آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 10 | علامات علماء الآخرة: العلم النافع، والاقتصاد في الترفه
الدرس العاشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الأربعاء 18 رجب 1447هـ
شرح علامات علماء الآخرة: أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة، وأن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم والمشرب، والتنعم في الملبس، والتجمل في الأثاث والمسكن
يتضمن الدرس:
- بيان منهج علماء الآخرة في توجيه القلوب.
- شرح وصايا حاتم الأصم، وأن الخير كله يدور على ثماني قواعد جامعة.
- التحذير من الاشتغال بالجدال والكلام وترك العمل وتزكية القلوب.
- الورع والتقوى أصل العلم النافع لا كثرة الأقوال.
- الدعوة إلى الزهد والاقتصاد، وترك الترف.
- التأكيد على حسن الظن بالخلق ومحاسبة النفس، وعدم الاغترار بالمظاهر.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
"ومنها: أنْ تكونَ عنايتُهُ بتحصيلِ العلمِ النافعِ في الآخرةِ: المرغِّبِ في الطاعةِ، مجتنباً للعلوم التي يقلُّ نفعُها، ويكثرُ فيها الجدالُ والقيلُ والقالُ.
فمثالُ مَنْ يعرضُ عَنْ علْمِ الأعمالِ ويشتغلُ بالجدالِ مثالُ رجلٍ مريضٍ بهِ عللٌ كثيرةٌ، وقد صادفَ طبيباً حاذقاً في وقتِ ضيِّقٍ يُخشىٰ فواتُهُ، فاشتغلَ بالسؤالِ عنْ خاصيَّةِ العقاقيرِ والأدويةِ وغرائبِ الطبِّ، وتركَ مُهِمَّهُ الذي هوَ مؤاخذٌ بهِ، وذلكَ محضُ السفهِ.
وقدْ رُوِيَ: أنَّ رجلاً جاءَ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: علَّمني مِنْ غرائبِ العلمِ، فقالَ لهُ: "ما صنعتَ في رأسِ العلمِ ؟" فقالَ: وما رأسُ العلمِ؟ قالَ ﷺ: "هلْ عرفتَ الربَّ تعالىٰ؟" قالَ: نعمْ، قالَ: "فما صنعتَ في حقِّهِ؟" قالَ: ما شاءَ الله، فقالَ ﷺ: "هل عرفتَ الموتَ؟" قالَ: نعمْ، قال: "فما أعْدَدْتَ لهُ؟" قالَ: ما شاءَ الله، قالَ ﷺ: "اذهبْ فأحْكِمْ ما هنالكَ، ثمَّ تعالَ.. نُعَلَّمْكَ مِنْ غرائبِ العلمِ".
بلْ ينبغي أنْ يكونَ التعلُّمُ مِنْ جنسِ ما رُويَ عن حاتِمِ الأصمّ تلميذِ شقيقٍ البلخيِّ -رضيَ اللهُ عنهُما- أنَّهُ قالَ لهُ شقيقٌ: منذُ كمْ صحبتني؟ قالَ حاتِمٌ: منذُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً، قالَ: فما تعلمتَ منِّي في هذهِ المدَّةِ؟ قالَ: ثمانُ مسائلَ، قالَ شقيقُ لهُ: إنّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، ذهبَ عمري معكَ ولمْ تتعلَّمْ إلا ثمانيَ مسائلَ! قالَ: يا أستاذُ؛ لمْ أتعلَّمْ غيرَها، وإني لا أحبُّ أنْ أكذبَ، فقالَ: هاتِ هٰذهِ الثمانيَ مسائلَ حتَّىٰ أسمعَها، قالَ حاتِمٌ:
أمَّا الأولىٰ: نظرتُ إلى هذا الخلقِ، فرأيتُ كلّ واحدٍ يحبُّ محبوباً فهوَ معَ محبوبِهِ إلى القبرِ، فإذا وصلَ إلى القبرِ.. فارقَهُ، فجعلتُ الحسناتِ محبوبي، فإذا دخلتُ القبرَ.. دخلَ محبوبي معي.
فقالَ: أحسنتَ يا حاتِمُ، فما الثانيةُ؟ فقالَ: نظرتُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41]، فعلمتُ أنَّ قولَهُ سبحانَهُ هوَ الحقُّ، فأجهدتُ نفسي في دفعِ الهوىٰ حتَّى استقرَّتْ على طاعةِ اللهِ تعالى.
الثالثةُ: أنِّي نظرتُ إلىٰ هٰذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ مَنْ معَهُ شيءٌ لهُ قيمةٌ ومقدارٌ عندَهُ رفعَهُ وحفِظَهُ، ثمَّ نظرتُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل:96]، فكلَّما وقعَ معي شيءٌ لهُ قيمةٌ ومقدارُ.. وجهتُهُ إلى اللهِ ليبقىٰ لي عندَهُ محفوظًا.
الرابعةُ: أنِّي نظرتُ إلىٰ هذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ منهُمْ يرجعُ إلى المالِ والحسبِ والشرفِ والنسبِ، فنظرتُ فيها فإذا هيَ لا شيءَ، ثمَّ نظرتُ إلىٰ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، فعملتُ في التقوى حتَّىٰ أكونَ عندَ اللهِ كريمًا.
الخامسةُ: نظرتُ إلى هٰذا الخلقِ وهُمْ يطعنُ بعضُهُمْ في بعضٍ ويلعنُ بعضُهُمْ بعضاً، وأصلُ هٰذا كلِّه الحسدُ، ثم نظرتُ إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الزخرف:32]، فتركتُ الحسدَ واجتنبتُ الخلقَ، وعلمتُ أنَّ القسْمَ مِنْ عندِ اللهِ سبحانَهُ، فتركتُ عداوةَ الخلْقِ عنِّي.
السادسةُ: نظرتُ إلىٰ هذا الخلقِ يبغي بعضُهُمْ علىٰ بعضٍ، ويقاتلُ بعضُهُمْ بعضاً، فرجعتُ إلى قولِ اللهِ تعالىٰ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) [فاطر:6]، فعاديتُهُ وحدَهُ، واجتهدتُ في أخْذِ حذري منهُ؛ لأنّ اللّهَ تعالىٰ شهدَ عليهِ أنَّهُ عدوٌّ لي، فتركتُ عداوةَ الخلْقِ غيرَهُ.
السابعةُ: نظرتُ إلى هذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ منهُمْ يطلبُ هذهِ الكِسرةَ، فيذلُّ نفسَهُ فيها، ويدخلُ فيما لا يحلُّ لهُ، ثمَّ نظرتُ إلى قولهِ تعالىٰ: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6]، فعلمتُ أنِّي واحدٌ مِنْ هٰذهِ الدوابِ التي على اللهِ رزقُها، فاشتغلتُ بما للهِ تعالىٰ عليَّ، وتركتُ ما لي عندَهُ.
الثامنةُ: نظرتُ إلى هذا الخلقِ، فرأيتُهُمْ كلَّهُمْ متوكِّلينَ علىٰ مخلوقٍ؛ هذا علىٰ ضيعَتِهِ، وهذا علىٰ تجارتِهِ، وهذا على صناعتِهِ، وهذا علىٰ صحَّةِ بدنِهِ، وكلُّ مخلوقٍ متوكِّلٌ على مخلوقٍ مثلِهِ، فرجعتُ إلى قولِهِ تعالىٰ: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]، فتوكلتُ على اللهِ عزَّ وجلَّ، فهوَ حسبي، قالَ شقيقٌ: يا حاتِمُ؛ وفَّقَكَ اللهُ تعالىٰ، فإنِّي نظرتُ في علومِ التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والقرآنِ العظيمِ، فوجدْتُ جميعَ أنواعِ الخيرِ والديانةِ، وهيَ تدورُ علىٰ هذهِ الثمانِ مسائلَ، فمَنِ استعملَها.. فقدِ استعملَ الكتبَ الأربعةَ.
فهذا الفنُ مِنَ العلمِ لا يهتمُّ بإدراكِهِ والتفطُّنِ لهُ إلاَّ علماءُ الآخرةِ، أمَّا علماءُ الدنيا.. فيشتغلونَ بما يتيسَّرُ بهِ اكتسابُ المالِ والجاهِ، ويهملونَ أمثالَ هٰذهِ العلومِ التي بها بعثَ اللهُ الأنبياءَ كلَّهُمْ عليهِمُ السلامُ.
وقالَ الضحَّاكُ بنُ مزاحمٍ: أدركتُهُمْ وما يتعلَّمُ بعضُهُمْ مِنْ بعضٍ إلا الورعَ، وهمُ اليومَ ما يتعلَّمونَ إلاّ الكلامَ".
الحمد لله، يُنوِّر قلب من يشاء، ويهبُ -سبحانه وتعالى- من واسع جوده ما يُدرِك به القلب عظيم النبأ. ونشهد أن الله وحده لا شريك له، إلهٌ حيٌ قيومٌ قديرٌ بيدهِ ملكوتِ كل شيء، فكل من التفت إلى ما سواه فما التفت إلَّا إلى هباء، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله سيد أهل الصدق مع الرحمن -جلّ جلاله- وإمامُ القادة النُجباء، اللهم أدم صلواتك على عبدك المُختار سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الشُرفاء، ومن والاهُم فيكَ واتبعهم بإحسان على صدق المحبة والولاء، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الأرض والسماء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك.. يا أرحم الراحمين، يا عظيم الجودِ، يا جزيل العطاء.
وبعدُ،،
فيذكر المؤلف -رحمه الله- من علامات علماء الآخرة -جعلنا الله وإيَّاكم منهم- قال: أن تتوجَّه عنايتهم لما ينفعُ -عند الله وفي الدار الآخرة- فيهتمّون به، ويتعمّقون فيه، ويعوِّلون عليه، ويفكِّرون فيه، وينتبهون منه، فهذه علامة من علامات علماء الآخرة، لأن كل ما عقَل به، وما ينظر مولانا منَّا إلَّا إلى قلوبنا، وإذا تعلَّق القلب بأي شيءٍ فإنه يُفكّر فيه، ويهتم به، ويعطيه الأهميَّة والأوليَّة في شؤونِه وأحوالِه. فمن كان له همُّ الرُّجعة إلى الله والمنزلة عند الله فإنه يميل بقلبه إلى العلوم التي تُحصِّل له المنافع الكبرى عند الله وفي الدار الآخرة، (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) [القصص: 83].
قال: العلم الذي يُرغِّب في الطاعات والعبادات والحسنات والمُقرِّبات إلى الله ومحبوبات الرحمن؛ وتحمل على البعد عن المعاصي والذنوب؛ فيجتنب العلوم "التي يقلُّ نفعُها -في الآخرة، وإن كان- يكثرُ فيها الجدالُ والقيلُ والقالُ" في الدنيا، فليس قصده الدنيا ولا ما فيها.
قال: فـ "مَنْ يعرضُ عَنْ علْمِ الأعمالِ ويشتغلُ بالجدالِ مثالُ رجلٍ مريضٍ بهِ عللٌ كثيرةٌ، وقد صادفَ طبيبًا حاذقًا في وقتٍ ضيِّقٍ"، ليس معه فرصة إلا دقائق أو ساعات والطبيب يسافر، "فاشتغلَ بالسؤالِ عنْ خاصيَّةِ العقاقيرِ والأدويةِ وغرائبِ الطبِّ". والمرض الذي فيه ما ذكره للطبيب، ولا أخذ علاجه! "وتركَ مُهِمَّهُ الذي هوَ مؤاخذٌ بهِ، وذلكَ محضُ السفهِ"، سفيه هذا، بليد! وراح الطبيب قال: أنا أردت يعالجني.. كنت عنده جالس، ولا أخذت منه دواء علّتك؛ للشِّفاء من مرضك الذي أنت فيه!
فأنت في هذه الدنيا تحتاج إلى تصفيَة باطنك، والاستعداد لمقابَلة ربّك، فإذا اشتغلت بشيء آخر.. مثل هذا! ما يهمك الآن، وليس لك به غرض، وأنت في ضرورة لعلم أهم وهو ألصق بحاجتك.
وهذا الحديث الذي ذكره أبو نعيم في الحليَة وابن عبد البر وجاء في جامع البيان يقول: "أنَّ رجلاً جاءَ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: علَّمني مِنْ غرائبِ العلمِ، فقالَ لهُ: "ما صنعتَ في رأسِ العلمِ؟" -أولًا- فقالَ: وما رأسُ العلمِ؟ قالَ ﷺ: "هلْ عرفتَ الربَّ تعالىٰ؟" قالَ: نعمْ، قالَ: "فما صنعتَ في حقِّهِ؟" قالَ: ما شاءَ اللهُ، فقالَ ﷺ: "هل عرفتَ الموتَ؟" قالَ: نعمْ، قال: "فما أعْدَدْتَ لهُ؟" قالَ: ما شاءَ الله، قالَ ﷺ: "اذهبْ فأحْكِمْ ما هنالكَ -كيف تعامل ربَّك؟ وكيف تستعد للانتقال من هذه الحياة؟-، ثمَّ تعالَ.. نُعَلَّمْكَ مِنْ غرائبِ العلمِ". ما دمت قاصر في هذا فما أنت أهل ولا تستطيع أن تعرف غرائب العلم؛ ولكن خُذ بهذا الذي ينفعك، والذي يرفعك، فهو بدُّك وهو لازمك، المُتحتم عليك الانتباه منه.
بل قال: أن "جنسِ -العلم الذي تعلمه- حاتِمٍ الأصمِّّ -من شيخه- شقيقٍ البلخيِّ -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى-، وأنَّ شقيقٌ البلخي -هذا من بَلخَ- يقول: منذُ كمْ صحبتني؟ قالَ حاتِمٌ: منذُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً، قالَ: فما تعلمتَ منِّي في هذهِ المدَّةِ؟ -ثلاثين سنة وأنت عندي، ما الفوائد؟- قالَ: ثمانُِ مسائلَ،-ها..-ثلاثٍ وثلاثين سنة وما معك إلا ثمانِ مسائل!- قالَ شقيقُ لهُ: إنّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ، ذهبَ عمري معكَ ولمْ تتعلَّمْ إلا ثمانيَ مسائلَ! قالَ: يا أستاذُ؛ لمْ أتعلَّمْ غيرَها، وإني لا أحبُّ أنْ أكذبَ، فقالَ: هاتِ هٰذهِ الثمانيَ مسائلَ حتَّىٰ أسمعَها، قالَ حاتِمٌ:
أمَّا الأولىٰ: نظرتُ إلى هذا الخلقِ، -شأن الناس في حياتهم هؤلاء المكلفين أمثالي من بني آدم، وما يمرون به في هذه الحياة، وما يخرجون به من هذه الدنيا، نظرت في شأن هذا الخلق- فرأيتُ كلّ واحدٍ يحبُّ محبوبًا فهوَ معَ محبوبِهِ"؛ وذا يتعلَّق بالمال، وذا يتعلَّق بالجاه، وذا يتعلَّق بالوظيفة، وذا يتعلَّق بالعقارات والدّيار، وذا يتعلَّق بالحديد والإسمنت، وذا يتعلَّق بالصناعة، وبعد ذلك كلها عند القبر لا واحد يصحبهم منها؛ كلَّها تروح! فكرت.. بغيت أحب شيء يدخل معي إلى قبري؛ "فجعلتُ الحسناتِ محبوبي" طاعات ربي وما يُقربّني إليه هو المحبوب، فأُكثِر منه ليل ونهار وكل ما معي من قوة وفرصة وفراغ حسنات، وهذا يدخل معي إلى داخل القبر، "فإذا دخلتُ القبرَ.. دخلَ محبوبي معي".
وهذا هو الإرشاد الذي أرشد إليه ﷺ قال: "تْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ".
وَتُصْبِحِينَ بِقَبْرٍ لَا أَنِيسَ بِهِ *** الْأَهْلُ وَالصَّحْبُ لَمَّا أَلْحَدُوا ذَهَبُوا
وَخَلَّفُوكَ وَمَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ *** الْمَالُ مُسْتَأْخَرُ وَالْكَسْبُ مُصْطَحَبُ
قال له: أحسنت، يا حاتم! يظهر أن المسائل التي معك ليست عادية، هذه مسائل كبيرة جامعة لمعاني مهمة؛ "فقالَ: أحسنتَ يا حاتِمُ، فما الثانيةُ؟
فقالَ: نظرتُ في قولِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41]، فعلمتُ أنَّ قولَهُ سبحانَهُ هوَ الحقُّ، فأجهدتُ نفسي في دفعِ الهوىٰ حتَّى استقرَّتْ على طاعةِ اللهِ تعالى". وأتخلَّص من الهوى.
- وقد أوحى الله إلى النبي داود: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ) وهو نبي معصوم يقول له: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)[ص: 26]. وفيه دليل على أنَّ الهوى يتسلَّط على قدر نسيان الآخرة، على قدر نسيان يوم الحساب يتسلَّط الهوى؛ فيَضِل عن سبيل الله.
- قال -سبحانه- (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28]، ضايعًا مهملا.
- قال سيدنا الإمام الحداد:
فَأعْلَمْ هُدِيتَ وَخَيْرُ العِلْمِ أَنْفَعُهُ *** أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى ضَرْبٌ مِنَ الخَبَلِ
فَكَمْ وَكَمْ ضَلَّ بِالْأَهْوَا وطَاعَتِهَا *** مِنْ عَاقِلٍ جَامِعٍ لِلعِلمِ وَالْعَمَلِ
عاقل عنده علم وعمل، وجاءه الهوى وأخذه!
ولهذا كانوا يقولون: قُطرَةٌ مِنَ الهَوَى تُخمِّجُ بَحرًا مِنَ الْعِلْم. لو معك بحر من العلم وجاءتك قُطرة من الهوى، ما عاد ينفعك علمك هذا!
وهو الذي يُشير إليه قوله -سبحانه وتعالى-: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) [غافر: 83-85].
وأشار إليه في الآية الأخرى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ۖوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ.. -ولما ذكر قوم عاد وإهلاكهم- وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف: 27-28]. سمع، وأبصار، وأفئدة.. يعني عندهم أنواع من المعلومات والثقافة. حتّى أنهم كانوا يقولون: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت: 15]، وكانت عندهم حضارة كبيرة، وينحتون من الجبال بيوتًا (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) [الشعراء: 149]. وفي أشياء أعطاهم الله إياها، (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً). وقال (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) [الفجر: 7-8]، ولكن ما أغنى عنهم!
وقُلنا، فإذا كان صالحوا الأمة في القرون السابقة يقولون: إنَّ قُطرَة مِنَ الهَوَى تُخمِّج بَحرًا مِنَ الْعِلْم، ويقولون: نحن اُبتُلينا في زمننا ببحرٍ من الهوى، وقطرةٍ من العلم!
نرى مِن الناس عنده من العلم قطرة وبحر كامل من الهوى! يا لطيف.. كيف سيصلَّح؟! ولهذا ما انتفعوا بالعلم، آثروا الهوى؛ والأهواء تضل الناس.
(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ) ميلُها إلى الشرِّ والسوء، وهو شأن خفيّ، تُلبِّس النفس على الإنسان؛ تتبَع هواها ويظن إنه يتبع خير أو يتبع كذا..، تلبِّس عليه، وهي حيث تهوى! لكن حاتم الأصم توجَّه عليها "فقالَ: نظرتُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41]، فعلمتُ أنَّ قولَهُ سبحانَهُ هوَ الحقُّ، فأجهدتُ نفسي في دفعِ الهوىٰ". فصار كما قال ﷺ في كامل الإيمان: "لا يؤمنُ أحدُكُمْ حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لِما جئتُ بهِ". خلاص راح الهوى من عنده؛ فصار ما عاد يهوَى إلَّا الرَّب، والقُرب من الرَّب، وعبادَة الرَّب، ومحبَّة الرَّب، واتِّباع سيِّد العرب وحبيب الرَّب ﷺ. فصار هكذا الهوى حقّه؛ ما عاد يهوى العلو ولا يهوى الفساد ولا يهوى الشهوات. ولهذا قالوا فيهم:
القادة القدوة *** السادة الصفوة
لي ما لهم شهوة *** إلَّا لذكرِ الله
صارت الشهوة ذكر الله، يشتهون ذكر الله -تبارك وتعالى-. حتى صار يقول بعضهم: أخشى أن لا أؤجر على تلاوة القرآن! قالوا: لماذا؟ قال: من كثرة الحلاوة اللي أجدها.. فأنا أشتهيه! قالوا: بارك الله لك في شهوتك، هذه شهوة شريفة. نِعمَ ما اشتهيت!
كان الإمام محمد بن حسن جمل الليل -من ذريَّة الفقيه المقدم- كان إذا قرأ القرآن ذاقَ حلاوة قويَّة، ويطعم مثل طعم العسل في فمه، ولا يشعر بجوع ولا عطش، وكلَّما قرأ القرآن هكذا حاله. فإذا جاء رمضان يقول: الحين بغيت أشعر بالصوم، كيف أعمل؟ ما أشعر بالجوع ولا بالعطش بسبب القرآن! حتَّى حاول يصلِّح أوراده في النهار من غير القرآن، أنواع الأذكار الأخرى والأعمال الصالحة والتأليف، ويُؤخِّر أكثر تلاوته إلى الليل. قال: عسى أن أجد أثرًا للصوم. يقول: أنا ما أحس بالصوم! إذا تلوت القرآن.. ذهب عني الظمأ، وذهب عني الجوع، وأَحس بحلاوة.
الله يرزقنا التَّخلي من الهوى، ويجعل هوانا تبعاً لما جاء به حبيبه محمد صلى الله وسلّم عليه وعلى آله.
قال: "الثالثةُ: أنِّي نظرتُ إلىٰ هٰذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ مَنْ معَهُ شيءٌ لهُ قيمةٌ ومقدارٌ عندَهُ رفعَهُ وحفِظَهُ -وفكَّر فيه ورتَّبه-، ثمَّ نظرتُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل:96]، فكلَّما وقعَ معي شيءٌ لهُ قيمةٌ ومقدارُ.. وجهتُهُ إلى اللهِ -مباشرة لأجل- يبقىٰ لي عندَهُ محفوظًا"، وإذا بقي عندي سيفنى؛ فأعطِيه إياه مباشرة ليبقى.
قال:
لَقَد رَفَضوا الدُنيا الغَرورُ وَما *** سَعوا لَها وَالَّذي يَأتي يُبادِرُ بِالبَذلِ
فَقيرهُم حُرٌّ وَذو المالِ مُنفِقُ *** رَجاءَ ثَوابِ اللَهِ في صالِحِ السُبُلِ
قال: فأنا الأشياء الثمينة والغالية كلها قدمتها لعنده من أجل تبقى لي؛ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ).
قال: "الرابعةُ: أنِّي نظرتُ إلىٰ هذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ منهُمْ يرجعُ إلى المالِ والحسبِ والشرفِ والنسبِ" الإعتبارات هذه التي بين الخلق: خريج كذا.. وعنده وظيفة كذا، وعنده براءة اختراع في كذا، وعنده منزلة عند فلان وعند فلتان، وعنده من العقار كذا، وعنده من الرصيد كذا.. هذه الاعتبارات!
"فنظرتُ فيها"، وأحسنت النَّظرمن بداياتها إلى أوساطها إلى نهاياتها، فأيقنت وتيقنت أنها لا شيء؛ "فإذا هيَ لا شيءَ". ما للناس وراءها مغترين بها وهي ليست بشيء؟! لأنها تقطع بهم، تقطَعهم، وتنقطِع عنهم. يقول: "ثمَّ نظرتُ إلىٰ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، فعملتُ في التقوى حتَّىٰ أكونَ عندَ اللهِ كريمًا"، أحد يأتي يقابل الملكين في القبر يقول: عندي دكتوراه في الـ…، أو عندي هذا.. لا شيء! أحد هناك سيقول: أنا وزير؟! إذا سألوه: من ربّك؛ سيقول: أنا وزير؟! أنت وزير! ما ينفع.. كلَّها لا شيء، كلهم يعتمدون عليها ويعظمونها ويهتمّون بها وبعدين تُصبح لا شيء. وما هو الذي هو شيء؟ التقوى.
قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].
قال: فتزودت من التقوى، من أجل هذه التي عليها الاعتبار، أكون كريم رفيع القدر عند الرب -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-. "فعملتُ في التقوى حتَّىٰ أكونَ عندَ اللهِ كريمًا."
قال: الله أكبر؛ ما الخامسة؟
الخامسةُ: "نظرتُ إلى هٰذا الخلقِ وهُمْ يطعنُ بعضُهُمْ في بعضٍ ويلعنُ بعضُهُمْ بعضًا، -ويقاتل بعضهم بعضًا، ويضر بعضهم بعضًا، ويحارب بعضهم بعضًا… ألا ترونهم؟ ملؤا الدنيا! هكذا أكثر الناس!- وأصلُ هٰذا كلِّه الحسدُ"، -لِم؟ على سلطة أو على ثروة! هل شيء غيره ثاني تقوّمون القتال هذا كله؟ أطماع! أطماع تتعلّق بالشهوات والثروات والسلطات! لا شيء غيرها. ما الذي يحرك أكثر القتال القائم الآن على ظهر الأرض؟ ما الذي يحركه؟ ما الذي يحركه غيره؟ اقعد محلك لِم تقوم تقاتل صاحبك؟! أطماع، شهوات، دنيا، مال، سلطة عليها، من أجلها يتقاتلون! وهذا عقل هذا؟! هذه إنسانية!
لكن هذا هو واقعهم؛ من قديم، بداية من عند قابيل: لِم أنت مُميز عليّ؟! لِم أنت أحسن مني؟! لِم أنت ستأخذ هذه التي ولدَت معي؟ وأنا آخذ التي ولدَت معك؟ والتي ولدَت معي أجمل من التي عندك؟! بعد ذلك: (قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ)، ماذا عمل فيك؟ لا آذاك، ولا أخذ شيء حقك، ولا مَد يده عليك! قال: لأقتلنك، وما دام ظهرت العلامة وتقبل الله منه، تقول له: لأحبّنك أو لأقتدين بك. قال: (لَأَقْتُلَنَّكَ)! ما السبب؟ حسد! ما دام الله قبل منه؛ أحبه واقتدِ به، حتى يَقبل منك كما قَبل منه.. قال: سأقتلك!
يقول الله لرسوله خبِّرهم بداية المشاكل والشرور حقهم من عند آدم، ما الذي معهم؟ حسد! (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ*) ، تَمسَّك بالتقوى وسيتقبل منك، ولِم تقتلنا؟! (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ)، من أجل ضعف؟ لا. من أجل جبن؟ لا. (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)، (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)، خوفي لله أبعد الهوَى مني، وإلا أنا آدمي كماك، وكلنا عيال آدم، إذا واحد سيضربك؟! أنت ستضربه، إذا واحد سيقتلك أنت ستقتله وتقول: أتغدى به قبل ما يتعشى بي؛ كما يقولون الناس. أو لا؟! لكن قال: أنا عندي من الله خوف أحرق الهوى، ما عندي هذا، (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ*) وحذَّره ووعَظه وذكّره بالعاقبة، قال: (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ*) انظر العاقبة الكبيرة والمستقبل الأخطر والمآل العظيم. لا فائدة! (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) هوى! هوى! هوى، حسد (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ) [المائدة:27-30]، ومن ذاك اليوم لا تُقتل نفس ظلمًا إلى يوم القيامة إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ منها.
اليوم هذا كم قُتلت نفس ظلمًا؟ مسكين! كم عليه آثام! وأمس وقبل أمس والسنين الماضية والقرون الماضية، كم قُتلت نفوس ظلم؟ مثل إثمها كله على الأول هذا؛ لأنه سَنّ القتل، أول من سنّ القتل، أنظر ماذا أحضر لنفسه؟ مصيبة، وكله بالحسد والهوى.
سيدنا حاتم قال: رأيتهم من أجل هذا الحسد حاملين صملهم -أي: عِصِيِّهِم- على بعضهم البعض، وذا يكذب على ذا، وذا يبغض ذا، وذا يضرب ذا، وذا يقاتل ذا، وذا يتحيّل على ذا، وذا يخدع ذا، وهم هكذا معتركين. لا إله إلا الله
قال: "فتركتُ الحسدَ واجتنبتُ الخلقَ" بعد ما نظرت في قول ربي: "(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الزخرف:32]. وعلمتُ أنَّ القسْمَ مِنْ عندِ اللهِ" لا أحد سيقدر يأخذ قسمي ذا ولا ذا ولا ذاك.
لا سيقدر يمنعني من قسمي، ولا سيقدر يزيد في قسمي شيء ما قسمه الله لي.
الَذِى لَغِيْرِكْ , لَنْ يَصِلْ إِلَيكْ *** وَالَّذِي قُسِمْ لَكْ حَاصِلٌ لَدَيكْ
فَاشْتَغِلْ بِرَبَّكْ , وَالذِى عَلَيكْ *** فِي فَرْضِ الْحَقِيقَهْ وَالشَّرْعِ المَصُونْ
لاَ يَكْثُرُ هَمُّكْ مَا قُدِّرْ يَكْونْ
قال: عرفت؛ هو الذي يقسم.
اعتبرْ نحنُ قَسَمْنا بينَهُمْ *** تلقَهُ حقاً وبالحقِّ نَزَلْ
نَحْنُ قَسَمْنَا، نَحْنُ قَدَّرْنَا؛ الله يقول.
ولكن الآن الشيطان وحْيُه إلى نفوس كثير -حتى من المسلمين- الذين يقسّمون والذين يقدمون ويؤخرون سياسات ومؤسسات في الدنيا هي ترفع وتخفض وتقدم وتؤخر وتعطي وتمنع.. هذا كذب كله!
هم وما عندهم وخططهم؛ تحت قُدرة القادر، وحكمة الحكيم، وإرادة المريد، وعظمة العظيم، (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56].
أنظر إن أردت شيء؛ حقيقة خير أو نفع في الدنيا والآخرة، روح لعنده، هو الذي سيعطيك على رغم أنوفهم هؤلاء كلهم، "ولا مانع لِما أعطيتَ ولا مُعطِيَ لِما مَنعتَ" وهذا وحيُ الله..
ولكن وحي الشيطان فيه مقدمين ومؤخرين، ورافعين وخافضين، ومعطين ومانعين غير الله! كذاب، كذبت.
"لا مانع لِما أعطيتَ ولا مُعطِيَ لِما أعطيتَ، ولا رادّ لِما قَضيتَ، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت". الله يرزقنا كمال اليقين.
هذا يقول: علمتُ أن ربي هو الذي قَسَم، ما عُاد تحاملت على أحد، ولا قلت لا يأخذ علي ولا سيزيد لي، ولا سينقص ولا سيزيد. خلاص! خلّصت نفسي من ورطات التحامل على الغير، صغير ولا كبير ولا ذكر ولا أنثى ولا أفراد ولا جماعة، وطهرتُ قلبي من الجميع. الله أكبر.
قال: علمتُ أنه القاسم "وتركتُ الحسدَ واجتنبتُ الخلقَ، فتركتُ عداوةَ الخلْقِ عنِّي"؛ فما عاد اشتغلت بأحدٍ منهم، لا يقطعونا عن ربي ولا أقطعهم، ولا يشغلونا بشيء ما ينفعنا ولا أشغلهم بشيء ما ينفعهم.
و"السادسةُ: -قال- نظرتُ إلىٰ هذا الخلقِ يبغي بعضُهُمْ علىٰ بعضٍ، ويقاتلُ بعضُهُمْ بعضًا -وأنا فكرتُ الحين أنا أقاتل مَن؟ قال:- فرجعتُ إلى قولِ اللهِ تعالىٰ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)[فاطر:6]، فعاديتُهُ وحدَهُ، واجتهدتُ في أخْذِ حِذري منهُ؛ لأنّ اللّهَ تعالىٰ -قال- شهدَ عليهِ أنَّهُ عدوٌّ لي، فتركتُ عداوةَ الخلْقِ غيرَهُ"، فاتخذته عدوًا. (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس:60،61]، (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف:50].. فعادَى الشيطان وأولياءَ الشيطان، الله أكبر.
"والسابعةُ: نظرتُ إلى هذا الخلقِ، فرأيتُ كلَّ واحدٍ منهُمْ يطلبُ هذهِ الكِسرةَ، -والنفقة وقد يَتجاوز حد الحاجة إلى الكماليّات وإلى الترفُّه، ومن أجلها- يذلُّ نفسَهُ، ويدخلُ فيما لا يحلُّ لهُ، -ويأخذ الأمر من غير وجهه، ويغش ويكذب ويُرابي من أجل هذا المتاع، قال: وتأملت قول ربي-: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]، فعلمتُ أنِّي واحدٌ مِنْ هٰذهِ الدوابِ - التي تدب على ظهر الأرض ورزقي عليه-؛ فاشتغلتُ بما للهِ تعالىٰ عليَّ، -من العبودية والعبادة والطاعة- وتركتُ ما لي عندَهُ"، لأنه في يد أمين، في يد كريم، في يد سخيّ -ما بيقصر عليّ شيء- سبحانه وتعالى، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ) [الطلاق: 2-3]
قال " الثامنةُ: نظرتُ إلى هذا الخلقِ، فرأيتُهُمْ كلَّهُمْ متوكِّلينَ علىٰ مخلوقٍ؛ هذا علىٰ ضيعَتِهِ، -على العقار الذي معه- وهذا علىٰ تجارتِهِ، وهذا على صناعتِهِ، وهذا علىٰ صحَّةِ بدنِهِ، -والآن في وقتنا متوكلين على ضيعة غيرهم، وعلى تجارة غيرهم، وعلى صناعة غيرهم، معتمدين عليهم متوكلين عليهم، وبعد ذلك؟!- وكلُّ مخلوقٍ متوكِّلٌ على مخلوقٍ مثلِهِ، -ومعتمد عليه، ومستند إليه، ويرى أن أمره بيده؛ فيركن إليه قال:- فرجعتُ إلى قولِهِ تعالىٰ: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]، فتوكلتُ على اللهِ عزَّ وجلَّ، فهوَ حسبي" .
تأمل شقيق البلخي في هذا.. "قال: يا حاتِمُ؛ وفَّقَكَ اللهُ تعالىٰ، فإنِّي نظرتُ في علومِ التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والقرآنِ العظيمِ، فوجدْتُ جميعَ أنواعِ الخيرِ والديانةِ، وهيَ تدورُ علىٰ هذهِ الثمانِ مسائلَ، -التي ذكرتَ لي- فمَنِ استعملَها.. فقدِ استعملَ الكتبَ الأربعةَ"، عَمِل بما في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن.
يقول سيدنا الغزالي: مثل هذه العلوم مَن الذي يرغَب فيها؟ ومَن الذي ينتبه منها؟ ومَن الذي يراها قيمة ومهمة؟
قال: علماء الآخرة.
علماء الآخرة يرون هذه مهمة، فإن كنتَ منهم فهذه مهمة عندك، هذه العلوم المهمة تحب تغوص عليها، وتتحقق بها، وتتذوقها، وتتسع في مجالها.
ومن العجيب أيضًا ما جاء عن سيدنا طاؤوس اليماني جاء إليه زائر يزوره، فخرج له عند الباب شايب، قال له: أنت طاؤوس؟ قال له: لا، ذاك أبي. قال له: أنت قدك شايب وذاك أبوك، طاؤوس يكون قد خَرف؟ قال له: لا. قال: استأذن لي عليه. دخل عنده فرجع قال: يقول لك أبي إنه قد أشرف على الموت ومضى عمره فلا تطل الكلام واختصر الجلسة معه. قال: دخل عليه فسلَّم عليه، وردّ عليه السلام وتأنس به. قال له: ماذا تريد؟ قال له: أريد وصية منك. قال: تريد أن أجمع لك التوراة والإنجيل والزبور والقرآن في ثلاث كلمات؟ قال له: ياحبذا! زين.
قال:
- خف من الله حتى لا يكون شيء أخوف عليك منه؛ هذه الأولى.
- والثانية: قال: ارجُه أكثر من خوفك منه، وارجُه أكثر من خوفك منه،
- الله أكبر.
- والثالثة: قال: أَحب للناس ما تحب لنفسك.
اذهب فإنك إذا عملتَ بهذا؛ فقد عملتَ بما في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
قال: "فهذا الفنُ مِنَ العلمِ لا يهتمُّ بإدراكِهِ والتفطُّنِ لهُ إلاَّ علماءُ الآخرةِ، أمَّا علماءُ الدنيا.. -يقول: ماذا سيفيدنا ذا؟ سيدخل لنا كم ذا؟ سيوصلنا نحن إلى أي وظيفة هذا؟ سيجيب لنا كم مرتب؟ لاحول ولاقوة إلا بالله، فما يهتمون به؛ لأنه ليس مرادهم الآخرة. قال:- فيشتغلونَ بما يتيسَّرُ بهِ اكتسابُ المالِ والجاهِ، ويهملونَ أمثالَ هٰذهِ العلومِ التي بها بعثَ اللهُ الأنبياءَ كلَّهُمْ" -صلوات الله وسلامه عليهم وذَكر قول- "الضحَّاكُ بنُ مزاحمٍ: أدركتُهُمْ -يعني خيار المسلمين- وما يتعلَّمُ بعضُهُمْ مِنْ بعضٍ إلا الورعَ، -قال: وحصّلت اليوم قومًا- ما يتعلَّمونَ إلاّ الكلامَ." يتعلمون الكلام، كلٌّ يتعلم من الثاني كلام، والورع والتقوى غير موجود بينهم.
فيا محول الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى أحسن حال.
"ومنها: أَنْ يكونَ غيرَ مائلٍ إلى الترفُّهِ في المطعمِ والمشربِ، والتنعمِ في الملبسِ، والتجمُّلِ في الأثاثِ والمسكنِ: بلْ يؤثرُ الاقتصادَ في جميعٍ ذلكَ، ويتشبَّهُ فيهِ بالسلفِ -رحمهُمُ اللهُ تعالى-، ويميلُ إلى الاكتفاءِ بالأقلِّ في جميعِ ذلكَ، وكلَّما زادَ إلى طرفِ القلَّةِ ميلُهُ.. ازدادَ مِنَ اللهِ قربُهُ، وارتفعَ في علماءِ الآخرةِ حزبُهُ.
ويشهدُ لذلكَ ما حُكِيَ عنْ أبي عبدِ اللهِ الخوَّاصِ وكانَ مِنْ أصحابِ حاتِمٍ الأصمِّ، قالَ: دخلتُ معَ حاتِمِ الرَّيَّ ومعنا ثلاثُ مئةٍ وعشرونَ رجلًا نريدُ الحجَّ وعليهِمُ الزُّرَنْبانِقاتُ، وليسَ معَهُمْ جِرابٌ ولا طعامٌ، فدخلْنا علىٰ رجلٍ مِنَ التجَّارِ متقشُفٍ يحبُّ المساكينَ، فأضافَنا تلكَ الليلةَ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ.. قالَ لحاتمٍ: ألكَ حاجةً؟ فإنّي أريدُ أنّ أعودَ فقيهًا لنا هوَ عليلٌ، قالَ حاتمٌ: عيادةُ المريضِ فيها فضلٌ، والنظرُ إلى الفقيهِ عبادةٌ، وأنا أيضًا أجيءُ معكَ، وكانَ العليلُ محمدَ بنَ مقاتلٍ قاضيَ الرَّيِّ، فلمَّا جئنا إلى البابِ.. فإذا هوَ يشرقُ حسنًا، فبقيَ حاتمٌ متفكرًا يقولُ: بابُ عالمٍ علىٰ هذهِ الحالِ!
ثمَّ أذن لهُمْ فدخلوا، فإذا دارٌ حسناءُ قوراءُ، واسعةٌ نزِهَةٌ، وإذا بزَّةٌ وأمتعةٌ وستورٌ، فبقيَ حاتِمٌ متفكِّرًا، ثمَّ دخلوا إلى المجلسِ الذي هوَ فيهِ، فإذا بفُرُشٍ وطيئَةٍ وهوَ راقدٌ عليها، وعندَ رأسِهِ غلامُ وبيدِهِ مِذبّةٌ، فقعدَ الزائر عندَ رأسِهِ وسألَ عنْ حالِهِ وحاتمٌ قائمٌ، فأوماً إليهِ ابنُ مقاتلِ أنِ اجلسْ، فقالَ: لا أجلسُ، فقالَ: لعلَّ لكَ حاجةً، قالَ: نعمْ، فقالَ: وما هيَ؟ قال: مسألةٌ أسألَكَ عنها، قال: سلني، قالَ: قمْ فاستوِ جالسًا حتَّىٰ أسألَكَ، فاستوىٰ جالسًا.
قالَ حاتمٌ: علمُكَ هذا مِنْ أينَ أخذتَهُ؟ قالَ: مِنَ الثقاتِ حدَّثوني بهِ، قالَ: عمَّنْ؟ قالَ: عَنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، قالَ: وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عمَّنْ؟ قالَ: عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ، قالَ: ورسولُ اللهِ ﷺ عمَّنْ؟ قالَ: عَنْ جبريلَ -عليهِ السلامُ- عَنِ اللهِ سبحانَهُ وتعالىٰ .
قالَ حاتمٌ: ففيما أدّاهُ جبريلُ -عليهِ السلامُ- عَنِ اللهِ تعالىٰ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وأدَاهُ رسولُ اللهِ ﷺ إلىٰ أصحابِهِ، وأصحابُهُ إلى الثقاتِ، وأدَّاهُ الثقاتُ إليكَ: هلْ سمعتَ فيهِ: مَنْ كانَ في دارِهِ أميراً وكانتْ سعتُهُ أكثرَ.. كانَ لهُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ المنزلةُ أكبرَ؟ قالَ: لا، قالَ: فكيف سمعتَ؟ قالَ: سمعتُ: أنّهُ مَنْ زهدَ في الدنيا ورغبَ في الآخرةِ وأحبَّ المساكينَ وقدَّمَ لآخرتِهِ.. كانتْ لهُ عندَ اللهِ المنزلةُ.
قالَ لهُ حاتمٌ: فأنتَ بمنِ اقتديتَ؟ أبالنبيِّ ﷺ وأصحابِهِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- والصالحينَ، أمْ بفرعونَ ونمروذَ أوَّلِ مَنْ بَنَىٰ بالجصّ والآجرِّ؟!
يا علماءَ السوءِ؛ مثلُكُمْ يراهُ الجاهلُ المتكالبُ على الدنيا الراغبُ فيها فيقولُ: العالمُ علىٰ هذهِ الحالةِ، لا أكونُ أنا شرًّا منهُ! وخرجَ مِنْ عندِهِ.. فازدادَ ابنُ مقاتلٍ مرضًا وبلغَ أهلَ الرَّيِّ ما جرىٰ بينَهُ وبينَ ابنِ مقاتلٍ، فقالوا لهُ: إنَّ الطَّنافِسيَّ بقزوينَ أكثرُ توسُعًا منهُ، فسارَ حاتمُ إليهِ متعمدًا، فدخلَ عليهِ، فقالَ: رحمَكَ اللهُ؛ أنا رجلٌ أعجميٌّ أحبُّ أنْ تعلِّمَني مبتدأ ديني ومفتاحَ صلاتي كيفَ أتوضأُ للصلاةِ، قال: نعمْ وكرامةً، يا غلامُ؛ هاتِ إناءً فيه ماءٌ، فأَتيَ بهِ، فقعدَ الطنافسيُّ فتوضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا ثمَّ قالَ: هٰكذا فتوضَّأَ.
فقالَ حاتمٌ: مكانَكَ حتَّىٰ أتوضَّأَ بينَ يديكَ فيكونَ أَوكدَ لِما أريدُ، فقامَ الطنافسيُّ وقعدَ حاتمٌ فتوضأَ، ثمَّ غسلَ ذراعيهِ أربعًا أربعًا، فقالَ لهُ الطنافسيُّ: يا هذا؛ أسرفتَ، قالَ لهُ حاتمٌ: في ماذا؟ قالَ: غسلتَ ذراعيكَ أربعًا.
فقالَ حاتمٌ: يا سبحانَ اللهِ العظيمِ! أنا في كفِّ مِنْ ماءٍ أسرفْتُ، وأنتَ في جميع هٰذا كلِّهِ لمْ تسرفْ؟!
فعلمَ الطنافسيُّ أنَّهُ قصدَ ذلكَ دونَ التعلُّمِ، فدخلَ إلى البيتِ فلمْ يخرجُ إلى الناسِ أربعينَ يومًا.
فلمَّا دخلَ حاتمٌ بغدادَ.. اجتمعَ إليهِ أهلُ بغدادَ، فقالوا: يا أبا عبدِ الرحمٰنِ؛ أنتَ رجلٌ ألكنُ أعجميٌّ وليسَ يكلِّمُكَ أحدٌ إلا قطعتَهُ!
قالَ: معي ثلاثُ خصالٍ بهنَّ أظهرُ على خصمي: أفرحُ إذا أصابَ خصمِي، وأحزنُ إذا أخطأَ، وأحفظُ نفسي ألاَّ أجهلَ عليهِ".
هذه أيضاً من قصة حاتم الأصم عليه راضون الله.
قال: من علامة علماء الآخرة ما يكون ميلهم إلى التوسع والترفه وفي الأمتعة وفي الألبسة وفي المباني، وما تيسر من ذلك فهو كلما قل فهو عندهم أفضل، ويؤثرون الاقتصاد يتشبهون بالحبيب ﷺ. أيام توسعة المسجد النبوي وكسرت الحجر التي كان يسكنها أزواجه ﷺ، بكى الناس -ترى المدينة أكثر بكاء بعد يوم وفاته من يوم تكسير الحجر- وسيدنا الحسن البصري قالوا: ليتهم تركوها، أو تركوا شيء منها حتى ترى الأمة ماذا اختار نبيهم لنفسه في عيشته وكيف عاش، لقد كنت أدخلها وإن يدي لتصل إلى سقفها. تصل يدي إلى سقف الحجر التي عاش فيها ﷺ مع أزواجه أمهات المؤمنين. لذا قال كان يود الأمة يرون ما اختار نبيهم لنفسه في عيشته، ويأتيه الذهب والفضة وينفقها في سبيل الله ويهبها، وهو اختار هذا عليه الصلاة والسلام.
قال: "بلْ يؤثرُ الاقتصادَ في جميعٍ ذلكَ، ويتشبَّهُ فيهِ بالسلفِ -رحمهُمُ اللهُ تعالى-، ويميلُ إلى الاكتفاءِ بالأقلِّ في جميعِ ذلكَ، وكلَّما زادَ إلى طرفِ القلَّةِ ميلُهُ.. ازدادَ مِنَ اللهِ قربُهُ، وارتفعَ في علماءِ الاخرةِ حزبُهُ".
-قال: وهذه الحكاية تشهد بذلك:- "عنْ أبي عبدِ اللهِ الخوَّاصِ وكانَ مِنْ أصحابِ حاتِمٍ الأصمِّ، قالَ: دخلتُ معَ حاتِمِ الرَّيَّ ومعنا ثلاثُ مئةٍ وعشرونَ رجلًا نريدُ الحجَّ وعليهِمُ الزُّرَنْبانِقاتُ، -وهي: القمصان؛ الجُبَب من الصوف- وليسَ معَهُمْ جِرابٌ ولا طعامٌ، -متوكلين على الله- فدخلْنا علىٰ رجلٍ مِنَ التجَّارِ متقشُفٍ يحبُّ المساكينَ، -هو تاجر- فأضافَنا تلكَ الليلةَ، فلمَّا كانَ مِنَ الغدِ.. قالَ لحاتمٍ: ألكَ حاجةً؟ فإنّي أريدُ أنّ أعودَ فقيهًا لنا هوَ عليلٌ، قالَ: -مادام عندكم فقيه عليل- عيادةُ المريضِ فيها فضلٌ، -بأعوده معك- والنظرُ إلى الفقيهِ عبادةٌ، -قال: توكل بسم الله- وأنا أيضًا أجيءُ معكَ، -والعليلُ كان القاضي حق الرَّيِّ، وهو محمدَ بنَ مقاتلٍ، فلمَّا وصلوا عند باب بيته رأى باب مُميّز عن الأبواب فيه زهلقة وفيه زخرفة، قال: هو الفقيه حقهم هذا!- جئنا إلى البابِ.. فإذا هوَ يشرقُ حسنًا -الباب-، فبقيَ -يتفكرعالم فقيه هذا حاله!-
أذن لهُمْ فدخلوا، فإذا دارٌ حسناءُ قوراءُ، واسعةٌ نزِهَةٌ، وإذا بزَّةٌ وأمتعةٌ وستورٌ، -زاد تعجبه!- ثمَّ دخلوا إلى المجلسِ الذي هوَ فيهِ، فإذا بفُرُشٍ وطيئَةٍ وهوَ راقدٌ عليها، وعندَ رأسِهِ غلامُ وبيدِهِ مِذبّةٌ -يروِّح عليه- فقعدَ الزائر -هذا- عندَ رأسِهِ وسألَ عنْ حالِهِ وحاتمٌ قائمٌ، فأومأ إليهِ ابنُ مقاتلِ أنِ اجلسْ، فقالَ: لا أجلسُ، فقالَ: لعلَّ لكَ حاجةً، قالَ: نعمْ، فقالَ: وما هيَ؟ قال: مسألةٌ أسألَكَ عنها، قال: سلني، قالَ: قمْ فاستوِ جالسًا حتَّىٰ أسألَكَ، فاستوىٰ جالسًا. -قال للخادم ارفعني وجلس- قالَ حاتمٌ: علمُكَ هذا مِنْ أينَ أخذتَهُ؟ قالَ: مِنَ الثقاتِ حدَّثوني بهِ، قالَ: عمَّنْ؟ قالَ: عَنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، قالَ: وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عمَّنْ -جاءوا بالعلم-؟ قالَ : عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ، قالَ: ورسولُ اللهِ ﷺ عمَّنْ جاء بالعلم ذا من أين؟ قالَ: عَنْ جبريلَ -عليهِ السلامُ- عَنِ اللهِ سبحانَهُ وتعالىٰ .
قالَ حاتمٌ: ففيما أدّاهُ جبريلُ -عليهِ السلامُ- عَنِ اللهِ تعالىٰ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وأدَاهُ رسولُ اللهِ ﷺ إلىٰ أصحابِهِ، وأصحابُهُ إلى الثقاتِ، وأدَّاهُ الثقاتُ إليكَ: هلْ سمعتَ فيهِ: مَنْ كانَ في دارِهِ أميراً وكانتْ سعتُهُ أكثرَ.. كانَ لهُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ المنزلةُ أكبرَ؟ قالَ: لا، قالَ: فكيف سمعتَ؟ قالَ: سمعتُ: أنّهُ مَنْ زهدَ في الدنيا ورغبَ في الآخرةِ وأحبَّ المساكينَ وقدَّمَ لآخرتِهِ.. كانتْ لهُ عندَ اللهِ المنزلةُ.
قالَ لهُ حاتمٌ: فأنتَ بمنِ اقتديتَ؟ أبالنبيِّ ﷺ وأصحابِهِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ- والصالحينَ، أمْ بفرعونَ ونمروذَ أوَّلِ مَنْ بَنَىٰ بالجصّ والآجرِّ؟!
يا علماءَ السوءِ؛ مثلُكُمْ يراهُ الجاهلُ المتكالبُ على الدنيا الراغبُ فيها فيقولُ: العالمُ علىٰ هذهِ الحالةِ، لا أكونُ أنا شرًّا منهُ! -بصلّح مثله- وخرجَ مِنْ عندِهِ" قال: فزاد المرض على ابن مقاتلٍ، وانتشر خبر القصة في البلدة "قالوا لهُ: إنَّ الطَّنافِسيَّ بقزوينَ أكثرُ توسُّعًا -من هذا- فسارَ حاتمُ إليهِ متعمدًا، فدخلَ عليهِ، فسلم عليه ورد السلام
قال: أنا رجلٌ أعجميٌّ أحبُّ أنْ تعلِّمَني مبتدأ ديني ومفتاحَ صلاتي كيفَ أتوضأُ للصلاةِ، قال: نعمْ وكرامةً، -مرحب- يا غلامُ؛ هاتِ إناءً فيه ماءٌ، فأَتى بهِ، فقعدَ الطنافسيُّ فتوضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا ثمَّ قالَ: هٰكذا فتوضَّأَ.
فقالَ حاتمٌ: مكانَكَ حتَّىٰ أتوضَّأَ بينَ يديكَ فيكونَ أَوكدَ لِما أريدُ، فقامَ الطنافسيُّ وقعدَ حاتمٌ فتوضأَ، -فلمّا غسل وجهه ووصل ليديه- غسلَ ذراعيهِ أربعًا أربعًا، فقالَ لهُ الطنافسيُّ: يا هذا؛ أسرفتَ، -قال له: ماذا؟ قال أسرفت قالَ لهُ: في ماذا أسرفت؟ قالَ: تغسل أربعًا! هذه ثلاثة فقط، الرابعة إسراف.
قالَ: -هذا إسراف- يا سبحانَ اللهِ العظيمِ! أنا في كفٍّ مِنْ ماءٍ أسرفْتُ، وأنتَ في -حقك الدار الكبيرة والستور التي عليها والفُرُش الكثيرة الزائدة عن الحاجة ما أسرفتَ؟! جميع هٰذا كلِّهِ لمْ تسرفْ؟!"
كفُّ ماء تقول لي أسرفتَ! هكذا الدين؟! وهذا ما هذا؟! عرف أنه ما قصده يتعلم وقصده يُريه حاله. تأثر؛ فدخل بيته أربعين يومًا ما قدر يقابل الناس.
الناس كانت عندهم ضمائر حيّة فيهم روح يتأثروا، أما من كان ما عنده ضمير ولا عنده حقيقة إيمان سيقول: ماذا تريد مني أذهب. ولكن هذا ما عاد قدر أربعين يوم يقابل الناس بعد الكلام، لا إله إلا الله.
قال: "فلمَّا دخلَ حاتمٌ بغدادَ.. اجتمعَ إليهِ أهلُ بغدادَ، فقالوا: يا أبا عبدِ الرحمٰنِ؛ أنتَ رجلٌ ألكنُ أعجميٌّ وليسَ يكلِّمُكَ أحدٌ إلا -سكت- قطعتَهُ!
قالَ: معي ثلاثُ خصالٍ. قالوا: ماهي الخصال؟ قال: أفرحُ إذا أصابَ خصمِي -أحب أن يصيب- وأحزنُ إذا أخطأَ، وأحفظُ نفسي ألاَّ أجهلَ عليهِ"، ما أسبّ و لا أتجاوز حدي معه، انتبه وأعطي حقه، وأفرح إذا أصاب وأحزن إذا أخطأ.
ولهذا قال الإمام الشافعي: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يكون له من الله رعاية وحفظ، ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق على لسانه، هكذا كان.
"فبلغَ ذلكَ أحمدَ ابنَ حنبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: سبحانَ اللهِ، ما أعقلَهُ ! قوموا بنا إليهِ .
فلما دخلوا عليهِ.. قالَ لهُ: يا أبا عبدِ الرحمٰنِ؛ ما السلامةُ مِنَ الدنيا؟ قال: يا أبا عبدِ اللهِ؛ لا تسلَمُ مِنَ الدنيا حتَّىٰ يكونَ معكَ أربعُ خصالٍ: تغفرُ للقومِ جهلَهُمْ، وتمنعُ جهلَكَ منهُمْ، وتبذلُ لهُمْ شيئَكَ، وتكونُ مِنْ شيئِهِمْ آيساً، فإذا كنتَ هكذا.. سلمتَ .
ثمَّ سارَ إلى المدينةِ، فاستقبلَهُ أهلُ المدينةِ، فقالَ: يا قومٍ؛ أيّةُ مدينةٍ هٰذهِ؟ قالوا: مدينةُ رسولِ اللهِ ﷺ، قالَ: فأينَ قصْرُ رسولِ اللهِ ﷺ حتَّىٰ أصلِّيَ فيهِ؟ قالوا: ما كانَ لهُ قصرٌ، إنَّما كانَ لهُ بيتٌ لاطِءٌ بالأرضِ، قال: فأينَ قصورُ أصحابِهِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-؟ قالوا: ما كانَ لهمْ قصورٌ، إنَّما كانَ لهُمْ بيوتٌ لاطئَةٌ بالأرضِ .
فقالَ حاتمٌ: يا قومُ؛ فهذهِ مدينةُ فرعونَ!
فأخذوهُ وذهبوا بهِ إلى السلطانِ، وقالوا: هٰذا العجميُّ يقولُ: هذهِ مدينةُ فرعونَ، قالَ الوالي: ولِمَ ذلكَ؟ قالَ حاتمٌ: لا تعجَلْ عليَّ، أنا رجلٌ أعجميٌّ غريبٌ، دخلتُ البلدَ فقلتُ: مدينةُ مَنْ هذهِ؟ فقالوا: مدينةُ رسولِ اللهِ ﷺ، فقلتُ: فأينَ قصرُه وقصَّ القصَّةَ، ثمَّ قالَ: وقدْ قالَ اللّهُ تعالىٰ: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21]، فأنتمْ بمَنْ تأسَّيتُمْ؟ أبرسولِ اللهِ ﷺ، أمْ بفرعونَ أوَّلِ مَنْ بنىٰ بالجصّ والآجرِّ؟! فخلوا عنهُ وتركوه.
فهذهِ حكايةُ حاتِمِ الأصمِّ -رحمهُ الله تعالىٰ-، وسيأتي مِنْ سيرةِ السلفِ في البذاذةِ وتركِ التجمُّلِ ما يشهدُ لذلكَ في مواضعِهِ.
والتحقيقُ فيهِ: أنَّ التزيُّنَ بالمباحِ ليسَ بحرامٍ، ولكنَّ الخوضَ فيهِ يوجبُ الأنْسَ بهِ حتَّىٰ يشقَّ تركُهُ، واستدامةُ الزينةِ لا تمكنُ إلا بمباشرةِ أسبابٍ في الغالبِ يلزمُ مِنْ مراعاتِها ارتكابُ المعاصي؛ مِنَ المداهنةِ، ومراعاةِ الخلْقِ ومراءاتِهِمْ، وأمورٍ أخر هيَ محظورةٌ، والحزمُ اجتنابُ ذلكَ؛ لأنَّ مَنْ خاضَ في الدنيا لا يسلمُ منها ألْبتةَ، ولوْ كانتِ السلامةُ مبذولةٌ معَ الخوضِ فيها.. لكانَ ﷺ لا يبالغُ في تركِ الدنيا، حتَّىٰ نزعَ القميصَ المُطَرَّزَ بالعَلَمِ، ونزعَ خاتمَ الذهبِ في أثناءِ الخطبةِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممَّا سيأتي بيانُهُ.
وقد حُكِيَ أنَّ يحيىٰ بنَ يزيدَ النوفليَّ كتبَ إلى مالكِ بنِ أنسٍ -رضيَ اللهُ عنهُمَا-:
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وصَلَّ اللهُ على رَسُوله مُحَمدٍ في الأَولينَ والآخِرِينَ
مِنْ يحيىٰ بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ إلىٰ مالكِ بنِ أنس .
أمَّا بعدُ:
فقدْ بلغني أنَّكَ تلبسُ الدِّقاقَ، وتأكُلُ الرُّقاقَ، وتجلسُ على الوطاءِ، وتجعلُ علىٰ بابِكَ حاجباً، وقدْ جلستَ مجلسَ العلمِ، وضُرِبَتْ إليك المطيُّ، وارتحلَ إليكَ الناسُ، واتخذوكَ إماماً، ورضوا بقولِكَ، فاتقِ اللّهَ تعالىٰ يا مالك، وعليكَ بالتواضع.
كتبتُ إليكَ بالنصيحةِ منِّي كتاباً ما اطلعَ عليهِ إلا اللهُ تعالى، والسلامُ .
فكتبَ إليه مالكٌ:
بسمِ الله الرحمن الرحيم
وصَلَّ اللّه على مُحَمَّدٍ وَآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ
مِنْ مالكِ بنِ أنسٍ إلىٰ يحيى بنِ يزيدَ، سلامُ اللهِ عليكَ.
أمَّا بعدُ :
فقدْ وصلَ إليَّ كتابُكَ، فوقعَ منِّي موقعَ النصيحةِ في الشفقةِ والأدبِ، أمتعكَ اللهُ بالتقوى، وجزاكَ بالنصيحةِ خيراً، وأسألُ اللّٰهَ تعالى التوفيقَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ .
فأمَّا ما ذكرتَ لي أنِّي آكلُ الرِّقاقَ وألبسُ الدِّقاقَ وأحتجبُ وأجلسُ على الوطاء.. فنحنُ نفعلُ ذلكَ ونستغفرُ اللّه تعالىٰ، وقدْ قالَ الله تعالىٰ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف:32]، وإنِّي لأعلمُ أنَّ تركَ ذلكَ خيرٌ مِنَ الدخولِ فيهِ، ولا تدعْنا منْ كتابِكَ، فلسنا ندعُكَ مِنْ كتابِنا، والسلامُ .
فانظرْ إلىٰ إنصافِ مالكِ إذ اعترفَ أنَّ تركَ ذلكَ خيرٌ منَ الدخولِ فيهِ، وأفتىٰ بأنَّهُ مباحٌ، وقدْ صدقَ فيهما جميعاً.
ومثلُ مالكِ في منصبِهِ إذا سمحتْ نفسُهُ بالإنصافِ والاعترافِ في مثلِ هٰذهِ النصيحةِ.. فتقوىٰ أيضاً نفسُهُ على الوقوفِ علىٰ حدودِ المباحِ، حتَّىْ لا يحملُهُ ذلكَ على المراءاةِ والمداهنةِ، والتجاوزِ إلى المكروهاتِ، وأمَّا غيرُهُ.. فلا يقدرُ عليهِ.
فالتعريجُ على التنعُمِ في المباحِ خطرٌ عظيمٌ، وهوَ بعيدٌ مِنَ الخوفِ والخشيةِ، وخاصِّيَّةُ علماءِ اللهِ تعالى الخشيةُ، وخاصِّيَّةُ الخشيةِ التباعدُ مِنْ مظان الخطرِ".
قال سيدنا أحمد بن حنبل: "سبحانَ اللهِ، ما أعقلَهُ ! قوموا بنا إليهِ، -ولما جلس معه قال: له ما السلامة من الدنيا- قال: يا أبا عبدِ اللهِ؛ لا تسلَمُ مِنَ الدنيا حتَّىٰ يكونَ معكَ أربعُ خصالٍ:
- تغفرُ للقومِ جهلَهُمْ، مهما جهلوا عليك تعدوا الحدود أخطأوا في حقك، قابلوك بما لا ينبغي كل ما حصل منهم من جهل اغفر لهم، كل من جهل عليك من قريب أو بعيد اغفر للجميع.
- وتمنع جهلك منهم؛ أنت لا تتكلم على حد لا تؤذي أحد لا يجي منك تقصير في حق أحد أعطي الناس حقهم كامل، تغفر جهلهم وتمنع جهلك منهم.
- وتبذلُ لهُمْ شيئَكَ، ما تيسر: من علم، من مال، من طعام، من ثياب، من عقل، من رأي ابذلهم الذي عندك، تكرّم على خلق الله وأعطي الخلق.
- وتكون من شيئهم آيساً، ما تمد عينك لشيء منهم ابداً، إذا كنت هكذا سلمت.
هذه نصيحة حاتم لأحمد بن حنبل.
سار للمدينة استقبله أهل المدينة قال يقوم أي مدينة هذه قال مدينة رسول الله ﷺ قال: أين القصر حق النبي سأذهب أصلي فيه، قالوا: ما كان له قصر. قال: إلا. قالوا: كان له بيت لاطئ بالأرض. قال: قصور أصحابه أين؟ سنذهب لنراها، قالوا: ما كانت لهم قصور إلا بيوتهم كانت لاطئة بالأرض. قال: فهذه مدينة فرعون. -هكذا تقول على المدينة المنورة تعال إلى هنا- خذوه إلى عند السلطان. قالوا: هذا يتكلم على المدينة المنورة، عجمي وجاء يتكلم على المدينة المنورة، ويقول: كذا كذا.
قال له الوالي: لِم ذلك؟ قال لا تعجل علي أنا رجل عجمي غريب دخلت البلد، وإذا فيها قصور قلت له أريد قصر النبي لأجل أصلي فيه. قالوا: ليس له قصر إلا بيوت لاطئة بالأرض، قال له: إذاً أريد قصور أصحابه قال له: أصحابه إذا ليس لهم قصور. هذه كلها حدثت بعد، قال: وقد قال الله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21] فأنتم بمن تأسيتم برسول الله أم بفرعون أو بمن بنا قصر من الجصّ والآجر، -سكت السلطان- قال: اتركوه يمشي.. اتركوه يمشي، دعوه يذهب، أتركوه يمشى في حاله -رضي الله تعالى عنه- قال: "فهذهِ حكايةُ حاتِمِ الأصمِّ -رحمهُ الله تعالىٰ-، وسيأتي مِنْ سيرةِ السلفِ في البذاذةِ" وترك الالتفات إلى التوسع والمبالغة في مظاهر الدنيا.
قال: "والتحقيقُ فيهِ: أنَّ التزيُّنَ بالمباحِ ليسَ بحرامٍ (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يشاركهم غيرهم؟ (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف:32] للمؤمنين وحدهم، ليس للكفار منها شيء أما في الدنيا للمؤمن والكافر.
قال: "ولكنَّ الخوضَ فيهِ يوجبُ الأنْسَ بهِ حتَّىٰ يشقَّ تركُهُ، واستدامةُ الزينةِ لا تمكنُ إلا بمباشرةِ أسبابٍ في الغالبِ يلزمُ مِنْ مراعاتِها ارتكابُ المعاصي؛ مِنَ المداهنةِ، ومراعاةِ الخلْقِ ومراءاتِهِمْ، وأمورٍ أخر هيَ محظورةٌ، والحزمُ اجتنابُ ذلكَ"، حتى لا يقع الإنسان في ما يؤدي إلى ذلك.
لأنَّ مَنْ خاضَ في الدنيا لا يسلمُ منها ألْبتةَ، ولوْ كانتِ السلامةُ مبذولةٌ معَ الخوضِ فيها.. لكانَ ﷺ لا يبالغُ في تركِ الدنيا، حتَّىٰ نزعَ القميصَ المُطَرَّزَ بالعَلَمِ، ونزعَ خاتمَ الذهبِ في أثناءِ الخطبةِ، إلىٰ غيرِ ذلكَ ممَّا سيأتي بيانُهُ.
وكان ﷺ يبالغ في ترك الدنيا حتى:
- "نزعَ القميصَ المُطَرَّزَ بالعَلَمِ" -عندنا في الصحيحين- يقول: "شغلتني أعلام هذه فأذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بآنية أبي جهم" -أحد فقراء الصحابة: أبو جهم- قال أعطوه إياها وهاتوا آنية أبي جهم لألبسها أنا -صلى الله عليه وسلم-،
- ونزعَ خاتمَ الذهبِ في أثناءِ الخطبةِ، وقال: "لا ألبسه أبداً" ونبذوا الناس خواتيمهم كما صحّ في الحديث.
قال له وهكذا كتب يحيى بن يزيد النوفلي إلى سيدنا الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة -رضي الله عنهم-
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وصَلَّ اللهُ على رَسُوله مُحَمدٍ في الأَولينَ والآخِرِينَ
مِنْ يحيىٰ بنِ يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ إلىٰ مالكِ بنِ أنس .
أمَّا بعدُ:
فقدْ بلغني أنَّكَ تلبسُ الدِّقاقَ، وتأكُلُ الرُّقاقَ،
الدقاق: الثياب الرفيعة وما دق منها
والرقاق: الخبز المرقق، يعجن من دقيق منخول.
وتجلسُ على الوطاءِ، وتجعلُ علىٰ بابِكَ حاجباً، وقدْ جلستَ مجلسَ العلمِ، وضُرِبَتْ إليك المطيُّ، -يعني: الناس يأتونك ليأخذوا العلم عنك- وارتحلَ إليكَ الناسُ، واتخذوكَ إماماً، ورضوا بقولِكَ، فاتقِ اللّهَ تعالىٰ يا مالك، وعليكَ بالتواضع.
كتبتُ إليكَ بالنصيحةِ منِّي كتاباً ما اطلعَ عليهِ إلا اللهُ تعالى، والسلامُ .
فأجابه سيدنا مالك:
بسمِ الله الرحمن الرحيم
وصَلَّ اللّه على مُحَمَّدٍ وَآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ
مِنْ مالكِ بنِ أنسٍ إلىٰ يحيى بنِ يزيدَ، سلامُ اللهِ عليكَ.
أمَّا بعدُ :
فقدْ وصلَ إليَّ كتابُكَ، فوقعَ منِّي موقعَ النصيحةِ في الشفقةِ والأدبِ، أمتعكَ اللهُ بالتقوى، وجزاكَ بالنصيحةِ خيراً، وأسألُ اللّٰهَ تعالى التوفيقَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ .
فأمَّا ما ذكرتَ لي أنِّي آكلُ الرِّقاقَ وألبسُ الدِّقاقَ وأحتجبُ وأجلسُ على الوطاء.. فنحنُ نفعلُ ذلكَ ونستغفرُ اللّه تعالىٰ، وقدْ قالَ الله تعالىٰ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف:32]، وإنِّي لأعلمُ أنَّ تركَ ذلكَ خيرٌ مِنَ الدخولِ فيهِ، ولا تدعْنا منْ كتابِكَ، فلسنا ندعُكَ مِنْ كتابِنا، والسلامُ".
قال: "فانظرْ إلىٰ إنصافِ مالكِ إذ اعترفَ أنَّ تركَ ذلكَ خيرٌ منَ الدخولِ فيهِ، وأفتىٰ بأنَّهُ مباحٌ، وقدْ صدقَ فيهما جميعاً.
قال: "ومثلُ مالكِ في منصبِهِ إذا سمحتْ نفسُهُ بالإنصافِ والاعترافِ" -فأيضاً له نفس تقوى على الوقوف على الحدود وما يتجاوزها حتى لا يحمله على مرآة ولا مداهنة لا لصغير ولا لكبير، بل للمكروهات ما يتجاوز وأما غيره فما يكون بمثل هذه المثابة عامة الناس- قال: فالالتفات إلى "التنعم بالمباح -والاستكثار منه- بعيدٌ مِنَ الخوفِ والخشيةِ، وخاصِّيَّةُ علماءِ اللهِ تعالى الخشيةُ، وخاصِّيَّةُ الخشيةِ التباعدُ مِنْ مظان الخطرِ".
وكان فيه ضيافة عند الإمام أبي بكر العدني بن عبد الله العيدروس، فكان يطعم الناس الطعام الطيب. فواحد من الوافدين قال: ما شاء الله، هذا طعام طيب وزين، كيف حق الشيخ نفسه سيكون أطيب! قالوا له: تفضّل كلْ مع الناس. قال: لا، أنا سآكل مع الشيخ. قالوا: أكل الناس أنواع من الطعام الطيب. قالوا: هذا لن يأكل إلا معك. قال: يتفضل. أدخلوا له كسرة من الخبز غمسوا ماء فيها وملح. قالوا: ها أين ستذهب؟ دام بغيت مع الشيخ هذا حق الشيخ؟ قال: أووه فاتني. لا إله إلا الله.
الله يصلح أحوالنا والمسلمين أجمعين، ويعجل بالفرج لنا وللأمة أجمعين.
سؤال: هذا قال: تعلم علوم الشريعة وغيرها، وتم توظيفه بسبب شهادته.. هل يُحساب؟
الجواب:
يُحساب إذا خرج عن سواء السبيل، إذا أخطأ، إذا كان في عمله على غير تقوى أو مُساعِد أو مُداهِن في الدين أو مُضيّع للحقوق أو يكذب في الأمر. أما إذا قام بالوظيفة بما يليق به وبما يرضي ربه سبحانه وتعالى، فيكون أقرب إلى رحمة الله -تبارك وتعالى- وإلى جوده، وعليه أن يكثر من الحسنات ونفع العباد بما يقدر عليه، ويؤدي حق العلم في الوظيفة التي هو فيها، ويصدق مع الله -تبارك وتعالى- فيها فهذا الذي عليه.
وأما ما يتعلق بحسن الظن؛ فجميع ما يذكر من هذا وغيره كله لا ينبغي أن يحملك على إساءة الظنون بالقريب ولا بالبعيد، بل إذا رأيت أصحاب الذنوب والمعاصي فتحَتمل أن تحسن توبتهم وأن يرفع الله درجتهم لديه، وربما كان منهم شفيع لك يوم القيامة. فإذا كان هذا مع أهل الذنوب والمعاصي فكيف مع المؤمنين الصالحين؟ فكيف مع أهل العلم؟ هذا لتخاطب به نفسك ولتعلم بحقيقة، ولتعلم أن خفايا بواطن الخلق غائبة عنك ولا تدري في حقيقة ما عندهم. فإنه مقابل هذا ستجد في كلام الإمام ويروى في كثير من الأماكن ما ينبهك على هذه المسائل ومعاني حسن الظن وما الذي يراد بذلك، وأنه كثيراً ما يكون بعض ظاهره على غير حقيقة باطنه وما هو عليه.
قالوا: وقد أرسل بعضهم تلميذاً له، كان مسافراً معه من مصر إلى بغداد، يقول له: إذا وصلت بغداد فاسأل عن أخي في الله فلان بن فلان وأبلغه السلام مني. فسأل عنه، فدلوه عليه. فجاء حصّل، أيضاً بيت كبير وقصر، تعجب! قالوا له: هذا بيت فلان؟ قال: هذا بيت فلان! سأل عنه قالوا: هو عند الأمير، قال: زاد عجبي، وعزمت أرجع؛ أتركه، فذكرت أن هذه أمانة لشيخي أبلغه السلام.
قال: بعد قليل وصل ومعه بعض الحراس وجماعة، قال: لاحول ولا قوة إلا بالله، هذا أخ في الله وعالم وهو بهذه الصورة! فدخلت عليه وذكرت له. قال: أخي في الله، قال له: إني أبلغك منه السلام . وقال: أقرئه مني السلام وقل له: يقول لك أخوك في الله فلان بن فلان: إلى متى التعلق بالدنيا؟
قال:-زاد العجب حقيقة؛ فتعجبت! شيخي المُتعلق بالدنيا أو هذا؟! وهذا الدنيا عنده كلها! شيخي مسكين محل متواضع. رجع إلى عنده، فلما رجع أخبره، وقال: بكى الشيخ وقال: صدق، صدق وقال: أنا أعرف هذا، قد جاوز الالتفات إلى الدنيا والكائنات بل حتى إلى السماءوالأرض، بقي مع الله، وهذا كله ما في قلبه منها شيء، وأنا في مظهر خفيف وقلبي معلق بالدنيا، فلهذا هو ينصحني أخي في الله هذه النصيحة. لا إله إلا الله.
وهكذا من أزهد الأمّة كان الصحابة، وكان سيدنا علي بن أبي طالب يقول وهو في زهادته معروف: لو أن رجلاً ملك الدنيا كلها فلم يلتفت إليها بقلبه، وأنفقها فيما يحب منه ويرضاه، لكان زاهداً، -كان من الزهاد- ولو أن رجلاً ما عنده شيء من الدنيا وهو يهواها ويشتهيها لكان من الراغبين في الدنيا، ليس من أهل الزهادة.
فالله يرزقنا الأدب معه، وحسن الظن بخلقه، وحسن محاسبة نفوسنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
19 رَجب 1447