آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 4 | وظائف المتعلم (10) أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد

للاستماع إلى الدرس

الدرس الرابع في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء السبت 14 رجب 1447هـ

الوظيفة العاشرة: أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

البَابُ الخَامِسُ

في آداب المتعلّم والمعلّم

"الوظيفةُ العاشرةُ: أنْ يعلمَ نسبةَ العلومِ إلى المقصدِ:

كيما يؤْثرَ الرفيعَ القريبَ على البعيدِ، والمهمَّ علىٰ غيرِهِ، ومعنى المهمِّ: ما يهمُّكَ، ولا يهمُّكَ إلا شأنُكَ في الدنيا والآخرةِ، وإذا لم يمكنِ الجمعُ بينَ ملاذِ الدنيا ونعيمِ الآخرةِ كما نطقَ بهِ القرآنُ وشهدَ لهُ مِنْ نورِ البصائرِ ما يجري مَجرى العيانِ.. فالأهمُّ ما يبقىٰ أبدَ الآبادِ؛ وعندَ ذلكَ تصيرُ الدنيا منزلًا، والبدنُ مركبًا، والأعمالُ سعيًا إلى المقصدِ، ولا مقصدَ إلا لقاءُ اللهِ عزَّ وجلَّ، ففيهِ النعيمُ كلُّهُ، وإنْ كانَ لا يَعرفُ في هٰذا العالَمِ قدرَهُ إلا الأقلُّونَ.

والعلومُ بالإضافةِ إلى سعادةِ لقاءِ اللّهِ تعالى والنظرِ إلى وجههِ الكريمِ -أعني النظرَ الذي طلبَهُ الأنبياءُ وفهموهُ، دونَ ما يسبقُ إلىٰ فهْمِ العوامِّ والمتكلمينَ- علىٰ ثلاثِ مراتبَ، تفهمُها بالموازنةِ بمثالٍ:

وهوَ أنَّ العبدَ الذي عُلِّقَ عتقُهُ وتمكينُهُ منَ المُلْكِ بالحجَّ، وقيلَ له: إنْ حججْتَ وأتممتَ.. وصلتَ إلى العتْقِ والمُلْكِ جميعًا، وإنِ ابتدأتَ بطريقِ الحجِّ والاستعدادِ لهُ وعاقكَ في الطريقِ مانعٌ ضروريٌّ.. فلكَ العتْقُ والخلاصُ منْ شقاءِ الرقِّ فقطْ دونَ سعادةِ المُلْكِ.. فلهُ ثلاثةُ أصنافٍ مِنَ الشغلِ:

الأوّلُ: تهيئةُ الأسبابِ بشراءِ الناقةِ وخرْزِ الراويةِ وإعدادِ الزادِ والراحلةِ.

والثاني: السلوكُ ومفارقةُ الوطنِ بالتوجُّهِ إلى الكعبةِ منزلًا بعدَ منزلِ.

والثالثُ: الاشتغالُ بأعمالِ الحجِّ ركنًا بعدَ ركن.

ثمَّ بعدَ الفراغِ والنزوعِ عنْ هيئةِ الإحرامِ وطوافِ الوداعِ.. استحَقَّ التعرُضَ للمُلْكِ والسلطنةِ، ولهُ في كلِّ مقامٍ منازلُ، مِنْ أوَّلِ إعدادِ الأسبابِ إلىٰ آخرِهِ، ومِنْ أوَّلِ سلوكِ البوادي إلىٰ آخرِهِ، ومِنْ أوَّلِ أركانِ الحجِّ إلى آخرِهِ، وليسَ قرْبُ مَنِ ابتدأَ بأركانِ الحجِّ مِنَ السعادةِ كقرْبِ مَنْ هوَ بعدُ في إعدادِ الزادِ والراحلةِ، ولا كقربِ مَنِ ابتدأ بالسلوكِ، بلْ هوَ أقربُ منهُ.

 

فالعلومُ أيضًا ثلاثةُ أقسامٍ:

قسمٌ يجري مَجرىٰ إعدادِ الزادِ والراحلةِ وشراءِ الناقةِ: وهوَ علْمُ الطبِّ والفقهِ وما يتعلَّقُ بمصالحِ البدنِ في الدنيا.

وقسمٌ يجري مَجرىٰ سلوكِ البوادي وقطعِ العقباتِ: وهوَ تطهيرُ الباطنِ عنْ كدوراتِ الصفاتِ، وطلوعُ تلكَ العقباتِ الشامخةِ التي عجَزَ عنها الأوَّلونَ والآخرونَ إلا الموفقينَ، فهذا سلوكُ الطريقِ، وتحصيلُ علمِهِ كتحصيلِ علْمِ جهاتِ الطريقِ ومنازلِهِ، وكما لا يغني علْمُ المنازلِ وطرقِ البوادي دونَ سلوكِها.. كذلكَ لا يغني علمُ تهذيبِ الأخلاقِ دونَ مباشرةِ التهذيبِ، ولكنَّ المباشرةَ دونَ العلمِ غيرُ ممكنٍ.

وقسمٌ ثالثٌ يجري مَجرىٰ نفْسِ الحجِّ وأركانِهِ: وهوَ العلمُ باللهِ تعالى وصفاتِهِ وملائكتِهِ وأفعالهِ وجميعِ ما ذكرناهُ في تراجمِ علمِ المكاشفةِ.

وهٰهنا نجاةٌ وفوزٌ بالسعادةِ، والنجاةُ حاصلةٌ لكلِّ سالكٍ للطريقِ إذا كانَ غرضُهُ المقصدَ الحقَّ وهوَ السلامةُ.

وأمَّا الفوزُ بالسعادةِ.. فلا ينالُهُ إلا العارفونَ باللهِ تعالى، فهمُ المقربونَ المنعَمونَ في جوارِ اللهِ بالرَّوْحِ والريحانِ وجنَّةِ النعيمِ.

وأمَّا الممنوعونَ دونَ ذِروةِ الكمالِ.. فلهُمُ النجاةُ والسلامةُ؛ كما قالَ الله تعالىٰ: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) [الواقعة:88-91].

وكلُّ مَنْ لمْ يتوجَّهْ إلى المقصدِ، ولمْ ينتهضْ لهُ، أوِ انتهضَ إلى جهتِهِ لا علىٰ قصدِ الامتثالِ والعبوديةِ، بلْ لغرضٍ عاجلٍ.. فهوَ منْ أصحابِ الشمالِ ومنَ الضالينَ، فلهُ نُزُلٌ منْ حَميمٍ وتصليةُ جحيمٍ.

واعلمْ: أنَّ هٰذا هوَ حقُّ اليقينِ عندَ العلماءِ الراسخينَ؛ أعني أنهمْ أدركوهُ بمشاهدةٍ منَ الباطنِ هيَ أقوىٰ وأجلىٰ منْ مشاهدةِ الأبصارِ، وترقَّوا فيهِ عنْ حدِّ التقليدِ بمجرَدِ السماعِ، وحالُهُمْ حالُ منْ أُخبرَ فصدَّقَ، ثمَّ شاهدَ فتحقَّقَ، وحالُ غيرِهِمْ حالُ مَنْ قَبِلَ بحسْنِ التصديقِ والإيمانِ، ولمْ يحظَ بالمشاهدةِ والعِيان".

 

يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في: "الوظيفةُ العاشرةُ -لطالب العِلم-: أنْ يعلمَ نسبةَ العلومِ إلى المقصدِ" الذي يقصده، وما مقصده من طلب العلوم؟ حتى "يؤْثرَ الرفيعَ القريبَ على البعيدِ، والمهمَّ علىٰ غيرِ المهم". والمهم هو ما يهمه، والذي يهمه شأنه "في الدنيا والآخرة". وإذا علمنا أنه لا يمكن الانطلاق في الملاذِّ الحسيَّة في الدنيا -بما فيها من المعاصي والذنوب والآثام- والجمعُ بينَ هذا وبين نعيمِ الآخرةِ ودرجاتها العُلا، فإذًا "فالأهمُّ ما يبقىٰ أبدَ الآبادِ".

وإذا كان الأهم هو ما يبقى على الأبد والدَّوام؛ فـ "تصيرُ الدنيا منزلًا، والبدنُ مركبًا، والأعمالُ سعيًا إلى المقصدِ". والمقصد: "لقاءُ اللهِ" -تعالى-، والوصول إليه وهو راضٍ -جل جلاله وتعالى في عُلاه-. قال: "ففيهِ النعيمُ كلُّهُ"؛ أن تلقاه وهو راضٍ عنك -جل جلاله-. فتحبُّ لقاءه ويحبُّ بجاهِهِ وعظمته وجلاله لقاءك، فيا ما أهناك بما يؤتيك مولاك. 

والذي يؤتيك مولاك أبَى أن يدخل تحت إدراك أهل المدارك:

  • (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: 17].
  • وفيها "ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشِرٍ"، كما جاء عنه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.

يقول: "والعلومُ بالإضافةِ إلى سعادةِ لقاءِ اللّهِ تعالى والنظرِ إلى وجههِ الكريمِ" وحيازة المراتب في تلك الدرجات والمواهب؛ قال: "الذي طلبَهُ الأنبياءُ وفهموهُ"؛ النظر إلى وجه الله الكريم ليس شيء من التشبيه -تعالى الله تبارك وتعالى- ولا من التجسيم -تعالى الله تبارك وتعالى- ولا القول بجهة ولا غير ذلك، فإن النظر إلى وجهه الكريم حسب ما فهمه الأنبياء وعبَّر عنه ﷺ بقوله: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ"، وكل ذلك بعيد عن الرؤية البصرية الحسية لجميع الأجسام ولجميع الكائنات، هذا "دونَ ما يسبقُ إلىٰ فهْمِ العوامِّ والمتكلمينَ"

قال: وهذا "علىٰ ثلاثِ مراتبَ". وأضرب لك مثال: مثال إنسان مملوك وقال له سيده: "إنْ حججْتَ وأتممتَ" الحج سأعتقك وأعطيك المُلك، أجعلك مَلِك؛ وصلتَ إلى العتْقِ والمُلْكِ جميعًا، "وإنِ ابتدأتَ بطريقِ الحجِّ" واستعددت لهُ  وبعدين ما وصلت إلى تمام الحج؛ العتْقُ أعطيك إيَّاه والخلاص من الرّق؛ لكن مُلك مافي، ما نردَّك ملِك، إنما أعتقك وأخلصك من ربقة الرِّق. فإذًا له -في تحقيق الحج وتمامه- ثلاثةُ أشغالِ:

  • الشغل "الأوّلُ: تهيئةُ الأسبابِ" مثل:
    • "بشراءِ الناقةِ"؛ الآن -في مُقابل هذا- قص التذكرة.
    • "وخرْزِ الراويةِ" -التي كانوا يحملون فيها الماء-، والآن ماعاد إلا إخراج التأشيرة وهذه الوسائل.
    • "وإعدادِ الزادِ"؛ وجود المبلغ الذي يخرِّج به التأشيرة والذي يقطع به التذكرة التي بيروح  فيها.
    • "وإعدادِ ..الراحلةِ" سواء بيروح بالبر ولّا بالجو.. وما إلى ذلك.

هذه تهيئة الأسباب.. أول مرحلة.

  • له مرحلة ثانية: بسم الله يبدأ ينطلق يسافر، قام بهذه الأسباب وجاء الموعد وروَّح للمطار ولَّا ركب في الباص أو سيَّارته. بسم الله ينطلق في الطريق من أجل الحج، "السلوكُ ومفارقةُ الوطنِ بالتوجُّهِ إلى الكعبةِ منزلًا بعدَ منزلِ".
  • الثالث: البداية في أعمال الحج؛ إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة.. إلى آخر الحج.

"بعدَ الفراغِ والنزوعِ عنْ هيئةِ الإحرامِ وطوافِ الوداعِ.. استحَقَّ التعرُضَ للمُلْكِ والسلطنةِ" بعد العِتق؛ وخلاص فاز. "ولهُ في كلِّ مقامٍ منازلُ

  • مِنْ أوَّلِ إعدادِ الأسبابِ إلىٰ آخرِهِ، -للقرب من الفوز والسعادة-. 
  • ومِنْ أوَّلِ سلوكِ البوادي إلىٰ آخرِهِ
  • ومِنْ أوَّلِ أركانِ الحجِّ إلى آخرِهِ.

فـ "ليسَ قرْبُ مَنِ ابتدأَ بأركانِ الحجِّ كقرْبِ.. -مثل قُرب من- هوَ في إعدادِ الزادِ والراحلةِ" عاده "ولا كقربِ مَنِ ابتدأ بالسلوكِ" ركب في الباص أو في الطائرة، وبدأ في أعمال الحج، فذاك أقرب.. فهم درجات! 

فكذلك العلوم بالنسبة لتحقيق مقصد لقاء الله والوصول إليه والنظر إلى وجهه الكريم. قال: 

  • منها "قسمٌ -من هذه العلوم- يجري مَجرىٰ إعدادِ الزادِ والراحلةِ وشراءِ الناقةِ":

وقص التذكرة وتوفير الفلوس وإخراج التأشيرة.. وهذا إعداد للزاد-: "وهوَ علْمُ الطبِّ والفقهِ وما يتعلَّقُ بمصالحِ البدنِ في الدنيا." تَعلُّم الأحكام الفقهيَّة وتَعلُّم من علم الطب وهذه العلوم مثل إعداد الزاد، مثل ايش؟! مثل إخراج التأشيرة وقص التذكرة.. وما إلى ذلك.

  • لكن قسم من العلوم "يجري مَجرىٰ سلوكِ البوادي وقطعِ العقباتِ..":

قال: هذا علم التزكية "وهوَ تطهيرُ الباطنِ عنْ كدوراتِ الصفاتِ" الآن بداية في المشي في الطريق يروح بالحج. "وطلوعُ تلكَ العقباتِ الشامخةِ التي عجَزَ عنها الأوَّلونَ والآخرونَ إلا الموفقينَ". يا رب وفِّقنا، يا من وفَّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفِّقنا للخير وأعنَّا عليه. قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور:21]؛ فنسأله يوفَّقنا. قال: هذا العلم الثاني: "تطهيرُ الباطنِ عنْ كدوراتِ الصفاتِ.. وتحصيلُ علمِهِ كتحصيلِ علْمِ جهاتِ الطريقِ ومنازلِهِ، وكما لا يغني علْمُ المنازلِ وطرقِ البوادي دونَ سلوكِها -لا بد من التطبيق-.. كذلكَ لا يغني علمُ تهذيبِ الأخلاقِ دونَ مباشرةِ التهذيبِ". يعني: يعلم الرياء مصيبة، وهو: قصد غير وجه الله ودواؤه كذا…، تمام، تداويت؟! تخطِّيت؟! ولَّا عاده عندك! ما المقصود عِلْمه؛ المقصود التَّخلص الفعلي منه. وهكذا؛ يشرح الكبر، ومعناه: من اعتقد أنه خير من غيره فهو متكبر، والكِبر يكون بأسباب كذا، وعلاجه بكذا...،  فهمت! ما هو ذا المقصود فقط الفهم! المقصود تخلَّص من الكبر، خلِّيه؛ ما عاد يبقى عندك ذرة من هذا الكبر. 

وهكذا.. "لا يغني علمُ تهذيبِ الأخلاقِ دونَ مباشرةِ التهذيبِ، ولكنَّ المباشرةَ دونَ العلمِ غيرُ ممكنٍ"، ما يمكن تباشر التهذيب من دون عِلم! لابد تَعلَم ثم تُباشر، هذا قسم ثاني.

  • وقسمٌ ثالثٌ -من العلوم- يجري مَجرى.. -بداية في- الحجِّ وأركانِهِ:

قد وصل، وعاده في الحرم الآن، ووصل للميقات وبيدخل إلى الحرم. "وهوَ العلمُ باللهِ تعالى وصفاتِهِ وملائكتِهِ وأفعالهِ وجميعِ ما ذكرناهُ في تراجمِ علمِ المكاشفةِ. وهٰهنا نجاةٌ وفوزٌ بالسعادةِ، والنجاةُ حاصلةٌ لكلِّ سالكٍ للطريقِ إذا كانَ غرضُهُ المقصدَ الحقَّ وهوَ السلامةُ. وأمَّا الفوزُ بالسعادةِ.. فلا ينالُهُ إلا العارفونَ باللهِ تعالى، فهمُ المقربونَ المنعَمونَ"؛ فالنجاة يحصِّلها كل من آمن ومات على الإيمان، لا يُخَلّد في النار؛ فإما لا يدخلها أصلًا وإما يدخل ويخرج، فيحصل النجاة. لكن الدرجات العُلى في الجنة ما هي لكل أحد ولا لكل مؤمن، وفي الخبر: "أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ، وَأَعْلَى عِلِّيِّينَ لأُولِي الأَلْبَابِ".

الحق يقول: "(فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) [الواقعة:88-91]." يحصل السلامة والنجاة من النار؛ لكن الدرجات الخاصة اللي فوق ما يحصِّلها. ولذا ذكر الشراب، شراب الأبرار أنه يحصُل له مِزاج، شوي يخلط من شراب اللي فوق. 

كيف؟!

يقول سبحانه وتعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ) أين التسنيم ذا؟ 

قال (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين: 22-28].

الشراب حق أهل فوق، يجيبوا لهم شوي يحطونه في حقهم يشربوا مثل الشراب ذاك؛ مزاجه من تسنيم؛ أما ذاك يشرب من التسنيم مباشرة؛ وهذا مزاجه من تسنيم. (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)، فرق بين المقربين والأبرار.. إذًا درجات! فإما نجاة وإما فوز، الله يكرمنا بالنجاة والفوز الأعلى. 

قال -عليه الرضوان-: "وأمَّا الفوزُ بالسعادةِ.. فلا ينالُهُ إلا العارفونَ باللهِ تعالى"، قال: "فهمُ المقربون المنعَمونَ "، "وأمَّا الممنوعونَ دونَ ذِروةِ الكمالِ.. فلهُمُ النجاةُ والسلامةُ؛ كما قالَ الله تعالىٰ: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) [الواقعة:88-91]."

وقال في الآية الأخرى: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا) [الإنسان: 17-18].

وقال: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا)

وين ذا الكافور؟ 

قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الإنسان: 5-6].

اللي فوق يشرب منها مُباشرة، وهذا مِزاجه.

يقول: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) يقول لها ادخلي هنا، اخرجي هنا، لا أنتِ تحت السرير ده، تعالي لهنا، تمشي معه العين كما أراد، هذا من التسنيم والكافور.

لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. 

"مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ". هناك.. شيء فوق الوصف والخيال!

الله يقرِّبنا من جنته ويجعلنا من أهل جنته، ويرزقنا الدرجات العلا من الجنة، آمين يا رب العالمين.

قال: "وكلُّ مَنْ لمْ يتوجَّهْ إلى المقصدِ، ولمْ ينتهضْ لهُ، أوِ انتهضَ إلى جهتِهِ لا علىٰ قصدِ الامتثالِ والعبوديةِ، بلْ لغرضٍ عاجلٍ.. فهوَ منْ أصحابِ الشمالِ -لا نجاة ولا فوز- منْ أصحابِ الشمالِ ومنَ الضالينَ"، (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [الواقعة: 92-94]؛ والعياذ بالله -تبارك وتعالى-.

قال: "واعلمْ: أنَّ هٰذا -أي: الأمر الكائن والحقيقة التي نتحدث عنها- هوَ حقُّ اليقينِ عندَ العلماءِ الراسخينَ". يعني: ما هو مجرد ظن، ولا مجرد جزم بالاعتقاد، ولا مجرد عين يقين،؛ بل هو عندهم حق يقين. 

ما معنى حق يقين؟ 

قال: "أعني أنهمْ أدركوهُ بمشاهدةٍ منَ الباطنِ هيَ أقوىٰ وأجلىٰ منْ مشاهدةِ الأبصارِ -الأشياء الحسيّة-، وترقَّوا فيهِ عنْ حدِّ التقليدِ" ما عاد هو؛ الشيء اللي تشوفه قدامك ما تقلد أحد فيه!

هذه ورقة فيها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، مكتوب فيها هنا معهد الرحمة، فيها أسماء قدامي اللي أنا أشوفها، أنا مانا محتاج أقلّد حد فيها. يقول لك: من قال لك إن هذا ورقة؟ من قال لي!

من قال لك إن فيها "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ ايش دليلك؟ 

عيني تشوفها! أنا الآن فيها في مرتبة حق اليقين، ما أحتاج فيها، تجاوزت عين اليقين إلى حق اليقين، قرأتها وشوفتها وشوفت ما فيها.

قال وهذا الكلام الذي يتحدث عنه من هذه الدرجات "هوَ حقُّ اليقينِ عندَ العلماءِ الراسخينَ"، هو حق اليقين، قال: "أدركوهُ بمشاهدةٍ منَ الباطنِ هيَ أقوىٰ وأجلىٰ منْ مشاهدةِ الأبصارِ، وترقَّوا فيهِ عنْ حدِّ التقليدِ". أحد يقلّد أحد في شيء يشاهده؟! قال الله لما الكفار يكذبون بسيدنا رسول الله  (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ) [النجم: 12]. شيء يشاهده وتمارونه عليه!(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ) ﷺ!

أمر مُشاهد مكشوف له في حق اليقين، وقاعدين تجادلونه على إيش؟! إذا قال لكم إني أُسري بي، ولا إني عرجت ، أو إني ..؛ تصلّحون مُماراة عليه، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهو سيد أهل حق اليقين صلوات ربي وسلامه عليه.

قال: "وترقَّوا فيهِ عنْ حدِّ التقليدِ بمجرَدِ السماعِ، وحالُهُمْ حالُ منْ أُخبرَ فصدَّقَ، ثمَّ شاهدَ فتحقَّقَ، وحالُ غيرِهِمْ حالُ مَنْ قَبِلَ بحسْنِ التصديقِ والإيمانِ، ولمْ يحظَ بالمشاهدةِ والعِيانِ".

 

"فالسعادةُ وراءَ علْمِ المكاشفةِ، وعلْمُ المكاشفةِ وراءَ علمِ المعاملةِ التي هيَ سلوكُ طريقِ الآخرةِ، وقطعُ عقباتِ الصفاتِ، وسلوكُ طريقِ محوِ الصفاتِ المذمومةِ وراءَ علَمِ الصفاتِ، وعلَمِ طريقِ المعالجةِ وكيفيةِ السلوكِ، وذلكَ وراءَ علْمِ سلامةِ البدنِ ومساعدةِ أسبابِ الصحةِ، وسلامةُ البدنِ بالاجتماعِ والتظاهرِ والتعاونِ الذي يُتوصَّلُ بهِ إلى الملبسِ والمطعمِ والمسكنِ، وهوَ منوطٌ بالسلطانِ وقانونهِ في ضبْطِ الناسِ علىٰ نهْجِ العدلِ والسياسةِ في ناصيةِ الفقيهِ.

وأمَّا أسبابُ الصحةِ.. ففي ناصيةِ الطبيبِ، ومَنْ قالَ: العلمُ علمانِ: علمُ الأبدانِ، وعلمُ الأديانِ؛ وأشارَ بهِ إلى الفقهِ.. أرادَ بهِ العلومَ الظاهرة الشائعةَ، لا العلومَ العزيزةَ الباطنةَ.

فإنْ قلتَ: لِمَ شبهتَ علمَ الفقهِ والطبِّ بإعدادِ الزادِ والراحلةِ؟

فاعلمْ: أنَّ الساعيَ إلى اللهِ تعالىٰ لينالَ قربَهُ هوَ القلبُ دونَ البدنِ، ولستُ أعني بالقلبِ اللحْمَ المحسوسَ، بلْ هوَ سرٌّ مِنْ أسرارِ اللهِ عزَّ وجلَّ لا يدركُهُ الحسُّ، ولطيفةً منْ لطائِفِهِ تارةً يُعبَّرُ عنهُ بالروحِ، وتارةً بالنفسِ المطمئنةِ، والشرعُ يعبِّرُ عنهُ بالقلبِ؛ لأنَّهُ المطيةُ الأولى لذلكَ السرِّ، وبواسطتِهِ صارَ جميعُ البدنِ مطيةٌ وآلةٌ لتلكَ اللطيفةِ .

وكشفُ الغطاءِ عَنْ ذلكَ السرِّ مِنْ علْمِ المكاشفةِ، وهوَ مضنونٌ بهِ، بلْ لا رخصةَ في ذكرِهِ، وغايةُ المأذونِ فيهِ أنْ يقالَ: هوَ جوهرٌ نفيسٌ ودرٌّ عزيزٌ أشرفُ مِنْ هٰذهِ الأجرامِ المرئيةِ، وإنّما هوَ أمْرٌ إلٰهيٌّ؛ كما قالَ تعالىٰ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85].

وكلُّ المخلوقاتِ منسوبةٌ إلى اللهِ تعالىٰ، ولكنَّ نسبتَهُ أشرفُ مِنْ نسبةِ سائرِ أعضاءِ البدنِ، فللهِ الخلْقُ والأمرُ جميعًا، والأمرُ أعلىْ مِنَ الخلْقِ، وهذهِ الجوهرةُ النفيسةُ الحاملةُ لأمانةِ اللهِ تعالى المتقدمةُ بهٰذهِ الرتبةِ على السماواتِ والأرضينَ والجبالِ إذْ أبَيْنَ أنْ يحملْنَها وأشفقْنَ منها.. هيَ مِنْ عالَمِ الأمرِ .

ولا تفهمْ مِنْ هٰذا تعريضًا بقِدّمِهِ، فالقائلُ بقِدَمِ الأرواحِ مغرورٌ جاهلٌ لا يدري ما يقولُ.

فلنقبضْ عِنانَ البيانِ عنْ هذا الفنِّ، فهوَ وراءَ ما نحنُ بصددِهِ .

والمقصودُ: أنَّ هذهِ اللطيفةَ هيَ الساعيةُ إلى قرْبِ الربِّ؛ لأنَّها مِنْ أمْرِ الربِّ، فمنهُ مصدرُها، وإليهِ مرجعُها، وأمَّا البدنُ.. فمطيَّتُها التي تركبُها وتسعىٰ بواسطتِها، فالبدنُ لها في طريقِ اللهِ تعالى كالناقةِ للبدنِ في طريقِ الحجِّ، وكالراويةِ الحاويةِ للماءِ الذي يفتقرُ إليهِ البدنُ".

 

هكذا يقول -عليه رضوان الله تعالى-: نيل السعادة وهي القرب الخاص من الله والارتقاء في مرتبة النظر إلى وجه الله الكريم، والمعرفة الخاصة هذه وراء علم المكاشفة. "وعلْمُ المكاشفةِ وراءَ علمِ المعاملةِ التي هيَ سلوكُ طريقِ الآخرةِ، وقطعُ عقباتِ الصفاتِ، وسلوكُ طريقِ محوِ الصفاتِ المذمومةِ وراءَ علَمِ الصفاتِ، وعلَمِ طريقِ المعالجةِ وكيفيةِ السلوكِ، وذلكَ -علم الصفات وعلم طريق المعالجة- وراءَ علْمِ سلامةِ البدنِ ومساعدةِ أسبابِ الصحةِ".

قال: سلامة البدن رتَّب الله لها وجود ولاة أمور وحكَّام مُوكل إليهم هذه الأمور يقومون بها، "وهوَ منوطٌ بالسلطانِ وقانونهِ في ضبْطِ الناسِ علىٰ نهْجِ العدلِ والسياسةِ في ناصيةِ الفقيهِ"، وعليه أن يُبين للسلطان ليسوس الناس بحكم الشرع المصون وبمنهج الله -تبارك وتعالى-. 

"وأمَّا أسبابُ الصحةِ.. ففي ناصيةِ الطبيبِ، ومَنْ قالَ: العلمُ علمانِ: علمُ الأبدانِ، وعلمُ الأديانِ؛ وأشارَ بهِ إلى الفقهِ.. أرادَ بهِ العلومَ الظاهرة الشائعةَ، لا العلومَ العزيزةَ الباطنةَ".

إذًا؛

فقلنا أن الفقه مثل الراحلة ومثل الزاد، لأنه سبب من الأسباب التي تتقوّم بها الأبدان، وتحفظ بها أيضًا من الاعتداء على الغير، وأحكام الجراحات والقصاص وكل ما هو مُتعلّق بها، وكذلك إقامة الأعمال الظاهرة منوط بالفقه.

يقول: "فإنْ قلتَ: لِمَ شبهتَ علمَ الفقهِ والطبِّ بإعدادِ الزادِ والراحلةِ؟" فاعلمْ: أنَّ الساعيَ إلى اللهِ تعالىٰ لينالَ قربَهُ" ليس بدن الإنسان، ولكن السر المودوع فيه و"هوَ القلبُ". القلب الذي يتصل بالروح، والروح متصلة بنفس ذلك السر. هذا هو الأمر المعنوي للإنسان.

قال: "ولستُ أعني بالقلبِ اللحْمَ المحسوسَ" هذا؛ قطعة صنوبرية الشكل بين الرئتين؛ ما هو هذا؟ هذا موجود عند الحيوانات كلها وعند الكافر وعند المؤمن، ما هو هذا؟  أقصد بالقلب هذه اللطيفة الإلهية، "سرٌّ مِنْ أسرارِ اللهِ عزَّ وجلَّ لا يدركُهُ الحسُّ، ولطيفةً منْ لطائِفِهِ تارةً يُعبَّرُ عنهُ بالروحِ، وتارةً بالنفسِ المطمئنةِ، -قال:- والشرعُ يعبِّرُ عنهُ بالقلبِ"

".. أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ".

"إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ"، يقول ﷺ.

لأن القلب هو "المطيةُ الأولى لذلكَ السرِّ":

  • أوله قلب.
  • ووسطه روح.
  • وآخره السر.

وهو كله مجموع لطيفة إلهية ربانية أعطانا الله إيَّاها؛ أولها القلب، ووسطها الروح، ونهايتها السر.

  • فمحل المعرفة: القلب.
  • ومحل المحبة: الروح؛ الأذواق والوجدان.
  • ومحل المشاهدة: السر. 

وكلها لطيفة. 

  • وقد يُقال: القلب، ويراد به الثلاثة. 
  • وقد يُقال: الروح، ويُراد بها الثلاثة. 
  • وقد يُقال: السر، ويُراد به هذه الثلاثة. 

ويقال: أن باطن الإنسان غير جسده عبارة عن قلب وروح وسر. وهو لطيفة إلهية ربانية عبَّر عنها الحق بقوله: 

  • (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر: 29]. 
  • ولمّا سألوا عن الروح قال: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: 85]، أمر رباني فوق المدارك الحسية، وأعظم من أن يُبتذل بالتَّعبير عنه بالكلمات.

قال: "وكشفُ الغطاءِ عَنْ ذلكَ السرِّ مِنْ علْمِ المكاشفةِ، وهوَ مضنونٌ بهِ، بلْ لا رخصةَ في ذكرِهِ، وغايةُ المأذونِ فيهِ أنْ يقالَ: هوَ جوهرٌ نفيسٌ ودرٌّ عزيزٌ أشرفُ مِنْ هٰذهِ الأجرامِ المرئيةِ".

نَعَمْ عَالَمُ الأَرْوَاحِ خَيْرٌ مِنَ الجِسْمِ *** وَأَعْلَى وَلَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي علْمِ 

فَمَا لَكَ فِي أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ جَاهِدًا *** بِخِدْمَةِ هَذَا الجِسْمِ وَالهَيْكَل الرَّسْمِي 

ظَلَمْتَ وَمَا إِلَّا لِنَفْسِكَ يَا فَتَى *** ظَلَمْتَ وَظُلُمُ النَّفْسِ مِنْ أَقْبَحِ الظُّلْمِ 

تَنَبَّهْ هَدَاكَ اللهُ مِنْ نَوْم غَفْلَةٍ وَلَهْوٍ *** وَلَا تَعْمَلْ عَلَى الشَّكِّ وَالوَهْمِ

وَسِرْ فِي طَرِيقِ اللهِ بِالجِدِّ وَاسْتَقِمْ *** ……….

قال: "وغايةُ المأذونِ فيهِ أنْ يقالَ: هوَ جوهرٌ نفيسٌ ودرٌّ عزيزٌ أشرفُ مِنْ هٰذهِ الأجرامِ المرئيةِ، وإنّما هوَ أمْرٌ إلٰهيٌّ؛ كما قالَ تعالىٰ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]". 

"وكلُّ المخلوقاتِ منسوبةٌ إلى اللهِ تعالىٰ"؛ لكن هذا نسبة تشريف، مثل الأرض كلها أرض الله؛ ولكن يُقال هذا بيت الله إضافة تشريفية؛ لأن له مزيَّة عند الله -تبارك وتعالى-. 

وكذلك يقول: "(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)". كل الأمر أمر ربي؛ لكن هذه إضافة تشريفية؛ (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحِجر:29]، أضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم.

"لكنَّ نسبتَهُ أشرفُ مِنْ نسبةِ سائرِ أعضاءِ البدنِ، فللهِ الخلْقُ والأمرُ"، كما قال في القرآن: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، وقال الإمام البخاري في  صحيحه: بيّن بين الأمر والخلق؛ الخلق أمر.

  • وكل ما يدخل تحت الجسمية والحسية: هذا من عالم الخلق. 
  • وما خرج عن هذه الأشياء: من عالم الأمر.

"(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85]"، وقال (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54]. 

قال: "والأمرُ أعلىْ مِنَ الخلْقِ، وهذهِ الجوهرةُ النفيسةُ الحاملةُ لأمانةِ اللهِ تعالى المتقدمةُ بهٰذهِ الرتبةِ على السماواتِ والأرضينَ والجبالِ"؛ لأن ما قدَرن أن يحملن الأمانة الخاصة وحملها هذا الإنسان بهذه الروح إذا صلُحت.. "هيَ مِنْ عالَمِ الأمرِ".

 ولا تظن من كلامنا هذا أننا نقول أن الروح قديم،  ما شيء قديم إلا الله.

 كل شيء حادث، جسد وروح.. كلها حادثة. كما قال نبينا: "كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ"؛ لا روح ولا سماء ولا أرض ولا عرش ولا جنَّة، ما شيء قديم موجود بذاته أصلًا؛ كلها حادثة. 

الموجود بذاته القديم واحد.. هو الله -جل جلاله-. 

قال: "ولا تفهمْ مِنْ هٰذا تعريضًا بقِدَمِهِ -بقِدّمِ الروح- فالقائلُ بقِدَمِ الأرواحِ مغرورٌ جاهلٌ"، مثل بعض الفلاسفة يقولون: الروح أصوله قديم، ما دليلكم على هذا؟

فلسفة! يجيبوا من هنا ومن هنا، وما في دليل.

كل ما سوى الله.. فهو حادث، القديم الموجود بذاته واحد.. هو الله وحده لا شريك له -سبحانه-.

قال بعد هذا: "فالقائلُ بقِدَمِ الأرواحِ مغرورٌ جاهلٌ لا يدري ما يقولُ. فلنقبضْ عِنانَ البيانِ عنْ هذا الفنِّ، فهوَ وراءَ ما نحنُ بصددِهِ. والمقصودُ: أنَّ هذهِ اللطيفةَ هيَ الساعيةُ إلى قرْبِ الربِّ" -جل جلاله-، فإنك ما تستطيع تحقيق معاني القرب إلى الله بمجرد أصابع ولا أيدي ولا لحم ولا عظم ولا دم، إن معاني القُرب كلها تتعلق بروحك، كلها تتعلق بهذا السر الذي فيك، هذه آلات وخَدَم لها.

قال: "فمنهُ مصدرُها -من الرب تعالى- وإليهِ مرجعُها، وأمَّا البدنُ.. فمطيَّتُها -مَركب- التي تركبُها وتسعىٰ بواسطتِها، فالبدنُ لها في طريقِ اللهِ تعالى مثل الناقةِ"، مثل الطائرة، مثل الباص، مثل السيارة، مثل السفينة "للبدنِ في طريقِ الحجِّ، وكالراويةِ الحاويةِ للماءِ الذي يفتقرُ إليهِ البدنُ."

 

"فكلُّ عِلْمٍ مقصدُهُ مصلحةُ البدنِ.. فهوَ مِنْ جملةِ مصالح المطيَّةِ، ولا يخفَىٰ أنَّ الطبَّ كذلكَ؛ فإنَّه قدْ يُحتاجُ إليهِ في حفظِ الصحةِ على البدنِ، ولوْ كانَ الإنسانُ وحدَهُ.. لاحتاجَ إليهِ، والفقهُ يفارقُهُ في أنَّهُ لوْ كانَ الإنسانُ وحدَهُ.. ربَّما كانَ يستغني عنهُ، ولكنَّهُ خُلِقَ على وجهٍ لا يمكنُهُ أنْ يعيشَ وحدَهُ، إذْ لا يستقلُّ بالسعيِ في تحصيلِ طعامِهِ بالحراثَةِ والزرْعِ والخبزِ والطبخِ، وفي تحصيلِ الملبسِ والمسكنِ، وفي إعدادِ آلاتِ ذلكَ كلِّهِ، فاضطرّ إلى المخالطةِ والاستعانةِ.

ومهما اختلطَ الناسُ وثارَتْ شهواتُهُمْ.. تجاذبوا أسبابَ الشهواتِ، وتنازعوا وتقاتلوا، وحصلَ مِنْ قتالِهِمْ هلاكُهُمْ بسببِ التنافسِ مِنْ خارجٍ، كما يحصلُ هلاكُهُمْ بسببِ تضادِّ الأخلاطِ مِنْ داخلٍ، وبالطبِ يُحفظُ الاعتدالُ في الأخلاطِ المتنازعةِ مِنْ داخلٍ، وبالسياسةِ والعدْلِ يُحفظ الاعتدالُ في التنافسِ مِنْ خارجٍ، وعِلْمُ طريقِ اعتدالِ الأخلاطِ طبٌّ، وعِلْمُ طريقِ اعتدالِ أحوالِ الناسِ في المعاملاتِ والأفعالِ فقهٌ، وكلُّ ذلكَ يحفظُ البدنَ الذي هوَ مطيةٌ.

فالمتجرِّدُ لعلْمِ الفقهِ أوِ الطبِّ إذا لمْ يجاهدْ نفسَهُ ولمْ يصلحْ قلبَهُ.. كالمتجرِّدِ لشراءِ الناقةِ وعلفِها وشراءِ الراويةِ وخرْزِها إذا لمْ يسلك باديةَ الحجِّ، والمستغرقُ عمرَهُ في دقائقِ الكلماتِ التي تُحرَّرُ في مجادلاتِ الفقهِ.. كالمستغرقِ عمرَهُ في دقائقِ الأسبابِ التي بها تستحكمُ الخيوطُ التي تُخرزُ بها راويةُ الحجّ.

ونسبةُ هؤلاءٍ مِنَ السالكِ لطريقِ إصلاح القلبِ أوِ الواصلِ إلى علْمِ المكاشفةِ.. كنسبةِ أولئكَ إلىٰ سالكي طريقِ الحجِّ أوْ مُلابسي أركانِهِ.

 فتأملْ هٰذا أولًا، واقبلِ النصيحةَ مجَّانًا ممَّنْ قامَ عليهِ ذلكَ غالبًا ولمْ يصلْ إليهِ إلا بعدَ جهْدٍ جهيدٍ، وجَراءةٍ تامَّةٍ على مباينةِ الخلْقِ؛ العامَّةِ والخاصَّةِ في النزوعِ مِنْ تقليدِهِمْ بمجرَّدِ الشهوةِ. فهذا القدْرُ كافٍ في وظائفِ المتعلِّمِ".

 

قال: هذه عشر وظائفٍ كانت تكفيك -يا أيها المتعلِّمِ- لتهتدي وتسلك وتأخذ العلم على وجهٍ صحيح.

قال: "كلُّ علَمِ مقصدُهُ مصلحةُ البدنِ.. فهوَ مِنْ جملةِ مصالح المطيَّةِ -أي: المركوب الذي يوصِّل- ولا يخفَىٰ أنَّ الطبَّ كذلكَ؛ -متعلق بالبدن- فإنَّه قدْ يُحتاجُ إليهِ في حفظِ الصحةِ على البدنِل، ..والفقهُ يفارقُهُ في أنَّهُ لوْ كانَ الإنسانُ وحدَهُ ربَّما كانَ يستغني عنهُ،" ولكن سنَّة الله في اختلاط الناس تأتي بينهم الأحكام الفقهية في:

  •  البيع والشراء.
  • والأخذ والعطاء.
  • واللباس والزراعة والتجارة.. وما إلى ذلك من الأعمال.

 فيحكمها الفقه، فهو داخل في مجال إصلاح البدن.

"ومهما اختلطَ الناسُ وثارَتْ شهواتُهُمْ.. تجاذبوا أسبابَ الشهواتِ، وتنازعوا" عليها، يحتاجون إلى قانون الفقه.

  • فـ "الطبِ يحفظُ الاعتدالُ في الأخلاطِ المتنازعةِ مِنْ داخل" بدن الإنسان.
  • "وبالسياسةِ والعدْلِ يُحفظ الاعتدالُ في التنافسِ مِنْ خارج،" الأبدان.
  • "وعلمُ طريقِ اعتدالِ الأخلاطِ: طبٌّ؛
  • وعلْمُ طريقِ اعتدالِ أحوالِ الناسِ في المعاملاتِ والأفعالِ: فقهٌ"

وهذا كله متعلق بـ: "البدنَ الذي هوَ مطيةٌ".

فمن تجرِّدُ "لعلْمِ الفقهِ أوِ الطبِّ إذا لمْ يجاهدْ نفسَهُ ولمْ يصلحْ قلبَهُ" فهو مثل مَن تجرَّد لشراء التذكرة وتخريج التأشيرة، وقعد محله، لا حجّ  إلا قعد محله؛ روح وامش واسلك في الطريق! فهذا هو مقصود العلم.

قال: فأما علم فقه وحده كذا؛ فما يفيد صاحبه.

قال: "والمستغرقُ عمرَهُ في دقائقِ الكلماتِ التي تُحرَّرُ في مجادلاتِ الفقهِ كالمستغرقِ عمرَهُ في دقائقِ -مثل أن يستغرق الوقت كله في- الأسبابِ التي بها تستحكمُ الخيوطُ التي تُخرزُ بها راويةُ الحجّ" التي يُحمل فيها الماء في الحج.

وبعدين.. وعمره كله! كيف عمره كله؟ خلاص افهم، وشيل الراوية وروح! وإلا حتى من دون ما تفهم، غيرك يفهم، وشيل الراوية الصحيحة، المهم عبّئها مياه وشيل.. بنفسك  وروح!

أما تقعد أنت تتعلم كيفية تركيب الخيوط ويعدي الوقت عليك! 

 

قال: "ونسبةُ هؤلاءٍ مِنَ السالكِ لطريقِ إصلاح القلبِ أوِ الواصلِ إلى علْمِ المكاشفةِ.. كنسبةِ أولئكَ إلىٰ سالكي طريقِ الحجِّ أوْ مُلابسي أركانِهِ. فتأملْ هٰذا أولًا، واقبلِ النصيحةَ مجَّانًا". أعطيتك إياها، أنا قد شبعت في العلوم الظاهرة، وفي الفقه، وفي الفلسفة، وانتهى إليَّ إمارة العلوم، ودخلوني في النظامية في بغداد، أكبر واحدة، وجاءوا الناس إليَّ من الشرق والغرب. وتركت هذا كله.. ولا باليْت بإنكار المنكِر، ومشيت في طريقي حتى أدركت الحقيقة هذه، وأنا الآن معها في حق اليقين. اقبلها مني وخذها! من دون ما تتعب ولا عاد تحتاج تكلِّف نفسك.

"اقبلِ النصيحةَ مجَّانًا ممَّنْ قامَ عليهِ ذلكَ غالبًا ولمْ يصلْ إليهِ إلا بعدَ جهْدٍ جهيدٍ" ومجاهدة وبقي ينازله من لطف الله به ورحمته وهو في النظامية في بغداد: 

  • هل هذا العمل الذي نقوم به مقصود به وجه الله خالص؟ 
  • ما نريد به غيره؟
  • وننصر به الدين على وجه الحقيقة؟

بقي يعتلج عنده الأمر والخاطر، ورأى أنَّ الغالب إرادة القرب من السلاطين، والظهور بين الناس والجاه بين المسلمين؛ فأيقن أن هذا ما هو الطريق؛ فعزم كيف يتخلص ويخرج من هذا.

حتى أنه تأثروا ناس كثير لما خرج، حتى أن بعضهم يقول: عينٌ أصابت الإسلام! خروج هذا الإمام من مَحَل التعليم، هذه مصيبة أصابت الإسلام.. من مثله يُعلِّم، ويكون مثله؟! -عليه رحمة الله تعالى-.

قال: وساعده الله بعدين أجرى عليه ثِقل في اللسان، وصار يجتمعون الطلبة ما عاد يقدر يتكلم. رجع كتب إلى السلطان يستأذنه أنه يروح للحج، قال: وأبطنت في نفسي أني أنا خلاص ما عاد أرجع إلى هنا؛ فأذن له لمّا شافه في المرض ذا، وخرج وشلّ نفسه وراح إلى الحج.

ومن الحج إلى الشام؛ جاء إلى الجامع الأموي. وعند مدخل المنارة في الزاوية قعد هناك يختلي بالله -تعالى- ويأخذ مدة فيها. وبعدين كان تأليف الإحياء، وراح زار بيت المقدس، وانكشفت له الحقائق والأمور، ورجع إلى إدراك الحقيقة، وألّف هذه الكتب النافعة بعد هذه المدة، مع أنه كان حُجة الإسلام -كما وصفوه عليه رحمة الله تبارك وتعالى-.

ورجع بعد ذلك إلى طوس وعنده بعض الطلاب، بعدها لمّا انتصب ثاني مرة للتدريس وانتبه الناس منه، كتب إليه السلطان يقول له: عندنا أعداد..!

قال: العدد القليل الذي عندي أعلَم صدقهم مع الله؛ فما أتركهم من أجْل العدد الذي عندك أنت. 

عندك عدد كثير ما أثق من صدقهم؛ فأنا أقعد مع هؤلاء أحسن، واعتذر له، ما رضي يرجع. حتى توفي وهو ابن خمس وخمسين سنة؛ ولكن علوم واسعة -سبحان الله- تركها.

وهكذا؛ ويكفي في ذلك رؤية سيدنا أبو الحسن الشاذلي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. يقول سيدنا أبو الحسن الشاذلي: إني رأيت أني دخلت إلى بيت المقدس وإذا بتخت عليه الحبيب الأعظم ﷺ ومن حوله الأنبياء، بقيت أنظر إليهم متعجب فيهم.

قال: وإذا بسيدنا موسى وسيدنا عيسى بجانب الحبيب ﷺ. يقول في الرؤية؛ يقول سيدنا موسى لرسول الله: يا رسول الله، أنت قلت في حديثك "عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ". قال ﷺ: نعم! قال: فهل ترينا واحدًا من علماء أمتك مثل الأنبياء فينا؟ قال: فالتفت ﷺ  وقال: أين أبو حامد الغزالي؟ قال: فرأيته جيء به فجلس عندهم.  فقال له ﷺ: هذا! قال له سيدنا موسى: ما اسمك يا إمام؟ 

قال: محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي.

قال سيدنا موسى -يختبره-: أنا سألتك عن اسمك، أنت تقول اسمك ثم أبوك وجدك ومحلّك! هل هذا من الأدب؟

قال: فالتفت الغزالي للحبيب الأعظم ﷺ وقال: يا رسول الله أُجيبُ كليم الله موسى أم أتأدب مع الكليم؟ قال: بل أَجِبْه! قال: يا كليم الله، لمّا ناداك ربك (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ)؟ قلتَ: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ) [طه:17-18]؛ وهو سألك ما تلك بيمينك، فقط؛ وهو أعلم بكل شيء، وأنت قلت كذا كذا كذا كذا! تعجَّب سيدنا موسى، وقال: عجب! صدقتَ يا محمد، العلماء في أمتك كالأنبياء فينا.

قال: فالتفت ﷺ يقول لموسى وعيسى: هل في أُمتكما حَبْرٌ كهذا؟ قالا: لا، ما أحد من علماء أمتنا مثل هذا. عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، -عليهم صلوات الله وتسليماته-. سبحان الله.

قال: "اقبلِ النصيحةَ مجَّانًا ممَّنْ قامَ عليهِ ذلكَ غالبًا ولمْ يصلْ إليهِ إلا بعدَ جهْدٍ جهيدٍ، وجَراءةٍ تامَّةٍ على مباينةِ الخلْقِ" أعراف الخلق وأفكارهم تركتها على جنب. وقعدت مع الخالق وحده.. وصدقت معه. 

وإلا يقولوا لي أيش هذا؟

وحتى حصَّله مرة بعضهم وهو حامل له ركوة، قال: أليس أحسن من هذا التدريس ببغداد؟ هناك أحسن لك من هذا! 

يقول له: إيش قاعد أنت حامل الركوة! 

التفت إليه سيدنا الإمام الغزالي يقول له: 

تركت هوى ليلى وسُعدى بمعزلِ *** وعدت إلى مصحوب أول منزلِ

جاب له بيتين جاوب عليه فيها وسلك في طريقه. وإلا الناس يقولوا له: ايش تترك هذا الأمر؟ وقال في بعض الألفاظ بعدين:

تركت هوى ليلى وسُعدى بمعزلِ *** وعدت إلى مصحوب أول منزلِ

غزلت لـهم غزلًا دقـيقًا فلم أجد *** لغزلي نساجًا فكسَّرت مغزلـي

وقال في بيت آخر:

ونـادت بي الأشواق مهلاً فـهذه *** منازل من تهوى رويدك فانزلِ

أنا أعرف منك كيف العلوم وإيش حقائق العلوم -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-. "فهذا القدْرُ كافِ في وظائفِ المتعلِّمِ".

الله يقبلنا على ما فينا. ويُحققنا بحقائق أهل الاستغفار، ويغفر لنا، ويرفعنا في مراتب الغفران. ويهب لنا ويمنّ علينا بأنواع الغفران، ويرفعنا إلى أعلى مكان، ويحققنا بحقائق رضوانه الأكبر. ولا يحرمنا خير ما عنده لشرِّ ما عندنا. ويرزقنا حسن السير إليه، والإقبال الصادق عليه، والقبول الكامل لديه، وأن يصلح أحوالنا والمسلمين ويعجِّل بالفرج للأمة أجمعين. 

ويجعلنا وإياكم مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن أسباب نشر الخير والهدى في الأمة، وأن يدفع عنَّا كل ضيق، ويجعل حوائجنا في الدارين على خير الوجوه مقضيَّة، ويختم لنا بأكمل الحُسنى وهو راضٍ عنَّا.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

لتحميل الكتاب pdf

 

تاريخ النشر الهجري

14 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

03 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام