آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 6 | وظائف المعلم (4 إلى 8) الزجر بالتعريض، ومراعاة الفهوم، والعمل بالعلم

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء الأحد 15 رجب 1447هـ

الوظيفة الرابعة: أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن
 الوظيفة الخامسة: أن المتكفل ببعض العلوم لا ينبغي أن يقبّح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه
 الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه
 الوظيفة السابعة: أن المتعلم القاصر ينبغي أن يُلقى إليه الجلي اللائق به، ولا يذكر له أن وراء هذا 
 الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم عاملاً بعلمه

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

البَابُ الخَامِسُ

في آداب المتعلّم والمعلّم

"الوظيفةُ الرابعةُ وهيَ مِنْ دقانقِ صناعةِ التعليمِ: أنْ يزجرَ المتعلَّمَ عنْ سوءِ الأخلاقِ بطريقِ التعريضِ ما أمكنَ:

ولا يصرَّحَ، وبطريقِ الرحمةِ لا بطريقِ التوبيخِ؛ فإنَّ التصريحَ يهتكُ حجابَ الهيبةِ، ويورثُ الجرأة على الهجومِ بالخلافِ، ويهيِّجُ الحرصَ على الإِصرارِ، قالَ ﷺ وهوَ مرشدُ كلِّ معلِّمِ: "لو مُنِعَ الناسُ عنْ فَتِّ البَعْرِ.. لَفَتُّوهُ وقالوا: ما نُهِينا عنهُ إلا وفيهِ شيءٌ!".

وينبهُكَ علىٰ هذا قصةُ آدمَ وحواءَ -عليهما السلامُ- وما نُهيا عنهُ، فما ذكرتِ القصَّةُ معكَ لتكونَ سَمَراً، بلْ لتتنبَّهَ بها علىٰ سبيلِ العبرةِ.

ولأنَّ التعريضَ أيضاً يُميلُ النفوسَ الفاضلةَ والأذهانَ الذكيةَ إلى استنباطِ معانيهِ، فيفيدُ فرحَ التفطُّنِ لمعناهُ رغبةً في العلمِ بهِ؛ ليعلمَ أنَّ ذلكَ ممّا لا يعزبُ عنْ فطنتِهِ."

 

ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. الحمد لله. 

يتكلم الشيخ -عليه رحمة الله- في هذه الوظيفةًأن من وظائف كل معلم أن يلاحظ أخلاق المتعلمين. وهذا لا يتقيد به سوى معلم العلم الشرعي بوجه خاص، بل كل معلم لأي مادة أو لأي علم ينبغي أن يُلاحظ أخلاق المتعلمين؛ ليهذبها، وليطهر بواطنهم عن الصفات الذميمة ما استطاع. هذه مهمة، أما الاقتصار على مجرد تلقي العلوم من دون ملاحظة لهذه الأخلاق، فيه إضاعة لمهمة التواصي بالحقّ والصبر، وفيه إضاعة لمهمة البناء في ذات الإنسان، تُبنى ذات الإنسان بتطهيرها عن الرذائل والأوصاف.

إذًا فواجب كل مؤمن يعلّم أي مادة من المواد أن يكون في فكره الحرص على التنقية والتطهير للضمائر وللأخلاق وللشمائل. هذا همٌّ يحمله المؤمن في مختلف مجالساته، وفي التعليم على وجه الخصوص. وكل من أصغى لتعلّم أي مادة يكون عنده نسبة من القابلية في قبول ما يطرحه المعلم، وما يشير به المعلم؛ فيُغتنم ذلك لئلا تخلو الدروس وتعليم المواد عن تنبيهٍ عن واجبِ خُلُق، عن تنبيهٍ عن التخلّي عن ذميمٍ من الصفات والأخلاق، التذكير بعظمة الحقّ والدار الآخرة وما إلى ذلك لا بد يندرج في شأن التعليم.

وإذا علمنا ذلك، فهناك أيضاً في كيفية التنبيه، وكيفية التحذير من الصفات السيئة، والأخلاق الذميمة وسائل وطرق، وكل ما قدر أن يكون التصحيح والإصلاح، والنقل من السيئ إلى الحسن، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن الذميم إلى المحمود؛ كل ما تم ذلك بالإشارة وبالرمز وبالتلميح فهذا أفضل؛ لأن كثرة المصارحة بوصف تجعل الاستعداد لقبول التأثر تضعف، ولكن إذا جاء بطريق التلويح والتنبيه والتلميح والإشارة، أيضاً يتفطن هو، ولما يتفطّن، بفرحه بتفطنه للمعنى، يزداد رغبة في العلم، ويرى نفسه أنه مستفيد وأنه يدرك المراد والمعنى، فيزيد ذلك رغبة أيضاً في العلم مع المقصود الحاصل من تنبيهه على الأمر الذي هو فيه.

وقال: هذا "مِنْ دقانقِ صناعةِ التعليمِ: أنْ يزجرَ المتعلَّمَ عنْ سوءِ الأخلاقِ بطريقِ التعريضِ ما أمكنَ، ولا يصرَّحَ، وبطريقِ الرحمةِ لا بطريقِ التوبيخِ"؛ هذا هو الأصل. إنما يُحتاج إلى التوبيخ ويُحتاج إلى التصريح نادراً في أحوال معينة لا بد فيها من ذلك، فلتكن على وجهها. ولكن الأصل إنما هو طريق الرحمة لا التوبيخ، وبطريق التعريض لا التصريح. لأن "التصريحَ يهتكُ حجابَ الهيبةِ، ويورثُ الجرأة على الهجومِ بالخلافِ، ويهيِّجُ الحرصَ على الإِصرارِ".

وقال: إنه ورد في الحديث -عند ابن شاهين-: "لو مُنِعَ الناس عن فتَّ الشوك.. لقالوا فيه: النَّدُّ"، وفي المعنى حديث أبي جحفية: "لو نهيتم أن تأتوا الحجون لأتيتموها"، وذكر هنا الرواية "لو مُنِعَ الناسُ عنْ فَتِّ البَعْرِ.. لَفَتُّوهُ"، وقالوا: ما نُهِينا عنهُ إلا وفيهِ شيءٌ!"؛ وقالوا: إلا فيه شيء هذا، لماذا تنهونا عنه!؟ فتتعلّق النفس بما مُنع عليها وتميل له، فهذا من حُرونة النفس ومن رعونتها، أنها تتشبث بالذي مُنِعت عنه؛ ولهذا يصير مساعدة لهذه النفس في أن تنزجر بطريق من الرحمة والترغيب وبعث العزيمة والهمة،  فيكون ذلك أولى.

وبالتعريض أيضًا "وينبهُكَ علىٰ هذا قصةُ آدمَ وحواءَ -عليهما السلامُ-"، أُحلت لهم أشجار الجنة كلها إلا هذا النوع من الشجرة، ومع ذلك وقعوا فيه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:22]، (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) إبليس، فكان يمشي فيهم يقول: ذوقوا طعم هذا وذوقوا طعم هذا حتى وصلهم إلى هذيك بدون أن ينتبهوا ونسوا، (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 22-23]. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115]، أي: لم يعزم على معصيتنا ومخالفتنا ولكنه نسي.

وأورد الحافظ السيوطي في هذا عند هذه الآية أحاديث منها عن سيدنا عمر أنه لما تذاكر مع بعض الصحابة عن الذين مرت حياتهم معه ﷺ ولم يتأثر من شيء منه، ولم يُكدّروا عليه في شيء قط؛ وقالوا: فلان، وفلان، وذكروا منهم سيدنا علي عندما مرّ عنده ابن عباس، قال له: يوم خطب بنت أبي جهل -على أن هذا الحديث فيه مقال، لأن زواجه -عليه السلام- كان في المدينة في السنة الثانية من الهجرة، وأين أبو جهل وأين بناته؟ هناك في المكة المكرمة- فقال سيدنا ابن عباس: لا، ولا يوم؛ لأنه لم يعزم على شيء يكدِّر النبي خلفه، ولما علم أن ذلك يكدِّرُه انتهى عنه. وقد قال الله في آدم ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾[طه:115]. سيدنا عمر يقول لسيدنا ابن عباس: من ظنّ أن يسبر غوركم في العلم آل البيت فقد رامَ  محال. عندكم دقائق في العلم ليست لغيركم، وهكذا يكون التنبيه والتوجه.

بعضهم ذكروا له عن بعض الأولاد أنه عمل كذا وكذا، ثم حصَّل الولد؛ فقال: اسمع يا ولدي إن بعض الناس يخالفون، ويعملون كذا وإذا شفت أحد يصلح كذا، قل له: هذا خطأ، فيه كذا وفيه كذا، وإذا سمعك قل له: مرحباً، وهو بنفسه الذي عملها، لكنه أخذها من والده، فأصلح نفسه، وما عاد رجع لها وصلح نفسه والآن هو مُرشد إذا أحد صلح شي نبّهه. فهكذا يأتي بالأسلوب الذي يكون أقرب وأنفع، أما مصارحة الأولاد مباشرة في الفعل، يُذهب الهيبة ويجعلهم يتجرأون ويزيدهم جراءة.

قال: "فما ذكرتِ القصَّةُ معكَ -قصة آدم تكررت معك في القرآن ليس مجرد- سَمَراً -ليس كلام تتكلم به إنما هو عبرة وعظة وتنبيه، بلْ لتتنبَّهَ بها علىٰ سبيلِ العبرةِ".

"ولأنَّ التعريضَ أيضاً يُميلُ النفوسَ الفاضلةَ والأذهانَ الذكيةَ إلى استنباطِ معانيهِ، فيفيدُ فرحَ التفطُّنِ لمعناهُ رغبةً في العلمِ بهِ؛ ليعلمَ أنَّ ذلكَ ممّا لا يعزبُ عنْ فطنتِهِ".

ومن هذا ما جاء أيضًا في السنة أنه ﷺ يرى بعض الشيء يكرهه فلا يتكلم، وينتظر من أحد من أصحابه يتكلم ليكون ذلك أبعد عن خجل الرجل أمامه، وعن هتك الهيبة. حتى لما رأى صفرة في ثوب بعضهم، لما خرج من المجلس قال: "هلّا قلتم لهذا ليُذهب الصفرة عن ثوبه؟" ﷺ.

 

"الوظيفةُ الخامسةُ: أنَّ المتكفَّلَ ببعضِ العلومِ لا ينبغي أنْ يقبِّحَ في نفسِ المتعلَّمِ العلومَ التي وراءَهُ:

كمعلِّمِ اللغةِ؛ إذْ عادتُهُ تقبيحُ الفقهِ، ومعلِّمُ الفقهِ عادتُهُ تقبيحُ علْمِ الحديثِ والتفسيرِ، وأنَّ ذلكَ نقلٌ محضٌ وسماعٌ صرْفٌ وهوَ شأنُ العجائزِ، ولا نظرَ للعقلِ فيهِ، ومعلِّمُ الكلامِ ينفَّرُ عنِ الفقهِ ويقولُ: ذلكَ فرعٌ، وَهُوَ كلامٌ في حيضِ النُّسوانِ، فأينَ ذلكَ مِنَ الكلامِ في صفةِ الرحمٰنِ؟!

فهذهِ أخلاقٌ مذمومةٌ للمعلمينَ ينبغي أنْ تُجتنبَ، بلِ المتكفِّلُ بعلْم واحدٍ ينبغي أنْ يوسعَ على المتعلَمِ طريقَ التعلَّمِ في غيرِهِ، وإنْ كانَ متكفِّلا علوم.. فينبغي أن يراعيَ التدريجَ في ترقيةِ المتعلَمِ مِنْ رتبةِ إلى رتبةِ.

فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره، وإن كان متكفلاً بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلّم من رتبة إلى رتبة.

 

الوظيفةُ السادسةُ: أنْ يقتصرَ بالمتعلَّمِ علىٰ قدْرِ فهمِهِ :

فلا يُلقي إليهِ ما لا يبلغُهُ عقلُهُ فينفرَهُ أوْ يخبطَ عليهِ عقلَهُ؛ اقتداءً في ذلكَ بسيّدِ البشرِ ﷺ حيثُ قالَ: نحنُ -معاشرَ الأنبياءِ- أُمرنا أنْ نُنْزِلَ الناسَ منازلَهُمْ، ونُكَلِّمَهُمْ على قَدْرِ عقولِهِمْ".

فليبثَّ إليهِ الحقيقةَ إذا علمَ أنَّهُ يستقلُّ بفهمِها.

وقالَ ﷺ: "ما أحدٌ يُحَدِّثُ قوماً بحديثٍ لا تبلغُهُ عقولُهُمْ إلا كانَ فتنةً علىٰ بعضِهِمْ".

وقالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ- وأشارَ إلى صدرِهِ: إنَّ ههنا علوماً جمَّةً لوْ وجدتُ لها حَمَلةً.

وصدقَ -رضيّ اللهُ عنهُ- فقلوبُ الأبرارِ قبورُ الأسرارِ، فلا ينبغي أنْ يفشيَ العالمُ كلَّ ما يعلمُهُ إلىٰ كلِّ أحدٍ، هٰذا إذا كانَ يفهمُهُ المتعلُّمُ ولمْ يكنْ أهلاً للانتفاعِ بهِ، فكيفَ فيما لا يفهمُهُ؟!

وقالَ عيسىٰ -عليهِ السلامُ-: لا تعلِّقوا الجوهرَ في أعناقِ الخنازيرِ، فإنَّ الحكمةَ خيرٌ مِنَ الجوهرِ، ومَنْ كرهَها.. فهوَ شرٌّ منَ الخنازيرِ.

ولذلكَ قيلَ: كِلْ لكلِّ عبْدٍ بمعيارِ عقلِهِ، وزِنْ لهُ بميزانِ فهمِهِ؛ حتَّىٰ تَسلَمَ منهُ وينتفعَ بكَ، وإلا.. وقعَ الإنكارُ لتفاوتِ المعيارِ.

وسُئِلَ بعضُ العلماءِ عنْ شيءٍ فلمْ يجبْ، فقالَ السائلُ: أما سمعتَ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ كتمَ علماً نافِعاً.. جاءَ يومَ القيامةِ ملجمًا بلجامٍ مِنْ نارٍ؟ فقالَ: اتركِ اللّجامَ واذهبْ؛ فإنْ جاءَ مَنْ نفعَهُ وكتمْتُهُ.. فليلجمْني.

وقولُ اللهِ تعالىٰ:(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)[النساء:5]؛ تنبيهٌ على أنَّ حفْظَ العلْمِ ممَّنْ يفسدُهُ ويضرُّهُ أولىٰ، وليسَ الظلْمُ في إعطاءِ غيرِ المستحقِّ بأقلَّ مِنَ الظلمِ في منْعِ المستحقِّ، كما قيلَ:

أأنثُرُ دُرِّي بَيْنَ سَارِحَةِ ٱلنَّعَمْ *** وَأُصْبِحُ مَخزُونا بِرَاعِيَةِ الْغَنَمْ

لِأَنَّهُمُ أَمْسَوْا بِجَهْلٍ لِقَدْرِهِ *** فَلاَ أَنَا أُضْحِي أَنْ أُطَوِّقَهُ الْبَهَمْ

فَإِنْ لَطَفَ ٱللهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ *** وَصَادَفْتُ أَهْلا لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمْ

نَشَرْتُ مُفِيداً وَاسْتَفَدْتُ مَوَدَّةً *** وَإِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ

فَمَنْ مَنَحَ ٱلْجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ *** وَمَنْ مَنَعَ ٱلْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ

 

ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

يقول: في الوظيفة الخامسة -عليه رضوان الله تعالى- أنه يعلم مكانة العلوم بأصنافها، وكذلك مكانة المعلمين للعلوم النافعة بأصنافها. فلا ينبغي كما يحصل بسبب النفوس عند كثير من المنسوبين للعلم، أنه إذا تكفّل بفن من فنون العلم أو مادة من المواد، يقلّل من قدر المواد الأخرى، أو ينقص من قدرها، أو لا يعطيها حقّها، أو لا يعطي معلميها حقهم؛

فهذا دليل خبائث وسط الباطن وقلة أمانة ووعي وإدراك، بل يعلم أن كل علم له فضله وشرفه من حيث هو، وإن كان بعضها أشرف من بعض.

قال: وإلا كثير ممن يعلمون اللغة، يقول: هذا الذي تعرِب به القرآن، وتعرب به السنة؛ اللغة.. وهذا الفقه إلا يُعلمك شروط الاستنجاء وحيض النسوان..! إنا لله وإنا إليه راجعون، والنبي يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، واللغة هذه إلا هو وسيلة للفقه، علم اللغة إلا وسيلة لأجل الفقه، والفقه فوقه.

قال: ومعلم الفقه ُيقبِّح أحيانا علوم الحديث والتفسير، قال: هذا مجرد نقلٌ محض، قال: هذا مسائل الدين "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" لكن هذه مسائل نقل؛ النقل سهل يحصله!! كيف "ذلكَ نقلٌ محضٌ وسماعٌ صرْفٌ وهوَ شأنُ العجائزِ"!! هو أصل العلوم.. الفقه حقه كله مستنبط  من هذا، من الكتاب ومن السنة، من أين جاء؟ هذا هو الأساس لعلمه هذا كله وإلا ماشي ولا ذرة من علمك هذا ينفعه، الأمور كلها مرتبطة ببعضها البعض، ويقول: "ولا نظرَ للعقلِ فيهِ"

يقول: "ومعلِّمُ الكلامِ -من علوم الأسماء والصفات والتوحيد- ينفَّرُ عنِ الفقهِ ويقولُ: ذلكَ فرعٌ -لكن هذا هو الأصل! ذاك- كلامٌ في حيضِ النُّسوانِ، فأينَ ذلكَ مِنَ الكلامِ في صفةِ الرحمٰنِ؟! نحن نتكلم عن صفات الرحمن، قالوا: الرحمن -سبحانه وتعالى- هو الذي أنزل ذاك العلم، وهو الذي أمر رسوله ليبلغه. فإن عرفت قدر الرحمن؟ عرف قدر ما أنزل؟ عرف قدر ما علّم -جل جلاله-؟ فلا معنى لأن هكذا يقبح علماً آخر.

قال: فهذهِ أخلاقٌ مذمومةٌ للمعلمينَ ينبغي أنْ تُجتنبَ، بلِ المتكفِّلُ بعلْم واحدٍ ينبغي أنْ يوسعَ على المتعلَمِ  طريقَ التعلَّمِ" فيقول: تحتاج لمواد أخرى، وهي عند فلان وعند فلان، كذا روح لعند فلان ولعند فلان.. وهذا علامة الصدق والإخلاص.

وقد روى الدارمي في سننه عن سيدنا علي، يذكر ﷺ من ينحرفون في مجال العلم آخر الزمان، وذكر فيه يقول: "يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره" وقال: "أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله". لا تصعد أعمالهم، ما لهم قبول عند الله تعالى، وهكذا كثير ممن يدّعون علم الشريعة وغيرها، يباهون ويكابرون، ويغضب على تلميذه إذا راح إلى شيخ آخر وهو قد يعلم أنه أنفع له ويفيده أكثر منه، ولكن للأسف لا! هذا دليل على عدم إخلاصهم لوجه الله -تبارك وتعالى-، وعدم قبولهم عند الله تعالى. وإلا فالعلوم كما تقدم معنا، يساعد بعضها بعضاً، ويقوي بعضها بعضاً، تقوى ببعضها البعض، ويتسع فيها المجال بضمِّ بعضها إلى بعض.

فهكذا ينبغي أن يُعرف؛ وإنما أمانة المعلم أن يهدي ويدل الطالب إلى كل ما ينفعه، وكل من ينفعه، ويدل على من ينفعه وعلى ما ينفعه في العلوم وفي الأخلاق، هذه أمانة المعلم.

أما إذا عرف أنه يضره الأمر الفلاني أو الكتاب الفلاني أو المدرس الفلاني يضرّه في دينه؛ يضرّه في عقله؛ لا بأس أن ينبهه بطريقة، ولكن من دون تحامل ولا إثارة شحناء ولا إثارة البغضاء ولا عداوة.

قال: "الوظيفةُ السادسةُ: أنْ يقتصرَ بالمتعلَّمِ علىٰ قدْرِ فهمِهِ" ولا يلقي كل ما يعلمه لكل أحد، فإنه ينظر موضع الفائدة. حتى يقول في التذكير: إن الله قال: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) يعني: وقت ما يتهيئ الجو لنفع الذكرى ذكّر، أما وقت ما هو مناسب يسكت، حتى إذا تحينت الفرصة طيبة ذكّر، (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ) [الأعلى:9-12]. وكذلك في هذا العلم، ولهذا قالوا: 

  • ما كل الحق يقال. 
  • وكما جاء أيضًا عن ابن مسعود قالَ ﷺ: "ما أحدٌ يُحَدِّثُ قوماً بحديثٍ لا تبلغُهُ عقولُهُمْ إلا كانَ فتنةً علىٰ بعضِهِمْ".
  • "خاطبوا الناس بما تبلغه عقولهم، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟". 

ما يفهمونه فيكذبونه، يرجعوا يكذبوا شيء أصله وارد عن الله وعن رسوله، وأنت السبب!.

ومن هنا أدبنا الحقّ حتى قال: أن المجترئين المفترين لا تسبوا آلهتهم وأصنامهم ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا…) [الأنعام: 108]. أنتم السبب بعدين، تخلوهم هم يسبوا الله تعالى وأنتم السبب! اسكت عن آلهته لا تذكرها، فلا تحمله على أن يسب الإله الحق -جل جلاله-.

وهكذا ذكر هذا الحديث هنا، قال: "فلا يُلقي إليهِ ما لا يبلغُهُ عقلُهُ فينفرَهُ أوْ يخبطَ عليهِ عقلَهُ؛ اقتداءً في ذلكَ بسيّدِ البشرِ ﷺ حيثُ قالَ: "نحنُ -معاشرَ الأنبياءِ- أُمرنا أنْ نُنْزِلَ الناسَ منازلَهُمْ، ونُكَلِّمَهُمْ على قَدْرِ عقولِهِمْ"". قال حديثان روى أبو داود: "أنزلوا الناس منازلهم". والعقيلي قال: "إنَّا معاشرَ الأنبياءِ أُمرنا أنْ نُنْزِلَ الناسَ منازلَهُمْ، ونُكَلِّمَهُمْ على قَدْرِ عقولِهِمْ"، ومعناه سبق في حديث البخاري: "حدثوا الناس بما يعرفون". وذكر أيضاً هنا "فليبثَّ إليهِ الحقيقةَ إذا علمَ أنَّهُ يستقلُّ بفهمِها. وقالَ ﷺ: "ما أحدٌ يُحَدِّثُ قوماً بحديثٍ لا تبلغُهُ عقولُهُمْ إلا كانَ فتنةً علىٰ بعضِهِمْ". قال: رواه مسلم في مقدمة صحيحه موقوفاً على عبد الله بن مسعود. وقال رواه العقيلي في الضعفاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ.

"وقالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ- وأشارَ إلى صدرِهِ: إنَّ ههنا علوماً جمَّةً لوْ وجدتُ لها حَمَلةً" وجدت من يحملها، وجاء عنه أنه كان يقول: "لي ساعة من رسول الله ﷺ كان في الليل لا يدخل عليه فيها غيري، فكنت أجيء إليه أقف بالحجرة اللي هو فيها بائت، فأستأذن فإن كان يصلي سبَّح وإلا أذن لي فدخلت"، فعندَه من العلوم  ما ليس عند غيره. قالوا: وكان ساداتنا أبوبكر وعمر في مشاوراتهم في المسائل إذا مال علي إلو رأي اتبعوه في العلم، ويرون له فيه خصوصية في هذا. ويقول: لو تكلمت على معاني بسم الله الرحمن الرحيم لأوقرتُ ألف جمل، حمل ألف جمل من الكتب في معاني بسم الله الرحمن الرحيم.

وقد عَظُم عليه مرة استحضاره للعلوم، فجاء إلى بئر فتنفس فيها ففاض ماؤها؛ يعني: خرج. ولهذا كان يقول سيدنا عبدالعزيز الدباغ: أنه كان ينتظر كبر الحسن والحسين ليُفضي إليهم بكثير من العلوم.

قالوا: وكان يخشى أن يسبقه الأجل، وكان يعلم مما علم عنه ﷺ أنه لن يبقى في الخلافة أكثر من أربع سنين، وكلما صُرِفَت عنه كان ذلك أحب إليه، حتى لما  ما وجد من يقوم بالظرف الصعب، قام وما بقي إلا الأربع سنين فيها، لكن قد كبر الحسن والحسين وتلقوا عنه.

وبهذا كان يقول زين العابدين علي بن الحسين: إني لأكتم من علمي جواهره، كي لا يرى العلمَ ذو جهلٍ فيفتتنا. وقد تقدم في هذا أبو حسن للحسين، ووصّى قبله الحسن:

يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَو أَبوحُ بِهِ *** لِقيلَ لي أَنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا

وَلَاِسَتَحَلَّ رِجالٌ مُسلِمونَ دَمي *** يَرَونَ أَقبَحَ ما يَأتونَهُ حَسَنا

قالوا: صدور الأحرار قبور الأسرار. 

يقول: "فقلوبُ الأبرارِ قبورُ الأسرارِ، فلا ينبغي أنْ يفشيَ العالمُ كلَّ ما يعلمُهُ إلىٰ كلِّ أحدٍ، هٰذا إذا كانَ يفهمُهُ المتعلُّم.. -إلا أنه ليس- أهلاً للانتفاعِ بهِ، فكيفَ فيما لا يفهمُهُ -أصلًا-؟!" يخليه إما يفهمه مغلوط، وإلا يتخبط في عقله. 

"وقالَ عيسىٰ -عليهِ السلامُ-: لا تعلِّقوا الجوهرَ في أعناقِ الخنازيرِ، فإنَّ الحكمةَ خيرٌ مِنَ الجوهرِ، ومَنْ كرهَها.. فهوَ شرٌّ منَ الخنازيرِ"، -لما تعطيها غير أهلها-، وقال: ولا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعطوها غير أهلها فتظلموها، 

"ولذلكَ قيلَ: كِلْ لكلِّ عبْدٍ بمعيارِ عقلِهِ، وزِنْ لهُ بميزانِ فهمِهِ؛ حتَّىٰ تَسلَمَ منهُ وينتفعَ بكَ، وإلا.. وقعَ الإنكارُ لتفاوتِ المعيارِ"، ذا كذا وذا كذا، ويقوم يتنكر ويتحامل ويتكلم، وهكذا..

وحتى قالوا في جانب الخلق: تريد تسلم من الناس، تنتفع بمن استطعت وينتفع بك من شاء الله من دون أن يكون بينك وبين الناس عداوة، أنزل نفسك مع كل واحد المنزلة الذي ينزلها هو إياك، كيف المنزلة اللي ينزلك إياه هو، أنت تمثل بها خلك فيها هي عندما تقابله، وانزله عندك المنزلة الذي ينزل نفسه هو فيها، تعامل معه بالمنزلة الذي هو يرى نفسه فيها، وتنازل معه على حسب ما يراك هو، ما هو على حسب ما تراه أنت في نفسك، حسب ما كيف يراك في نفسه.

  • ولهذا قال كثير من سنن السلف الصالحين من اعتقد فيهم الغفالة تغافلوا، ومن اعتقد فيهم الجهالة تجاهلوا، كما يظن، ومن عرف لهم مقدار المنزلة تكلموا معه على حسب مشهده في المنزلة التي هو بها، وهكذا.
  • قال له البدوي في طريقه للنبي ﷺ -وهو في طريقه في الهجرة- مع سيدنا أبو بكر-: "أنت الذي يقال لك الصابئ؟" الصابيء: الراجع عن دينه يسمونه هكذا في مكة- فقال ﷺ: "كذلك يزعمون" -بس، ما رد عليه في شيء- قال: كذلك يزعمون. هكذا يقولون، الله أكبر ﷺ، يتكلم مع النبي ﷺ هكذا!؟ قال: "كذلك يزعمون"، قال: هم يقولون كذا ايوا، يا رب صلّ عليه وعلى آله وصحبه، وهكذا.
  • والسَّاب كان يسبّ سيدنا زين العابدين سب، بعدين شافه ما يتأثر، قال: "إياك أعني!" أنت أنت أقصدك؛ قال له: "وعنك أغضي"، "وأنا عنك أغضي" تفضل قل ما تشاء. 
  • وكان بعض العارفين لحقه سفيه في الطريق يسبه يسبه، لما وصلوا عند المدينة بيته وقف، قال له: عاد معك شيء كمله، لأني أخشى بعض سفهاء البلد يسمعونك يضربونك، سأجلس هنا لما تكمل، لأن إذا دخلنا بين الناس قد يثور عليك أحد منهم، أنا منتظرك تفضل كمّل ما عندك.

"كِلْ لكلِّ عبْدٍ بمعيارِ عقلِهِ، وزِنْ لهُ بميزانِ فهمِهِ؛ حتَّىٰ تَسلَمَ منهُ وينتفعَ بكَ، وإلا.. وقعَ الإنكارُ لتفاوتِ المعيارِ"، يقول: "وسُئِلَ بعضُ العلماءِ عنْ شيءٍ.." بقي فقط معك الميزان بعض الأشياء يجب التنبيه عليها بحكم الدين فبالأسلوب الحسن تنبهه، وما عدا ذلك خله يقول ما يقول، مادام ما يضر في دين ولا في دنيا، فما يضرّك ذلك. 

"وسُئِلَ بعضُ العلماءِ عنْ شيءٍ فلمْ يجبْ، فقالَ السائلُ: أما سمعتَ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ كتمَ علماً نافِعاً.. جاءَ يومَ القيامةِ ملجمًا بلجامٍ مِنْ نارٍ؟ فقالَ: اتركِ اللّجامَ واذهبْ؛ فإنْ جاءَ مَنْ نفعَهُ هذا العلم وكتمْتُهُ إياه فأنا أتعرض لهذا اللجام، وإن جاءنا غير أهله…فليلجمْني".

وسيدنا الشافعي وقع له مثل هذا، وسُئل وسكت وقال له: مالك لا تجيب، قال: اصبر حتى نرى الفضل عند الله في الجواب أو في السكوت، شوف ايش الخير عند الله، إن رأينا الخير في الجواب جاوبنا، وإن رأينا الخير في السكوت سكتنا، وإن نتكلم بكل هذا إلا نقصد وجه الله -تبارك وتعالى-، فإن رأينا الخير في الجواب جاوبنا، وإن رأينا الخير عند الله في السكوت سكتنا، لا إله إلا الله.

"وقولُ اللهِ تعالىٰ:(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا..)؛ -فمن باب أولى العلم؟- تنبيهٌ على أنَّ حفْظَ العلْمِ ممَّنْ يفسدُهُ ويضرُّهُ أولىٰ، وليسَ الظلْمُ في إعطاءِ غيرِ المستحقِّ بأقلَّ مِنَ الظلمِ في منْعِ المستحقِّ"، وقال: (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) إذا حصلتوا الهداية فأتوا إليهم أموالهم (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا..) [النساء:5-6].

كما قيلَ:

أأنثُرُ دُرِّي بَيْنَ سَارِحَةِ ٱلنَّعَمْ *** وَأُصْبِحُ مَخزُونا بِرَاعِيَةِ الْغَنَمْ

لِأَنَّهُمُ أَمْسَوْا بِجَهْلٍ لِقَدْرِهِ *** فَلاَ أَنَا أُضْحِي أَنْ أُطَوِّقَهُ الْبَهَمْ

فَإِنْ لَطَفَ ٱللهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ *** وَصَادَفْتُ أَهْلا لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمْ

نَشَرْتُ مُفِيداً وَاسْتَفَدْتُ مَوَدَّةً *** وَإِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ

فَمَنْ مَنَحَ ٱلْجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ *** وَمَنْ مَنَعَ ٱلْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ

لا إله إلا الله. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وزدنا علماً.

 

"الوظيفةُ السابعةُ: أنَّ المتعلِّمَ القاصرَ ينبغي أنْ يُلْقَىٰ إليهِ الجلِيُ اللائقُ بهِ، ولا يذكرُ لهُ أنَّ وراءَ هٰذا تدقيقاً وهوَ يدَّخِرُهُ عنهُ:

فإنَّ ذلكَ يفتِّرُ رغبتهُ في الجليِّ، ويشوَّشُ عليهِ قلبَهُ، ويوهِمُ إليهِ البخلَ بهِ عنهُ؛ إذْ يظنُّ كلُّ أحدٍ أنَّهُ أهلٌ لكلِّ علْمِ دقيقٍ، فما مِنْ أحدٍ إلا وهوَ راضٍ عنِ اللهِ سبحانَهُ في كمالِ عقلِهِ، وأشدُّهُمْ حماقةً وأضعفُهُمْ عقلاً هوَ أفرحُهُمْ بكمالِ عقلِهِ .

وبهٰذا يُعلَمُ: أنَّ مَنْ تقيَّدَ مِنَ العوامّ بقيدِ الشرعِ، ورسخَتْ في نفسِهِ العقائدُ المأثورةُ عنِ السلفِ مِنْ غيرِ تشبيهِ ومِنْ غيرِ تأويلٍ، وحَسُنَ معَ ذلكَ سريرتُهُ، ولمْ يحتملْ عقلُهُ أكثرَ مِنْ ذلكَ.. فلا ينبغي أنْ يشوِّشَ عليهِ اعتقادَهُ، بلْ ينبغي أنْ يُخلَّىٰ وحرفتَهُ؛ فإِنَّهُ لو ذُكِرَ لهُ تأويلاتُ الظواهرِ.. انحلَّ عنهُ قيدُ العوامِّ ولمْ يتيسَّرْ قيدُهُ بقيدِ الخواصّ، فيرتفعُ السدُّ الذي بينَهُ وبينَ المعاصي، وينقلبُ شيطاناً مَريداً يهلكُ نفسَهُ وغيرَهُ.

بلْ لا ينبغي أنْ يُخاضَ بالعوامّ في حقائقِ العلومِ الدقيقةِ، بلْ يقتصرُ معهمْ علىٰ تعليمِ العباداتِ، وتعليم الأمانةِ في الصناعةِ التي هوَ بصددِها، ويملأ قلوبَهُمْ مِنَ الرغبةِ والرهبةِ بالجنَّةِ والنارِ كما نطقَ بهِ القرآنُ، ولا يحرِّكُ عليهِمْ شبهةً؛ فإنَّهُ ربَّما تعلقَتِ الشبهةُ بقلبِهِ ويعسرُ عليهِ حلُّها، فيشقَىٰ ويهلِكُ.

وبالجملةِ: لا ينبغي أنْ يفتحَ للعوامِّ بابَ البحثِ؛ فإنَّهُ يعطَّلُ عليهِمْ صناعاتِهِمُ التي بها قوامُ الخلْقِ، ودوامُ عيشِ الخواصُ.

 

الوظيفةُ الثامنةُ: أنْ يكونَ المعلِّمُ عاملاً بعلمِهِ:

فلا يكذِّبُ قولَهُ فعلُهُ؛ لأنَّ العلْمَ يُدركُ بالبصائرِ والعملَ يُدركُ بالأبصارِ، وأربابُ الأبصارِ أكثرُ، فإذا خالفَ العملُ العلمَ.. منعَ الرشدَ، وكلُّ مَنْ تناولَ شيئاً وقالَ للناسِ: لا تتناولوهُ؛ فإنَّهُ سمٌّ مهلكُ.. سخِرَ الناسُ بهِ واتهموهُ، وزادَ حرصُهُمْ عليهِ، فيقولونَ: لولا أنَّه أطيبُ الأشياءِ وألذُّها.. لما كانَ يستأثرُ بهِ!

ومَثلُ المعلَّمِ المرشدِ مِنَ المسترشدِ مَثلُ النقَشِ مِنَ الطينِ والعودِ مِنَ الظلِّ، فكيفَ ينتقشُ الطينُ بما لا نقشَ فيهِ، ومتى استوى الظلُّ والعودُ أعوجُ؟! ولذلكَ قيلَ:

لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ***عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ 

وقالَ الله تعالىٰ: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)[البقرة:44].

ولذلكَ كانَ وِزْرُ العالِمِ في معاصيهِ أكبرَ مِنْ وزْرِ الجاهلِ؛ إذْ يزِلُّ بزَلَّتِهِ عالَمٌ كثيرٌ، فيقتدونَ بهِ، و"مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ سيِّئَةٌ.. فعليهِ وِزْرُها ووزْرُ مَنْ عمِلَ بها".

ولذلكَ قالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: قَصَمَ ظهري رجلانِ: عالمٌ متهتَكَ، وجاهلٌ متنسَّك، فالجاهلُ يغرُّ الناسَ بتنسُّكِهِ، والعالِمُ ينفِّرُهُمْ بتهتّكِهِ، واللهُ أعلمُ".

 

قال الوظيفة السابعة: يلقي إلى الطالب الأمر الواضح الجلي القريب، ولا يشعره أن وراء هذا عاده تدقيق وبحث فيشوش عليه. ويقول: هذا بعده مبتدئ، أعطه بس أركان الإسلام خمسة، الأول شهادة أن لا إله إلا الله، وتعتبر بها…وخلاص. ولا تقول له: الشهادة هذه لها معاني كثيرة وتطويل، ويترتب عليها أمور اختلف فيها المعتزلة و... الولد صغير كما يقولون! لم تقول له هذا؟ ذهنه يتشوش الآن ولا هو داري ولا ما يفهم. أعطه الأمر الواضح الجلي، وخلّه يتعلم، فروض الوضوء ستة، تقول له: لا هذا فيه مسائل، دحين أنت اقرأ هكذا، فيعطيه الأمر الواضح الجلي ليكون أساس يبني عليه، بعدين يتّسع يتّسع حتى يعرف بعد ذلك علم الخلاف؛ أما في البداية يعطيه ما يستطيع استيعابه، ويكون أساساً له ليبني عليه. 

وإذا أخبره "أنَّ وراءَ هٰذا تدقيقاً"، ولكن ما أقولك لك الآن "فإنَّ ذلكَ يفتِّرُ رغبتهُ في الجليِّ، ويشوَّشُ عليهِ قلبَهُ، ويوهِمُ إليهِ البخلَ بهِ عنهُ"؛ لأنه كل واحد -حتى عاده صغير وعاده مبتدئ- يرى نفسه أنه أهل لكل شيء! ليش أنا بفهم أي شي، إيش عندك بفهمه، قل أي شيء؛ يرى نفسه أنه يفهم، "فما مِنْ أحدٍ إلا وهوَ راضٍ عنِ اللهِ سبحانَهُ في كمالِ عقلِهِ، وأشدُّهُمْ حماقةً وأضعفُهُمْ عقلاً هوَ أفرحُهُمْ بكمالِ عقلِهِ"، يرى نفسه أنه أعقل وهو ذا أقلهم عقل.

"وبهٰذا يُعلَمُ: أنَّ مَنْ تقيَّدَ مِنَ العوامّ عوام المسلمين بقيدِ الشرعِ"، ويقيم الفرائض ويترك المحرمات، ويعتقد الاعتقاد العام الموروث "عنِ السلفِ مِنْ غيرِ تشبيهِ ومِنْ غيرِ تأويلٍ، وحَسُنَ معَ ذلكَ سريرتُهُ، ولمْ يحتملْ عقلُهُ أكثرَ مِنْ ذلكَ"؛ ما ينبغي أقول تعال بعلمك علم العقائد، قده عقيدته طيبة وزينة وعلى منهج السلف الصالحين، "بلْ ينبغي أنْ يُخلَّىٰ وحرفتَهُ"؛ ويمشي، ويقوم بمهمته في الحياة. قال: "فإِنَّهُ لو ذُكِرَ لهُ تأويلاتُ الظواهرِ.."، وقعد عاده من العوام اللي يعتقدون الموروث عن السلف، ولا هو من الخواص اللي يعرفون دقائق الأشياء، ويرجع يتشكك في المسائل، ويرجع يفسد، ويرجع يفسق، ويروح أخلاقه الحسنة، وأنت السبب، فضريته بهذا الأمر. 

"فيرتفعُ السدُّ الذي بينَهُ وبينَ المعاصي، وينقلبُ شيطاناً مَريداً يهلكُ نفسَهُ وغيرَهُ، بلْ لا ينبغي أنْ يُخاضَ بالعوامّ في حقائقِ العلومِ الدقيقةِ، بلْ يقتصرُ معهمْ علىٰ تعليمِ العباداتِ، وتعليم الأمانةِ في الصناعةِ التي هوَ بصددِها، ويملأ قلوبَهُمْ مِنَ الرغبةِ والرهبةِ بالجنَّةِ والنارِ كما نطقَ بهِ القرآنُ، ولا يحرِّكُ عليهِمْ شبهةً"؛ وتجد بعض المبتدعين أول ما يأتي لهم عامي أو صغير أو كبير، يقول له: أين الله؟ هو مؤمن بالله من يوم خلق وأسرته عن أبوه وجده وجد جده من لما كان عهد الصحابة، وأنه -سبحانه وتعالى- ما يحتاج إلى مكان، وأماكن خلقه وإيجاده. ويقوم يجيب له حديث الجارية ويخبِّطه، والحين ذهب يتصور هو ذا ربه! وكيف قعد؟ ويرجع يشبه ويرجع يجسِّم، لا حول ولا قوة إلا بالله!

إذا جاءته الجارية هي نفسها، حتى لفظ مسلم هذا ما هو محصور؛ لأنه جاء في روايات أخرى: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أين ربك؟! وبعدين جاء في روايات أنها كانت هي خرساء أصلاً، فلما سألها أين الله؟ فأشارت بإصبعها بس تعظيماً، ما تتكلم، وروي بالإشارة حقها، ولكن قوّموا عليه مشاكل وبلايا، وخلوا الناس في التجسيم وفي غيره.. إنا لله وإنا إليه راجعون. والحق منزه عن مثل ذلك، ويأتون يقرّؤونهم في الكتب الكبيرة، والتي تحتاج إلى ترتيب والوصول إليها بعد مختصرات وبعد متوسطات، ويقفزون عليها، وهو حتى من يومين ثلاثة يرى نفسه أعلم أهل الأرض! وهكذا، والله يُصلح أحوال المسلمين، ويتداركهم ويغيثهم.

قال: "فإنَّهُ ربَّما تعلقَتِ الشبهةُ بقلبِهِ ويعسرُ عليهِ حلُّها، فيشقَىٰ ويهلِكُ". ولما كتب في الرد على بعض المبتدعة في زمن سيدنا أحمد بن حنبل شبهتهم والرد عليه، جاؤوا له بالكتاب، قالوا: أنت تنشر بدعتهم! قال: تذكر بدعتهم وبعدين تجاوب عليهم، ما يؤمنك أن العامي يقرأ كلامك، فالشبهة اللي تذكرها تحل في قلبه، والجواب حقك ما يجي عليه، وتكون أنت الذي نشرت الشبهة ما هو أهلها، فكل شيء بمقداره.

قال واحد جاء للحرم مُدرِّس، وما قعد في حاله، وكان يتعجب الشيخ قال: إيش عنده هذا؟ قال: هذا مشكلة كبيرة، إيش فيه؟ قال: جابوا حرمة، بيصلحون سهرة الليلة مدري فين.. قال: كثير من اللي سمعوا ما هم دارين، لما سمعوا راحوا خرجوا من الدرس، راحوا لهناك يشوفون، كان هو الذي صلح الدعاية للسهرة هذه، وهو في غنى عن هذا. ليش يذكره لأهل الدرس؟ ما هم دارين أحد جاء ولا ما جاء، في سهرة ولا ما في سهرة في البلد. لما قام اتكلم معهم بهذه الصورة، قالوا: نروح نشوف، خرجوا من عنده، راحوا! وإلا كانوا بيرجعون لبيوتهم على عادتهم في ذكرهم وعبادتهم. لكن هو اتكلم في غير موضع الكلام، وقال ما لا يُحتاج إليه، وكان هو اللي سبب في نشر الشر.

قال: "وبالجملةِ: لا ينبغي أنْ يفتحَ للعوامِّ بابَ البحثِ؛ فإنَّهُ يعطَّلُ عليهِمْ صناعاتِهِمُ التي بها قوامُ الخلْقِ، ودوامُ عيشِ الخواصُ"، فللعلم أهل ومتلقون وقادرون على الاستبيان، لهم البحث ولهم الخوض وعليهم وبعضهم البعض يفيد بعضهم البعض في دقائق المسائل، ولكن العامة... كان ﷺ يتكلم مع أبو بكر ومع عمر ومع كبار أصحاب الكلام، يكلم به الأعراب لما يأتون إلى عنده!! يأخذون شرائع الإسلام وأدائها ودينها ويذهبون إلى أهلهم خلاص. يقول: للعلم أهله وللمكان أهله.

وهكذا نعرف كثير من حقائق العلم القوية إنما تكون عند أهلها، ولا تُبث إلا لأهلها. وسيدنا الجنيد بن محمد كان إذا أراد أن يتكلم في دقائق علوم المعرفة، يتأكد من الجلساء. يقول: قفلوا الباب، وهاتوا المفتاح لعندي هنا. يقفلوا الباب، يحط المفتاح تحت رجله ويتكلم معهم حتى لا يسمع الكلام غير أهله لأنه:

  • إما يكذِّب بحق؛ حق وهو يكذب به.
  • أو يفهمه على غير وجهه، ويزل.
  • أو ينكر شيء نور وهدى وحق من الله -تبارك وتعالى-.

وهكذا، لما قالوا له -قال الإمام الحداد-: إنه كلام بعض العارفين أيضاً ما ينبغي أن يطّلع عليه الإنسان وحده، ولا أن يطالع فيه كتبه، فإذا قال: أنا بطالع الكتاب وآخذ ما فهمت، وأترك ما لا أفهم. قال الإمام الحداد: أنصفت، لكن بس أنا خاف عليك مما لم تفهم؛ اللي ما تفهم، أنا خائف من اللي قلت إنك فهمته، أنك فهمته على غير وجهه. هذا خوفنا من هذا. أما اللي ما فهمته ما عليك ضرر منه، تمام خلاص ما أنت داري إيش قالوا؛ لكن أنا فزعان عليك من اللي تقول إنك فهمته، إذا تفهمه على غير وجهه وتقول إنك فهمته، هنا الضرر عليك. فلا يكون إلا عند شيخ يبين لك، أو اترك ما ليس في مستواك، ما ليس في عشِّكِ فادرجِ.

وفي العموم جاء أن القرآن أيضاً يبين هذا، يقول أن الذي في قلوبهم زيغ هم الذين يتبعون المتشابهات، وقال: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) واضحة للناس (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ) ولا بيجون عليه وما هم من أهله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) [آل عمران: 7]. ما يفتحون أبواب النقاش فيها ولا الخوض فيها، أما أولئك يتبعون ما تشابه، يروح فكره وراء هذا المتشابه، ما بغى إلا هو، ذلك علم جلي واضح. لا لا، هذا هذا ما أبغى إلا هذا، لا حول ولا قوة إلا بالله ليه!؟،  (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ).

كان سيدنا ابن عباس يقول: إذا رأيتم من يتبع المتشابهات فاعلموا أنهم الذين سمى الله، -هم الذين ذكرهم ربهم-  فاحذروهم، أبعدوا منهم، لأنه ما بغى إلا المتشابهات، قال: هذا هو اللي سمى الله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 7-8]. هذا كلام الراسخين في العلم، وهذا دعاؤهم.

يا ربِّ ثبّتنا على الحق والهدى *** ياربّ اقبضنا على خير ملة

قال: "الوظيفةُ الثامنةُ: أنْ يكونَ المعلِّمُ عاملاً بعلمِهِ: فلا يكذِّبُ قولَهُ فعلُهُ؛ لأنَّ العلْمَ يُدركُ بالبصائرِ والعملَ يُدركُ بالأبصارِ، وأربابُ الأبصارِ أكثرُ، فإذا خالفَ العملُ العلمَ.. منعَ الرشدَ"، قالوا: أي واحد تناولَ شيئاً  ويكثر منه وقالَ للناسِ: لا تتناولوهُ؛ فإنَّهُ سمٌّ" سم وأنت تأكله قدامنا؟ فيقولون: هذا أراده له وحده؛ هذا زين، فيه شيء وهو أراده له وحده؛ عاد يزيد حرصهم عليه، يقولوا: نحن بغينا كماك. فهو يضر بعمله أكثر مما ينفع بعلمه.

قال: "ومَثلُ المعلَّمِ المرشدِ مِنَ المسترشدِ مَثلُ النقَشِ مِنَ الطينِ والعودِ مِنَ الظلِّ". بتجيب عود أعوج، ولابد بغيت الظل حقه مستقيم تمام؟ هو أعوج هو! هات عود أعوج بيطلع ظل أعوج، وهات العود مستقيم بيطلع الظل...، لا ذا عوده أعوج، وقال: يبغى الظل لابد يرجع كذا، ما يرجع كذا؛ لأن العود هو نفسه أعوج، فالظل حقه تبع له،  والتلميذ ظل الشيخ، لا إله إلا الله. 

لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ***عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ 

يا أيها الرّجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ *** هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ يُسمع ما تقول ويُشتفى *** بالعلم منك وينفع التعليم

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

وقالَ الله تعالىٰ: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)[البقرة:44]. ولذلكَ كانَ وِزْرُ العالِمِ في معاصيهِ أكبرَ مِنْ وزْرِ الجاهلِ؛ إذْ يزِلُّ بزَلَّتِهِ عالَمٌ كثيرٌ -،والناس يتبعونه- فيقتدونَ بهِ، و"مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها ، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها ، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً فعملَ بِها ، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده لا ينقصُ من أوزارِهِم شيئًا".

"ومن سنّ في الإسلام سنة حسنة -في صحيح مسلم- كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة  ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً".

قال سيدنا "عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: قَصَمَ ظهري رجلانِ: عالمٌ متهتَكَ، -ما يعمل بالعلم، ويخالفه ويصلح له حيل- وجاهلٌ متنسَّك، -يصلح نفسه ولي، وهو جاهل- فالجاهلُ يغرُّ الناسَ بتنسُّكِهِ، والعالِمُ ينفِّرُهُمْ بتهتّكِهِ"، ينفرهم عن الدين بالتهتك ويفسدهم. وهذا المتعبد الذي على جهل يغرّ الناس، يظنون أن هذا هو، وهو على غير بصيرة. "قَصَمَ ظهري رجلانِ: عالمٌ متهتَكَ، وجاهلٌ متنسَّك، فالجاهلُ يغرُّ الناسَ بتنسُّكِهِ، والعالِمُ ينفِّرُهُمْ بتهتّكِهِ".

ومن أقوال سيدنا مالك المشهورة: من تفقّه ولم يتصوّف فقد تفسّق، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندق، ومن تفقّه وتصوّف فقد تحقّق، علِم علْم الظاهر والباطن، وعمل بالعلم، هكذا.

أما ما يعرف بحال نية الطالب هذا إلا بالعلامات الظاهرة، إذا فُهم من قصده، إما صرح به، أو عُلم أنه ما جاء إلا ليكون كذا بالأمارات والعلامات الظاهرة، وإلا فالأصل حسن الظن بجميع المسلمين. ولكن إذا بدت علامات ناجزة من خلال تصريحه، أو كلامه، أو معرفة أهدافه، أنه لا يتعلم إلا لأجل شيء من متاع الدنيا؛ فهنا يتوجب عليك نصحه. وكما ذكر الشيخ: إن كان في صدد علم ربما ينقذه ويحوّل مقصده هذا، فلا بأس تستمر معه. وإن يئست من اهتدائه، وأيقنت بأنه بيستعمله للمقاصد السيئة؛ فحينئذ تمتنع، ولا تفتح له المجال في ذلك. والله أعلم.

رزقنا الله بالإيمان واليقين، ووفّر حظنا من خواتيم شهر رجب وما بقي من ليالي رجب، وبارك لنا في شعبان وبلغنا جميعا رمضان، وأعاننا على الصيام والقيام، وجعلنا من الصادقين معه والمقبولين لديه والموفّقين لمرضاته، ومن المُقبلين بالكلية عليه، والمقبولين بالقبول التام الحسن لديه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال أهلينا وأولادنا وذرياتنا وطلابنا وأصحابنا، ويدفع السوء عنا، ويرعانا بعنايته حيثما كنا وأينما كنا، ويُعجل بتفريج كروب المسلمين وجمع شملهم على ما يحب، ويجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ويختم لنا بأكمل الحسنى وهو راض عنا في خير ولطف وعافية.

 

سؤال:

يعرضون أحيانًا بعض الصور في النشرات أو الفيسبوك  وغيره فإذا كانت صورة لأحد العلماء والمشايخ فربما يتعرض للسب أو الشتم وما إلى ذلك.. فهل ينبغي؟

الإجابة: 

ما ينبغي؛ وأما مثل صورتنا فما نحب أحد ينشرها ولا يعلقها هنا أو هناك، هذا أفضل وهذا أولى. 

وأما صور الأخيار والصالحين في محلها ووقتها وعند أهلها فهي أيضًا من الأمر العزيز الذي ما يُبذَل لكل أحد. قال بعض الذين وجدنا عنده صورة الوالد، قال لي والدك لمّا أعطاني إياها: لا تعطيها لأحد؛ لا تُبْتَذَل، لا تُبْتَذَل.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

الصورة

 

لتحميل الكتاب pdf

 

تاريخ النشر الهجري

15 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

04 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام