتهم ثم تنزع عند الوفاة.
  • ومع ذلك فهناك حياة معنوية لهم؛ حياة قلوبهم وأرواحهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[الأنفال:24]. 

(أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ).. كيف كان ميتاً فأحييناه؟ هو كان بالنسبة للحياة الحسية حي، لكنه ميت في عقله وقلبه وعقيدته. نزلت في سيدنا عمر وسيدنا حمزة بن عبد المطلب: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)[الأنعام:122] يقول الله -سبحانه وتعالى-، إذًا هناك حياة أخرى، كما قال: (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)[يس:70]، يقول عن هذه الحياة المعنوية وهي أشرف.

ولمّا يتشرف الشهداء بنوع فاخر من أنواع الحياة المعنوية، ويكتبها الله سبحانه وتعالى أبدية بتأبيده لا بذاتها، ولكن هو يجعلهم يحيون حياة الأبد بقدرته وإرادته سبحانه وتعالى، نهى العباد أن يسمّوهم أموات، مع أنهم بالنسبة للموت الحسي أموات، خرجت أرواحهم من أجسادهم، هؤلاء الشهداء لا زالت أرواحهم في أجسادهم أم خرجت؟ خرجت.. أليسوا أموات؟ قال: نعم، وإن ماتوا الموتة الطبيعية الحسية، لكنهم أحييناهم بحياة خاصة، فلا تسمّوهم أموات، (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)[البقرة:154] . فإذا كان هذا الأدب مع الشهداء، لا ينبغي نسميهم أموات، فكيف مع الأنبياء؟ فكيف مع سيد الأنبياء؟ أموات، أموات،…. شُف ربك يقول لك الشهيد أمسك لسانك، عدّل لفظك عنه، لا تقل له ميت، ليس فقط أن لا تقول له ميت، (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)، حيث أنهم أهل حياة طيبة كريمة فلا تطلقوا عليهم لفظ الموت. أما أنهم انتقلوا من الدنيا للبرزخ لا أحد يشك فيه، أما أن أرواحهم خرجت من أجسادهم هذا لا يشك فيه، كلهم بهذا المعنى ماتوا، (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)[الزمر:30]. لكن لا تقل لهم أموات، أدبًا، لأن الله قال: أحييتهم حياة كريمة في قربي ورضاي، لا تقولوا لهم أموات أدبًا معهم.

وقال: ليس فقط ما تقولون، ولا تظنوا حتى! (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا)، لا تقل ولا تحسب، ما تظن ولا تعتقد أنهم أموات، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ)[آل عمران:170،169]. قالوا أنتم تظنون الحياة عندكم، تشوفون نفسكم ترزقون أو تفرحون؟ هؤلاء يفرحون ويرزقون رزق أحسن من رزقكم، وفرح أكبر من فرحكم، فلماذا هم أموات، لماذا تقولون لهم أموات، وأنتم تعدّون نفسكم أحياء في الدنيا؟ 

ولهذا كان يقول بعض الصالحين ما يتجرأ على مقام النبوة ويقول إنه ميت، والأولياء والشهداء أموات، قال له: أنت فرحان بحياتك لأنك تشخ! حجازي هو، تشخ يعني تبول، لأنك تبول؟.. هذا عنده حياة ما يبول فيها، ويفرح فرح أكبر من فرحك، ويأكل رزق أحسن من رزقك، وحتى يصلون في قبورهم، خصائص الحياة الكبرى عندهم، ورذائلها ليست عندهم، وأنت تحسب نفسك حي وهم أموات؟! أنت الميت ما هم هم! أنت دوّر لك حياة حقيقية، حياتهم أشرف وحياتهم أجل.

فحياة الشهداء المنصوص عليها في القرآن، فوقهم الصدّيقون، وفوقهم النبيون؛ (فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ)[النساء:69]، فهؤلاء فوق الشهداء؛ الأنبياء والصديقين فوق الشهداء، وأعلى من الشهداء، فحياتهم من أشرف الحيوات. 

إذا علمنا ذلك، وقد صح في الحديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون". وفي صحيح مسلم: "مررت على موسى ليلة أُسري بي وهو قائم يصلي في قبره"، ثم حضر الصلاة معه في بيت المقدس، ثم وصفه في السماء السادسة أو حصّله في السماء السادسة، وذكروا وصفه وكلامه معهم عليهم صلوات الله وتسليماته، فحياتهم من أشرف حياة.

وكلهم بعد ذلك رأسهم في عظمة الحياة محمد، خلق الله نوره وروحه قبلهم، وجعله في أعلى معاني الحياة بمعرفته وبقربه وبمحبته ورضوانه، فهو في الخلق أحيا حيّ، من قبل خلق آدم ومن بعد التكوين والتنقل في البطون إلى أن برز في عالم الدنيا وخرج من بطن آمنة، إلى أن انتقل إلى البرزخ، إلى يوم القيامة، ما أحد في رتبة الحياة الممدودين بها من الله الحي القيوم مثل هذه الرتبة؛ فهو أحيا حي في الخلق، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.  لا أحد من الأحياء يدرك ما أدركه، ولا ينظر ما نظره، ولا يبلغ مكانته وجاهه عند الله -سبحانه وتعالى- وهو الذي في الحياة الكبرى يقال له في القيامة دون غيره: "ارفع رأسك، وقل يُسمع لقولك، وسل تعطَ، واشفع تُشفع" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. ما يجهل قدره إلا مبعود عن الله تبارك وتعالى.. صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

وهكذا حياة الروح؛ كان أحيا الخلق فيها ومرّ بها، وحياته الجسد في الدنيا كان حيًّا وكانت حياته أعظم حياة، (لَعَمْرُكَ)[الحجر:72]، أقسم الله وحلف بعمره. أيش عَمره؟ من حين خروجه من بطن أمه إلى حين وفاته، هذا عمره؛ عمره الشريف أقسم الله به، فكان عمراً حلف الرحمن به، لِعِظم مكانته عنده، وأيام وجوده في الأرض تشرّفت عما قبلها وعما بعدها، فكان هذا الوقت الذي أقسم الله به في القرآن: عَمْر محمد من حين ولادته ﷺ إلى حين وفاته صلوات ربي وسلامه عليه. ثم حياة البرزخ وهو أعظم الخلق حياة فيها، ثم حياة القيامة وهو أعظم الخلق حياة فيها، ثم حياته الجنة وهو أعظم الخلق حياة فيها ﷺ "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة"؛ يعني: أعلاها "لا تنبغي أن تكون إلا لعبد، وأرجو أن أكون أنا هو". ما حد غيره يحل في الوسيلة، آتِ سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة والشرف والدرجة العالية الرفيعة.

"خلق الموت والحياة"، وكذلك الموت المعنوي، فأشد الناس في الموت المعنوي من كفر بالله وأشرك به شريكاً غيره -سبحانه وتعالى- أو كذَّب بأنبيائه ورسله. ثم هم على درجات في الانحطاط في هذا الموت المعنوي -والعياذ بالله- على حسب جحودهم وإلحادهم وكفرهم وذنوبهم ومعاصيهم. 

وهكذا، فيتنبّه المؤمن لحياة القلب وموته؛ فإن له حياة وموت، وهو يصدأ وينجلي، ""إِنَّ هذه القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديد"، فما جلاؤها؟ قال: ذكر الله وتلاوة القرآن أو ذكر الموت؛ هذا الذي يجلو الصدأ من القلب، ويكون سبباً لحياة القلب. 

قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ)[الرعد:28]. وقال ﷺ: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت"؛ الذاكر حي، والمحجوب عن ذكر الله ميت، ميت القلب والعياذ بالله تعالى. فالله يحيينا حياة الصدق والإخلاص والإيمان واليقين والمعرفة الخاصة، ووفر الله حظنا من هذه الحياة المعنوية.

خلق "الطاعة" ولو لم يخلقها لم تكن طاعة، وخلق "المعصية" ولو لم يخلق المعصية لم تكن معصية، فهو خالق الجميع، وبقدرته سبحانه وتعالى، ثم موفق أهل الخير للطاعة وخاذل أهل السوء للمعصية. 

  • والطاعة كل ما وافق شرائعه التي أنزلها على أنبيائه.
  •  والمعصية كل ما خالف شرائعه الذي أنزله على أنبيائه.

كما خلق "الصحة والسقم" أي المرض، فهو خالق الصحة ولو لم يخلق الصحة لم تكن صحة، ولو لم يخلق المرض والسقم لم يكن مرض. ولكن الناس في مداركهم ومشاعرهم لا يميزون بين الصحة والمرض حتى يرون هذا مقابل هذا. ولو خلق مرض فقط من دون صحة لن يعرف الناس ما معنى الصحة، ولو خلق صحة فقط من دون مرض لن يعرف الناس ما معنى المرض. ولكن خلق الصحة والسقم معاً لكي تفرق وتعرف، علمه أحاط بكل شيء، ولكن أنت تتعلم بهذا كذا وهذا كذا، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)[البقرة:31]. 

فعِلمنا حادث ومحصور، ونتعلم الشيء بضدّه، ولو لم نرَ إلا صحة فقط؛ بنقول أيش المرض؟ حتى الصحة التي أنت فيها، بتقول أيش معنى الصحة؟ ما بتتصورها.. لكن لما تصاب بمرض؛ تدرك هذا مرض وهذه الصحة، استقامة الأعضاء على هيئته التي خلقه الله عليها صحة، واختلاله مرض… بصر، سمع، يد، عِرق، بطن، يد، رجل؛ فهناك صحة وهناك مرض، لو لم يخلق المرض ما عرفت الصحة، ولو لم يخلق الصحة ما عرفت المرض، لكن خلق لك الاثنين لكي يريَك، يعلمَك.. انظر إلى مَا كوّنت.

 خلق "الصحة والسقم، وجميع الكون وما فيه"، قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)[الزمر:62] سبحانه وتعالى. "وخلق الخلق وأعمالهم"، كما قال سيدنا الخليل إبراهيم لقومه: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)[الصافات:37]. خلقكم وما تعملون، فالأعمال مخلوقة له، خلقنا وخلق أعمالنا سبحانه وتعالى، وإلا ما قدرنا نخلق أعمالاً.  لكن خلق العمل وأقدرنا عليه وجعل لنا فيه اختيار، وهنا مناط التكليف فيما جعل لنا فيه الاختيار، ثم نسبه إلينا سبحانه وتعالى، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)،"خلق الخلق وأعمالهم". 

أراد بعض الفئات من المسلمين الذين ما أدركوا حقيقة ما نُص عليه في مثل قول الخليل إبراهيم في الآية القرآنية، وما ذكره ﷺ: "وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، قالوا: الإنسان يخلق أفعاله الاختيارية! لماذا؟ حتى ما يقولون الشر ما خلقه الله سبحانه وتعالى. قل: هل من خالق غير الله؟  لا خالق غير الله، لا خير ولا شر، خلق الخير وخلق الشر، خلق الطاعة وخلق المعصية، الكل خلق الله، لكن للناس اكتساب لها: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286]، فالاكتساب يُنسب للإنسان، والاكتساب فيما جعل الله له فيه اختيار، وأي عاقل في الدنيا ما يفرق بين حركة الإنسان الاختيارية وبين مريض يرتعش من نفسه يتحرك بلا اختيار منه؟! ما تدرك الفرق؟ الفرق واضح.. إذًا؛ فهناك اختيار خلقه الله ورتّب عليه ونسبه للإنسان، فليس للإنسان خلق ولكن له كسب، كسب واختيار يكتسب به الخير أو يكتسب به الشر، والخلق من الله، كله الخلق خلق الله، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر:3]، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر:62]. 

إذًا؛ الأعمال سواءً كانت حسنات أو سيئات هو خالقها، وكان فرقة من هؤلاء تبعوا المعتزلة، وجاءوا من فترة إلى حضرموت، فكان ألّف الإمام الحداد "الراتب"؛ ولأنهم هم يقولون أن الشر الإنسان يخلقه ولا يخلقه الله وكذا، فجعل في الراتب: "بسم الله والحمد لله، والخير والشر بمشيئة الله"؛ نشره بين العوام حتى لا يتأثرون بكلامهم. وهكذا قال أهل السنة والجماعة: الكل خلق الله، وللإنسان كسب واختيار، وعليه يعاقب ويثاب بما قصد من خير أو شر، بما فعله من خير ومن شر، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

وجاء بعض هؤلاء المتأثرين بقول المعتزلة -في الكلمة اليوم- عند أحمد بن موسى بن عجيل، أحد فقهاء الشافعية والأولياء في اليمن، قالوا سنناقشك في شيء، قالوا: أفعال الإنسان الاختيارية هو يخلقها! قال لهم: ليس الله؟ قالوا: هو يخلقها، قال: فما مثال الأفعال الاختيارية؟ قالوا: مثل القيام والقعود، قال: قيام الإنسان وقعوده باختياره؟ قالوا: نعم، قال: هو يخلقه؟ يختاره، كلنا متفقين.. لكن هو يخلقه؟ قال: هو يخلقه.. قال: طيب قوموا، قاموا.. لما قاموا سأل الله تعالى ألا يمكنهم الجلوس، بعدين قال: اجلسوا، كل واحد بيجلس ما قدر، تصلبت أجسادهم بدعوة الشيخ، كل واحد يتشوّف للثاني، قالوا: ما قدرنا، قال: اجلسوا.. أنتم تقولون هذا القعود والقيام خلق أنتم تخلقونه، هيا اخلقوه! ينظر بعضهم في بعض، ما قدرنا.. قال: كيف ما قدرتم تخلقون؟ اخلقوا القعود! عجزوا… قال: خلاص محلكم أو ترجعوا عن هذه العقيدة الباطلة، قالوا: خلاص رجعنا، قال: يا رب أقدِرهم، فجلسوا… قال: غرور فيكم! أقدركم وأعطاكم قدرة على القيام والقعود تقولون نحن خلقنا؟ إيش خلقتم؟! هو خلق وأعطاكم، تقولون نحن؟ تشركون معه!! قالوا قصدهم مساكين أردنا ننفي الشر عن الله تعالى.. الشر منفي عن الله تبارك وتعالى، والملك ملكه ويفعل ما يشاء، ما حوله من شيء، ولا يمكن أن يكون ظالم لأحد، وبيده ملكوت كل شيء، ولكن الخلق له ليس لغيره، لا إله غيره ولا خالق غيره ولا مقدّم ولا مؤخر غيره، ولا نافع ولا ضار غيره جل جلاله وتعالى.. اكتسابات وتسببات هو أعطاها الخلق ومكّنهم فيها إلى حد محدود.

ثم جاء إلى نبيه وأصحابه يقول لهم: وأفعالكم هذه الاختيارية التي قدمتموها ابتغاء مرضاتنا نحن الذين مكناكم منها وقمنا معكم فيها وإلا فلا تقدرون، وأنزل الله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) في يوم بدر، سبعين قتلوهم في بدر قال الله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)، كيف لم تقتلوهم؟ (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، مكنكم.. لا تقولون نحن، وخاطب حبيبه وقال: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)، (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) الوقت الذي رميت فيه ما هو أنت الذي رميت، لكن الله رمى.

حتى قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن عبدالله بلفقيه: "وما رميت" طريقة، أنت في الطريقة ما رميت، "إذ رميت" شريعة؛  أخذت الحصباء ورميتها في وجه القوم ودخلت في عيونهم، "إذ رميت" شريعة، "ولكن الله رمى" حقيقة؛ أنت والطين والعيون والذي قبلك ومَن بعدك خلقه وإيجاده وتدبيره وفعله، فهو سبحانه وتعالى فعّال لما يريد. (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)[الأنفال:17]، جل جلاله وتعالى في علاه.

وقال عن المتأخرين عن الخروج في الجهاد من الذين اختاروا التخلف وعليهم إثمه، يقول: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)، كره الله انبعاثهم فثبطهم، وما عاد قدروا يخرجون، لا إله إلا الله… (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)[التوبة:46]. فنسأل الله لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا، ويمدّنا بتوفيقه لكل خير.

قال: "وخلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم"؛ وهو كل ما ينفعهم، كل ما ينفعك في بدنك وحالك من لباس وطعام وشراب ومركوب وهواء، كله رزق من الله تعالى. والرزق عم الخلائق سبحان الله، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]. كل ما ينتفعون به وحدّده إلى حد محدود لكل واحد، فلا يقدر واحد يزيد في رزقه شيء ولا ينقص من رزقه شيء، فضلاً عن رزق غيره، لا يقدر يزيد فيه شيء ولا ينقص منه شيء، إلا أسباب ووسائل أقامها الله يختبر بها الخلق، وإلا لا أحد يقدر يزيد في رزق نفسه ولا في رزق غيره، ولا ينقص من رزق نفسه ولا من رزق غيره. 

ما قدره لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه.. أي خيط من أي ثوب كتب لك لابد يجيك، في أرض العرب في أرض العجم في الشرق في الغرب إذا هو لك.. بيجيك بأي وسيلة، وإن حيك في أي دولة من الدول لكنه رزقك بيجي إلى عندك. والذي ما هو رزقك حتى جنبك، في المصنع جنبك، ولا تلبس منه شيء طول عمرك، ولا تقدر تقرب منه، إنما هو الرزق الذي يرزقك بهذا السبب وبهذا السبب، ويجيك بشراء أو بهدية أو نذر أو إرث أو حيث ما هو، حسب تقديره، وهو الرزاق وحده سبحانه وتعالى، (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)[الذاريات:58] جل جلاله.

"قدّر أرزاقهم"، لهذا يقول ﷺ: "لا تكثر همك، ما قُدّر يكون، وما ترزق يأتِك". قالوا: لو لم تأتها لأتتك. ولذلك كان يقول شاعرهم:

مَثَلَ الرزق الذي تطلبه *** مَثَلُ الظل الذي يمشي معك

تقدر تبعد الظل منك؟ أنت لا تدركه إذا تبعته يروح، كل ما قربت إليه يروح، وإذا ولّيت عنه تبعك، 

أنت لا تدركه متّبعًا *** وإذا ولّيت عنه تبعك

هذا جعله الله لك مثال؛ قال رزقك هكذا؛ بنفسك ما تقدر تزيده ولا تقدمه أنت مجرد سبب، ولو وليت عن شيء وأنا قدرت أرزقك لابد يجيك، بيوصلك من حيث ما كان.

والآجال كذلك.. تعجب بعضهم، مرة واحد سقط من عمارة كبيرة في جدة قبل سنين، صادف شاحنة محملة بالإسفنج وقع فوقها، فما تأثر.. خرج من فوق الشاحنة، وجاء أصحابه يهنؤونه، وجنبهم مقهى هناك قال تعالوا بيقدم لهم طعاماً، راح يمشي عثرت رجله في حجرة، سقط، تأثر ومات! الوقت الذي سقط فيه من العمارة عاد باقي من الأجل  دقائق، ما يمكن أن يموت، لمّا يكمل دقائقه، سبب بسيط في الأرض نفسها عثر سقط وقع سبب موته، فهو مجرد سبب.

جاء الجماعة إلى أحد سقط في بئر، سلمه الله، رفعوه من البئر سقوه لبن، شرب اللبن وهنؤوه، أيش حصل؟ قام يمثّل لهم ويقول سقطت هنا، وسقط فعلا ومات في البئر نفسها! طلّعوه ميت. قالوا: السقطة أول مرة باقي له لبن في الدنيا ما يمكن يشربه أحد غيره، لا إنسان ولا حيوان ولا يروح في الأرض لأن الله جعله رزقه، وباقي له دقائق في الحياة، خرجوه من البئر أعطوه اللبن حقه، كمل الرزق، كملت الدقائق، قام يمثّل محلّه سقط ومات.

"قدّر أرزاقهم وآجالهم"، 

  • (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً) [الأعراف:34].
  • (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ)[آل عمران:154]. 
  • (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)[النساء:78]. 

لا إله إلا الله… 

يذكرون في بعض ملوك بني إسرائيل، قال له بعض علمائهم وأنبيائهم: إن موتك يكون بواسطة شوكة! فتحذّر وقال لهم ما يدخل للبيت شيء، شوك ولا غيره، ولا حطب من بعيد كل شيء. وكان مولع بالضأن والكباش يحب يذبحها ويأكلها، فيوم مرّ بضأن سمين عجبه، قال لصاحبه: تبيعه؟ قال له: نعم يا سيدي، طلعه القصر عنده في الغرفة، جاّء يقلّبه، تحت ذيله كانت شوكة، ودقّت الشوكة فيه، وبعدها توفي. أين سيهرب؟ ما يقدر يهرب،لا قصر ينجيه من موته، حتى السبب الذي جعله الله له لا بد يجيء له، وإن تحذّر منه كل التحذّر. لا إله إلا الله...

جاء بعض الحرس عند سيدنا علي أيام خلافته، قال لهم: ممن تحرسونني؟ من أهل الأرض؟ أم من أهل السماء؟ قالوا: أهل السماء ما نقدر، أهل الأرض. قال: فاذهبوا، فإن أهل الأرض لا يقدرون على شيء حتى يتخلى حرس السماء. 

قال: أهل الأرض ما حد بيقدر منهم، واحد معين باسمه وأخبرني عنه النبي في ليلة معينة بيجيء يقتلنا، قبله ما حد بيقدر يقتلني أبداً، روحوا… لا يحصل من أهل الأرض شيء حتى يتخلى حرس السماء. ما جاءت الليلة التي كتبها الله له، يجءي فيها أشقى الآخرين. سبحان الله، لا إله إلا الله..

"قدر أرزاقهم وآجالهم، ولا تزيد ولا تنقص، ولا يحدث حادث إلا بقضائه وقدره وإرادته". 

القضاء والقدر: 

  • إرادته الأشياء في الأزل قضاء
  • وإحداثه إياها على موجب ما سبق في العلم قدر

وقيل العكس؛ القضاء والقدر. القضاء الحكم بالشيء؛ حكمه بالأشياء قبل وجودها وقبل تكوين الكائنات قضاء، ثم بروزها في أوقاتها على الهيئة والتفصيل الذي سبق في علمه قدر، فقضى وقدر سبحانه وتعالى.

"لا يحدث حادث إلا بقضائه وقدره وإرادته"، ولو اجتمع أهل السماء مع أهل الأرض على أن يحركوا ذرة لم يرد الله تحريكها ما قدروا، أو يسكنوا متحركًا أراد الله أن لا يسكن ما قدروا. لو الملائكة والإنس والجن اجتمعوا كلهم بيسكنوا ذرة أراد الله أن لا تسكن لا يقدرون، يحركوا وأراد الله أن لا تتحرك لا يقدرون؛ فالأمر أمره والحكم حكمه، ولا يكن إلا ما قضاه وما قدّره، "ومَا شَاءَ اللَّهُ كَانُ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُن". 

الله يسيرنا مسار الصالحين من عباده في نياتنا ومقاصدنا وأقوالنا وأفعالنا، ويوفقنا للخير، يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفقنا للخير وأعنا عليه.

"وأنه تعالى حي عالِم"؛ علمنا الحياة معناها الخاصة به. وكذلك العلم؛ صفة قديمة تنكشف له بها جميع الكائنات، وما كان وما لم يكن، وما هو كائن وما لا يكون، وكيف يكون لو كان؛ تنكشف له جميع الأشياء من دون سبق خفاء. هذا هو علم الله تعالى، وهذا خاص به جل جلاله. 

ويعلّم خلقه ما شاء، وما علمهم من القليل والكثير والصغير والكبير والمفيد والضار، كل ما علمهم قليل بالنسبة لما لم يعلموه، (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[الإسراء:85]. لكن هو المحيط علمه بكل شيء.

ومنه ما يقال بالنسبة للخلق غيب، والغيب الذي ما يطلعون عليه بحواسّهم. وهذا الغيب قال عنه تعالى في كتابه: (فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ)[الجن:26]، من ارتضى من رسله، ومن بعض الملائكة، ومن بعض الأولياء والصالحين يطلعهم على شيء. لكن قد يطلع بعض الأولياء على شيء من بعض الوجوه، ويطلع الأنبياء على أشياء من أكثر الوجوه، لكن لا يحيطون بالغيب من كل جانب إلا هو وحده، لا أنبياء ولا ملائكة ولا أولياء ولا غيرهم يحيطون بالغيب، ولا يحيطون بالعلم ما يتأتى، هو المحيط، (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق:12]. هو وحده المحيط بكل شيء، (إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ) يطلعه على كثير من الوجوه. 

ومنها غيوب فرض علينا الإيمان بها، أطلعنا عليها؛ بعث بعد الموت، وحشر، ونشر، وحساب، وصراط، وجنة، ونار؛ أمور غيبية لكن أطلعنا عليها وفرض علينا الإيمان بها. فلا أحد يطلع من الغيب على شيء إلا بما شاء الله، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)[البقرة:255] جل جلاله.

أما الإحاطة بالغيب كله، فلا للملائكة ولا للأنبياء ولا للإنس ولا للجن ولا للأولياء ولا للمحللّين ولا للمكتشفين ولا للمنجّمين ولا لصغير ولا لكبير؛ هو وحده الذي يطّلع على كل شيء وأحاط علمه بالغيب وبكل شيء سبحانه وتعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق:12]. ويُعَلِّم من شاء ما شاء. 

وأعظم ما يُعْلم من الغيب أسرار عظمته، وآياته، وصفاته، وهذه خصّ بها الأنبياء، وخص الملائكة منها بنصيب وافٍ، فكانوا أعظم الخلق لديه وأعرفهم في ذلك من تعرف إليه بالتعرف التام خير الأنام محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. في سنن الترمذي قال: "فأوتيت علم الأولين والآخرين"، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

"حي عالم مريد"؛ معنى المريد أنه لا يكون شيء إلا بإرادته، قال تعالى: (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)[البروج:16]. قادر على كل شيء  (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[هود:4]. القدرات عند الخلق أيضًا محصورة وحادثة وإلى حد محدود، أما قدرته فلكل شيء، وهي أبدية أزلية قائمة بذاته سبحانه وتعالى، يفعل بها ما يشاء على وفق الإرادة والعلم.

"متكلم"؛ معنى متكلم أنه وصف نفسه في الكتب المنزلة بأنه كلم أنبياءه وكلم رسوله، فهو متكلم بهذا المعنى. أما كلام الخلائق -إنس أو جن أو ملائكة، عرب أو عجم- كل كلامهم حادث وبأصوات وبحروف؛ الله منزّه عن كل ذلك، وهو مع ذلك متكلم كما وصف نفسه وكما وصفه رسوله ﷺ، قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا)[النساء:164]. فهو متكلم، والكلام لا هو لغة ولا هو حرف ولا هو صوت، هكذا يقول أهل السنة والجماعة. 

من العجيب أن بعض المبتدعة يقول: ألف حرف، لام حرف، ميم حرف، هذا بالنسبة لقراءتي وقراءتك، يا هذا!! ما هو بالنسبة لعين كلام الله تعالى، لكن أنا أقرأ: (الم)، حرف ألف، حرف لام، حرف ميم، وأقرأ باللغة العربية كما أنزل الله تعالى. بيّن لنا معاني كلامه الأزلي بهذه اللغة، وبيّن من كلامه الأزلي للأنبياء بلغاتهم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)[إبراهيم:4].  فجعل هذا البيان لكلامه ليس عين كلامه؛ كلامه صفة قائمة بذاته سبحانه وتعالى. 

ومع ذلك جعل في خصوصيات فيما بيّن وعيّن ألفاظ لتدل على معاني كلامه الأزلي -سبحانه وتعالى- للأنبياء وللرسل، فجعل في ذلك خصوصيات، وصارت كتب مقدسة ومعظمة، وأعظمها القرآن، وحرّم علينا مسّه إلا بالطهارة، وحرّم قراءته على الجنب وعلى الحائض وما إلى ذلك. 

فهذه خصوصيات كل حرف من حروف القرآن العظيم، ويسره الله بلسان عبده ونبيه محمد ﷺ: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا)[مريم:97]، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)[الدخان:58]. فهو تعالى متكلم لكن ليس بكلام يشبه كلام المخلوقين.

"سميعٌ"، كما ذكرنا، "بصير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم السر"، وهو ما أخفاه الإنسان في باطنه، "وأخفى"، وهو ما لم يعلمه بعد مما سيطرأ عليه أخفى من السر، فالسر ما تكتمه في ضميرك، وما سيطرأ على ضميرك، وما سيحصل لك مما لم يكن بعد.. أخفى من السر، وهو يعلم السر وأخفى. "خالق كل شيء، وهو الواحد القهار".

هذا ما يتعلق بالصفات الإلهية، وعلم الإيمان عندنا ما بين: 

  • إلهيات 
  • ونبويات 
  • وسمعيات

تكلم عن الإلهيات بهذه النبذة المختصرة التي شملت أسس عقائد أهل السنة والجماعة، وهم الذين تمسكوا بما ثبت في الكتاب والسنة وفهمه الصحابة والتابعون على فهمهم وتمسكوا به؛ هم هؤلاء أهل السنة والجماعة هذه عقيدتهم وهذا أساسها ومختصرها فيما يتعلق بالإلهيات. 

بقي ما يتعلق بالنبويات، ثم بالسمعيات. 

  • معنى السمعيات: الأمور الغيبية التي أمرنا أن نؤمن بها وليس لها طريق إلا السمع، أن نسمعها عن الله بواسطة أنبيائه. 

فسيتحدث عنها. بعد ذلك عن النبوة ثم عن السمعيات، عليه رضوان الله.

نسأل الله كمال الإيمان، كمال اليقين، وهذه العقائد الصحيحة يجب أن يعلمها المؤمن، ثم هي طريقه لتقوية الإيمان ووصوله إلى علم اليقين، ثم إن صفا باطنه وعمل بمقتضاها وقام بحقها ارتقى إلى عين اليقين. 

وليس تقوى بمجرد معرفة الأدلة ولا بالمجادلات، ولا يقوى الإيمان إلا بنقاء القلب والدوام الحضور مع الله -تبارك وتعالى- وحسن العمل بطاعته وبما أحب، بذلك يأتي نور الإيمان، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الأنفال:2]. 

اللهم زدنا إيمانًا وزدنا يقينًا، وتولّنا بما أنت أهله ظاهرًا وباطنًا برحمتك يا أرحم الراحمين، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

لتحميل الكتاب pdf

 

 

تاريخ النشر الهجري

15 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

04 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام