آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 8 | علامات علماء الآخرة: ألا يطلب الدنيا بعلمه
الدرس الثامن في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الثلاثاء 17 رجب 1447هـ.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
البَابُ السَّادِسُ
في آفات العلم
وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء
"وقالَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إذا رأيتمُ العالِمَ محبّاً للدنيا.. فاتهموهُ علىٰ دينِكُمْ؛ فإنَّ كلَّ محبِّ يخوضُ فيما أحبَّ.
وقالَ مالكُ بنُ دينارٍ -رحمهُ اللهُ-: قرأتُ في بعضِ الكتبِ السالفةِ أنَّ اللهَ تعالىٰ يقولُ: إنَّ أهونَ ما أصنعُ بالعالمِ إذا أحبَّ الدنيا أنْ أخرجَ حلاوةَ مناجاتي مِنْ قلبِهِ.
وكتبَ رجلٌ إلىٰ أخٍ لهُ: إنَّكَ قدْ أوتيتَ علماً، فلا تطفِئَنَّ نورَ علمِكَ بظلمةِ الذنوبِ فتبقىٰ في الظلمةِ يومَ يسعىٰ أهلُ العلمِ في نورِ علمِهِمْ.
وكانَ يحيى بنُ معاذٍ الرازيُّ -رحمهُ اللهُ- يقولُ لعلماءِ الدنيا: يا أصحابَ العلمِ؛ قصورُكُمْ قَيْصَرِيَّةٌ، وبيوتُكُمْ كِسْرَوِيَّةٌ، وأثوابُكُمْ طاهِرِيَّةٌ، وأخفافُكُمْ جالُوتِيّةٌ، ومراكبُكُمْ قارونيَّةٌ، وأوانيكُمْ فِرعَونيَّةً، ومآتمُكُمْ جاهليَّةٌ، ومذاهبُكُمْ شيطانيّةٌ، فأينَ الشريعةُ المحمديةُ؟!
قالَ الشاعرُ:
وَراعِي الشَّاةِ يَحْمِي الذَئْبَ عَنْهَا *** فَكَيْفَ إِذا الرُّعاةُ لَها ذِئابُ
وقالَ آخرُ:
يا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ يا مِلْحَ ٱلْبَلَدْ *** ما يُصْلِحُ ٱلْمِلْحَ إِذا ٱلْمِلْحُ فَسَدْ
وقيلَ لبعضِ العارفينَ: أترىُ أنَّ مَنْ تكونُ المعاصي قرَّةَ عينِهِ لا يعرفُ اللهَ؟ قالَ: ما أشكُّ أنَّ مَنْ تكونُ الدنيا عندهُ آثرَ مِنَ الآخرةِ أنَّهُ لا يعرفُ الله تعالىٰ، وهٰذا دونَ ذلكَ بكثيرِ.
ولا تظنَّنَّ أنَّ تركَ المالِ يكفي في اللحوقِ بعلماءِ الآخرةِ؛ فإنَّ الجاهَ أضرُ مِنَ المالِ، ولذلكَ قالَ بشرٌ: حدَّثنا؛ بابٌ مِنْ أبوابِ الدنيا، فإذا سمعتَ الرجلَ يقولُ: حدَّثَنا.. فإِنَّما يقولُ: أَوْسِعوا لي.
ودفنَ بشْرُ بنُ الحارثِ بضعةَ عشرَ ما بينَ قمطرٍ وقوصرةٍ مِنَ الكتبِ، وكانَ يقولُ: أنا أشتهي أنْ أحدِّثَ، ولوْ ذهبتْ عني شهوةُ الحديثِ.. لحدَّثْتُ.
وقالَ هوَ وغيرُهُ: إذا اشتهيتَ أن تحدِّثَ.. فلا تحدِّثْ، وإذا لمْ تشتهِ.. فحدّثْ.
وهٰذا لأنَّ التلذُّذَ بجاهِ الإفادةِ ومنصب الإرشادِ أعظمُ لذَّةً مِنْ كلِّ تنعُّم في الدنيا، فمنْ أجابَ شهوتَهُ فيهِ.. فهوَ مِنْ أبناءِ الدنيا، ولذلكَ قالَ الثوريُّ: فتنةُ الحديثِ أشدُّ مِنْ فتنةِ الأهلِ والمالِ والولدِ، وكيف لا تُخافُ فتنتُهُ وقدْ قيلَ لسيِّدِ المرسلينَ ﷺ (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)[الإسراء:74]؟!
وقالَ سهلٌ -رحمهُ الله-: العلْمُ كلُّهُ دنيا، والآخرةُ منهُ العملُ بهِ، والعملُ كلُّهُ هباءٌ إلا الإخلاصَ.
وقالَ: الناسُ كلُّهمْ موتىٰ إلا العلماءَ، والعلماءُ سُكارى إلا العاملينَ، والعاملونَ مغرورونَ إلا المخلصينَ، والمخلِصُ علىٰ وجلٍ حتَّىٰ يختمَ لهُ بهِ.
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ: إذا طلبَ الرجلُ الحديثَ أوْ تزوَّجَ أوْ سافرَ في طلبِ المعاشِ.. فقدْ ركنَ إلى الدنيا.
وإنَّما أرادَ بهِ طلبَ الأسانيدِ العاليةِ، أو طلبَ الحديثِ الذي لا يحتاجُ إليهِ في طريقِ الآخرةِ .
وقالَ عيسى -عليهِ السلامُ-: كيفَ يكونُ مِنْ أهلِ العلمِ مَنْ مصيرُهُ إلى آخرتِهِ وهوَ مقبلٌ علىٰ دنياهُ؟! وكيفَ يكونُ مِنْ أهلِ العلمِ مَنْ يطلبُ الكلامَ ليخبرَ بهِ لا ليعملَ بهِ؟!
وقالَ صالحُ بنُ حسانَ البصريُّ: أدركتُ الشيوخَ وهمْ يتعوَّذونَ باللهِ مِنَ الفاجرِ العالمِ بالسنةِ.
وروى أبو هريرة -رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ طلبَ عِلماً ممَّا يُبْتَغَىٰ بهِ وجهُ اللهِ تعالىٰ لِيُصِيبَ بهِ عرضاً مِنَ الدنيا.. لمْ يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامَةِ"..
وقدْ وصفَ اللهُ تعالىٰ علماءَ السوءِ بأكلِ الدنيا بالعلمِ، ووصفَ علماءَ الآخرةِ بالخشوعِ والزهدِ؛ فقالَ عزَّ وجلَّ في علماءِ الدنيا (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) إلى قولهِ (ثَمَنًا قَلِيلًا)[آل عمران:187]،
وقالَ تعالىٰ في علماءِ الآخرةِ (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) إلى قولهِ (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ)[آل عمران:199].
وقالَ بعضُ السلفِ: العلماءُ يُحشرونَ في زمرةِ الأنبياءِ، والقضاة يحشرونَ في زمرةِ السلاطينِ.
وفي معنى القضاةِ: كلُّ فقيهِ قصْدُهُ طلبُ الدنيا بعلمِهِ".
الحمد لله الذي يفتح أبواب الإنقاذ والإسعاد للمقبلين بالصدق عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كَتَبَ العزَّ للمتذللين بين يديه، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبدالله ورسوله وأكرم الخلق عليه، وأعظمهم منزلة لديه.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على حبيبك المختار محمد ذو القلب المنور الأطهر، وعلى آله وصحبه الغرر، وعلى من والاهم فيك واتَّبَع الأثر، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ويواصل الشيخ نقل أقوال الأكابر من سلف الأمة وخيارها عن حقائق العلم وخطر إرادة غير وجه الله تعالى بالعلم، وأن يُتخذ العلم وسيلة إلى شيء من الأغراض الفانيات؛ فيكون صاحبه من علماء السوء والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ويذكر لنا عن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله تبارك وتعالى عنه- كما يُروى هذا القول في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، يذكر أنه من أقوال سيدنا جعفر بن محمد الباقر: "إذا رأيتمُ العالِمَ محبّاً للدنيا.. فاتهموهُ علىٰ دينِكُمْ؛ فإنَّ كلَّ محبٍّ يخوضُ فيما أحبَّ".
إذا رأيتم من يدعي العلم والدلالة على الأحكام، وظاهر عليه ميله إلى الدنيا من محبة المال والجاه والأغراض الفانية بأصنافها، قال فلا تأمنوه على أن يدلكم على الحكم الصحيح وعلى المسلك الطيب، لا تأمنوه على ذلك، "فإنَّ كلَّ محبٍّ يخوضُ فيما أحبَّ"، وسوف يرميكم إلى شؤون مما يحبه من الدنيا، ويفتح عليكم أبواب الرغبة فيها والتعظيم لها وما إلى ذلك، -والعياذ بالله- كما تقدم معنا فيما أوحى الله إلى النبي داود: "لا تسأل عني عالمًا أسكره حب الدنيا فيصدك عن سبيل محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي".
وذكر عن سيدنا "مالكُ بنُ دينارٍ -رحمهُ اللهُ-: قرأتُ في بعضِ الكتبِ السالفةِ أنَّ اللهَ تعالىٰ يقولُ: إنَّ أهونَ ما أصنعُ بالعالمِ إذا أحبَّ الدنيا أنْ أخرجَ حلاوةَ مناجاتي مِنْ قلبِهِ". وهذه عقوبة شديدة كان يخافها أرباب الذوق وأرباب الفهم عن الله تعالى، أن يُحرموا لذة المناجاة، وهي من أَجَلِّ ما يُذاق في الحياة وما يُطعم من النعيم المعنوي: لذة المناجاة.
ويُروى أن بعض بني إسرائيل كان يقول: إني عصيت الله تعالى وما رأيته عذبني ولا عاقبني، فأوحى الله إلى نبيهم في ذاك الزمان: قل لفلان إني قد عاقبته بعقوبة لم يشعر بها، قل له: ألم أحرمه لذيذ مناجاتي؟!، محروم لذيذ مناجاتي، وفي ذلك يقول بعض أهل المعرفة والذوق: إلهي مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذُلِّ الحجاب عنك. الله.. لا إله إلا الله..
فلذَّة المناجاة لله -تبارك وتعالى- وأشار إليها الإمام أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس يقول:
نُصِبَتْ لأهل المناجاة *** في حندس الليل أعلام
واستعذبوا السهد وأمسوا *** قيام إذ نام من نام
واستقبلتهم لطائف *** بهجات فضل وإكرام
من لذة لا تكيف *** ولا تصور في الأوهام
قد ذاقها من عناها ***وهام فيها الذي هام
يقول: لذة المناجاة وبرد العفو وحلاوة الرحمة يذوقها الموفقون؛ فالله لا يحرمنا لذة مناجاته إن شاء الله، الله يذيقنا ذلك.
"يقولُ: إنَّ أهونَ ما أصنعُ بالعالمِ إذا أحبَّ الدنيا أنْ أخرجَ حلاوةَ مناجاتي مِنْ قلبِهِ"، وهذا شديد شنيع، أما من ذاقها ثم حُرمها فيبدأ عذابه في الدنيا قبل الآخرة لأنه قد ذاق وقد فهم، فيشتد الأمر عليه -والعياذ بالله تعالى-.
"وكتبَ رجلٌ إلىٰ أخٍ لهُ: إنَّكَ قدْ أوتيتَ علماً، فلا تطفِئَنَّ نورَ علمِكَ بظلمةِ الذنوبِ فتبقىٰ في الظلمةِ يومَ يسعىٰ أهلُ العلمِ في نورِ علمِهِمْ". فإن الناس وقت الحشر عند القيام من القبور يكونون ما بين أهل ظلمة وأهل نور، ثم في موقف القيامة كذلك؛ والعجيب في نور الآخرة أن كُلاًّ يستنير بنوره، لا يستنير به الذي بجنبه، فكُلٌ يختص بنوره الذي معه، وقال الله عن ذاك اليوم:
- (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ونقول: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8].
- ويقول جل جلاله (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) -نأخذ شيء من هذا النور الذي عندكم- (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) -لأنهم في الدنيا رجعوا وراءهم وتركوا النور هذا الذي عند المؤمنين، ورجعوا وراءهم والتمسوا بغيتهم في الشهوات والآفات، ارجعوا ورائكم كما رجعتم في الدنيا- (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد: 13].
وهكذا يكون نور المؤمن على قدر إيمانه وعمله الصالح في القيامة، من عند المحشر إلى أن تنتهي القيامة، أما الشمس هذه فيذهب ويضمحل نورها، وتبقى حرارتها وتدنو من رؤوس الناس ويسيل العرق، فلا يبقى نور إلا نور العمل الصالح، لا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا كهرباء، لا كهرباء ولا طاقة شمسية ولا غير ذلك، لا يوجد هناك نور إلا نور الإيمان والعمل الصالح فقط؛ من معه نور فمنه فهو منور، (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 40].
قال: "وكانَ يحيى بنُ معاذٍ الرازيُّ -رحمهُ اللهُ- يقولُ لعلماءِ الدنيا: يا أصحابَ العلمِ -يعني: ظهرتم واشتهرتم بيننا في زماننا بالعلم وأحوالكم هذه- قصورُكُمْ قَيْصَرِيَّةٌ -مثل قيصر ملك الروم-، وبيوتُكُمْ كِسْرَوِيَّةٌ -تشبه بيوت كسرى ملك الفرس- وأثوابُكُمْ طاهِرِيَّةٌ -تشبه واحد من الأمراء كان يقال له عبد الله بن طاهر بن الحسين- وأخفافُكُمْ جالُوتِيّةٌ -تشبه جالوت- ومراكبُكُمْ قارونيَّةٌ -تشبه قارون- وأوانيكُمْ فِرعَونيَّةً -تشبه فرعون- ومآتمُكُمْ جاهليَّةٌ -مناسبات الوفاة عندكم- ومذاهبُكُمْ شيطانيّةٌ، فأينَ الشريعةُ المحمديةُ؟!"، هذه أحوالكم وأنتم تدعون العلم، أين الشريعة؟!
بعض أهل الصلاح كان من الصومال قديمًا مرّ وبعدين جاء في مسجد من المساجد وشاف شيخ وحوله حلقة ويعلم، ووقف ما يعرف العربية، يكلم صاحبه يقول له: ايش هذولا يفعلون هناك وسط المسجد؟؛ قال: يعلمهم؛ قال: يعلمهم إيش؟؛ قال: دين؛ تشوف قال: يا أخي فين النور؟ ما في نور في وجهه! يا خسارة ما شي نور في وجهه، إيش يعلمهم هذا؟ إيش من دين هذا؟! وهو إلا بحكم طبيعته وفطرته وسريرته يعهد العلماء عليهم نور، ولو كان لونه أسود لكن عليه نور، عليه بهجة العلم؛ وذا واحد مدرس من المكفرين -يكفرون خلق الله- يبدو ما شي نور عليه، هو يقول له صاحبه: هذا إيش يعملون؟ قال: يعلمون إيش؟! قال: دين دين، يتعلمون دين؛ هذا دين؟ فين النور؟ إيش من دين هذا؟ كيف هذا؟ ما هكذا يُتَعلم الدين!.
كانوا يقولون: من لم ينفعك لَحْظُه لم ينفعك لفظُه، قال الحق تعالى عن سادتنا الصحابة (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ) [الفتح: 29]،
وفي هذا قال الحبيب عبد الرحمن بلفقيه في الفرق بين الفريقين يقول:
لَهُمْ مِنَ التَّقْوَى أَجَلُّ زِيْنَهْ *** عِنْدَ لِقَاهُم تَنْزِلُ السَّكِيْنَه
وَتَحْصُلُ الْجَمْعِيَّةُ المُبِينَة *** فَتَجْذِبُ الأَلبابُ بِانْفِعَالِ
إِذا رُؤُوا يُشْهَرُ ذِكْرُ اللّٰه *** ……………..
كما جاء في الحديث أنه سُئِل عن أولياء الله قال: "الذين إذا رُؤوا ذُكر الله"-.
إِذا رُؤُوا يُشْهَرُ ذِكْرُ اللّٰه *** فَهْوَ لَهُمْ سِيْمَا عَلَى الجِبَاهِ
يُعْرَفُ مَعْنَاهُمْ بِلَا اشْتِبَاهِ *** مِنْ حَيْثُ مَا يُعْرَفُ ذُو الجَلالِ
ثم قال:
حَالُ ذَوِي الدَّعْوَى لَهُم تُفَارِقْ *** …………….
-الأدعياء للعلم فرق بينهم وبينهم-.
حَالُ ذَوِي الدَّعْوَى لَهُم تُفَارِقْ *** بِنُوْرِ فُرْقَانٍ يَرَاهُ الذَّائِقْ
لا بِارْتِفَاعِ الجَاهِ وَالخَوَارِقْ *** وَلا بِحُسْنِ الْوَعْظِ وَالْأَقْوَالِ
فَإِنَهُم كُلُّ مُنِيْبٍ خَاشِعْ *** وَكُلَّ ذِي قَلْبٍ مُنِيْرٍ لَامِعْ
لَا مَنْ يُشِيْرُ النَّاسُ بِالأَصَابعْ *** وَهْوَ عَنِ السِّرِّ الَمَصُوْنِ خَالِ
"قالَ الشاعرُ:
وَراعِي الشَّاةِ يَحْمِي الذَئْبَ عَنْهَا *** فَكَيْفَ إِذا الرُّعاةُ لَها ذِئابُ
من بيحميها؟ مسكينة.
"وقالَ آخرُ:
يا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ يا مِلْحَ ٱلْبَلَدْ *** ما يُصْلِحُ ٱلْمِلْحَ إِذا ٱلْمِلْحُ فَسَدْ
المراد منهم إصلاح غيرهم، فإذا هم فسدوا كيف يكون الحال؟
"وقيلَ لبعضِ العارفينَ: أترىُ أنَّ مَنْ تكونُ المعاصي قرَّةَ عينِهِ لا يعرفُ اللهَ؟ قالَ: ما أشكُّ أنَّ مَنْ تكونُ الدنيا عندهُ آثرَ مِنَ الآخرةِ أنَّهُ لا يعرفُ الله تعالىٰ، وهٰذا دونَ ذلكَ بكثيرِ".
وسُئِل بعض العارفين: أيجد حلاوة الطاعة من يعصي الله؟ قال: لا، ولا من يهم بالمعصية. الذي يهم بالمعصية ما يجد حلاوة الطاعة والعبادة، لذا قال بعض العارفين: من وَطَّنَ نفسه على ترك الذنوب جالت روحه في عالم الملكوت. يخرج من الظاهر إلى الباطن. قال الله عن سيدنا إبراهيم: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)[الأنعام: 75].
قال: "ولا تظنَّنَّ أنَّ تركَ المالِ -أي: ترك الاستزادة منه والرغبة فيه- يكفي في اللحوقِ بعلماءِ الآخرةِ -فإن هذا واحد من مظاهر الدنيا، ولكن ترك الجاه أشد-؛ فإنَّ الجاهَ أضرُ مِنَ المالِ"، وهو المنزلة في قلوب الخلق ومحبة قلوب الخلق له، والالتفات إلى ذلك؛ ولذا قال سيدنا العيدروس: ورَفْضُ الجاه الذي رَفْضُه أصعب الأشياء، فمن الناس من يترك مظاهر المال ولكنه يصعب عليه أن يترك مظاهر الجاه.
"قالَ بشرٌ: حدَّثنا؛ بابٌ مِنْ أبوابِ الدنيا".
يعني: في وقتهم اشتهروا بالإكرام بين الناس والتعظيم والاحترام لمن يروي علوم الحديث ومن يقول "حدَّثَنا". فلما كان الأمر هكذا بين الناس في ذلك الزمان وذلك الحال، قال: إن قول "حدَّثَنا" باب من أبواب الدنيا. كيف باب من أبواب الدنيا؟ قال: يعني اتخذ الناس رواية الحديث في رغبتهم في المكانة بين الخلق والمنزلة بينهم. يعني ما ثبتوا على قدم الرواة الذين قبلهم، هذا معنى كلامه، فصار "حدثنا" باب من أبواب الدنيا، لم يعد من أبواب العلم والآخرة، لكن بالنسبة للمخلصين والصادقين نعم.
قال: "فإذا سمعتَ الرجلَ يقولُ: حدَّثَنا.. فإِنَّما -يعني- يقولُ: أَوْسِعوا لي".احترموني، أنا راوي. يعني هذا مراده في باطنه، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فيجب التفتيش عن القصد في كل تعليم وفي كل طاعة، لكن هذا مِن أظهرها طاعة التعليم.
قال: "ودفنَ بشْرُ بنُ الحارثِ بضعةَ عشرَ ما بينَ قمطرٍ وقوصرةٍ مِنَ الكتبِ، وكانَ يقولُ: أنا أشتهي أنْ أحدِّثَ، ولوْ ذهبتْ عني شهوةُ الحديثِ.. -يعني لم يعد لي رغبة في النفس أن أحدث لأي طمع- لحدَّثْتُ". لكن ما دمت أجد نفسي لها ميل، فمعناه لها غرض من الأغراض، فلهذا سكتُّ عن التحديث من أجل هذا.
وفعل هذا كثير من بعد بشر بن الحارث وقبله حتى من بعض شيوخنا، أنهم ألفوا بعض منظومات وبعض المؤلفات، وهي رائقة وقوية، ولكن لما اعتلت درجته انكشفت له خفايا من دقائق إرادة غير الحق، فأخذ المنظومات حقته والكتب وأحرقها، ومؤلفاته أحرقها، وعدد من عارفي الأمة كانوا هكذا، أحرقوا بعض كتبهم، انكشف لهم فيها بعد ما ارتقوا دقائق من إرادة غير الله تعالى وشهوة القيل والقال؛ لا إله إلا الله!.
يقول شيخنا الحبيب محمد الهدار: تعجبت في بعض الأيام من الحبيب أحمد بن صالح الحداد، أحد العلماء الذين أيام الشيوعية عندنا سحلوهم -ربطوهم بحبال للسيارة ووضعوهم على الأرض ومشوا بالسيارات- قال: في بعض الأيام بغينا نخرج بعض الأماكن للدعوة ويقول: اليوم ما تخرج، اقعد هنا؛ فتعجبت مع قوة حثه لنا على الدعوة إلى الله تعالى وترغيبه، حتى يقول: إذا ذهبتم إلى قرية هذا أول يوم مثل أول سيل يجيْ ما يكفي، اقعدوا ثاني يوم ثالث يوم في القرية تتعرفون عليهم كثيراً وتعرفون أكثر وينتفعون بكم. لكن بعض الأيام كان يقول لي: اقعد لا تخرج، فتعجبت وهو يحثنا على الخروج، قال: ثم انكشف لي فيما بعد أنه كان يلاحظ شهوة القيل والقال عندنا، فيُؤخرنا من شأن هذا. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
قال: "علامة فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع". لا إله إلا الله.
يقول: "إذا اشتهيتَ أن تحدِّثَ.. فلا تحدِّثْ، وإذا لمْ تشتهِ.. فحدّثْ". وكان بعض العلماء الصالحين في حلقة في الحرم المكي الشريف، وكان عنده جماعة من الناس يسمعون منه، فجاء له بعض إخوانه في الله، رجل صالح مثله، فقال في أذنه كلمة وقام وترك الحلقة ومشى. قالوا له: إيش قال لك؟ قال: قال إن كانت تعجبك نفسك فقم. جاء عند أذنه وقال له: إن كانت تعجبك نفسك فقم. فلما كلمه قام وترك الحلقة ومشى؛ لأنهم كانوا منصفين ومخلصين وعلى أدب مع الله تبارك وتعالى.
وهذا يقول: لو ذهبت عني شهوة الحديث لحدثت.
قال: "وهٰذا لأنَّ التلذُّذَ بجاهِ الإفادةِ ومنصب الإرشادِ أعظمُ لذَّةً -في نفوس الناس- مِنْ كلِّ تنعُّم في الدنيا -بالمآكل والمشارب وما إلى ذلك-، فمنْ أجابَ شهوتَهُ فيهِ.. فهوَ مِنْ أبناءِ الدنيا، ولذلكَ قالَ الثوريُّ: فتنةُ الحديثِ أشدُّ مِنْ فتنةِ الأهلِ والمالِ والولدِ -فتنة الأهل والمال والولد يعرفها الناس ويتنبهون لها، ولكن هذه شهوة خفية، وأما خطاب الحق- لسيِّدِ المرسلينَ ﷺ: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)[الإسراء:74]؟! ". فهذا مما يُخاطب به صاحب النبوة ويُراد به أمته، أي: أننا كما ثبتناك نجعل من أمتك من إذا حاول المبطلون إغواءهمْ واستمالتهم في شيء حميناهم وحرسناهم وثبتناهم.
(وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا) -وفي رواية: (خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)- (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) -وهو مسلكه ﷺ- (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء: 74-79].
وكان شيخنا الحبيب عبد القادر السقاف يقول: من أراد القُرب من صاحب المقام المحمود وخصوصًا في يوم المقام المحمود فعليه بالتهجد في الليل لأنه مربوط بهذا، (فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء: 79]، فالتهجد بالليل والقيام والناس نيام ارتباط بالمقام المحمود وصاحب المقام المحمود ﷺ، لأن نبينا عنده ما يقوم هذا المقام العظيم.
يا مــن يقومُ مقــامَ الحمــدِ منفردًا *** للواحـــــدِ الفردِ لـم يولــدْ ولـم يلــدِ
فيسجد لله تبارك وتعالى فيكون أكابر الأمة على درجات منه وقريب منه حتى يسمع المحامد التي يفتح الله عليه بها لا يعرفها أحد، ولم يحمد الله بها من قبل لا ملك ولا نبي ولا أي أحد، حتى قال ﷺ في حياته الدنيا: "لا أعلمها الآن، يلهمني الله إياها عند السجدة"، الله الله الله! فيحمد الله بمحامد ما قد جرت على لسان أحد من الخلق قط، ويناديه؛ والقريبون منه يسمعون حمده له، ويسمعون نداء الله له يقول: "يامحمد ارفع رأسك وقُل يُسمَع لقولك وسَلْ تُعطَى واشْفَع تُشَفَّع"، والبعيد بعيد! الله يقربنا مع أهل التقريب.
لاإله إلا الله!
قال: "يحمده فيه الأولون والآخرون" يدخل في الشفاعة هذه حتى أصناف الكفار كلهم لأنهم يُنقَلون من حرِّ الشمس إلى فضاء الحساب في أرض المحشر، والناس كلهم يستفيدون حتى الفجار والكافرون، فيحمده الكل ﷺ، يجعل الله له المنة على كل أحد من الخلق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، مؤمنهم وكافرهم كلهم له المنة عليهم. وقال في رسالته (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]. صلوات ربي وسلامه عليه.
اللهم قربنا إليه، واجعلنا في مواقف القيامة كلها قريباً منه يا رب، وعند المرور على الصراط، وفي دار الكرامة وأنت راضٍ عنا.
ويقول: "وقالَ سهلٌ -رحمهُ الله-: العلْمُ كلُّهُ دنيا، والآخرةُ منهُ العملُ بهِ، والعملُ كلُّهُ هباءٌ إلا الإخلاصَ -ما كان مخلصًا لوجه الله الكريم- وقالَ: الناسُ كلُّهمْ موتىٰ إلا العلماءَ، والعلماءُ سُكارى إلا العاملينَ، والعاملونَ مغرورونَ إلا المخلصينَ، والمخلِصُ علىٰ وجلٍ حتَّىٰ يختمَ لهُ بهِ -بالإخلاص ويموت على الإخلاص-".
- (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ) [الزمر:3].
- (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: 5].
اللهم ارزقنا كمال الإخلاص لوجهك الكريم، ومن الدعاء الذي علمنا رسول الله ينفي كبار الشرك وصغاره، قول: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم"، فمن أحس في قلبه بأي خاطر يأتي بهذا: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم.
"وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ: إذا طلبَ الرجلُ الحديثَ -أي: لقصد الفخر والظهور بين الناس- أوْ تزوَّجَ -من غير حاجة أو بلا نية صالحة- أوْ سافرَ في طلبِ المعاشِ.. -من غير ضرورة- فقدْ ركنَ إلى الدنيا".
يقول: "وإنَّما أرادَ بهِ طلبَ الأسانيدِ العاليةِ" يعني أراد يطلب الحديث للظهور والشهرة، لا للاطلاع على بلاغ النبي والعمل به ولا للقيام بتبليغه، ولكن فقط فقط للظهور.
"أو طلبَ الحديثِ الذي لا يحتاجُ إليهِ في طريقِ الآخرةِ".
"وقالَ عيسى -عليهِ السلامُ-: كيفَ يكونُ مِنْ أهلِ العلمِ مَنْ مصيرُهُ إلى آخرتِهِ وهوَ مقبلٌ علىٰ دنياهُ؟!". يقبل على الدنيا وهو المصير للآخرة، فيعرض عن الآخرة يقبل على الدنيا مع أنه يمشي إلى الآخرة؛ فيقولون إن الإنسان في الدنيا من حين يخرج من بطن أمه فوجهه إلى الآخرة وظهره إلى الدنيا، لأنه ما مِن لحظة تَمُر إلا هو أقرب إلى الآخرة، أقرب إلى الآخرة، إلى أن تأتي لحظة الوفاة، لايوجد رجوع إلى هكذا، ما يرجع أبدًا، كل لحظة تنقص من عمره، ما شي يزيد، كل لحظة تنقص من عمره، ينقص من عمره وينقص وهكذا. لا إله إلا الله.
"وكيفَ يكونُ مِنْ أهلِ العلمِ مَنْ يطلبُ الكلامَ ليخبرَ بهِ لا ليعملَ بهِ؟!"، يقصد من أجل يتكلم مع الناس، ليس من أجل يعمل هو، فيصير المتخبط كما قال بعض الذين كانوا متظاهرين بالعلم ذَكَّر الناس ليلة وحث على الصدقة والإيثار، زوجته كانت حاضرة درسه، تأثرت وراحت البيت أخذت العشاء الذي معهم وتصدقت به، ثم جاء قال: أين العشاء؟ قالت: تصدقنا به، قال: من قال لكم تصدقوا به؛ قالت: سمعتك تحث الناس، قال: هم هم، ليس نحن، كيف هم؟!؛ قال: إلا هم وليس نحن.
والثاني بالعكس، سمع الشيخ يحث على الصدقة، وقال: إنها ما تخرج حتى يفك لحي سبعين شيطان، الشياطين ما يريدونك تتصدق، لما راح إلى البيت بيخرِّج الصدقة مسكته زوجته وقالت: أين تريد؟ أبدًا هذا عندنا وخلُّه لنا.. رجع ثاني يوم عند الشيخ قال: فكيت لحي سبعين شيطانا، زادت زوجتي عليهم كلهم ما قدرت أن أفك لحييها! فكيت لحيي سبعين شيطاناً ولكن زوجتي ما قدرت أفك لحيها، زادت عليهم كلهم!. لا إله إلا الله.
يقول: "أدركتُ الشيوخَ وهمْ يتعوَّذونَ باللهِ مِنَ الفاجرِ العالمِ بالسُّنةِ"، عنده علم بظاهر السنة وهو فاجر في باطنه -والعياذ بالله تعالى-.
"وروى أبو هريرة -رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ -هذا الحديث الذي عند أبي داوود وابن ماجه-: "مَنْ طلبَ عِلماً ممَّا يُبْتَغَىٰ بهِ وجهُ اللهِ تعالىٰ" -أي: من علوم الشرع المصون- "لِيُصِيبَ بهِ عرضاً مِنَ الدنيا" -أي: نصيبًا من الدنيا- "لمْ يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامَةِ" -اعوذ بالله من غضب الله - أي: ريحها، العَرف: الريح. "لمْ يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ"، "وريحُها يوجدُ من مسيرةِ خمسِمائةِ عامٍ".
- وقال: "وقدْ وصفَ اللهُ تعالىٰ علماءَ السوءِ بأكلِ الدنيا بالعلمِ"، (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران: 187].
- "وقال في علماء الآخرة": (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران:199]، وقال أثنى على الصنف هذا منهم في الآية الأخرى قال: (لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 113-114]
"وقالَ بعضُ السلفِ: العلماءُ يُحشرونَ في زمرةِ الأنبياءِ،" - يعني: العاملون بعلمهم المخلصون لوجه الله - "والقضاة" -الذين اتخذوا القضاء حِرفة لهم فرحوا بها يتأمرون على الناس- "يُحشَرونَ في زمرةِ السلاطينِ"؛ لأنهم شابهوهم، ولكن هذا غير القاضي المخلص الصادق.
كان أحد شيوخنا الحبيب عبدالقادر بن سالم السقاف وُلِّيَ القضاء مدة في سيئون، وكان عنده بعض المال والثروة ودخل القضاء، وكان قعد في القضاء سنوات كان يُصلِح بين المتخاصمين عنده، ويُسلِّم من عنده حتى خرج من القضاء، دخل القضاء وهو غني وخرج وهو فقير، كمَّل أيام القضاء حقه والمال أنفقه على الناس.
كان قبله واحد من أجداده تولى القضاء في سيؤون أربعين سنة، فما حكم إلا في مسألتين، والباقي كله يصلح بينهم. كل ما جاءوا يصلح بينهم، هو يخشى من الحكم أن يجعل فيه، وهو عالم فقيه وواعي، لكنه خشية من الله يصلح بينهم، اضطر للحكم في قضيتين أو ثلاث خلال أربعين سنة!! لا إله إلا الله.
"وفي معنى القضاةِ: كلُّ فقيهِ قصْدُهُ طلبُ الدنيا بعلمِهِ"، فهو يحشر مع أهل الدنيا.
"وروى أبو الدرداءِ -رضيَ اللهُ عنهُ- عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "أوحَى اللهُ عزَّ وجَلَّ إلى بعضِ الأنبياءِ: قُلْ للذينَ يتفقَّهونَ لغيرِ الدِّينِ، ويتعلَّمُونَ لغيرِ العملِ، ويطلبونَ الدنيا بعملِ الآخرةِ، يلبَسُونَ للناسِ مُسُوكَ الكِباشِ وقلوبُهُمْ كقلوبِ الذئابِ، ألسِنتُهُمْ أحْلَىٰ مِنَ العسلِ، وقلوبُهُمْ أمرُّ مِنَ الصَّبِر، إيَّايَ يخادعونَ، وبي يستهزئونَ، لأفتحَنَّ لهُمْ فتنةً تَذَرُ الحليمَ حَيرانَ".
وروى الضحّاكُ عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُمَا- قالَ: قالَ رسولُ اللّهِ ﷺ: "علماءُ هٰذهِ الأمَّةِ رجلانِ :
رجلٌ آتاهُ اللهُ علماً، فبَذَلَهُ للناسِ، ولمْ يأخذْ عليهِ طَمَعاً، ولمْ يشترِ بهِ ثمناً؛ فذلكَ يُصلِّي عليهِ طيرُ السماءِ وحيتانُ الماءِ ودوابُ الأرضِ والكرامُ الكاتبُونَ، يقدُمُ على اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ سَيِّداً شريفاً حتَّىٰ يرافِقَ المرسلينَ.
ورجلٌ آتاه اللهُ علماً في الدنيا، فضَنَّ بهِ علىٰ عبادِ اللهِ، وأخذَ عليهِ طَمَعاً، واشترىٰ بهِ ثمناً؛ فذلكَ يأتي يومَ القيامَةِ مُلْجَماً بلجامٍ مِنْ نارٍ، ينادي مُنادٍ على رُؤوسِ الخلائِقِ: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، آتاهُ اللهُ علماً في الدنيا فضنَّ بِهِ عَلَىٰ عبادِ اللهِ، وأخذ بهِ طمعاً، واشترى بهِ ثمناً، فيُعذَّبُ حتَّىٰ يفرغَ مِنْ حسابِ الناسِ".
وأشدُّ مِنْ هذا ما رُوِيَ أنَّ رجلاً كانَ يخدمُ موسىٰ -عليهِ السلامُ-، فجعلَ يقولُ: حدَّثَنِي موسىٰ صفيُّ اللهِ، حدَّثَنِي موسىٰ نجيُّ اللهِ، حدَّثَني موسىٰ كليمُ اللهِ؛ حتىٰ أَثْرَىٰ وكثرَ مالُه، ففقدَهُ موسىٰ -عليهِ السلامُ-، فجعلَ يسألُ عنهُ فلا يحسُّ لهُ خبراً، حتَّىٰ جاءَهُ رجلٌ ذاتَ يومٍ وفي يدِهِ خنزيرٌ وفي عنقِهِ حبلٌ أسودُ، فقالَ لهُ موسىٰ -عليهِ السلامُ-: أتعرفُ فلاناً؟ قالَ: نعمْ، هوَ هٰذا الخنزيرُ، فقالَ موسى: يا ربِّ؛ أسألكَ أنْ تردَّهُ إلىٰ حالِهِ حتَّىٰ أسألَهُ بِمَ أصابَهُ هذا؟ فأوحى اللهُ عزَّ وجلّ إليهِ: لوْ دعوتني بالذي دعاني بهِ آدمُ فَمَنْ دونَهُ.. ما أجبتُكَ فيهِ، ولكنْ أخبرُكَ لمَ صنعتُ هذا بهِ: لأنَّهُ كانَ يطلبُ الدنيا بالدين.
وأغلظَ مِنْ هٰذا ما رويَ عنْ معاذِ بنِ جبلٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- موقوفاً ومرفوعاً في روايةٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنْ فتنةِ العالمِ أنْ يكونَ الكلامُ أحبَّ إليهِ مِنَ الاستماعِ، وفي الكلامِ تنميقٌ وزيادةٌ، ولا يُؤْمَنُ على صاحبِهِ الخطأُ، وفي الصمتِ سلامةٌ وعلمٌ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يَخْزُنُ علمَهُ فلا يحبُّ أنْ يوجدَ عندَ غيرِهِ؛ فذلكَ في الدَّرْكِ الأوَّلِ مِنَ النارِ، ومنَ العلماءِ مَنْ يكونُ في علمِهِ بمنزلةِ السلطانِ، فإنْ رُدَّ عليهِ شيءٌ مِنْ علمِهِ، أو تُهُوونَ بشيءٍ مِنْ حقِّهِ.. غضبَ؛ فذلكَ في الدركِ الثاني مِن النارِ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يجعلُ عِلْمَهُ وغرائبَ حَدِيثِهِ لأهلِ الشرفِ واليسارِ ولا يرى أهلَ الحاجَةِ لهُ أهلاً؛ فذلكَ في الدركِ الثالثِ مِنَ النارِ، ومِنَ العلماءِ مَنْ ينصبُ نفسَهُ للفتيا فيفتي بالخطأِ، واللهُ تعالىٰ يبغضُ المتكلُّفينَ؛ فذلكَ في الدركِ الرابعِ مِنَ النارِ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يتكلَمُ بكلامِ اليهودِ والنصارىٰ ليغْزُرَ بهِ علمُهُ؛ فذلكَ في الدركِ الخامسِ مِنَ النارِ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يتخذ علمَهُ مروءةً ونُبْلاً وذكراً في الناسِ؛ فذلكَ في الدركِ السادسِ مِنَ النارِ، ومِنَ العلماءِ مَنْ يستفِزُّهُ الزهْوُ والعُجْبُ، فإنْ وعظَ.. عَنَّف، وإنْ وُعِظَ.. أَنِفَ؛ فذلكَ في الدركِ السابعِ مِنَ النارِ. وعليكَ بالصمتِ؛ فبهِ تغلبُ الشيطانَ، وإيَّاكَ أنْ تضحكَ مِنْ غيرِ عَجَبٍ، أوْ تمشيَ في غيرِ أرَبِ."
وفي خبرٍ آخرَ: إنَّ العبدَ ليُنْشَرُ لهُ مِنَ الثناءِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، وما يزنُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ.
ورُوِيَ أنَّ الحسنَ انصرفَ مِنْ مجلسِهِ، فحملَ إليهِ رجلٌ مِنْ خراسانَ كيساً فيهِ خمسةُ آلافِ درهم وعشرةُ أثوابٍ مِنْ رقيقِ البزِّ وقالَ: يا أبا سعيدٍ؛ هٰذهِ نفقةٌ وهذهِ كُسوةٌ، فقالَ الحسنُ: عافاكَ اللهُ تعالىٰ، ضُمَّ إليكَ نفقتكَ وكُسْوتَكَ، فلا حاجةَ لنا بذلكَ؛ إنَّهُ مَنْ جلسَ مثلَ مجلسي هذا وقَبِلَ مِنَ الناسِ مثل هذا.. لقيَ اللّٰهَ تعالىٰ يومَ القيامةِ ولا خلاقَ لهُ.
ورويَ عنْ جابرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- موقوفا ومرفوعاً إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "لا تجلسوا عندَ كلِّ عالمٍ إلا عالمٍ يدعوكُمْ مِنْ خمسٍ إلىٰ خمسٍ: مِنَ الشّكَّ إلى اليقينِ، ومِنَ الرياءِ إلى الإخلاصِ، ومِنَ الرغبةِ إلى الزهدِ، ومِنَ الكِبْرِ إلى التواضعِ، ومِنَ العداوةِ إلى النصيحةِ".
وقالَ الله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ)[القصص:79:80] الآيةَ، فَعرَّفَ أهلَ العلمِ بإيثارِ الآخرةِ على الدنيا".
لا يزال يُلقي علينا من أقوال هؤلاء الأكابر؛ لنعتبر ولندَّكِر وتحتاج منا التأمل ماذا قالوا؟ وهذه رواية أبي الدرداء عند ابن عبدالبَرّ في الجامع بيان فضله، وعند الخطيب قال: وأصل الحديث عند الترمذي. يقول:
"أوحَى اللهُ عزَّ وجَلَّ إلى بعضِ الأنبياءِ: قُلْ للذينَ يتفقَّهونَ لغيرِ الدِّينِ،" -أي: لغير قصد الدين والعمل به- "ويتعلَّمُونَ لغيرِ العملِ، ويطلبونَ الدنيا بعملِ الآخرةِ، يلبَسُونَ للناسِ مُسُوكَ الكِباشِ" -يعني: جلود الكباش، جمع مَسْك، ليس مِسْك؛ مَسْك: جلد، مِسْك: هذا العطر المعروف، والمَسك الجلد، وجمعه مسوك؛ جلود الكباش، "وقلوبُهُمْ كقلوبِ الذئابِ، ألسِنتُهُمْ أحْلَىٰ مِنَ العسلِ، وقلوبُهُمْ أمرُّ مِنَ الصَّبِرِ" -الصبر الذي يفسد العسل، والخلّ ويفسد العسل أكثر-، "إيَّايَ يخادعونَ" -يخادعونني!- "وبي يستهزئونَ، لأفتحَنَّ لهُمْ فتنةً تَذَرُ -أي: تَدَع- الحليمَ حَيرانَ". -والعياذ بالله تعالى- فهذا من أسباب الفتنة؛ وجود هذا الصنف من العلماء.
"علماءُ هٰذهِ الأمَّةِ رجلانِ":
"رجلٌ آتاهُ اللهُ علماً، فبَذَلَهُ للناسِ"؛ يعني: أفادهم ونشره ولم يبخل عليهم طمعاً فيما عنده، "ولمْ يأخذْ عليهِ طَمَعاً" من الجاه ولا من المال، "ولمْ يشترِ بهِ ثمناً"، قال: "فذلكَ يُصلِّي عليهِ طيرُ السماءِ وحيتانُ الماءِ ودوابُ الأرضِ والكرامُ الكاتبُونَ"؛ من الملائكة كلهم يدعون له يصلون عليه، "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير"، ويسلمون على معلم الناس الخير نعم، وقال: "يقدُمُ على اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ سَيِّداً -يعني مرفوع القدر- شريفاً حتَّىٰ يرافِقَ المرسلينَ"؛ لأن أقرب الناس من الرسل يوم القيامة اثنان:
- الشهداء المخلصون لوجه الله، الذين لا غرض لهم إلا أن تكون كلمة الله هي العليا.
- والعلماء المعلمون لعباد الله على الإخلاص والصدق.
هؤلاء أقرب الناس من الرسل كما جاء في الحديث: "أقرب الناس من الرسل يوم القيامة العلماء والشهداء"، لكن ذكر علاماتهم، قال: "أما العلماء فدلوا الناس على ما بعث به الرسل"؛ العالم إذا دل الناس على ما بُعِث به الرسل هذا يكون قريباً من المرسلين، أما العالم الذي لا يدل الناس على ما بعث به الرسل لا يقرب منهم يوم القيامة. قال: "وأما الشهداء فماتوا على ما بعث به الرسل"؛ هذا الدليل على أنه:
- إذا كان استشهاده من أجل ما بعث به رسول الله ومن أجل الدين؛ فهو قريب من الرسل.
- وإذا كان غرضه ثاني؛ تبع الحزب الفلاني، ضد الفلاني، من أجل المال الفلاني، من أجل الشهرة الفلانية، من أجل يحصل الغنيمة الفلانية؛ إذًا هذا ماهو شهيد، ولا يقرب من الرسل يوم القيامة.
لكن إذا مات على ما بُعث به الرسل، من أجل ما بُعث به الرسل قدَّم روحه، هذا الذي يرتقي في الدرجات العلى. نعم.
"ورجلٌ آتاه اللهُ علماً في الدنيا، فضَنَّ بهِ"؛ -أي: بَخِل، ضنّ بالضاد: بَخِل، وأما ظنَّ بالظاء معناه: إما تيقن وإما توهَّم؛ الظن بالظاء، أما بالضاد المعنى: البُخل - ضنّ أي: بَخِل به- "علىٰ عبادِ اللهِ، وأخذَ عليهِ طَمَعاً، واشترىٰ بهِ ثمناً؛ فذلكَ يأتي يومَ القيامَةِ مُلْجَماً بلجامٍ مِنْ نارٍ، ينادي مُنادٍ على رُؤوسِ الخلائِقِ: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، آتاهُ اللهُ علماً في الدنيا فضنَّ بِهِ عَلَىٰ عبادِ اللهِ، وأخذ بهِ طمعاً، واشترى بهِ ثمناً -قليلا فيخجل ويخزى بين الناس- فيُعذَّبُ حتَّىٰ يفرغَ مِنْ حسابِ الناسِ" والعياذ بالله.
"وأشدُّ مِنْ هذا ما رُوِيَ أنَّ رجلاً كانَ يخدمُ موسىٰ -عليهِ السلامُ-، -ولكن استكثر بالمال والظهور بين الناس بصورة صحبته للنبي موسى- "فجعلَ يقولُ: حدَّثَنِي موسىٰ صفيُّ اللهِ، حدَّثَنِي موسىٰ نجيُّ اللهِ، حدَّثَني موسىٰ كليمُ اللهِ؛ -يقصد جلب المال- حتىٰ أَثْرَىٰ وكثرَ مالُه، -فلما تمادى في ذلك خسف الله به والعياذ بالله، ردَّه على صورة خنزير- ففقدَهُ موسىٰ -عليهِ السلامُ-، فجعلَ يسألُ عنهُ فلا يحسُّ لهُ خبراً، حتَّىٰ جاءَهُ رجلٌ ذاتَ يومٍ وفي يدِهِ خنزيرٌ وفي عنقِهِ حبلٌ أسودُ، فقالَ لهُ موسىٰ -عليهِ السلامُ-: أتعرفُ فلاناً؟ قالَ: نعمْ، هوَ هٰذا الخنزيرُ، فقالَ موسى: يا ربِّ؛ أسألكَ أنْ تردَّهُ إلىٰ حالِهِ حتَّىٰ أسألَهُ بِمَ أصابَهُ هذا؟" -ما الذي أوصله إلى هذا- فأوحى اللهُ عزَّ وجلّ إليهِ: لوْ دعوتني بالذي دعاني بهِ آدمُ فَمَنْ دونَهُ.. ما أجبتُكَ فيهِ، ولكنْ أخبرُكَ لمَ صنعتُ هذا بهِ: لأنَّهُ كانَ يطلبُ الدنيا بالدين". كان يتظاهر بصحبتك بين الخلق ويقول أنا حدثني نبي الله كليم الله نجي الله صفي الله، أنا أنا أنا، و يستميل قلوب الناس حتى جمَّع له الأموال وكثر وقصده هذا؛ ولهذا مسخه الله تبارك وتعالى، عجّل له عذاب في الدنيا قبل الآخرة.
ثم ذكر حديث سيدنا معاذ وأن من العلماء من يكون في الدرك الأول من النار، ومنهم من يكون في الدرك الثاني، والدرك الثالث، والدرك الرابع، والدرك الخامس، والدرك السادس، إلى السابع في آخر جهنم والعياذ بالله تبارك وتعالى "وقالَ: "مِنْ فتنةِ العالمِ أنْ يكونَ الكلامُ أحبَّ إليهِ مِنَ الاستماعِ، وفي الكلامِ تنميقٌ وزيادةٌ، ولا يُؤْمَنُ على صاحبِهِ الخطأُ، وفي الصمتِ سلامةٌ وعلمٌ".
- ومِنَ العلماءِ مَنْ يَخْزُنُ علمَهُ فلا يحبُّ أنْ يوجدَ عندَ غيرِهِ -ليتميز بين الناس-؛ فذلكَ في الدَّرْكِ الأوَّلِ مِنَ النارِ".
وقد تقدم معنا أن الدرْك بسكون الراء وبفتحه، وقُرئ به في القرآن الكريم من القراءات السبعة: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) و (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء: 145].
- ومنَ العلماءِ مَنْ يكونُ في علمِهِ بمنزلةِ السلطانِ، فإنْ رُدَّ عليهِ شيءٌ مِنْ علمِهِ، أو تُهُوونَ بشيءٍ مِنْ حقِّهِ.. غضبَ -ورأى نفسه بين الناس سلطان أو ملك- فذلكَ في الدركِ الثاني مِن النارِ.
- ومِنَ العلماءِ مَنْ يجعلُ عِلْمَهُ وغرائبَ حَدِيثِهِ لأهلِ الشرفِ واليسارِ ولا يرى أهلَ الحاجَةِ لهُ أهلاً؛ -ما يبالي واحد فقير أو محتاج وينظر إلى الكُبراء ويظهر علمه عندهم- فذلكَ في الدركِ الثالثِ مِنَ النارِ.
- ومِنَ العلماءِ مَنْ ينصبُ نفسَهُ للفتيا -فيفتي بما يعلم وبما لا يعلم- فيفتي بالخطأِ، واللهُ تعالىٰ يبغضُ المتكلُّفينَ؛ فذلكَ في الدركِ الرابعِ مِنَ النارِ.
- ومِنَ العلماءِ مَنْ يتكلَمُ بكلامِ اليهودِ والنصارىٰ ليغْزُرَ بهِ علمُهُ؛ فذلكَ في الدركِ الخامسِ مِنَ النارِ. يعني: يجمِّع أي كلام المقصد منه أنه يريد أن يبرز بتميُّز وصورة وكلام منمق.
- ومِنَ العلماءِ مَنْ يتخذ علمَهُ مروءةً ونُبْلاً وذكراً في الناسِ؛ فذلكَ في الدركِ السادسِ مِنَ النارِ.
- ومِنَ العلماءِ مَنْ يستفِزُّهُ الزهْوُ والعُجْبُ، فإنْ وعظَ.. عَنَّف -شِدَّة-، وإنْ وُعِظَ.. أَنِفَ؛ أنت تنصحنا أنت؟ من أنت؟! أنا قبل ما تُخلق وأنا أعرف هذا من أول! لاحول ولاقوة إلا بالله! لا يقبل النصح من أحد فذلكَ في الدركِ السابعِ مِنَ النارِ.
"وعليكَ بالصمتِ؛ فبهِ تغلبُ الشيطانَ، وإيَّاكَ أنْ تضحكَ مِنْ غيرِ عَجَبٍ، أوْ تمشيَ في غيرِ أرَبِ".
وفي خبرٍ آخرَ: إنَّ العبدَ ليُنْشَرُ لهُ مِنَ الثناءِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، وما يزنُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ".
فماذا يفيده ذلك؟ "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة -في الصحيحين- لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرأوا:
- (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف: 105].
- (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف: 103-105].
"ورُوِيَ أنَّ الحسنَ-البصري- انصرفَ مِنْ مجلسِهِ، فحملَ إليهِ رجلٌ مِنْ خراسانَ كيساً فيهِ خمسةُ آلافِ درهم وعشرةُ أثوابٍ مِنْ رقيقِ البزِّ وقالَ: يا أبا سعيدٍ؛ هٰذهِ نفقةٌ وهذهِ كُسوةٌ، فقالَ الحسنُ: عافاكَ اللهُ تعالىٰ، ضُمَّ إليكَ نفقتكَ وكُسْوتَكَ، فلا حاجةَ لنا بذلكَ؛ إنَّهُ مَنْ جلسَ مثلَ مجلسي هذا وقَبِلَ مِنَ الناسِ مثل هذا.. لقيَ اللّٰهَ تعالىٰ يومَ القيامةِ ولا خلاقَ لهُ".
أي: لا نصيب له من الثواب والدرجة، لأنه أراد هذا.
"ورويَ عنْ جابرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- موقوفا ومرفوعاً إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: "لا تجلسوا عندَ كلِّ عالمٍ إلا عالمٍ يدعوكُمْ مِنْ خمسٍ إلىٰ خمسٍ:
- مِنَ الشّكَّ إلى اليقينِ. يزيح عن بواطنكم كل مظاهر الريبة والشك ويملأكم باليقين.
- يخرجكم ومِنَ الرياءِ إلى الإخلاصِ، وينقيكم من شوائب الرياء.
- ومِنَ الرغبةِ إلى الزهدِ.
- ويخرجكم ومِنَ الكِبْرِ إلى التواضعِ.
- ومِنَ العداوةِ إلى النصيحةِ.
وينقلكم من استثقال بعضكم بعض ومعاداة بعضكم بعض إلى النصيحة والمحبة لبعضكم البعض، هذا العالم الذي يليق بك مجالسته وتنتفع بمجالسته، ويرتفع قدرك عند الله بمجالسته وتنفعكم مجالسته.
ويقول:
وإياكمُ من صحبة الضدِّ إنني *** رأيتُ فساد المرء صحبة أضدادِ
ففي صحبة الأضداد كل رذيلةٍ *** تؤدي إلى ضُرٍّ وبغيٍ وإفسادِ
وفي صحبة الأخيار كل غنيمةٍ *** وربحٍ وفوزٍ ليس يحصيه تعدادي
فدونكمُ فيها ارغبوا ولها اطلبوا *** ففيها لمن يبغي الهدى خير مرتادِ
هم العلماء العارفون الذين في *** مجالسهم للمرء أعظم إسعادِ
ليس في مجالسهم إسعاد فقط ولكن أعظم إسعاد، ولو بمجالسة كتبهم.. نعم، ولو نظفر بمجالسة كتبهم إذا فقدناهم أو من مضوا من قبلنا في القرون السابقة، نجالسهم بمجالسة كتبهم وأقوالهم، الله الله.
ويقول: "وقالَ الله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ -من هذا؟ قارون؛ فذكر الله مَن أهل العلم ومَن أهل الجهل- قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا -هؤلاء جُهّال- يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ -هذا موقف أهل العلم من كل مظاهر الدنيا، كلٍّ قارون زمانه، كلٍّ نظرته لقارون زمانه هذه النظرة- وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ) [القصص:79:80]".
ثم جاءت النتيجة: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [ القصص: 81-83].
قال: "فَعرَّفَ أهلَ العلمِ بإيثارِ الآخرةِ على الدنيا."
فقالوا: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)، [القصص: 80]، وكذلك أهل العلم في زماننا، يقولون هذا قارون المنتشر ببهرجته في الدنيا، إذا تمنى أهل الجهل مكانته، قولوا: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) [القصص: 80]. والله أعلم.
سؤال موجَّه للحبيب عمر:
من كان يعمل عمل صالح ثم تبين له، وانكشف له شيء من الحظوظ والنفس الخفية؟
الجواب:
ما عليه إلا يستغفر ويرجع إلى الله تعالى، ويواظب مكان العمل، لا يترك العمل من أجل هذا، ولكن يرمي نفسه على ربه ويستغفر مما كان منه، ويسأل الله تعالى أن يعفو عنه ما مضى، وأن يحفظه فيما بقي، ويوالي العمل الصالح؛ وإنَّ من نعمة الله عليه أن يكشف له مثل هذا، فإنَّ الله إذا أراد بعبد خير بصّره بعيوب نفسه، وإذا لم يرده بخير تركه في عيوبه إلى أن يلقاه بكل عيوبه -والعياذ بالله تعالى-؛ وإذا أراد به خير بصّره بعيوب نفسه لكي يطهره، يعني يصفِّيه منها.
طهرنا الله من جميع المعايب، إنه أكرم الأكرمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
18 رَجب 1447