آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 7 | صفات علماء الآخرة وعلماء السوء

للاستماع إلى الدرس

الدرس السابع في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء الإثنين 16 رجب 1447هـ.

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

البَابُ السَّادِسُ

في آفات العلم

وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء

"قدْ ذكرْنا ما وردَ مِنْ فضائلِ العلمِ والعلماءِ، وقدْ وردَ في العلماءِ السوءِ تشديداتٌ عظيمةٌ دلَّتْ علىٰ أنَّهُمْ أشدُّ الخلْقِ عذاباً يومَ القيامةِ، فمِنَ المهمَّاتِ العظيمةِ معرفةُ العلاماتِ الفارقةِ بينَ علماءِ الدنيا وعلماءِ الآخرةِ، ونعني بعلماءِ الدنيا العلماءَ السوءَ الذينَ قصْدُهمْ مِنَ العلمِ التنعُّمُ بالدنيا، والتوصُّلُ إلى الجاهِ والمنزلةِ عندَ أهلِها .

قالَ ﷺ: "إنَّ أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ عالمٌ لمْ ينفعْهُ اللّهُ بعلمِهِ".

ويروىٰ عنهُ ﷺ أنَّه قالَ: "لا يكونُ المرْءُ عالماً حتَّىٰ يكونَ بعلْمِهِ عامِلاً".

وقالَ أيضًا ﷺ: "العلمُ علمانِ: علمٌ على اللسانِ فذلكَ حُجَّةُ اللهِ تعالى على ابنِ آدمَ، وعلمٌ في القلبِ فذلكَ العلمُ النافعُ".

وقالَ أيضًا ﷺ: "يكونُ في آخرِ الزمانِ عُبَّادٌ جُهَالٌ وعلماء فُسَّاقٌ".

وقالَ أيضًا ﷺ: "لا تتعلَّمُوا العلمَ لتُباهوا بهِ العلماءَ، ولتماروا بهِ السفهاءَ، ولتصرِفوا وجوهَ الناسِ إليكُمْ، فَمَنْ فعلَ ذلكَ.. فهوَ في النارِ".

وقالَ ﷺ: "مَنْ كتمَ علمًا عندَهُ.. أَلْجَمَهُ اللهُ بلجامٍ مِنْ نارٍ".

وقالَ أيضًا ﷺ: "لأَنا مِنْ غيرِ الدَّجَّالِ أخوفُ عليكُمْ منَ الدجَّالِ" فقيلَ: وما ذاكَ؟ فقالَ: "مِنَ الأئمَّةِ المضلِّينَ".

وقالَ ﷺ: "مَنِ أزدادَ علماً ولمْ يَزْدَدْ هدَىً.. لمْ يزدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا".

وقالَ عيسى -عليهِ السلامُ-: إلىٰ متى تَصِفُونَ الطريقَ للمُدْلِجينَ وأنتمْ مقيمونَ معَ المتحيِّرينَ؟!.

فهذا وغيرُهُ مِنَ الأخبارِ يدلُّ علىٰ عظيمِ خطرِ العلمِ، وأنَّ العالِمَ إمَّا متعرِّضٌ لهلاكِ الأبدِ، أوْ لسعادةِ الأبدِ، وأنَّهُ بالخوضِ في العلْمِ قدْ حُرِمَ السلامةَ إنْ لمْ يدركِ السعادةَ".

 

لا إله إلا الله، الحمد لله يوفق ويهدي، ويضل ويردي، ويعيد ويبدئ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منه المبتدأ وإليه المرجع والمعاد، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خير العباد، الهادي إلى مسلك التقوى والرشاد.

اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الأمجاد، ومن تبعهم بإحسان في الخافي والبادي إلى يوم التناد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين قادات السادة الأمجاد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، 

فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الباب بيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء، والذين أيضًا يُطلق عليهم علماء الدنيا -وهم الذين قصدوا بعلمهم الدنيا- وأرادوا به الدنيا، ورتبوه ليكون وسيلة لهم إلى تحصيل مال أو جاه أو شيء من الأغراض الحقيرة الفانية، فما عرفوا قدر العلم ومكانته، ولما ينالوا به من الدرجات العلى، فاستحقوا بذلك الهوان والعياذ بالله -تبارك تعالى-، وكان العلم حجة عليهم لا حجة لهم.

وهكذا وقد كان يقول كثير من العارفين والصالحين الذين جاءوا بعد الإمام الغزالي، قالوا: وجدنا من علامات علماء الآخرة محبتهم لكتب الإمام الغزالي، ووجدنا من علامات علماء الدنيا كراهتهم لكتب الإمام الغزالي، لأنه يفضحهم ويفضح قصدهم -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.

يقول: "ذكرْنا ما وردَ مِنْ فضائلِ العلمِ والعلماءِ،" من الآيات والأحاديث قال: "وقدْ وردَ في العلماءِ السوءِ تشديداتٌ عظيمةٌ دلَّتْ علىٰ أنَّهُمْ أشدُّ الخلْقِ عذاباً يومَ القيامةِ،" -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لأنهم عصوا بعلم، واستخدموا البضاعة الغالية التي يُرتقى بها إلى مراتب تقواه ونيل رضاه، استخدموها لنيل الحطام ولتصيُّد المتاع الفاني الحقير، فبذلك استحقوا هذا العذاب الشديد -والعياذ بالله تعالى- 

قال: "ونعني بعلماءِ الدنيا العلماءَ السوءَ الذينَ قصْدُهمْ مِنَ العلمِ التنعُّمُ بالدنيا، والتوصُّلُ إلى الجاهِ والمنزلةِ عندَ أهلِها"، وأورد الحديث الذي رواه الطبراني أيضًا في الصغير، والقضاعي في مسند الشهاب والبيهقي في الشعب في الشعب وغيرهم، قال إيش؟:  ﷺ: "إنَّ أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ عالمٌ لمْ ينفعْهُ اللّهُ بعلمِهِ"، تضرر ولم ينتفع بالعلم؛ لأن الانتفاع بالعلم أن يثمر الخشية من الله -تعالى-، وإذا جاءت الخشية من الله تواترت وتواصلت جميع مراتب القرب منه -تبارك وتعالى- والتنزه عن المنكرات والخبائث والرذائل بأصنافها إذا حلت خشية الله -تعالى- في القلب، قال -جل جلاله-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر-28] الله يجعلنا من أهل علم الخشية، وممن ينفعهم بما يعلمهم ويعلمهم ما ينفعهم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.

وذكر أيضًا ما يروى أنه قالَ: "لا يكونُ المرْءُ عالماً حتَّىٰ يكونَ بعلْمِهِ عامِلاً"، وروى لنا هذا الحديث الذي رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وقد جاء بسند حسن: "العلمُ علمانِ: علمٌ على اللسانِ" وهذا الذي يستوي فيه البر والفاجر، فإذا كان على اللسان فقط "فذلكَ حُجَّةُ اللهِ تعالى على ابنِ آدمَ" -وفي لفظ: "حجة الله على خلقه"- وهو أن يعلم المعلومات ويتكلم ويتحدث بها غير آبهٍ بمعانيها ولا بتطبيقها ولا العمل بمقتضاها. قال: "وعلمٌ في القلبِ" وهو نور الخشية والإنابة إلى الحق واستبيان المعاني في خطاب الحق ورسوله للعمل بها، "فذلكَ العلمُ النافعُ" والرافع الذي يرفع أهله، لقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة-11]. قال ابن عباس: للعلماء -فوق المؤمنين غير العلماء- ثلاثمائة درجة، الدرجة كما بين السماء والأرض.

فإذًا تبين انقسام العلمِ إلى علمين

  • علم لسان، علم اللسان حجة الله على خلقه، على ابن آدم  يستوي فيه البر والفاجر، صنعة يتقنها البر والفاجر.
  • وعلم القلب، العلم النافع هو ما يشرق في قلب المتعلم والمدرك للخطاب والحكم الإلهي من نور تعظيم وإجلال للرحمن، وإرادة لوجهه الكريم، وتطبيق لما شرع وأمر ونهى، واستعداد للقائه -جل جلاله- هذا علم القلب.

وذكر أيضًا رواية: "يكونُ في آخرِ الزمانِ عُبَّادٌ جُهَالٌ " -مقصرون في العلم فيتعرضون لفساد عبادتهم وهم لا يشعرون، أو لحبطها بشيء من الأعمال وهم لا يشعرون- "وعلماء فُسَّاقٌ" لا يعملون بعلمهم، ويخالفونه ويمشون وراء أهوائهم وشهواتهم.

لا إله إلا الله، وكم شاهَدَ الأمة من أهل هذين الوصفين، الله يصلح أحوال المسلمين ويرزقنا العلم والعبادة.

وقال أيضًا: "لا تتعلَّمُوا العلمَ لتُباهوا بهِ العلماءَ" -المباهاة: المفاخرة والمكابرة- "ولتماروا -تجادلوا- بهِ السفهاءَ" المماراة: الاعتراض على كلام الغير، "ولتصرِفوا وجوهَ الناسِ إليكُمْ، فَمَنْ فعلَ ذلكَ.. فهوَ في النارِ" . وفي رواية: "فليتبوأ مقعده من النار"، وفي رواية: "فالنار النار". وقد ذكرنا أنه عند ابن ماجه وهو عند غيره أيضًا من أصحاب السنن أوردوا هذا الحديث، انحراف القصد في طلب العلم "لتُباهوا بهِ العلماءَ، ولتماروا بهِ السفهاءَ، ولتصرِفوا وجوهَ الناسِ إليكُمْ.."،  وذكر لنا ﷺ رأس الاستقامة في القصد من طلب العلم، وقال في حديثه أيضًا الصحيح: "مَن  جاءَه الموتُ وهو يطلبُ العلمَ ليُحْيِيَ به الإسلامَ" -هل رأيت القصد الكبير هذا؟- "من  جاءَه الموتُ وهو يطلبُ العلمَ ليُحْيِيَ به الإسلامَ فبينَه وبين الأنبياءِ في الجنةِ درجةٌ واحدة" تحت النبيين مباشرة؛ العلماء الذين يأخذون العلم وقصدهم إحياء الإسلام في أنفسهم وأهاليهم وأسرهم ومجتمعاتهم والأمة، يحيون الإسلام. الله الله

وقالَ ﷺ: "مَنْ كتمَ علمًا.. -أي: مما يجب تبليغه في أمور العبادات أو المعاملات- عندَهُ.. أَلْجَمَهُ اللهُ بلجامٍ مِنْ نارٍ" وفي رواية: " القيامة" كما هو عند أحمد وغيره.

وقالَ أيضًا ﷺ: "لأَنا مِنْ غيرِ الدَّجَّالِ أخوفُ عليكُمْ منَ الدجَّالِ". هم أئمة أو علماء أو ولاة، ولكنهم مضلين، يعني يضلون غيرهم، ويكتمون شيئ ويحابون ويداهنون في شيء، ويسيرون أمور الدين على وفق مصالحهم وأغراضهم الحقيرة، هؤلاء قال: أخوف على أمتي من الدجال، والعياذ بالله -تعالى-، مع شدة فتنة الدجال وانتشاره، ولكن هؤلاء ما يُشعر بدجلهم وكأنهم هدى، وهم مضلون والعياذ بالله -تبارك وتعالى-. 

وفي دعائه ﷺ كل يوم في الفجر يقول: "اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالِّين ولا مضلين، حربًا لأعدائك وسلمًا لأوليائك، نحب بحبك الناس ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك". 

وقالَ ﷺ: "مَنِ أزدادَ علماً ولمْ يَزْدَدْ هدَىً.. لمْ يزدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا".. وذكر في التعليق أن هذا المشهور أنه كما قال الحافظ الزبيدي من قول الحسن البصري -عليه رحمة الله-: "مَنِ أزدادَ علماً ولمْ يَزْدَدْ هدَىً.. لمْ يزدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعْدًا"

"وقالَ -سيدنا النبي- عيسى -عليهِ السلامُ-: إلىٰ متى تَصِفُونَ الطريقَ للمُدْلِجينَ -الذين يمشون في الدلجة- وأنتمْ مقيمونَ معَ المتحيِّرينَ؟!". ما تمشون ولا تسيرون ولا تطبقون العلم.

قال: "فهذا وغيرُهُ مِنَ الأخبارِ يدلُّ علىٰ عظيمِ خطرِ العلمِ  -إذا لم يرد به وجه الله، وإذا لم يرد به العمل- وأنَّ العالِمَ إمَّا متعرِّضٌ لهلاكِ الأبدِ، أوْ لسعادةِ الأبدِ، وأنَّهُ بالخوضِ في العلْمِ قدْ حُرِمَ السلامةَ إنْ لمْ يدركِ السعادةَ"، إما أن يدرك السعادة بالخوض في العلم، وإما ليس فقط تفوته السعادة فقط  يُحرم السلامة بل يقع في العذاب والعياذ بالله -تبارك وتعالى- بسبب خبث نيته وسوء عمله وعدم تطبيقه لهذا العلم، فالله يرزقنا العلم والعمل به مخلصين لوجه الله.

وقد اشتهر من أقوال العارفين: الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.

ولخص سيدنا الإمام السقاف معاني هذا السير الى الله -تعالى- في قولةٍ له يقول فيها: 

  • كل عِلْم بلا عمل فباطل. 
  • وكل عِلْم وعمل بلا نية فهَباء. 
  • وكل عِلْم وعمل ونية بلا سنة فمردود، -إذا ما هو على وفق السنة مردود- 
  • وكل عِلْم وعمل ونية وسنة بلا ورع فخسران، يخاف على صاحبه عند المقاصَّة ذهابه. 

فلا بد من عِلْم وفوقه عمل، وفوق هذا العمل أيضًا نية مخلصة لوجه الله، وفوق النية موافقة للسنة الشريفة، وفوق هذا كله ورع، تحرُّز وتحذُّر من الشوائب والمهلكات والمحبطات للأعمال، الله أكبر.

 

"وأمَّا الآثارُ:

فقدْ قالَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ أخوفَ ما أخافُ علىٰ هذهِ الأُمَّةِ المنافقُ العليمُ، قالوا: وكيفَ يكونُ منافقًا عليمًا؟ قالَ: عليمَ اللسانِ جاهلَ القلبِ والعملِ.

وقالَ الحسنُ: لا تكنْ ممَّنْ يجمعُ علْمَ العلماءِ وطرائفَ الحكماءِ  ويجري في العملِ مَجرى السفهاء.

وقالَ رجلٌ لأبي هريرةَ: أريدُ أنْ أتعلَّمَ العِلْمَ وأخافُ أنْ أضيّعَهُ، فقالَ: كفى بتركِكَ العِلْمَ إضاعةً له.

وقيلَ لإبراهيمَ بنِ عيينة: أيُّ الناسِ أطولُ ندامةً؟ قالَ: أمّا في عاجلٍ الدنيا فصانعُ المعروفِ إلىٰ مَنْ لا يشكرُهُ، وأمّا عندَ الموتِ فعالِمٌ مفرِّطٌ.

وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: الرجالُ أربعةٌ: 

رجلٌ يدري ويدري أنَّهُ يدري؛ فذلكَ عالمٌ فاتبعوهُ، ورجلٌ يدري ولا يدري أنَّهُ يدري؛ فذلكَ نائِمٌ فأيقظوهُ، ورجلٌ لا يدري ويدري أنَّهُ لا يدري؛ فذلكَ مسترشدُ فعلّموهُ، ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنَّهُ لا يدري؛ فذلكَ جاهلٌ فارفضوهُ.

وقالَ سفيانُ الثوريُّ -رحمهُ الله-: يهتفُ العلمُ بالعملِ، فإنْ أجابَهُ، وإلا.. ارتحلَ.

وقال ابنُ المباركِ: لا يزالُ المرءُ عالمًا ما طلبَ العلمَ، فإذا ظنَّ أنَّهُ قدّ علِمَ.. فقدٌ جهلَ.

وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ -رحمهُ اللهُ-: إنِّي لأرحمُ ثلاثةٌ: عزيزَ قومٍ ذلَّ، وغنيًا افتقرّ، وعالمًا تلعبُ بهِ الدنيا.

وقالَ الحسنُ: عقوبةُ العلماءِ موتُ القلبِ، وموتُ القلبِ طلبُ الدنيا بعملِ الآخرةِ.

وأنشدوا:

عَجِبْتُ لِمُبْتاعِ الضَّلالَةِ بِٱلْهُدَى***وَمَنْ يَشْتَرِي دُنْيَاهُ بِالدِّينِ أَعْجَبُ

 وَأَعْجَبُ مِنْ هَٰذيْنِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ***بِدُنْيَا سِوَاهُ فَهْوَ مِنْ ذَيْنِ أَعْجَبُ

وقالَ النبيُّ ﷺ: "إنَّ العالمَ لَيُعَذَّبُ عذابًا يَطِيفُ بهِ أهلُ النَّارِ اسْتِعْظامًا لشدَّةِ عذابِهِ"، أرادَ بهِ العالمَ الفاجرَ.

وقالَ أسامةُ بنُ زيدٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يُؤْتَىٰ بالعالِمِ يومَ القيامةِ، فيُلقَىٰ في النارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُهُ، فيدورُ بها كما يَدورُ الحمارُ بالرَّحَىٰ، فيطيفُ بهِ أهلُ النارِ فيقولونَ: ما لكَ؟ فيقولُ: كنتُ آمرُ بالخيرِ ولا آتيهِ، وأنهَىٰ عنِ الشرِّ وآتيهِ".

وإنَّما يُضاعفُ عذابُ العالمِ في معصيتِهِ لأنَّهُ عصَىٰ عنْ علم، ولذلكَ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)[النساء:145]؛ لأنَّهمْ جحدُوا بعدَ العلمِ.

وجعلَ اليهودَ شرًّا مِنَ النصارى معَ أنَّهُمْ ما جعلوا للهِ سبحانَهُ ولدًا ولا قالوا: إنَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ، ولكنْ أنكروا بعدَ المعرفةِ؛ إذ قالَ تعالىٰ:

(يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)[البقرة:146]، وقالَ تعالى:(فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى ممكن الْكَافِرِينَ)[البقرة:89].

وقالَ تعالىٰ في قصَّةِ بَلْعَامَ بنِ باعوراءَ: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) حتَّى قالَ: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث)[الأعراف:175-176]، وكذلكَ العالمُ الفاجرُ، فإنَّ بَلْعَامَ أوتيَ كتابَ اللهِ تعالىٰ، فأخلدَ إلى الشهواتِ، فشُبِّهَ بالكلبِ؛ أي: سواءٌ أُوتيَ الحكمةَ أوْ لمْ يُؤتَ.. فهوَ يلهثُ إلى الشهواتِ.

وقالَ عيسى -عليهِ السلامُ-: مثلُ علماءِ السوءِ كمثلِ صخرةٍ وقعتْ علىٰ فمِ النهرِ، لا هيَ تشربُ الماءَ، ولا هيَ تتركُ الماءَ يخلصُ إلى الزَّرْعِ، ومثلُ علماءِ السوءِ مثلُ قناةِ الحُشِّ، ظاهرُها جَصٌّ وباطنُها نتنٌ، ومثلُ القبورِ، ظاهرُها عامرٌ وباطنُها عظامُ الموتىٰ".

 

لا إله إلا الله، حققنا الله بحقائق العلم النافع والاتصاف بأوصاف أهله.

يقول: في الآثار أيضًا جاء التحذير من العلم المنقطع عن الإخلاص، من العلم المنقطع عن العمل، من العلم المنقطع عن الاقتداء والاهتداء.

"قالَ سيدنا عمرُ بن الخطاب -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ أخوفَ ما أخافُ علىٰ هذهِ الأُمَّةِ المنافقُ العليمُ، قالوا: وكيفَ يكونُ منافقًا عليمًا؟ قالَ: عليمَ اللسانِ جاهلَ القلبِ والعملِ"، العلم عنده يحفظ أشياء كثيرة ويتكلم كثير ولكن قلبه -والعياذ بالله- جاهل بالله -سبحانه وتعالى- لا حضور له مع الله، ولا أدب له مع الله، ولا قصد لوجه الله -جل جلاله-؛ فهو جاهل القلب عليم اللسان، فهو منافق ولكنه عليم، بِعلمه يضر الناس ويفسدهم، ويقطع الطريق بينهم وبين الله -تبارك وتعالى-.

"وقالَ الحسنُ: لا تكنْ ممَّنْ يجمعُ علْمَ العلماءِ وطرائفَ الحكماءِ  ويجري في العملِ مَجرى السفهاء".

وقالَ رجلٌ لأبي هريرةَ -رضي الله عنه-: أريدُ أنْ أتعلَّمَ العِلْمَ وأخافُ أنْ أضيّعَهُ، -قال له: إعراضك عنه وعدم رغبتك فيه قد كفى به إضاعة- كفى بتركِكَ العِلْمَ إضاعةً له"، -قدك مضيعه من ذا الحين-؛ تعلم وانوِ العمل والصدق ويعينك الله، أما تقول انا سأتعلم ولكن أخاف أضيعه وقدك مضيعه من الحين فهل أنت حافظه الآن وإلا أيش ؟ أنت مضيعه، كفاكَ بتركِكَ العلم إضاعة له.. فمعناه: يجب ترغب في العلم وتسأل من الله التوفيق للعمل وتقوم بحقه ما استطعت فيُعينك -سبحانه وتعالى-، وأما تقول ما دام إلا في خطر في العلم إذا كان علم سوء،  وأقصد به غير وجهه فأنا ما عاد بتعلم إلا أخاف أن أضيعه، قال له سيدنا أبو هريرة: كفى بتركك العلم إضاعة له، لأنك ضيعته، -أنت مضيعه الآن عادك الا تخاف أن تضيعه وأنت مضيع من الآن قد ضيعته- أقبل على العلم وقم بحقه ويعينك الله -سبحانه وتعالى-.

يعني: لا يستفزك الشيطان يقول لك: اترك أي شيء من العلم أو أي عبادة لأنك غير مخلص فيها. قل: علي أعمل وأطلب الإخلاص والله يوفقني ويتقبل؛ أمّا أتركها نهائي فهذا مراد إبليس منك، لأنه ما يُدخل عليك فيها العجب ولا الرياء ولا الغرور إلا من أجل يحبطها عليك، فإذا من أصلها ما عملتها أحسن خففت عليه، ساعدته، ما يحتاج جهد معك، لأنه ما يحاول يدخل عليك العجب والرياء والغرور إلا ليفسدها ويبطلها، فإذا من أصلها ما تعمل أحسن، كفيته المؤونة وساعدته بل اعمل، واسأل من الله توفيقك، واكره ما يلقي عليك إبليس من خواطر الرياء والعجب والغرور ويوفقك، لأنه كثيراً ما يصدهم عن العمل بتخويفهم أنهم ما يقومون بحق العمل، فالعلم كذلك، وهذا التلبيس منه وتدليس يضحك على كثير لكي يتركوا العمل، يقول: أحسن، مقصود إبليس.

"وقيلَ لإبراهيمَ بنِ عيينة: أيُّ الناسِ أطولُ ندامةً؟ قالَ: أمّا في عاجلٍ الدنيا.." فأكثرهم ندامة الذي يصنع المعروف لواحد لا يشكره وبعدين يرجع ينقلب عليه ويؤذيه وهو أحسن إليه قال: هذا يتعب مسكين في الدنيا قال: "وأمّا عندَ الموتِ فعالِمٌ مفرِّطٌ"، هذا أكثر الناس ندامة، ويلحق به من أمكنه طلب العلم فتهاون فيه ولم يطلبه، عندما يرى منازل العلماء الصالحين في الآخرة يتحسَّر؛ حتى في الحديث رواية جاءت: "إن أشد الناس حسرة يوم القيامة من أمكنه طلب العلم فلم يطلبه"، قدر وتمكن ثم أعرض وآثر شيئاً آخر، يجيء في الآخرة يحصل درجات العلماء، وأنه كان لو ذلك اليوم راح للمكان ليتعلم ماذا كان حصل، وماذا تكون النتيجة؟ فتشتد حسرته في الموقف يوم القيامة. اللهم لا تعرضنا للحسرة ولا للندامة يوم القيامة. قال الله:(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [ مريم: 39].

"وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: الرجالُ أربعةٌ: 

  • رجلٌ يدري -ويعرف الحقائق ويدرك ما جاء عن الله ورسوله- ويدري أنه يدري، قال: "فذلكَ عالمٌ فاتبعوهُ" -على بصيرة وعلى هدى-. 
  • "ورجلٌ يدري ولا يدري أنَّهُ يدري؛ فذلكَ نائِمٌ فأيقظوهُ"، -أخبروه هذا هو المسلك الصحيح، وهذا الذي أنت عليه هو العلم ويقابله كذا وكذا، ما يدري أنه يدري مسكين وهو يدري كان نايم- ، قال: "نائم فأيقظوه".
  • "ورجلٌ لا يدري ويدري أنَّهُ لا يدري؛ -معترف أنه جاهل- ، قال: "فذاك مسترشد فعلموه".
  • "ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري" -كيف؟ يشوف نفسه يدري وهو ما يدري، هذا صاحب الجهل المركب، فصاحب الجهل البسيط ذاك الأول، فذاك سهل لا يعرف الشيء، أما هذا جاهل مركب؛مركب يعني:  يظن الشيء على غير ما هو عليه، ويرى أنه علم وهو جهل، قال: هذا مشكلة إيش تعمل فيه؟- فذلكَ جاهلٌ فارفضوهُ."، انتبه منه؛ لأنه لا دواعي هناك تدعو لأن يتعلم ولا يستفيد، لأنه يظن نفسه أنه يعلم وهو لا يعلم. حتى قال بعضهم في وصف هذا الجاهل الجهل المركب لأنه عندهم الجهل البسيط: عدم العلم بالشيء، والجهل المركب: أن يظن شيئاً على غير ما هو عليه، يتصور الشيء على غير ما هو عليه في الواقع، هذا جهل مركب، هذا أتعب من ذاك، الأول تحتاج تخلصه من ذلك الفساد ثم تعطيه المعلومة الصحيحة.

قال في وصف هذا الجاهل المركب، وكان معه حمار يركب عليه، قال على لسان الحمار:

قال حمار الحكيم يومًا *** لو أنصف الدهر كنت أركب

-هو اسمه حكيم وهو جاهل-

لأنني جاهل بسيط *** وصاحبي جاهل مركب

لو كان الأمور فيها إنصاف على وجه الحقيقة، قال هو الذي يحتاج أن يُركب عليه ليس هو من يركب عليه لأنه جاهل مركب، فالحمار حمار لا يعرف الأشياء، لكن هذا يتصور الأشياء على خلاف ما هو عليه ويشتد ذلك إذا كان ذلك في أمور الدين، وإذا كان ايضا هو يدعو إليها، يدعو إلى الباطل الذي هو عليه، فهذا أمره مخطر. لا إله إلا الله.

"وقالَ سفيانُ الثوريُّ -رحمهُ الله-: يهتفُ العلمُ بالعملِ" ، 

-قال: أي علم تناله من علوم الخير والدين والشريعة فإنه يهتف؛ يناديك أن تعمل به- "فإنْ أجابَهُ" -أي: قام صاحبه بالتطبيق أشرق نور العلم فيه وبقي له- "وإلا.. ارتحلَ"، يعني: ارتحل نوره وبركته وحقيقته، تبقى صورة العلم فقط بلا حقيقة، "يهتفُ العلمُ بالعملِ فإنْ أجابَهُ وإلا.. ارتحلَ"، ارتحل العلم أي: نوره وحقيقته وسره، تبقى صورة العلم فقط.

"وقال ابنُ المباركِ: لا يزالُ المرءُ عالمًا ما طلبَ العلمَ، فإذا ظنَّ أنَّهُ قدّ علِمَ.. فقدٌ جهلَ".

"وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ -رحمهُ اللهُ-: إنِّي لأرحمُ ثلاثةٌ: عزيزَ قومٍ ذلَّ، وغنيًا افتقرّ، وعالمًا تلعبُ بهِ الدنيا"، يعني: ما اشتدت رحمتي وخوفي على أحد مثل هؤلاء.

وقالَ الحسنُ: عقوبةُ العلماءِ موتُ القلبِ، وموتُ القلبِ طلبُ الدنيا بعملِ الآخرةِ.

وجاء بالبيتين:

عَجِبْتُ لِمُبْتاعِ الضَّلالَةِ بِٱلْهُدَى***وَمَنْ يَشْتَرِي دُنْيَاهُ بِالدِّينِ أَعْجَبُ

 وَأَعْجَبُ مِنْ هَٰذيْنِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ***بِدُنْيَا سِوَاهُ فَهْوَ مِنْ ذَيْنِ أَعْجَبُ

يبيع دينه بدنيا غيره، من أجل آخر له ملك أو جاه أو منصب أو مكانة ومن أجله يبيع دينه، من أجل دنيا غيره وما هو حتى لدنيا نفسه لأجل دنيا غيره، أعجب من هذين.

"عَجِبْتُ لِمُبْتاعِ الضَّلالَةِ" هذا غريب، يبيع الهدى ويشتري بضلالة، والثاني "وَمَنْ يَشْتَرِي دُنْيَاهُ بِالدِّينِ"، يبيع الدين يشتري به دنيا ، هذا غريب.

وَأَعْجَبُ مِنْ هَٰذيْنِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ***بِدُنْيَا سِوَاهُ فَهْوَ مِنْ ذَيْنِ أَعْجَبُ

"وقالَ النبيُّ ﷺ: "إنَّ العالمَ لَيُعَذَّبُ عذابًا يَطِيفُ بهِ أهلُ النَّارِ اسْتِعْظامًا لشدَّةِ عذابِهِ"، -معناه في الحديث  الآتي عن سيدنا أسامة بن زيد وعن النبي ﷺ وهو في الصحيحين- يقولُ: "يُؤْتَىٰ بالعالِمِ يومَ القيامةِ، فيُلقَىٰ في النارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُهُ، -بطنه تنبعج وتمتد، وفي رواية: "أقتاب بطنه" أي: أمعاءه- فيدورُ بها كما يَدورُ الحمارُ بالرَّحَىٰ، فيطيفُ بهِ أهلُ النارِ فيقولونَ: ما لكَ؟ فيقولُ: كنتُ آمرُ بالخيرِ ولا آتيهِ، وأنهَىٰ عنِ الشرِّ وآتيهِ".

  • ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:44].
  • يقول الله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

يقول: "وإنَّما يُضاعفُ عذابُ العالمِ في معصيتِهِ لأنَّهُ عصَىٰ عنْ علم، ولذلكَ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)[النساء:145] -وفي قراءة بإسكان الراء وفي قراءة الثانية بفتحها- ﴿فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، لماذا؟- لأنَّهمْ جحدُوا بعدَ العلمِ- شافوا النبي قدامهم وغيرهم، بعد ذلك أيقنوا بأن الإسلام دين الحق ولكنهم تظاهروا به -وقد علموا- تظاهروا به وأبطنوا الكفر، فهؤلاء اشتد عليهم العذاب فهم في الدرك الأسفل من النار.

قال: "وجعلَ اليهودَ شرًّا مِنَ النصارى معَ أنَّهُمْ ما جعلوا للهِ سبحانَهُ ولدًا ولا قالوا: إنَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ، ولكنْ أنكروا بعدَ المعرفةِ؛ -أيقنوا أن سيدنا عيسى نبي وكذبوه وجحدوه، وأيقنوا أن سيدنا محمد نبي فكذبوه- إذ قالَ تعالىٰ: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)[البقرة:146]، -حتى قال سيدنا عبد الله بن سلام كان من علماء اليهود فصار من علماء الصحابة المؤمنين يقول: "كنت أعرفه  كمعرفتي بابني، ومعرفتي به أشد من معرفتي بابني، قال: لأن وصفه في التوراة من كلام الله تعالى كما هو، وابني لا أدري ما فعلت به أمه، فمعرفتي به أشد من معرفتي بابني- (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)"، مع ذلك جحدوا.

"وقالَ تعالىٰ في قصَّةِ بَلْعَامَ بنِ باعوراءَ: -وكان من أصحاب سيدنا موسى -ولكن بعده بمدة- ثم أنه قد عُلِّم الاسم الأعظم وعنده علم كثير، ولكن حمله حب الدنيا على أن يمالئ قومه ويمشي معهم ويدانيهم، حتى طُلب منه الدعاء على سيدنا موسى عليه السلام ورجع تابعهم، فَانسَلَخَ مِنْ الآيات، (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا)،علوماً عظيمة أُنزلت على النبي موسى، (فَانسَلَخَ مِنْهَا) خرج منها ومن نورها ومن حقيقتها ومن سرها (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا)، لأننا بمثل هذه العلوم نرفع من نشاء (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف:175-176]، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

يقول: أنه ما أفاده العلم ولا نفعه، فهو مثل الكلب إن أعطيته أو ما أعطيته يلهث، يلهث يلهث دائماً، اللهث عنده ما ينقطع هذا اللهث. قالوا: هذا ما عاد نفعته الآيات، وُعِظ أم لم يُوعظ، عَلم أو ما علم كله عنده سواء، مائل إلى الدنيا والفانيات فقط، فمثَّله بالكلب: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أمرنا أن نتفكر فيما يقص علينا على لسان نبيه ﷺ، قال: "وكذلكَ العالمُ الفاجرُ". 

"وقالَ عيسى -عليهِ السلامُ-: مثلُ علماءِ السوءِ كمثلِ صخرةٍ وقعتْ علىٰ فمِ النهرِ، لا هيَ تشربُ الماءَ، -وتنتفع به- ولا هيَ تتركُ الماءَ يخلصُ إلى الزَّرْعِ" والناس يستفيدوا منه في أراضيهم، فهي صخرة على فم النهر. فكذلك علماء السوء صخور على برَكة العلم ونور العلم والأحكام الربانية، قاعدين عليها لا هم يعملون بها، ولا هم تركوها تمضي إلى خلق الله لينتفعوا بها.

قال: "ومثلُ علماءِ السوءِ مثلُ قناةِ الحُشِّ، - محل النجاسات والأوساخ - "ظاهرُها جَصٌّ" -يصلحونها مثل الدرينش؛ يعني: كرسي الحمام-، "وباطنُها نتنٌ، ومثلُ القبورِ، ظاهرُها عامرٌ وباطنُها عظامُ -وصديد- الموتىٰ". لا إله إلا الله، اللهم أصلح ظاهرنا وباطننا.

 

"فهٰذهِ الأخبارُ والآثارُ تبيِّنُ أنَّ العالِمَ الذي هوَ مِنْ أبناءِ الدنيا أخسُّ حالاً وأشدُّ عذاباً مِنَ الجاهلِ، وأنَّ الفائزينَ المقرَّبينَ همْ علماءُ الآخرةِ، ولهمْ علاماتٌ:

فمنها: ألا يطلبَ الدنيا بعلمِهِ: فإنَّ أقلَّ درجاتِ العالِمِ أنْ يدركَ حقارةَ الدنيا وخسَّتَها وكدورتَها وانصرامَها، وعِظَمَ الآخرةِ ودوامَها وصفاءَ نعيمِها وجلالةَ ملكِها، ويعلمَ أنَّهما متضادتانِ، وأنَّهما كالضرَّتينِ؛ مهما أرضيتَ إحداهما.. أسخطتَ الأخرى، وأنَّهما ككفَّتي الميزانِ؛ مهما رجحتْ إحداهما.. خفَّتِ الأخرىٰ، وأنَّهما كالمشرقِ والمغربِ؛ مهما قربتَ مِنْ أحدِهما.. بعدتَ عنِ الآخرِ، وأنَّهما كقدحينِ أحدُهما مملوءٌ، والآخرُ فارغٌ؛ فبقدْرِ ما تصبُّ منهُ في الآخرِ حتَّىٰ يمتلئ.. يفرُغُ الآخرُ.

فإنَّ مَنْ لا يعلمُ حقارةَ الدنيا وكدورتَها وامتزاجَ لذّتِها بألمِها ثمَّ انصرامَ ما يصفو منها.. فهوَ فاسدُ العقلِ؛ فإنَّ المشاهدةَ والتجرِبةَ ترشدُ إلى ذلكَ، فكيفَ يكونُ مِنَ العلماءِ مَنْ لا عقلَ لهُ؟!

ومَنْ لا يعلمُ عِظَمَ أمرِ الآخرةِ ودوامَها.. فهوَ كافرٌ مسلوبُ الإيمانِ، فكيفَ يكونُ مِنَ العلماءِ مَنْ لا إيمانَ لهُ؟!

ومَنْ لا يعلمُ مضادَّةَ الدنيا للآخرةِ، وأنَّ الجمعَ بينَهما طمعٌ في غيرِ مطمعٍ.. فهوَ جاهلٌ بشرائعِ الأنبياءِ كلَّهِمْ، بلْ هوَ كافرٌ بالقرآنِ كلِّهِ مِنْ أوَّلِهِ إلىٰ آخرِهِ، فكيفَ يُعدُّ مِنْ زمرةِ العلماءِ؟!

ومَنْ علمَ هٰذا كلَّهُ، ثمَّ لمْ يؤثرِ الآخرةَ على الدنيا.. فهوَ أسيرُ الشيطانِ، قدْ أهلكتْهُ شهوتُهُ، وغلبتْ عليهِ شِقوتُهُ، فكيفَ يُعدُّ مِنْ حزبِ العلماءِ مَنْ هٰذهِ درجتُهُ؟!

وفي أخبارِ داوودَ -عليهِ السلامُ- حكايةً عنِ اللهِ تعالىٰ: إنَّ أدنىٰ ما أصنعُ بالعالِمِ إذا آثرَ شهوتَهُ على محبَّتي أنْ أحرمَهُ لذيذَ مناجاتي، يا داوودُ؛ لا تسألنْ عنِّي عالماً قدْ أسكرَتْهُ الدنيا فيصدَّكَ عنْ طريقِ محبَّني، أولئكَ قطَّاعُ الطريقِ علىٰ عبادي، يا داوودُ؛ إذا رأيتَ لي طالباً.. فكنْ لهُ خادماً، يا داوودُ؛ مَنْ رَدَّ إليَّ هارباً.. كتبتُهُ جِهْبذاً، ومَنْ كتبتُهُ جِهْبداً.. لمْ أعذبْهُ أبدأ.

ولذلك قالَ الحسنُ -رحمهُ اللهُ-: عقوبةُ العلماءِ موتُ القلبِ، وموتُ القلْبِ طلبُ الدنيا بعملِ الآخرةِ.

ولذلكَ قالَ يحيى بنُ معاذٍ الرازيُّ: إنّما يذهبُ بهاءُ العلمِ والحكمةِ إذا طُلِبَ بهما الدنيا.

وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ -رحمَهُ الله-: إذا رأيتمُ العالمَ يغشَى الأمراءَ.. فهوَ لصٌّ".

 

بهذه "الأخبارُ والآثارُ تبيِّنُ أنَّ العالِمَ الذي هوَ مِنْ أبناءِ الدنيا أخسُّ حالاً وأشدُّ عذاباً مِنَ الجاهلِ"، وأن أهل الفوز والقرب هم علماء الآخرة، اللهم اجعلنا منهم. 

قال: لهم علامات، أنهم لا يريدون بعلمهم شيئاً من الفانيات والزائلات والحقيرات بأصنافها وأنواعها، يُعِزُّونَ العلم أن يطلب به شيء سوى الله سبحانه وتعالى، فلا يقصدون به إلا وجه الله جل جلاله، هؤلاء علماء الآخرة.

"ألا يطلبَ الدنيا بعلمِهِ: فإنَّ أقلَّ درجاتِ العالِمِ أنْ يدركَ حقارةَ الدنيا"، هذا أقل درجة علم، يدرك أن الدنيا حقيرة وأنها خسيسة وأنها مشوبة ملآنة بالكدورات، وأنها تنقضي وتفنى عما قريب، وأن الآخرة باقية ودائمة ونعيمها صافي وملكها عظيم، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا)[ الإنسان: 20]، كما قال الله تعالى.

ويعلم أن المشي وراء قصد الدنيا وملذاتها والمعصية والذنوب والمخالفة للشرع فيها ونيل الدرجات في الآخرة غير ممكن، لا يمكن الجمع بينها، فإما غفلة ومعصية، وإما درجات عُلا، أما درجات عُلا مع معصية والغفلة فما يمكن أبداً، ومن كان آثر الحياة الدنيا وما فيها أنى له بالدرجات العُلى في الآخرة؟ لهذا بعلمه بذلك يؤثر ما يبقى على ما يفنى.

قال: 

  • "مَنْ لا يعلمُ حقارةَ الدنيا وكدورتَها وامتزاجَ لذّتِها بألمِها ثمَّ انصرامَ ما يصفو منها.. فهوَ فاسدُ العقلِ" لأن هذا أمر مشاهد قدام كل عين. 
  • "ومَنْ لا يعلمُ عِظَمَ أمرِ الآخرةِ ودوامَها.. فهوَ كافرٌ " ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾[النحل: 96]، (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:64].
  • "ومَنْ لا يعلمُ  التضاد بين الدنيا والآخرة فهوَ جاهلٌ بشرائعِ الأنبياءِ" وما أدرك دعوة القرآن، فإن الذي يريد المعصية والتكالب على الفانيات والمفاخرة بها، ويريد مع ذلك أن يدرك حقائق اليقين والإيمان والدرجات الفاخرة في الآخرة لا يمكن ذلك، متناقض إرادة العلو في الأرض والفساد مع الدرجات في الآخرة؟ واحدة من الاثنتين، والعلو في الأرض  حقير زائل ومنتهي، وهو في الأرض بنفسها تبدل وتترك ويخرج منها، (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ) [طه: 55]
  • قال: "ومَنْ علمَ هٰذا كلَّهُ، ثمَّ لمْ يؤثرِ الآخرةَ على الدنيا.. فهوَ أسيرُ الشيطانِ، قدْ أهلكتْهُ شهوتُهُ، وغلبتْ عليهِ شِقوتُهُ، فكيفَ يُعدُّ مِنْ حزبِ العلماءِ ..؟!

 

"وفي أخبارِ داوودَ -عليهِ السلامُ- حكايةً عنِ اللهِ تعالىٰ: إنَّ أدنىٰ ما أصنعُ بالعالِمِ إذا آثرَ شهوتَهُ على محبَّتي أنْ أحرمَهُ لذيذَ مناجاتي" -اللهم أذقنا برد عفوك وحلاوة رحمتك ولذة مناجاتك- "يا داوودُ؛ لا تسألنْ عنِّي عالماً قدْ أسكرَتْهُ الدنيا فيصدَّكَ عنْ طريقِ محبَّني، أولئكَ قطَّاعُ الطريقِ علىٰ عبادي، يا داوودُ؛ إذا رأيتَ لي طالباً.."إذا رأيت من يريد القرب مني والمعرفة بي والقيام بأمري "فكنْ لهُ خادماً" اخدم الذين يطلبوني، يقول الله للنبي داود: "إذا رأيتَ لي طالباً.. فكنْ لهُ خادماً" ، ولذا كان سيدنا أبو سعيد يقول للذين يجون لطلب العلم: مرحبًا بوصية رسول الله، يقول: إن النبي ﷺ قال: إن أقوامًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا.. فإذا جاءوا لطلب العلم يقول: مرحباً بوصية رسول الله، يفرح بهم. 

"إذا رأيتَ لي طالباً.. فكنْ لهُ خادماً يا داوودُ؛ مَنْ رَدَّ إليَّ هارباً".. - صدق معي وتسبب في رجوع هارب، في البعيد عن الله، قاطع صلاة، قاطع رحم، وراءه صبر عليه وتلطف به حتى رجعه؛ فصار تقياً، واصل الأرحام - "مَنْ رَدَّ إليَّ هارباً.. كتبتُهُ جِهْبذاً" - وفي لفظ: "كتبته عندي جهبذاً" أي: رفيع القدر، الجهبذ: الرئيس- قال: "ومَنْ كتبتُهُ جِهْبداً.. لمْ أعذبْهُ أبدأ". رد لي هارب واحد، فكيف من رد هاربين؟ كيف من رد ثلاثة؟ كيف من ردَّ أربعة؟  "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".

"ولذلك قالَ الحسنُ -رحمهُ اللهُ-: عقوبةُ العلماءِ موتُ القلبِ، وموتُ القلْبِ طلبُ الدنيا بعملِ الآخرةِ".

"يقول يحيى بنُ معاذٍ الرازيُّ: إنّما يذهبُ بهاءُ العلمِ والحكمةِ إذا طُلِبَ بهما الدنيا"، يذهب بهاؤها ويبقى صورتها، ولكن إذا طلب بها وجه الله فالبهاء موجود للعلم والحكمة.

"وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ -رحمَهُ الله-: إذا رأيتمُ العالمَ يغشَى الأمراءَ.." -يحب التردد عليهم بلا قصد صالح ولا ضرورة من شفاعة لمظلوم ولا إنقاذ حق- قال: "فهوَ لصٌّ"، يسرق عليكم الدين لأنه يحب الفانيات والدنيا، والله أعلم.

رزقنا الله كمال الإيمان وكمال اليقين، ويجعل فينا علامات علماء الآخرة، ورزقنا إخلاص القصد لوجهه الكريم حيثما كنا وأينما كنا، ورعانا بعين عنايته في الحس والمعنى، ولا وكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

لتحميل الكتاب pdf

(ميزان العلماء)           

 

تاريخ النشر الهجري

17 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

05 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام