آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 5 | وظائف المعلم (1 إلى 3) الشفقة، والاقتداء بالنبي، والنصح
الدرس الخامس في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الأحد 15 رجب 1447هـ
بيان وظائف المرشد المعلم:
- أحوال الإنسان في علمه
- الوظيفة الأولى: الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه
- الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الشرع ﷺ
- الوظيفة الثالثة: ألا يدخر من نصح المتعلم شيئاً.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
البَابُ الخَامِسُ
في آداب المتعلّم والمعلّم
بيان وظائف المُرشِد المُعلِّم
"اعلمْ: أنَّ للإنسانِ في علمِهِ أربعةَ أحوالٍ، كما لهُ في اقتناءِ الأموالِ؛ إذْ لصاحب المالِ حالُ استفادةٍ فيكونُ مكتسبًا، وحالُ ادّخارٍ لما اكتسبَهُ فيكونُ بهِ غنيًّا عنِ السؤالِ، وحالُ إنفاقٍ على نفسِهِ فيكونُ بهِ مُنتفعًا، وحالُ بذْلٍ لغيرِهِ فيكونُ بهِ سخيّاً مُتفضِّلًا، وهوَ أشرفُ أحوالِهِ .
فكذلكَ العلْمُ يُقتنىٰ كالمالِ، فلهُ حالُ طلبِ واكتسابٍ، وحالُ تحصيلٍ يُغني عنِ السؤالِ، وحالُ استبصارٍ وهو التفكُّرُ في المُحصَّلِ والتمتُّعُ بهِ، وحالُ تبصيرٍ وهوَ أشرفُ الأحوالِ .
فمَنْ علِمَ وعمِلَ وعلَّمَ فهوَ الذي يُدعَىٰ عظيمًا في ملكوتِ السماءِ؛ فإنَّهُ كالشمسٍ تضيءُ لغيرِها وهيَ مضيئةٌ في نفسِها، وكالمسكِ الذي يُطيّبُ غيرَهُ وهوَ طيِّبٌ.
والذي يعلِّمُ ولا يعملُ بهِ كالدفترِ الذي يُفيدُ غيرَهُ وهوَ خالٍ عن العلْمِ، وكالمِسَنِّ الذي يشحَذُ غيرَهُ ولا يقطعُ، والإبرةِ التي تكسو غيرَها وهيَ عاريةٌ، وذُبالةِ المصباحِ تضيءُ لغيرِها وهيَ تحترقُ، كما قيلَ:
صِرتُ كَأَنِّي ذُبالَةٌ وُقِدَتْ *** تُضِيءُ لِلنَّاسِ وَهْيَ تَحْتَرِقُ
ومهما اشتغلَ بالتعليمِ.. فقدْ تقلَّدَ أمرًا عظيمًا وخطرًا جسيمًا، فليحفظ آدابَهُ ووظائِفهُ.
الوظيفةُ الأولىٰ: الشفقةُ على المُتعلِّمينَ، وأنْ يُجريَهُمْ مُجرىْ بَنيهِ:
قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّما أنا لكُمْ مثلُ الوالدِ لولدِهِ"، فإنَّ قصدَهُ إنقاذُهُمْ مِنْ نارِ الآخرةِ، وهوَ أهمُ مِنْ إنقاذِ الوالدينِ ولدَهما مِنْ نارِ الدنيا.
ولذلكَ صارَ حقُّ المُعلِّمِ أعظمَ مِنْ حقِّ الوالدينِ؛ فإنَّ الوالدَ سببُ الوجودِ الحاضرِ والحياةِ الفانيةِ، والمعلِّمَ سببُ الحياةِ الباقيةِ، ولولا المعلِّمُ.. لساقَ ما حصلَ مِنْ جهةِ الأبِ إلى الهلاكِ الدائمِ، وإنَّما المُعلِّمُ هوَ المُفيدُ للحياةِ الأخرويةِ الدائمةِ؛ أعني معلِّمَ علومِ الآخرةِ، أوْ علومِ الدنيا على قصْدِ الآخرةِ لا علىٰ قصْدِ الدنيا، فأمَّا التعليمُ على قصْدِ الدنيا.. فهوَ هلاكٌ وإهلاكٌ، نعوذُ باللهِ منهُ.
وكما أنَّ حقَّ أبناءِ الرجلِ الواحدِ أنْ يتحابُّوا ويتعاونوا على المقاصدِ كلَّها.. فكذلكَ حقُّ تلامذةِ الرجلِ الواحدِ التحابُّ والتواددُ، ولا يكونُ إلا كذلكَ إنْ كانَ مقصدُهُمُ الآخرةَ، ولا يكونُ إلا التحاسدُ والتباغضُ إنْ كانَ مقصدُهُمُ الدنيا.
فإنَّ العلماءَ وأبناءَ الآخرةِ مُسافِرونَ إلى اللهِ تعالىٰ وسالكونَ إليهِ الطريقَ مِنَ الدنيا، وسِنُوُّها وشهورُها منازلُ الطريقِ، والترافقُ في الطريقِ بين المسافرينَ إلى الأمصارِ سببُ التوادِّ والتحابِّ، فكيف السفرُ إلى الفردوسِ الأعلى والترافقُ في طريقِهِ؟!
ولا ضيقَ في سعاداتِ الآخرةِ، فلذلك لا يكونُ بينَ أبناءِ الآخرةِ تنازعٌ، ولا سَعةَ في سعاداتِ الدنيا، فلذلكَ لا ينفكُّ عنْ ضيقِ التزاحمِ.
والعادِلون إلى طلبِ الرئاسةِ بالعلوم خارجونَ عنْ موجَبِ قولِهِ تعالىٰ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات:10]، وداخلونَ في مقتضىٰ قولِهِ تعالىٰ: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]".
الحمد لله الذي يُمِدُّ بالتوفيق مَنْ سبقت له السعادة، فيتولّاهم بما هو أهله في الغيب والشهادة، ويُلهِمُهم البِرَّ والتقوى والعبادة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يكون في الدَّارين إلا ما أرادَه، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، سيد السادة وإمام أهل سبيل السعادة، سيدنا محمد صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه القادة، ومن نال مُتابعتَه ووِدادَه، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين ساداتُ أهل السعادة، وعلى آلِهم وصحبِهم وتابِعيهم، وعلى الملائكةِ المُقرَّبين وجميع عبادِ الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وقد أكمَلنا ما ذكر المؤلِّف -عليه رحمة الله- مِن وظائف المُتعلِّم العَشر، وابتدأَ يذكرُ "وظائف المُرشد المُعلِّم"، وابتدأَ يقول:أنَّ للإنسانِ في علمِهِ أربعةَ أحوالٍ"؛ كما هيَ بالنسبةِ للمَال؛ فإنَّ صاحبَ المال:
- قد يكون في حالةِ كَسبٍ وتحصيلٍ واستفادة،
- وقد يكون في حالةِ ادِّخار لما اكتسبَهُ يغتَني به عن أن يسألَ الغير.
- وقد يستعمله ويُنفِقُه على نفسه فيكون مُنتفعًا به.
- وقد يجودُ به ويتكرَّم على غيره فينفَعُ سِواهُ "فيكون سخيّاً مُتفضِّلًا. وهذا أشرف الأحوال"؛ أن يكون بعد الكَسب مِنَ الطريق الطيّبِ الحلال مُنتفِعاً بماله هذا، مُغتنياً عن السؤال ومُنتفِعاً بماله ونافعاً به غيرَه.
قال: "فكذلكَ العلْمُ يُقتنىٰ كالمالِ، فلهُ حالُ طلبِ واكتسابٍ"، وهذه وإن كانت لا ينبغي أن تنتهي وهي مُستمِرّة إلى الوفاة، لكنه أيضا معها يرتقي إلى الدرجاتِ الأُخرى. كما أنَّ كثيراً من أرباب الأموال يستمِرُّون في مُتابعةِ أماكنهم ودكاكينهم وشرِكاتِهم ومُؤسّساتهم، ومع ذلك ينتفِعون بمالِهِم ويُنفِقون منه، فكذلك هذا العلم فإنه لا نهاية له.
ولما رُئِيَ سيدنا أحمد بن حنبل وهو في الشيخوخة وحامِل للمَحبَرة والقلم، من أجل أن يكتبَ الفوائد، قال: وأنت في هذه السِنّ مع المَحبَرة؟ فقال: مع المَحبَرة إلى المَقبَرة، مع المَحبَرة إلى المَقبَرة.
ومع ذلك يكونُ له حالةُ استغناءٍ بذلك العلم عن أن يسألَ الغير، ليتعلّم جميع ما يحتاج إليه من فرض ونفل، في حق نفسه وأسرته وأهله، وما يُصادِفُه مِنَ المُعامَلات في الحياة، ويكون مُنتِفعاً به بالتفكُّر فيه وترتيبه لمسائله وتطبيقِهِ له، ويكون نافعاً للغير:
- بالتعليمِ والإرشادِ.
- والتَّوجيهِ والتَّنبيهِ.
- وإلقاء المعلومات، هذا الأمر الأشرف.
وأشارَ إلى ما جاء عن سيدنا عيسى بن مريم: "مَنْ عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ فذلك يُدعَى عظيماً في ملكوت السماوات" ، يُسمَّى عظيم "فلانٌ العظيم"، تُعظِّمُه الملائكة بتعظيم الله تبارك وتعالى. وهذه عظمةٌ تدوم وتتأبَّد، وهكذا..
فمن عُظِّمَ في ملكوت السماوات دامَ تعظيمه إلى الأبد؛ أما عالَم الأرض فاليوم يُعظِّمون الواحد، وبُكرة يَسبُّونه، وبعد بُكرة يُحاكِمُونه، وبعدها يقتلونه، أو يغتالونه، أو ينقلبون عليه، هذا شأنُ الدنيا وتقلُّبها. لكنْ العُظماء في ميزان الله، الذين يُدعَون عُظماء في ملكوت السماوات عظَمتهم دائمة ومُستمرة، يموت وهو عظيم، ويُبعَث وهو عظيم، ويدخُل الجنة وهو عظيم إلى النعيم العظيم.
قال: "فمَنْ علِمَ وعمِلَ وعلَّمَ فهوَ الذي يُدعَىٰ عظيماً في ملكوتِ السماءِ؛ فإنَّهُ كالشمسٍ تضيءُ لغيرِها وهيَ مضيئةٌ في نفسِها، وكالمسكِ الذي يُطيّبُ غيرَهُ -في ذاته- وهوَ طيِّبٌ" شديد حسن.
قال: والذي يعلِّمُ ولا يعملُ بهِ كالدفترِ الذي يُفيدُ غيرَهُ وهوَ خالٍ عن العلْمِ، وكالمِسَنِّ الذي يشحَذُ غيرَهُ -فتُسَنُّ به السَّكاكين فتقطعُ، وهو- ولا يقطعُ -المِسَنُّ-، والإبرةِ التي تكسو غيرَها وهيَ عاريةٌ، وذُبالةِ المصباحِ تضيءُ لغيرِها وهيَ تحترقُ" كما قال شاعرهم:
صِرْتُ كأني ذُبَالَةٌ وُقِدَتْ *** تُضِيءُ لِلنَّاسِ وَهِيَ تَحْتَرِقُ
- وهذا شأن من يُعلِّم ولا يَعمَل بعِلمه.
- وشرٌّ منه مَنْ لا يَعمَل ولا يُعلِّم. قال: ذلك لا يعمَل ولا يُعلِّم، ترَك فرضين معا، هذا قام بأحد الفرضين وترَكَ الآخر.
- وشرٌّ منه مَن أعرض عن العِلم مِن أصله، فلا تَعلَّم ولا يَعمَل ولا يُعَلِّم.
"ومهما اشتغلَ بالتعليمِ.. فقدْ تقلَّدَ أمراً عظيمًا؛ -لأنه وظيفةُ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وظيفة الرُّسُل في البرِيَّة وبين الأمة، فشأنُ التعليم شأن أمانةٍ كبيرة وأمرٌ عاليَ القَدْر، ينبغي أن يُعطيَه حقَّه- فليحفظ آدابَهُ ووظائِفهُ".
وها هو يذكر لنا وظائف المُعلِّم، قال:
"فالوظيفة الأولىٰ": أن يبني تعليمه على "الشَّفقة" والرأفة والرحمة.
فقد أرسلَ اللهُ خيرَ المُعلّمين وقال له:
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].
- ووَصفهُ بقوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران:159].
- وبقوله (إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4].
- وبقوله تعالىٰ (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128] ﷺ.
فينبغي للمعلِّم أن يُنزِل المُتعلِّمين مَنزِلةَ الأبناء، واستدلَّ بالحديث الذي جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي يقول ﷺ: "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ" ﷺ. وهو أشفَقُ بنا مِن آبائِنا وأرحم مِن أمَّهاتنا بل ومِن أنفسنا، وبذلك قال ربَّنا تعالى في القرآن: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب:6] ، لأنّه أرحمُ بنا من أنفسنا صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، وفّرَ الله حظَّنا مِن رحمته.
يقول: "فإنَّ قَصدَهُ -بالمُتعلِّمين- إنقاذَهُم مِن نار الآخرة، وهو أهمّ -مِن حِراسةِ- الوالدَين -وإنقاذَهم لأولادِهم في الدنيا مِن نار الدنيا" ومِن تَعبِ الدنيا ومن شقوة الدنيا؛ فهذه وظيفة آباء الأجساد أن يحفظوا الأولاد -أبناء وبنات- مِن تعب الدنيا وجوع الدنيا وشدّة الدنيا ونار الدنيا. ولكن مُهمّة المعلِّم أن يُنقِذ المُتعلِّم مِن نار الآخرة ومِن عذاب الآخرة ومِن تعب الآخرة ومِن ظمأ الآخرة ومِن جوع الآخرة ومِن شِدّة الآخرة.
وقال: "ولذلك صارَ حقُّ المُعلِّمِ أعظمَ مِنْ حقِّ الوالدينِ". وهكذا لمَّا حجَّ مرّةً الحبيب محمد بن علي الحبشي، فسأله بعض عُلماء الحَرَم وقالوا: والدَك دائماً ما يذكُر شيخهُ الحبيب أبا بكر العطاس، وما ذكَر والدَهُ - وهو عالم كبير ومُفتي- إلّا في قليل مِن قصائده. فلمّا عادَ كان والده يسأله عمَّا جرَى له في الحج، وأيام الحج، ولقاءَه بالعلماء. ثم ذكر هذا الموضوع، قال له: سألوني، قال: ماذا قلت؟ قال: سكتُّ. قال: لماذا لمْ تقُل لهم إنَّ جدِّي محمد بن حسين -أي: والدَهُ- كان أباً للجسَد، وأنَّ أبا بكر العطَّاس شيخه كان أباً للرُّوح؟ ولهذا ذكر أبا الرُّوح أكثر مما يذكر أبا الجسد.
ويقول: "الوالدَ سببُ الوجودِ الحاضرِ والحياةِ الفانيةِ، والمعلِّمَ سببُ الحياةِ الباقيةِ"؛ وهي حياة القلب وحياة الرُّوح وحياة الجنَّة. "ولولا المعلِّمُ.. لساقَ ما حصلَ مِنْ جهةِ الأبِ إلى الهلاكِ الدائمِ"، ممّا أعطاه الوالد مِن مال ووَسائل، وإذا لا عِلم عنده يصرِفُها في الذنوب والمعاصي فتَسوقُه إلى الهلاك الدائم والعياذ بالله تعالى. "وإنَّما المُعلِّمُ هوَ المُفيدُ للحياةِ الأخرويةِ الدائمةِ؛ أعني معلِّمَ علومِ الآخرةِ أو -شيء مِن- علومِ الدنيا على قصْدِ الآخرةِ" أي: ليستفيدَ بها ويستعينَ على سلُوكِه وسيرِه إلى الله تعالى، وينفَع بها المسلمين ليُساعِدَهم على القِيام بمَهامِّهم في الحياة مِنَ العِلم والعِبادة.
قال: "فأمَّا أن يتعلَّم -خُصوصاً- علومَ الدِّين والشريعة على قصْدِ الدنيا -جاهاً أو كَسْبَ مالٍ أو شُهرةٍ أو مَنزلةٍ بين الناس وما إلى ذلك- فهوَ هلاكٌ وإهلاكٌ، نعوذُ باللهِ منهُ"، ويكون المُعلِّم مثل بائِع السِّلاح مِن قاطع الطريق أو المُحارِب للمسلمين، إذ هو قصْده الدنيا ويُعلِّم الطالِب على قَصْدِ الدنيا.
ثم إنَّ مِن حقِّ المُتعلِّمين أنْ تتأكَّد بينهم واجباتُ المحبّة في الله والأخوَّة في الله والألفة بالله، وإن كانت واجبة بين المؤمنين عامة؛ فبينَ المُتعلِّمين خاصّة.
"وكما أنَّ حقَّ أبناءِ الرجلِ الواحدِ أنْ يتحابُّوا ويتعاونوا على المقاصدِ كلَّها"، قال: فكذلكَ حقُّ تلامذةِ الرجلِ الواحدِ -يتحابّون في شُيوخهم وكأنَّهم إخوان حقهم- التحابُّ والتواددُ"، وكلَّما فرِح بنجابَةِ أخيه، وبمعرفةِ أخيه، وبنُبوغِ أخيه، كان لهُ فتحًا مِن الله وتأييدًا وتوفيقًا. وكلما ساعد أخاه في الفَهم أو دلَّهُ على مظانّ الفائدة والإرشاد، وأرشدهُ إلى مواطِن المسائل وحلَّها، يُبارَك له في علمِه ويُوَسَّع ويُفتَح عليه. وإذا كرِه نُبوغَ غيرِه، وتقدُّم غيرِه عليه، قَصُرَ عليه الفتوح، وقَصُرَ حظّه مِن المُنوح وهكذا..
ولمَّا سألَ السيد علي الجفري الحبيب عبدالقادر بن أحمد السقَّاف: متى يفوقُ الإنسانُ على غيرِه؟ قال: إذا لم يكرهْ أنْ يفوقَ غيرَهُ عليه، لا إله إلا الله.
وهكذا حقُّ الذين يجمعُهم درس، والذين يجمعُهم شيخ، والذين يجمعُهم كتاب وعِلم، أنْ يكونوا مُتعاونين فإنَّهم أبناء بالرُّوح لآباء، وكذلك مسافرون إلى الله تعالى بهذا العلم.
بال: "فإنَّ العلماءَ وأبناءَ الآخرةِ مُسافِرونَ إلى اللهِ تعالىٰ وسالكونَ إليهِ الطريقَ مِنَ الدنيا، وسِنُوُّها وشهورُها منازلُ الطريقِ"، الطريق هي حياتُهم في الدنيا، وسنواتُ الدنيا وشهورُها منازِل للمشي وللوصول "والترافقُ في الطريقِ بين المسافرينَ إلى الأمصارِ -أو أي الأماكن- سببُ التوادِّ والتحابِّ -بينهم- فكيف السفرُ إلى الفردوسِ الأعلى والترافقُ في طريقِهِ؟!" في طريق السفر إلى الفردوس الأعلى؟ ما تكون سبب للتحابُب بين أهلها؟
وإنما سعادات الآخرة قال: لا ضِيقَ فيها، ولهذا تقبَل الكثرة مِن غير مُنازَعة، "ولا ضيقَ في سعاداتِ الآخرةِ"، تسَع؛ تسَع الجميع وتسَعُ أهل الدنيا ولو جئنا بأمثالهم تسَعهُم سعادات الآخرة إذا عمِلوا وأقبلوا، فما هناك ضيق فيها يوجب التباعُد ولا سوء التنافس، ولكن يقتضي التنافُس الشريف وهي واسعة.
"ولا ضيقَ في سعاداتِ الآخرةِ، فلذلك لا يكونُ بينَ أبناءِ الآخرةِ تنازعٌ، ولا سَعةَ في سعاداتِ الدنيا"، إذا أخذ منها شيء لن يكون موجود عندك، ولا تُحصّل مثله إلا بأمرٍ آخر، وإذا واحد رئيس خلاص الثاني ماعاد له رئاسة، وإذا هذا أمير فهذا مأمور؛ هذا ضيق في الدنيا. أما أهل الجنة كلُّهم مُلوك، وكلُّهم (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]، معرفة الله واسعة ما فيها تضايُق ولا فيها تزاحُم. ولهذا:
- مِن علامة أبناء الآخرة وعلماء الآخرة أنهم مُتحابُّون.
- ومِن علامةِ علماء الدنيا أنهم مُتنافِرون مُتباغِضون مُتحاسِدون؛ لأن الدنيا ضيّقة ﻻتسع.
قال: "ولا سَعةَ في سعاداتِ الدنيا، فلذلكَ لا ينفكُّ عنْ ضيقِ التزاحمِ".
يقول: "والعادِلون إلى طلبِ الرئاسةِ بالعلوم -خرجوا عن مُقتضى- قولِهِ تعالىٰ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات:10]، -فتحوّلوا بدلَ إخوة إلى أخلاء مُتباغضين في الآخرة- وداخلونَ في مقتضىٰ قولِهِ تعالىٰ: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]".
فهذه الوظيفة الأولى: شفقةُ المُعلِّم ونشره الأُلفة والأُخوّة بين المُتعلِّمين؛ ليتعاوَنوا على تحقيقِ العلم وتحصيلِه والتعمُّقِ فيه، وعلى العمل بمُقتضاه، ثم على نشره وتعليمه؛ ففي ذلك غاية السعادة. اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا.
"الوظيفة الثانية: أنْ يقتديَ بصاحبِ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ:
فلا يطلبُ علىٰ إفاضةِ العلْمِ أجرًا، ولا يقصدُ بهِ جزاءً ولا شكراً، بلْ يعلِّمُ لوجْهِ الله تعالىٰ، وطلباً للتقرُّبِ إليهِ، ولا يرى لنفسِهِ منَّةً عليهِم وإنْ كانتِ المنَّةُ لازمةً عليهِم، بلْ يرى الفضلَ لهُمْ؛ إذ هَدَفوا قلوبَهُم لأنْ تتقرَّبَ إلى اللهِ بزراعةِ العلومِ فيها، كالذي يُعيرُكَ الأرضَ لتزرعَ فيها لنفسِكَ زراعةً، فمنفعتُكَ بها تزيدُ علىٰ منفعةِ صاحبِ الأرضِ، فكيف تُقلِّدُهُ مِنَّهً وثوابُكَ في التعليمِ أكثرُ مِن ثوابِ المتعلِّمِ عندَ اللهِ تعالىٰ، ولولا المتعلِّمُ.. ما نلتَ هذا الثوابَ؟
فلا تطلبِ الأجرَ إلا مِنَ اللهِ تعالىٰ؛ كما قالَ اللهُ تعالىٰ: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) [هود:29]؛ فإنَّ المالَ وما في الدنيا خادمُ البدنِ، والبدنُ مركبُ النفسِ ومطيّتُها، والمخدومُ هوَ العلْمُ؛ إذْ بهِ شرفُ النفسِ، فمَنْ طلبَ بالعلمِ المالَ.. كانَ كمنْ مسحَ أسفلَ مداسِهِ ونعلِهِ بمحاسِنِهِ ليُنظِّفَه، فجعلَ المخدومَ خادماً والخادمَ مخدوماً، وذلكَ هوَ الانتكاسُ علىٰ أمُّ الرأسِ، ومثلُهُ: هوَ الذي يقومُ في العرْضِ الأكبرِ معَ المجرمينَ ناكسي رؤوسِهمْ عندَ ربِّهِمْ.
وعلى الجملةِ : فالفضلُ والمنَّةُ للمعلَّمِ .
فانظرْ كيفَ انتهىٰ أمرُ الدينِ إلىٰ قومٍ يزعمونَ أنَّ مقصودَهُمُ التقرُّبُ إلى اللّهِ تعالىٰ بما همْ فيهِ مِنْ علْمِ الفقهِ والكلامِ والتدريسِ فيهما وفي غيرِهِما؛ فإِنَّهُمْ يبذلونَ المالَ والجاهَ، ويتحمَّلونَ أصنافَ الذلِّ في خدمةِ السلاطينِ لاستطلاقِ الجِراياتِ، ولوْ تَركوا ذلكَ.. لتُركوا ولمْ يُخْتَلَفْ إليهِمْ .
ثمَّ يتوقَّعُ المعلِّمُ مِنَ المتعلِّمِ أنْ يقومَ لهُ في كلِّ نائبةٍ، وينصرَ وليَّهُ، ويعاديَ عدوَّهُ، وينتهضَ حماراً لهُ في حاجاتِهِ، ومُسخَّراً بينَ يديهِ في أوطارِهِ، فإنْ قصَّرَ في حقَّهِ.. ثارَ عليهِ، وصارَ مِنْ أعدى أعدائِهِ، فأخْسِسْ بعالمٍ يرضىٰ لنفسِهِ بهٰذهِ المنزلةِ ثمَّ يفرحُ بها، ثمَّ لا يستحيي مِنْ أنْ يقولَ: غرضي مِنَ التدريسِ نشرُ العلمِ تقرُّباً إلى اللهِ تعالى ونصرةً لدينِهِ!
فانظرْ إلى الأماراتِ حتَّىٰ ترى صنوفَ الاغتراراتِ".
لا إله إلا الله.
(أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5]. وكان شعارُ الأنبياء في تبليغهم للرسالة وتعليمِهم الخَلق: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) [الشعراء:145]، و (مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ) [سبأ:47] ، وهكذا ذكرَ الله لنا أقوالَ الأنبياء بهذه الصِّيغة في عددٍ مِن آياتِ الكتابِ العزيز.
وهكذا الاقتداء "بصاحبِ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ" في التعليمِ والإرشاد:
- أن لا يكون قصدُه تحصيلَ الأموال، لا من المُتعلِّمين ولا مِنْ غيرهم مِنَ الجهات مِن أجلِ التعليم ومِن أجلِ القيام به. وفي هذا درجات.
- والذي لا يحمِلُه على التعليم إلا تيسير حصولَ المالِ مِن هنا ومِن هناك، فهذا خارج عن قَصدِ وجهِ اللهِ تعالى.
- والذي يكون له قَصدٌ في التعليم وغرضٌ في التحصيل، يكونُ مِمَّن خلَط ومزَج، فأيُّهما كان أقوى ذهبَ به، أو أُعطيَ على قَدْر إخلاصه أجراً ونقصَ على قدرِ إرادتِهِ شيئاً من المال، كما قالوا في النفقة قال اللهُ تبارك وتعالىٰ عمّن أثنى عليهم في كتابه (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان:8-9] .
ولذا كان بعض الأكابر مِن المُعلِّمين يتحرَّزُ أن يخدمَهُ تلميذه، أو أن يأخذَ لهُ متاعاً وما إلى ذلك، ويقول: لا أتعجّل أجري، ولا يكون قصدي مِن تعليمِه أن يحصُل شيئاً مثل هذا.
قال: "فلا يطلبُ علىٰ إفاضةِ العلْمِ أجرًا، ولا يقصدُ بهِ جزاءً ولا شكراً، بلْ يعلِّمُ لوجْهِ الله تعالىٰ"، ولهذا تجِدُ الذي يقصد غيرَ الله تعالىٰ ويطلبُ المنزلة عند الناس، يحبُّ مَن يستمعَ إليه ومَن يُثني عليه. هذا مُقتَضى الطبعِ البشري؛ ولكن المُهَذَّب والمُؤدَّب مثل ما قال الإمام عيدروس بن عمر الحبشي في قول الله تعالى لحبيبه: (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ) [عبس:1-12] .
قال: إن الله تعالى أثنى على عبده المصطفى محمد، خالفَ الطبع البشري لإخلاصهِ وصدقهِ وحرصهِ على نفع العباد؛ فمُقتضى النبي أنه يُقبِل على الذي يُعظِّمه ويُحبه ويؤمن به، وأنه ينفِر مِن هذا الذي يُكَذِّبه ويَسُبُّه ويتكلم عليه، ولكن مع ذلك لما جاء ابن أم مكتوم يسألهُ في غير وقت السؤال، وهو مُشتغلٌ بتعليم هؤلاء ودعوتِهم إلى الإسلام، كان أعرضَ عنه وتابع الكلام مع هؤلاء ليُعلِّمَه أنَّ للسؤال مجالاً ووقتاً مناسباً، فقال على خلاف الطبع البشري: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ)، مع ذلك ما عليك، أنت تُوقِن أنه ما عليك ضرر منهم إن كفروا وإن أصرُّوا على كفرهم، وإن راحوا (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ)، (وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ)، فمُقتضى النفس أن تفرح به وتُقبِل عليه دونهم، (فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ) تركتَ الحديث معه حتى تُكمل مع هؤلاء؛ قال: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ)،إن فِعلَك هذا تذكرة وتبصِرة وإقامة حُجّة على هؤلاء، وتعليم لصاحبك أن يتوخَّى بالسؤال الوقتَ المناسب والحالَ المناسب. وهذه تذكرة مثنِيٌّ عليها (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ)[عبس:1-16]، فإن مثل هذه الآداب والتعليمات مذكورة في صحُف الملائكة الكرام.
فإذًا لم يكن يطلب ﷺ مِن التعليم أجراً ولا منزلةً عند أحد، غير ربِّه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وقال: "ولا يرى لنفسِهِ منَّةً عليهِم -المعلم- وإنْ كانتِ المنَّةُ لازمةً عليهِم"، ويجب أن يعرفونها، حتى يروى عن بعض الصحابة أنه قال: أنا عبدُ مَن علّمني ولو حرفاً.
"بلْ يرى الفضلَ لهُمْ"، كيف الفضل للمُتعلِّمين؟! قال: علمك هذا تزرعه ليُثمرَ لك في الآخرة، كيف تعمل؟ تُعلِّمه خلقَ الله، وقدَّموا أراضي قلوبهم، بُثّ غرسك فيها، وتضع بَذرك فيها، تُثمر لك، وتحصد الثمرة في الدار الآخرة. ومَن أعطاك أرضاً قمت تضع بذرَك وتزرع فيها وتُحصِّل المحاصيل، المِنّة لك أم له؟! لصاحب الأرض.. لولا الأرض لا ينفع بذرك هذا ولا يُثمر لك شيء. ولكن لما وجدت المُتعلِّم قدرت أن تستثمر هذا العِلم وأن تكون معلِّماً، وهو بإقباله وإنصاته وفهمه أكسبك أجر التعليم، ونِلت بسببه هذا المكان؛ فهو كمَن وهَبك أو أعارَك أرضاً له لتزرع فيها وتأخذ ثمرك.
يقول: فهكذا "كالذي يُعيرُكَ الأرضَ لتزرعَ فيها لنفسِكَ زراعةً، فمنفعتُكَ بها تزيدُ علىٰ منفعةِ صاحبِ الأرضِ، فكيف تُقلِّدُهُ مِنَّهً وثوابُكَ في التعليمِ أكثرُ مِن ثوابِ المتعلِّمِ عندَ اللهِ تعالىٰ، ولولا المتعلِّمُ.. ما نلتَ هذا الثوابَ؟ فلا تطلبِ الأجرَ إلا مِنَ اللهِ تعالىٰ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) [هود:29]"، وتكرر هذا فيما ذكر الله عن أنبيائه.
"فإنَّ المالَ وما في الدنيا خادمُ البدنِ، والبدنُ مركبُ النفسِ ومطيّتُها، والمخدومُ هوَ العلْمُ؛ إذْ بهِ شرفُ النفسِ" -فإذا حَوَّلتَ العلم خادما أومحصِّلا للمال- "فمَنْ طلبَ بالعلمِ المالَ.. كانَ كمنْ مسحَ أسفلَ مداسِهِ ونعلِهِ" -يريد ينظفه.. بماذا؟- "بمحاسِنِهِ"، جاء إلى جبهته وإلى وجنتيه ومسح النعل.. مالَك؟! قال: بينظف المداس، ما هو بالوجه!.. الوجه حقُّه أن يُكرَم. وهذا يُحصِّل شيئاً من المال بماذا؟ قال: بالعلم.. بالعلم!! العلم حقه يُخدَم، ما يكون خادماً، ولا يُقصَد به الأغراض الهيّنة والساقطة، -لا إله إلا الله-. "فجعلَ المخدومَ خادماً والخادمَ مخدوماً، وذلكَ هوَ الانتكاسُ علىٰ أمُّ الرأسِ، ومثلُهُ: هوَ الذي يقومُ في العرْضِ الأكبرِ معَ المجرمينَ ناكسي رؤوسِهمْ عندَ ربِّهِمْ"؛ مُستحين مِن خَجَلةِ ما كسبوا مِن السوء -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لماذا عند ربهم؟ لأنه ما في مرجع لغيره، حتى الكافر والمُلحد والمجرم سيرجع إلى أين؟ لا أحد من الناس في مآله يرجِع لا إلى هيئة ولا إلى حكومة ولا إلى وزارة ولا إلى…إلخ، كلهم يرجعون إلى الله، مُسلمهم وكافرهم مرجعهم إلى الله؛ لكن المسلمون يلقون الله وهو راضٍ عنهم، وهم بين يدي ربهم في حالة رضوانه وإنعامه عليهم في حالة شريفة، والمجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم، لكن بحالة سيئة وفي خجل، (نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة:12].
قال: "وعلى الجملةِ : فالفضلُ والمنَّةُ للمعلَّمِ.
فانظر كيفَ انتهىٰ أمرُ الدينِ إلىٰ قومٍ يزعمونَ أنَّ مقصودَهُمُ التقرُّبُ إلى اللّهِ تعالىٰ بما همْ فيهِ مِنْ علْمِ الفقهِ والكلامِ والتدريسِ فيهما وفي غيرِهِما"؛ قال: هم يقولون هكذا، لكنهم يُقيمون الأماكن للتدريس ويعقدون المجالس لها؛ من أجل أن يصِلَهم مِن عند الملوك والحُكّام والوُلاة وذوي المال أموال. وقال: "فإِنَّهُمْ يبذلونَ المالَ والجاهَ، ويتحمَّلونَ أصنافَ الذلِّ في خدمةِ السلاطينِ لاستطلاقِ الجراياتِ" -يعني: ما يُجرونَه من المُرتّبات ومن البذل للأموال والمِنَح- "ويتحمَّلونَ أصنافَ الذلِّ في خدمةِ السلاطينِ لاستطلاقِ الجراياتِ ولوْ تَركوا ذلكَ.. لتُرِكوا ولمْ يُخْتَلَفْ إليهِمْ"، فهم يقولون أنهم يُعلِّمون لله، وواقعهم يقتضي أنهم يُعلِّمون لأجل هذه المحصولات من المتاع الفاني.
فقال: والمُعلم يتقلد لنفسه مَنَّة على المتعلِّم يحب "أنْ يقومَ لهُ في كلِّ نائبةٍ، وينصرَ وليَّهُ، ويعاديَ عدوَّهُ" - لماذا؟.. لأنه علَّمه- "وينتهضَ -له كإنه- حماراً لهُ في حاجاتِهِ، ومسخَّراً بينَ يديهِ في أوطارِهِ، فإنّ قصَّرَ في حقَّهِ -شيء-.. ثارَ عليهِ، وصارَ مِنْ أعدى أعدائِهِ"، قال: فهذا عالم ما عرف قدر العلم. ولقد علّمَ ﷺ ورُدَّ عليه وصبرَ حتى رُمي بالفرث وبالأحجار عليه الصلاة والسلام، وما دعا عليهم. وقال له ملك الجبال: أتحب أن أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يتولى هذا الأمر، ومن يقول لا إله إلا الله، فقال له ملك الجبال: صدق الذي سمَّاك الرؤوف الرحيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.ً
قال: "فأخْسِسْ بعالمٍ يرضىٰ لنفسِهِ بهٰذهِ المنزلةِ ثمَّ يفرحُ بها، ثمَّ لا يستحيي مِنْ أنْ يقولَ: غرضي مِنَ التدريسِ نشرُ العلمِ تقرُّباً إلى اللهِ تعالى ونصرةً لدينِهِ!"، أين هذا من هذه الأحوال؟
ولما جاء الإمام الشافعي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وكتب إليه الأمير بمكة إلى أمير المدينة يقول: إن هذا الولد وارد إلى المدينة ليطلب العلم على مالك بن أنس، فتوصَّ به وعلِّمه. وصلت الرسالة وسلَّمها للأمير -كان أبو جعفر المنصور كان في المدينة- فقال: مالك!... وكيف لنا أن نكلم مالك؟! قالوا له: أُدعُه إليه، قال: لا يكون هذا، فأرسل إليه: أن هذا الولد أرسله لنا إليك الأمير ويريدك. فلما جاء وأعطوه الورقة.. رمى بها، وقال: متى كان العلم بضاعة بأيدي الأمراء يتواصون بها؟ وكان قد أرسل إليه مرة أن أولادي يحبون يسمعوا منك الموطأ، ردَّ إليهم قال: إنَّا عهدنا الناس يأتون إلى العلم ولا يأتي العلم لهم، العلم يُؤتى ولا يأتي إليه. فأرسل إليه وقال له: اجعل لهم وقت من نفسك تعلمهم وتقرئهم وحدهم. قال له: إنه حديث رسول الله ﷺ أنا أتلوه على الناس في المسجد، فإذا أرادوا فليحضروا مع الناس -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
وأرسل إليه مرة ألف دينار، أخذها ووضعها، وبعد مدة جاء إليه وقال له: إني عزمت على الخروج وأريدك تشخص معي -تخرج من المدينة- وأريد أن أحمل الناس على الموطأ؛ احملهم كلهم على ما كتبت في الموطأ. قال: لا سبيل إلى ذلك؛ أما الخروج من المدينة فلا سبيل إليه، والنبي ﷺ يقول: "وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"، وأما حملك الناس على الموطأ، فإن تفعلها تكون فتنة؛ لأن أصحاب الرسول كانوا تفرقوا في الأمصار تكُن مع كل قوم علم، فإن أردت تحصر الأمة فيما وصل إليّ أنا من العلم، هذا فتنة. رأيت كيف العالم الواعي العاقل!
ويجيء الغافلين والجهال من معه كلمتين يريد الناس كلهم عليها ضروري بالقوة، وإلا ضالين مضلين -لاحول ولا قوة إلا بالله-، وهذا العالِم عالِم المدينة؛ الذي حَمَل عليه الإمام الشافعي قوله ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ"؛ قال: ينطبق على الإمام مالك -عليه رحمه الله- قال له: والألف دينار موجودة حقك، خذها.. قال: لا لا ما قصدت، قال: خذها معك لا حاجة لي بها، أردت أن أشخص معك وأروح.. خُذ المال هذا أبقيتُه لك -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
وعاش في المدينة المنورة ما يركب دابة ولا يلبس النعال؛ ولما سئل في ذلك قال: أستحي أن أطأ بحافر دابتي أو بنعليّ تربة تردد فيها جبريل بالوحي على رسول الله، ومشى فيها رسول الله ﷺ؛ قال: محلات مشى فيها النبي وتردد فيها جبريل بالوحي؛ لا ألبس نعلاً ولا أركب دابة.
فكان إذا أراد قضاء الحاجة خرج من حرم المدينة، يخرج من حدود حرم المدينة؛ لأنه كان يأكل في الثلاثة الأيام أكلة -له في كل ثلاثة أيام أكلة- ولهذا كان ما يحتاج الخروج كثير -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
وإذا جاء السائل يسأله، إن كان في شيء من مسائل الفقه أو اللغة العربية وغيرها يجيبه، وإن قال له في الحديث، يقول له: انتظر، فيغتسل، ويتوضأ ويلبس أحسن الثياب ويتطيب ويقول: سَل؛ تعظيماً لرسول الله ﷺ. كان له منصة في الحرم لا يجلس عليها إلا للحديث عن رسول الله، إذا جلس يسرد سنده حتى يصل إلى الصحابي ثم يقول: عن صاحب هذا الضريح ﷺ أنه قال: كذا وكذا، وأنه فعل كذا وكذا ﷺ. وهكذا كان العلماء ورضي الله عن الإمام مالك.
جاء الإمام الشافعي إلى عنده، فرآه ورأى عليه النجابة وفرح به. وفي أول درس حضره عند الإمام مالك رآه يكتب بيده في كفِّه فَرمقه، والناس كأن على رؤوسهم الطير في مجلس الإمام مالك، فلما أكمل الدرس دعاه وقال له: يا غلام تعبث بيدك ونحن في حديث رسول الله؟ قال: لا ما كنت أعبث، كنت أتثبت مما تقول، فإن شئت أمليتُ عليك ما قلتَ. قال: قل، فأملى عليه الدرس كله والحديث الذي قاله. فعجِب من ذكائه وفهمه واصطفاه واعتنى به. فلما وصل خمسة عشرة سنة شهد له بأنه أهل للفتيا، الفتيا في القرن ذاك معناها: الاجتهاد المطلق، فأذن له بالفتوى وهو ابن خمس عشرة سنة. يقول: حفظت الموطأ وهو ابن عشر سنين، وسبق أن حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين. ثم جاء للإمام مالك وقرأ عليه، وأذِن له بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة.
يقول: "فانظرْ إلى الأماراتِ حتَّىٰ ترى صنوفَ الاغتراراتِ"، فإن الناس اغتروا بأوهامهم وخيالاتهم؛ لقلة اتصالهم بسر التزكية وأهل التزكية وسند التزكية إلى رسول الله ﷺ، ولبَّست عليهم نفوسهم وأهواؤهم وشياطينهم أنهم على هدى، وأنهم ليس عندهم رياء، وليس عندهم قصد لغير الله، وليس عندهم كبر، وليس عندهم غرور، وليس عندهم حسد، وكله عندهم! وصورت لهم أنه: ما عندكم شيء؟ ما عندك شيء أنت صافي، طيب ما عندك شيء، فصار حالهم كحال رجل يقرأ القرآن مع الجماعة ويردُّون عليه لما يغلط، كمَّل القراءة قال: أنتم حَسَدة!، قالوا له: لماذا؟ قال: هذا أنا قرأته وحدي هناك في البيت ولا غلطت غلطة واحدة!... قرأته كله هذا المُقرَأ في البيت ولا غلطت غلطة واحدة، يوم جيت عندكم هنا غلَّطتوني. قالوا: أنت تغلط وحدك، ما تدري أنك غلطان؟ تشوف نفسك على صح، وأنت تنطق به غلط؛ والآن لأنك قدامنا فهمناك.
والناس وحدهم هكذا صار مَثَلُهم مَثَل بعض الجهَّال من البادية جاؤا وسرقوا غنمة لواحد، بعدين قالوا: لا عاد يدعي علينا، كيف نقول؟ قالوا: سنجعلها بِحِلّ، حلال لنا إن شاء الله قالوا: حلال، سامحوا أنفسهم بنفسهم! قالوا: بنرجع نطلب المسامحة منه، لكن نحن مسامحين.. ما رأيكم؟. قالوا: مسامحين؛ ومشَّوا أنفسهم.. كيف مسامحين!!.والأمر هكذا، وصاروا حتى قالوا: صار ورعنا كورع واحد أيضاً من العوام والبادية، وله تعلق يتعبد في المسجد، لكن أولاده سرقوا أيضاً غنمة لمسلم. جاء واحد قال له: ما الفائدة جالس أنت في المسجد هنا، اذهب أنقذ أولادك من الحرام، أحسن من أن تقعد في المسجد، راح يقول: يا أولاد هذا ما يجوز لكم وما ينبغي. قالوا له: اسكت ساكت. طبخوا اللحم والمرق، وقرَّبوه. قال: أنا ما أريد حقكم هذا الحرام، قالوا: خذ لك كسرة خبز. قال: هذا المرق من أين الماء حقه؟ قالوا: الماء من البئر حقك هنا. قال: والملح، قالوا: من عندك. قال: فقط المرق هاتوا منه، هذا اللحم لا، فقط خرجوا لي من المرق..
قدموا الوعاء صبوا، سقطت قطعة واحدة.. بيرجعونها، قال: هي من نفسها سقطت، ولا أنتم... ولا أنتم اسقطوها؟ قالوا: لا من نفسها، قال: من نفسها هذا حلال قال: التي سقطت من نفسها حلال .. ما فيه شي. ما هذه الفتاوى! صاروا الناس يفتون أنفسهم بمثل هذه الفتاوى، والخبائث تدخل في قلوبهم وتتربى وتتزكى ولا يحسون بها، يسامحون أنفسهم يمشون هكذا -ولا حول ولا قوة الا بالله-.
إنما الأكابر مثل: سيدنا عمر، وهو في نهاياته قد رباه زين الوجود ﷺ، قدم سيدنا سلمان الفارسي من مكان -كان مسافر- قال له: ما بلغك عني مما تكره؟ -سيدنا عمر يطلب الدلالة والنصيحة من أخيه في الله سلمان الفارسي-. قال: اعفني يا أمير، قال: أعفيك قل لي، قال: خصلتان. قال: ما هما؟ قال: بلغني أنك جمعت في سفرة واحدة بين إدامين، قال: والثانية؟ قال: والثانية بلغني أنك لبست في يوم واحد حلتين، في الصباح والمساء، قال: هل غيرهما؟. قال: لا، قال: أما هذان فقد كفيتُهما؛ عمر بعد اليوم لا يأكل في سفرة واحدة إدامين، ولا يجمع في يوم بين حلتين. خلاص هذا كفيتها. فهو يطلب النصيحة، وكان يقول: أحب الناس إلي من أهدى إلي عيوبي، مع أنهم خرجوا من تحت يد الحبيب الأعظم ﷺ.
قال: "فانظرْ إلى الأماراتِ حتَّىٰ ترى صنوفَ الاغتراراتِ."
"الوظيفةُ الثالثةُ: ألا يدَّخرَ مِنْ نصْحِ المتعلَّمِ شيئاً:
وذلكَ بأنْ يمنعَهُ مِنَ التصدِّي لرتبة قبلَ استحقاقِها، والتشاغلِ بعلْمٍ خفيِّ قبلَ الفراغِ مِنَ الجليِّ، ثمَّ ينبهَهُ علىٰ أنَّ الغرضَ بطلبِ العلومِ القربُ مِنَ اللهِ تعالىٰ دونَ الرئاسةِ والمباهاةِ والمنافسةِ، ويقدِّمَ تقبيحَ ذلكَ في نفسِهِ بأقصىٰ ما يمكنُ، فليسَ ما يصلحُهُ العالمُ الفاجرُ بأكثرَ ممَّا يفسدُهُ .
فإنْ علِمَ مِنْ باطنِهِ أنَّهُ لا يطلبُ العلْمَ إلا للدنيا.. نظرَ إلى العلْمِ الذي طلبُهُ، فإنْ كانَ هوَ علمَ الخلافِ في الفقهِ، والجدلِ في الكلامِ، والفتاوى في الخصوماتِ والأحكامِ.. فيمنعُهُ مِنْ ذلكَ؛ فإنَّ هذهِ العلومَ ليستْ مِنْ علومِ الآخرةِ ولا مِنَ العلومِ التي قيلَ فيها: تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ، فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ، وإنَّما ذلكَ علْمُ التفسيرِ وعلمُ الحديثِ، وما كانَ الأولونَ يشتغلونَ بهِ مِنْ علْمِ الآخرةِ، ومعرفةِ أخلاقِ النفسِ وكيفيةِ تهذيبِها، فإذا تعلَّمَهُ الطالبُ وقصدُهُ الدنيا.. فلا بأسَ أنْ يتركَهُ؛ فإنَّهُ يتشمَّرُ لهُ طمعاً في الوعْظِ والاستتباعِ، ولكنْ قد يتنبَّهُ في أثناءِ الأمرِ أوْ آخرِه؛ إذْ فيهِ العلومُ المخوِّفَةُ مِنَ اللهِ تعالى المحقِّرَةُ للدنيا المعظَّمَةُ للآخرةِ، وذلكَ يوشِكُ أنْ يردَّ إلى الصوابِ في الآخرةِ حتَّىٰ يتعظَ بما يعظُ بهِ غيرَهُ، ويجري حُبُّ القبولِ والجاهِ مَجرى الحَبِّ الذي يُنثرُ حواليِ الفخَّ ليُقتنصَ بهِ الطيرُ، وقدْ فعلَ اللهُ ذلكَ بعبادِهِ، إذْ خلقَ الشهوةَ ليصلَ الخلقُ بها إلى بقاءِ النسلِ، وخلقَ أيضاً حُبَّ الجاهِ ليكونَ سبباً لإحياءِ العلومِ، وهذا متوقَّعُ في هذهِ العلومِ .
فأمَّا الخلافُ المحضُ ومجادلةُ الكلامِ ومعرفةُ التفريعاتِ الغريبةِ.. فلا يزيدُ التجرُدُ لها معَ الإعراضِ عنْ غيرِها إلا قسوةً في القلبِ، وغفلةً عنِ اللهِ تعالىٰ، وتمادياً في الضلالِ، وطلباً للجاهِ، إلا مَنْ تداركَهُ اللهُ تعالىٰ برحمتِهِ، أوْ مزجَ بهِ غيرَهُ منَ العلومِ الدينيةِ، ولا برهان علىٰ هذا كالتجربةِ والمشاهدةِ.
فانظرْ واعتبرْ، واستبصرْ لتشاهدَ تحقيقَ ذلكَ في العبادِ والبلادِ، واللهُ المستعانُ.
وقدْ رُئِيَ سفيانُ الثوريُّ -رحمهُ الله- حزيناً، فقيلَ لهُ: ما لكَ؟ فقالَ: صرْنا مَتْجراً لأبناءِ الدنيا، يلزَمُنا أحدُهُمْ، حتَّىٰ إذا تعلَّمَ.. جُعِلَ عاملاً أو قاضياً أوْ قَهْرَماناً".
يقول: من وظيفة المُعلم؛ يحسن "نصْحِ المتعلَّمِ يمنعَهُ مِنَ التصدِّي لرتبة قبلَ استحقاقِها، والتشاغلِ بعلْمٍ خفيِّ قبلَ الفراغِ مِنَ الجليِّ، ثمَّ ينبهَهُ علىٰ أنَّ الغرضَ بطلبِ العلومِ القربُ مِنَ اللهِ تعالىٰ دونَ الرئاسةِ والمباهاةِ والمنافسةِ"، قال: ويقبح هذا في نفسه.
قال: فإذا علم أنه ما جاء يتعلم عنده إلا من شأن هو أيضاً يحصل له شيء من المتاع والجاه وما إلى ذلك، قال: ينظر؛ إن كان يُرجى له أن يتذكر وأن يصلح نيته، خصوصاً إذا كان العلم الذي تعلمه مما يحث على تعظيم الله والدار الآخرة وقصد وجه الله الكريم، ويحذر من الرياء والعجب، فلا بأس يتركه عسى أن يتذكر ويتنبه ولو بآخر الأمر، أما إن كان مجرد علوم تستعمل فقط لأغراض دنيوية، كعلوم الخصومات والفصل بين الناس في مجادلاتهم والأقضية بينهم وشيء من ذلك، قال: فلا ينبغي أن يمكنه منه؛ لأن هذا ما بيفيده التذكر، وهو قد علم بالعلامات الواضحة أنه يريد به مجرد الدنيا.
أما إذا كان يرجو له أن يتنبه... قال: "فأمَّا الخلافُ المحضُ ومجادلةُ الكلامِ ومعرفةُ التفريعاتِ الغريبةِ.. فلا يزيدُ التجرُدُ لها معَ الإعراضِ عنْ غيرِها إلا قسوةً في القلبِ، وغفلةً عنِ اللهِ تعالىٰ، وتمادياً في الضلالِ، وطلباً للجاهِ، إلا مَنْ تداركَهُ اللهُ تعالىٰ برحمتِهِ، أوْ مزجَ بهِ غيرَهُ منَ العلومِ الدينيةِ" فيرجع؛ قال: لأن هذه العلوم ليست التي قيل فيها: "تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ، فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ"، ولكن العلوم المُذَكِّرة بحقارة الدنيا وفنائها وبعظمة الآخرة وبقائها، بعظمة الله المقصود لقاؤه جل جلاله وهو راضٍ عنها.
وقال سيدنا سفيان الثوري في الرواية هذه، يتحسر يقول: الذين تعلموا عندنا ودرسوا، راحوا بعدين: هذا عامل للحاكم الفلاني، وهذا قاضي عند العامل الفلاني، وهذا قهرمان -يعني: من الخزنة حقه- قائم على خزنته، قالوا: "صرْنا مَتْجراً لأبناءِ الدنيا" ويأخذون منا العلم النافع بعدها ما ندرى بهم، إلا وهم موظفين عند أهل الدنيا وكأن نحن قاعدين خدامين.
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
15 رَجب 1447