آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 13 | علامات علماء الآخرة: تقوية اليقين (2)
الدرس الثالث عشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء السبت 21 رجب 1447هـ
مواصلة شرح علامات علماء الآخرة: أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين
فائدة من الدرس: شجرة اليقين وثمراتها
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
"الرابعُ: المعرفةُ الحقيقيةُ الحاصلةُ بِطريقِ البرهانِ الذي لا يُشكُّ فيهِ، ولا يُتصوَّرُ الشكُّ فيهِ، فإذا امتنعَ وجودُ الشكِّ وإمكانُهُ.. يسمَّىٰ يقينًا عندَ هؤلاءِ.
ومثالُهُ: أنَّهُ إذا قيلَ للعاقلِ: هلْ في الوجودِ شيءٌ هوَ قديم؟ فلا يمكنُهُ التصديقُ بهِ بالبديهةِ؛ لأنَّ القديمَ غيرُ محسوسٍ، لا كالشمسِ والقمرِ؛ فإنَّهُ يصدِّقُ بوجودِهِما بالحسِّ، وليسَ العلمُ بوجودِ شيءٍ قديمٍ أزليِّ ضروريًا مثلَ العلمِ بأنَّ الاثنينِ أكثرُ مِنَ الواحدِ، بلْ مثلّ العلمِ بأنَّ حدوثَ حادثٍ بلا مسببِ محالٌ، فإنَّ هٰذا أيضاً ضروريٌّ، فحقُّ غريزةِ العقلِ أنْ تتوقَّفَ عنِ التصديقِ بوجودِ القديمِ على طريقِ الارتجالِ والبديهةِ.
ثمَّ مِنَ الناسِ مَنْ يسمعُ ذلكَ ويصدِّقُ بالسماعِ تصديقًا جزمًا ويستمرُّ عليهِ، وذلكَ هوَ الاعتقادُ، وهوَ حالُ جميعِ العوامِّ، ومِنَ الناسِ مَنْ يصدِّقُ بهِ بالبرهانِ وهوَ أنْ يُقالَ لهُ: إنْ لمْ يكنْ في الوجودِ قديمُ.. فالموجوداتُ كلَّها حادثةٌ، فإنْ كانتْ كلُّها حادثةً.. فهيَ حادثةٌ بلا سببِ، أوْ فيها حادثُ بلا سببِ، وذلكَ محالٌ؛ فالمؤدِّي إلى المحالِ محالٌ، فيلزمُ في العقلِ التصديقُ بوجودِ شيءٍ قديمِ بالضرورةِ؛ لأنَّ الأقسامَ ثلاثةٌ: وهيَ أنْ تكونَ الموجوداتُ كلُّها قديمةٌ، أوْ كلُّها حادثةً، أوْ بعضُها قديمةً وبعضُها حادثةً.
فإنْ كانتْ كلُّها قديمةً.. فقدْ حصلَ المطلوبُ؛ إذْ ثبتَ على الجملةِ قديمٌ، وإن كانَ الكلُّ حادثاً.. فهوَ محالٌ؛ إذ يؤدِّي إلى حدوثٍ بغيرِ سببِ، فثبتَ القسمُ الثالثُ أوِ الأولُ.
وكلُّ عِلْمِ حصلَ على هذا الوجهِ يسمَّىٰ يقيناً عندَ هؤلاءِ، سواءٌ حصلَ بنظرٍ مثلِ ما ذكرناهُ، أوْ حصلَ بحسٍّ أوْ بغريزةِ العقلِ؛ كالعلْمِ باستحالةِ حادثٍ بلا سببِ، أوْ بتواترِ؛ كالعلْمِ بوجودِ مكَّةَ، أوْ بتجرِبةِ؛ كالعلْمِ بأنَّ المطبوخَ مسهِّلٌ، أوْ بدليلٍ كما ذكرْنا.
فشرطُ إطلاقِ هٰذا الاسمِ عندَهُمْ عدمُ الشكَّ، فكلُّ علْمٍ لا شكَّ فيهِ يُسمَّىٰ يقيناً عندَ هؤلاءٍ، وعلى هذا: لا يُوصَفُ اليقينُ بالضعْفِ؛ إذْ لا تفاوتَ في نفي الشكّ.
الاصطلاحُ الثاني اصطلاحُ الفقهاءِ والمتصوِّفَةِ وأكثرِ العلماءِ: وهوَ ألا يُلتَفتَ فيهِ إلى اعتبارِ التجويزِ والشكِّ، بلْ إلى استيلائِهِ وغلبتِهِ على القلْبِ، حتَّىٰ يُقالُ: فلانٌ ضعيفُ اليقينِ بالموتِ معَ أنَّهُ لا يشكُّ فيهِ، ويُقالُ: فلانٌ قويٌّ اليقينِ في إتيانِ الرزْقِ معَ أنَّهُ قدْ يجوزُ أنَّهُ لا يأتيهِ.
فمهما مالتِ النفسُ إلى التصديقِ بشيء، وغلبَ ذلكَ على القلبِ، واستولىٰ حتَّىٰ صارَ هوَ المتحكِّم والمتصرِّفَ في النفسِ بالتجويزِ والمنعِ.. سُمِّيَ ذلكَ يقينًا.
ولا شكَّ في أنَّ الناسَ مشتركونَ في القطعِ بالموتِ والانفكاكِ عنِ الشكَّ فيهِ، ولكنْ فيهِمْ مَنْ لا يلتفتُ إليهِ، ولا إلى الاستعدادِ لهُ، وكأنَهُ غيرُ موقنٍ بهِ، ومنهُمْ مَنِ استولىٰ ذلكَ علىٰ قلبِهِ حتَّى استغرقَ جميعَ همِّهِ بالاستعدادِ له ولمْ يغادرْ فيهِ متَّسعًا لغيرِهِ، فيعبَّرُ عنْ مثلِ هذهِ الحالةِ بقوَّةِ اليقينِ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ما رأيتُ يقيناً لا شكَّ فيهِ أشبه بشكِّ لا يقينَ فيهِ مِنَ الموتِ.
وعلىٰ هٰذا الاصطلاحِ يُوصفُ اليقينُ بالضعْفِ والقوَّةِ.
ونحْنُ إنَّما أردْنا بقولِنا: إنَّ مِنْ شأنِ علماءِ الآخرةِ صَرْفَ العنايةِ إلى تقويةِ اليقينِ؛ المعنيينِ جميعاً، وهوَ نفيُ الشكِّ، ثمَّ تسليطُ اليقينِ على النفسِ حتَّىٰ يكونَ هوَ الغالبَ المتحكِّمَ وهوَ المتصرِّفَ".
الحمد لله الذي يُشرق أنوار اليقين على قلوب من سبقت لهم منه السعادة الكبرى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط علمًا بكل شيء سرا وجهرًا، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
ونشهد أن سيدنا ونبينا ورسولنا محمداً عبده ورسوله، وصفوته من بين الورى، من هدى إلى المنهج القويم والصراط المستقيم المستبين بالنور المبين صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه الأكرمين، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ذكر لنا الشيخ -عليه رحمة الله- من علامات علماء الآخرة: شدة عنايتهم بتقوية اليقين، واليقين أشرف ما نزل من السماء إلى الأرض، وتقدم معنا قول ابن مسعود كما رواه البخاري في صحيحه، ويُروى في غير البخاري مرفوعًا: "اليقينُ الإيمانُ كلُّه"، "اليقينُ الإيمانُ كلُّه".
وقال: شدة عنايتهم بتقوية اليقين.. ما هو؟
قال: اليقين -بالنسبة لاصطلاح النُظّار والمتكلمين من الذين يسمَّون علماء العقائد وعلماء التوحيد- عبارة عن: نفي الشك؛ بمعنى: لا يسمون الشك ولا الظن ولا الوهم يقينًا.
- فالوَهمُ: تجويز أمرين مع ترجيح أحدهما.
- فالمَرجوح: وَهمٌ.
- والراجح: ظنٌّ.
- واستواء تجويز الأمرين بدون ترجيحٍ بينهما هذا هو: الشَّك
قال: فإذا انتفى الشك، وخرج عن الوهم وعن الشك وعن الظن؛ فهو عندهم اليقين: فهو عبارة عن الجزم بالأمر بلا تردد، هذا واحد.
قال: لكن العلماء الفقهاء والمنتسبين إلى علم الإحسان والتصوُّف يَعنون باليقين: استيلاء هذا الأمر -بعد الجزم به والقطع به- استيلاءه وغلبته على القلب حتى تؤثر في مسلك الإنسان ومنهجه، أما مجرد الجزم فلا.. لماذا؟
- لأن الله تعالى يقول عن قوم سيدنا موسى أنهم جاءتهم الآيات فلم يشكُّوا أنها من عند الله، ولكن كابروا، فقال سبحانه وتعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل:14]، (اسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) مع استيقانهم بها وعدم شكِّهم؛ ما غلبت عليهم فانقادوا وخضعوا؛ ولكن أصرُّوا على العناد.
- كما قال سبحانه وتعالى في كفار قريش: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ)، يعني: هم ما يشكُّون أنك رسول من عندنا، وأنك صادق فيما تخبرهم به، ما أحد منهم يشك في هذا، يعرفون أنه لا وجه كذّاب ولا وجه…، وعاش بينهم أربعين سنة ما جرَّبوا عليه كذبة واحدة.
- كما قال هرقل: ما كان ليَدَع الكذب على الناس، ثم يكذب على الله!..أربعين سنة ما يكذب على مخلوق وبعد أربعين سنة بيكذب على الخلَّاق! هذا بعيد من العقل.
(فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام:33]؛ فأحياناً اليقين بهذا المعنى الذي هو عند النُظّار قد يصحبه الجحود ويصحبه الإعراض، فلا يسمى يقينًا عند أرباب التصوف ولا عند الفقهاء؛ اليقين عندهم: ما غَلَب على القلب مما جزم به فاستولى عليه حتى أثَّر عليه في سلوكه، قالوا: هذا هو اليقين عندهم.
- وهو في أول مراتبه في علم اليقين.
- يرتقي صاحبه إلى عين اليقين.
- ويرتقي إلى حق اليقين.
وهي المراتب الثلاثة المذكورة في القرآن:
- ففي سورة التكاثر ذكر علم اليقين وعين اليقين:
- قال أول: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ).
- بعدين قال: (لتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)؛ تعاينون وتشاهدون، (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) [التكاثر:5-7].
- في آخر سورة الواقعة ذكر الدخول إلى النار ليس فقط معاينتها؛ قال: (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) [الواقعة:92-95]، دخل وسط النار داخل، هذه مرتبة حق اليقين.
وهكذا فهذه المراتب الثلاث في اليقين.
قال الإمام -عليه رحمة الله-: ونحن لما قلنا أن علماء الآخرة يعتنون بتقوية اليقين، فمرادنا به: مع زوال الشك؛ الثاني أيضًا، فمرادنا الجميع:
- أن لا يكون شك.
- وأن يستولي على القلب ويغلُب عليه حتى يؤثر في فكر صاحبه.
وحينئذ يختلف من قوي إلى ضعيف وإلى أقوى، وإلى ما يأتي تفصيله معنا.
يقول: في معرفة مثلاً:
- "هلْ في الوجودِ شيءٌ هوَ قديم؟"؛ فهذا يُدرَك بالعقل بالتأمل.
- لكن معرفة هل الشمس موجودة؟ هذا أيسر وأسهل ويُحِسُّه كل واحد فهو يقطع به.
"كالشمسِ والقمرِ؛ فإنَّهُ يصدِّقُ بوجودِهِما بالحسِّ -ولكن- العلمُ بوجودِ شيءٍ قديمٍ أزليِّ -ليس- مثلَ العلمِ بأنَّ الاثنينِ أكثرُ مِنَ الواحدِ، بلْ مثلّ العلمِ بأنَّ حدوثَ حادثٍ بلا مسببِ محالٌ، فإنَّ هٰذا أيضاً ضروريٌّ"؛ إذن فالعقل يهدي ما دام "حدوثَ حادثٍ بلا مسببِ محالٌ" أمر مستحيل لا يمكن أن يكون؛ إذن فما هو هذا العالَم؟ أقديم أم حادث؟
يقول: من الناس من يسمع أنه لابد من أصل قديم وبعدين منه تفرعت الحوادث، يقول: "ثمَّ مِنَ الناسِ مَنْ يسمعُ ذلكَ ويصدِّقُ بالسماعِ تصديقًا جزمًا ويستمرُّ عليهِ، وذلكَ هوَ الاعتقادُ، وهوَ حالُ جميعِ العوامِّ، ومِنَ الناسِ مَنْ يصدِّقُ بهِ بالبرهانِ وهوَ أنْ يُقالَ لهُ: إنْ لمْ يكنْ في الوجودِ قديمُ.. فالموجوداتُ كلَّها حادثةٌ، فإنْ كانتْ كلُّها حادثةً.. فهيَ حادثةٌ بلا سببِ"؛ والحَادث بغير سبب مستحيل! ما يكون حادث إلا بمُحدِث، ولا موجود إلا بموجد، ولا مكوَّن إلا بمكوِّن، ولا مصنوع إلا بصانع؛ فما دام الأمر مستحيل فلابد أن يكون هناك شيء قديم.
قال: "فإنْ كانتْ كلُّها حادثةً.. فهيَ حادثةٌ بلا سببِ، أوْ فيها حادثُ بلا سببِ، وذلكَ محالٌ؛ فالمؤدِّي إلى المحالِ محالٌ، فيلزمُ في العقلِ التصديقُ بوجودِ شيءٍ قديمِ بالضرورةِ"، إما:
- "أنْ تكونَ الموجوداتُ كلُّها قديمةٌ" وهذا أيضاً بيشوِّش عليه الحِسّ، بيقول: هذا أمس ما أحد هو واليوم موجود.. كيف كله قديم؟! ما يتأتَّى! الحِسّ أيضاً بيشوِّش عليه؛ ولكن أيضاً حتى لو قال: الموجودات قديمة، نقول: إذن أنت أثبتَّ أن هناك شيء قديم، لكن بعدين ما هو القديم؟ لنا معك خطاب ثاني بعدين بالعقل نعرفه؛ وأما هذه الكائنات فحادثة.
- وإذا قال: "كلُّها حادثةً" فهذا أمر مستحيل.
- إذن فلابد أن يكون شيء هناك قديم.
قال: هؤلاء يسمُّون هذا العلم بهذا التأمل هو اليقين، "سواءٌ حصلَ -هذا القَطع عنده وإبعاد الشك- بحسٍّ أوْ بغريزةِ العقلِ؛ كالعلْمِ باستحالةِ حادثٍ بلا سببِ، أوْ بتواترِ" مثلاً: يعلم أن هناك بلدة اسمها مكة، وبلدة اسمها المدينة؛ يقين؟.. يقين ما يَشُك، من أين جاء باليقين؟ بالتواتر؛ نقول له: أنت رحت مكة؟ قال: لا،.. أنت شفت المدينة؟ قال: أبدًا.. طيب وكيف تعرف أن هناك مكة ومدينة؟! أمر متواتر عند الناس كلهم، وصار الآن في زمننا صورها في كل مكان، كيف ما هناك مكة والمدينة؟! ما يقبل هذا، بسبب التواتر؛ تواتر الخبر إلى الناس؛ فكل هذا عندهم يسمى يقين.
"أوْ بتجرِبةِ؛ -مثل: الطب- كالعلْمِ بأنَّ المطبوخَ مسهِّلٌ،"، يعني: دواء معيَّن للإسهال، لأجل تسهيل خروج الخارج من البطن يسمونه "المطبوخ"، فالناس بتجربتهم علموا أنه مُسهِّل، فلا يشُكُّون في ذلك شك.
إذن هؤلاء المتكلمون "فشرطُ إطلاقِ هٰذا الاسمِ -اليقين- عندَهُمْ عدمُ الشكَّ، فكلُّ علْمٍ لا شكَّ فيهِ يُسمَّىٰ يقيناً".
"وعلى هذا: لا يُوصَفُ اليقينُ بالضعْفِ" ولا بالقوة ولا بالتفاوت؛ لكن "الاصطلاحُ الثاني: وهوَ ألا يُلتَفتَ فيهِ إلى اعتبارِ التجويزِ والشكِّ" ووجود القطع بالأمر، فما هذا بكافٍ.
كما ذكرنا أن كثير من الكفار يوقنون برسالة الأنبياء ولكنهم يجحدون ويعاندون:
- (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام:33].
- (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل:14].
إذن فاليقين هذا: نور يقذفه الله في القلب؛ يغلُب الجزم بصدق إعلام النبي بما جاء به عن الله، يغلب هذا الصدق على القلب حتى يؤثر في فِكر الإنسان، وسعي الإنسان، وعمل الإنسان بمقتضى هذا الإيمان الذي آمن به، فهذا هو اليقين عندهم من علم يَقين، إلى عين يَقين، إلى حق يقين.
ومثلاً إذا واحد يقول لك: هذا الكأس من خزف موجود هنا فيه ماء -كونه موجود: ممكن إذا رفعته بتُشاهدونه كلكم، وتقطعون به بيقين-.
- كونه فيه ماء: إذا أخبركم واحد تثقون به أنه فيه ماء، ما أحد ثاني بيقول: هذا فيه لبن، ولّا فيه شاي، وإلا فيه زيت وإلا فيه...؛ فيه ماء؛ يبتدئ علم اليقين بأن المُخبر عندك صادق موثوق به، وإذا هُمْ اثنين ثلاثة أربعة خمسة… قالوا: هذا وسطه ماء؛ خلاص يرسخ عندك يقين، فيكون علم يقين.
- لكن إذا فتحنا الغطاء وجئت بعينك وشفت حصَّلته ماء، الآن وجود الماء في هذا الإناء تحول إلى عين يقين، كان أول علم يقين الآن عين يقين.
- فإذا جئت: بسم الله الرحمن الرحيم، وشربت منه صار حقيقي الآن؛ إيماني بأن الماء موجود في هذا الإناء حق يقين بعدما ذقته، وجدت أنه حق اليقين.
إذن فهذه المراتب الثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
- حق اليقين فيه النبيّون وكُمَّل وَرَثَتِهم من الصدّيقين.
- وأكثر الأولياء من بعدهم -الذين لم يبلغوا رتبة الصدّيقية- في عين اليقين.
- وعامة المؤمنين في علم اليقين.
(هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ) [آل عمران:163]، اللهم وفِّر حظنَا من اليقين.
يقول: "فمهما مالتِ النفسُ إلى التصديقِ بشيء، وغلبَ ذلكَ على القلبِ، واستولىٰ حتَّىٰ صارَ هوَ المتحكَمَ والمتصرِّفَ في النفسِ بالتجويزِ والمنعِ.. سُمِّيَ ذلكَ يقينًا"
قال: "الناسَ مشتركونَ في القطعِ بالموتِ" مثلاً؛ ما حد يشك أنه سيموت؛ لأنه وجد أنه لا دام أبوه ولا جده، ولا جاره ولا قريبه ولا عمه، ولا أهل الشرق ولا الغرب، ولا عرب ولا عجم، ولا ملوك ولا وزراء، ولا تجار ولا فقراء، ما أحد منهم دام، كلهم يموتون يموتون يموتون، وهو واحد من بني آدم، يتيقن أنه سيموت ما عنده شك في ذلك.
قال: لكن هذا الأمر مع عدم الشك فيه الناس متفاوتون بعد ذلك:
- "فيهِمْ مَنْ لا يلتفتُ إليهِ" وكأنه لا يموت، وهؤلاء أمثال الدهريين يقولون: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية:24]، فلا يستعدون للموت أبدًا، وكأنهم لا يموتون، "وكأنَهُ غيرُ موقنٍ بهِ".
- "ومنهُمْ مَنِ استولىٰ ذلكَ علىٰ قلبِهِ حتَّى استغرقَ جميعَ همِّهِ بالاستعدادِ -لما بعد الموت- ولمْ يغادرْ فيهِ متَّسعًا لغيرِهِ، فيعبَّرُ عنْ مثلِ هذهِ الحالةِ بقوَّةِ اليقينِ".
- بعضهم لا، حَمَلَهُ على الاستعداد ولكن لم يكن بهذه الصورة؛ فعنده يقين غير قوي.
"وعلىٰ هٰذا الاصطلاحِ يُوصَفُ اليقينُ بالضعْفِ والقوَّةِ".
- أما عند النُظّار: اليقين يقين هذا هو واحد فقط؛ إما تشك وإما تجزم:
- إن جزمت فهو يقين.
- وإن شككت فليس بيقين.
- ما عندهم قوي ولا ضعيف.
- لكن عند أهل المعرفة وعند أهل الفقه يكون اليقين قوي، ويكون اليقين ضعيف:
- يكون في رتبة علم اليقين.
- أو في رتبة عين اليقين.
- أو في رتبة حق اليقين، وهو أقوى شيء.
ومع ذلك أهل كل مرتبة متفاوتون في مرتبتهم؛ فليس أهل علم اليقين بمرتبة واحدة درجة واحدة، وليس أهل عين اليقين في درجة واحدة، بل متفاوتون في هذه الدرجة؛ مراتبهم متفاوتة، وليس أهل حق اليقين متساوون بل بعضهم أعظم من بعض.
- فأوْلو العزم من الرسل حق اليقين أقوى عندهم من بقية المرسلين، وسيدهم محمد ﷺ أقواهم في حق اليقين.
- والنبيون في حق اليقين أقوى من الصديقين في حق اليقين؛ الصديقون غير الأنبياء أقوى منهم في حق اليقين الأنبياء.
- والصديقون متفاوتون.
- وكذلك رتبة عين اليقين من الأولياء فليسوا في رتبة واحدة، فخواصُّهم أقوى في عين اليقين من عوام الأولياء.
- والأولياء في علم اليقين يختلفون عن عموم المؤمنين ممن لم يبلغ رتبة الولاية الخاصة..
- لأن الولاية العامة بالإيمان: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 68]؛ هذه ولاية عامة للمؤمنين كلهم.
- لكن الولاية الخاصة: بأن يتولى أمر الله وشرعه ونهيه؛ فيتولى اللهُ شأنه ورعايته وتقويمه، فهذه ولاية خاصة.. لا إله إلا الله.
يقول فيما جاء عن سلمة بن دينار أو غيره يقول: "ما رأيتُ يقينًا" -يعني بين الناس- "لا شكَّ فيهِ أشبه بشكِّ لا يقينَ فيهِ".. كيف؟ قال: "الموت"، قال: كلهم يوقنون أنهم يموتون؛ وأكثرهم ما كأنهم يؤمنون بالموت، كأنه شك لا يقين فيه؛ وهو يقين لا شك فيه كل يوقن أنه سيموت؛ ولكن من يَحمِلُهُ هذا اليقين على الاستعداد للموت والتزود والتهيؤ؟
تَبَلَّغْ بِالقَلِيلِ مِنَ القَلِيلِ *** وَهَيِّ الزَّادَ لِلْسَّفَرِ الطَّوِيلِ
وَلَا تَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَذَرْهَا *** فَمَا الدُّنْيَا بِدَارٍ لِلْــنَّــزِيلِ
وَلَا تَحْسَبْ بِأَنَّكَ سَوْفَ تَبْقَىٰ *** فَلَيْسَ إِلَى بَقَاءٍ مِنْ سَبِيلِ
وَما هَذِهِ الدُنيا بِدارِ إِقامَةٍ *** وَما هِيَ إِلّا كَالطَريقِ إِلى الوَطَن
وَما الدارُ إِلّا جَنَّة لِمَنِ اِتَّقى *** وَنارٌ لِمَن لَم يَتَّقِ اللَهِ فَاِسمَعن
قال: "ونحْنُ إنَّما أردْنا بقولِنا: إنَّ مِنْ شأنِ علماءِ الآخرةِ صَرْفَ العنايةِ إلى تقويةِ اليقينِ؛ المعنيينِ جميعاً" -ما هو مجرد نفي شك- "نفيُ الشكِّ، ثمَّ تسليطُ اليقينِ على النفسِ حتَّىٰ يكونَ هوَ الغالبَ المتحكِّمَ وهوَ المتصرِّفَ".
"فإذا فهمتَ هذا المعنى.. علمتَ أنَّ المرادَ مِنْ قولِنا: أنَّ اليقينَ ينقسمُ ثلاثةَ أقسامٍ: بالقوَّةِ والضعفِ، والقلَّةِ والكثرةِ، والخفاءِ والجلاءِ.
فأمَّا بالقوَّةِ والضعفِ: فعلى الاصطلاحِ الثاني؛ وذلكَ في الغلبةِ والاستيلاءِ على القلبِ، ودرجاتُ اليقينِ في القوَّةِ والضعفِ لا تتناهىٰ، وتفاوتُ الخلقِ في استعدادِهِمْ للموتِ بحَسَبِ تفاوتِ اليقينِ بهذهِ المعاني.
وأمَّا التفاوتُ بالخفاءِ والجلاءِ: فلا يُنكَرُ أيضاً؛ أمَّا فيما يتطرَّقُ إليهِ التجويزُ.. فلا ينكرُ؛ أعني الاصطلاحَ الثانيَ، وفيما انتفى الشكَّ عنهُ أيضاً.. لا سبيلَ إلى إنكارِهِ؛ فإنَّكَ تدركُ تفرقةً بينَ تصديقِكَ بوجود مكَّةَ ووجودِ فدَكَ مثلاً، وبينَ تصديقِكَ بوجودِ موسى ووجودِ يوشعَ -عليهما السلامُ- معَ أنَّكَ لا تشُكُّ في الأمرينِ جميعاً؛ إذْ مستندُهُما التواترُ جميعاً، ولكنْ ترىٰ أحدَهُما أجلَىٰ وأوضحَ في قلبِكَ مِنَ الثاني؛ لأنَّ السببَ في أحدِهما أقوىٰ، وهوَ كثرةُ المخبرينَ، وكذلكَ يدركُ الناظرُ هذا في النظرياتِ المعلومةِ بالأدلَّةِ؛ فإنَّهُ ليسَ وضوحُ ما لاحَ لهُ بدليلٍ واحدٍ كوضوحٍ ما لاحَ لهُ بأدلةٍ كثيرةٍ معَ تساويهما في نفي الشكِّ، وهٰذا قدْ ينكرُهُ المتكلَّمُ الذي يأخذُ العلْمَ مِنَ الكُتبِ والسماعِ ولا يراجعُ نفسَهُ فيما يدركُهُ مِنْ تفاوتِ الأحوالِ.
وأمَّا القلّةُ والكثرةُ: فذلكَ بكثرةِ متعلقاتِ اليقينِ؛ كما يُقالُ: فلانٌ أكثرُ علمًا؛ أي: معلوماتُهُ أكثرُ، ولذلكَ قدْ يكونُ العالِمُ قويَّ اليقينِ في جميع ما وردَ الشرعُ بهِ، وقدْ يكونُ قويَّ اليقينِ في بعضِهِ.
فإنْ قلتَ: فقدْ فهمتُ اليقينَ وقوَّتَهُ وضعفَهُ، وكثرتَهُ وقلَّتَهُ، وجلاءَهُ وخفاءَهُ، بمعنىٰ نفي الشكّ، أو بمعنى الاستيلاءِ على القلبِ، فما متعلقاتُ اليقينِ ومجاريهِ، وفي ماذا يُطلبُ اليقينُ؟ فإنَي ما لمْ أعرف ما يُطلبُ فيهِ اليقينُ.. لمْ أقدرْ علىٰ طلبِهِ.
فاعلمْ: أنَّ جميعَ ما وردَ بهِ الأنبياءُ -صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِمْ- مِنْ أوَّلِهِ إلىٰ آخرِهِ هوَ مِنْ مجاري اليقينِ؛ فإنَّ اليقينَ عبارةٌ عنْ معرفةٍ مخصوصةٍ، ومتعلقهُ المعلوماتُ التي وردتْ بها الشرائعُ، فلا مطمعَ في إحصائِها، ولكنِّي أشيرُ إلى بعضِها وهيَ أمهاتُها:
فمنْ ذلكَ التوحيدُ: وهوَ أنْ يرى الأشياءَ كلَّها مِنْ مسبِّبِ الأسبابِ، ولا يلتفتَ إلى الوسائطِ، بلْ يرى الوسائطَ مسخرةً لا حكمَ لها، فالمصدِّقُ بهٰذا مؤمنٌ، فإنِ انتفىٰ عنْ قلبِهِ معَ الإيمانِ إمكانُ الشكِّ.. فهوَ موقنٌ بأحدِ المعنيينِ، فإنْ غلبَ على قلبِهِ معَ الإيمانِ غلبةً أزالَ عنهُ الغضبَ على الوسائطِ، والرضا عنهُمْ والشكرَ لهمْ، ونزَّلَ الوسائطَ في قلبِهِ منزلةَ القلمِ واليدِ في حقِّ المنعمِ بالتوقيع، فإِنَّهُ لا يشكرُ القلمَ ولا اليدَ ولا يغضبُ عليهما، بلْ يراهما آلتينِ مسخَّرتينِ وواسطتينِ.. فقدْ صارَ موقناً بالمعنى الثاني، وهوَ الأشرفُ، وهوَ ثمرةَ اليقينِ الأوَّلِ وروحُهُ وفائدتُهُ.
ومهما تحقَّقَ أنَّ الشمسَ والقمرَ والنجومَ والجمادَ والنباتَ والحيوانَ وكلَّ مخلوقٍ فهيَ مسخراتٌ بأمرِهِ حسَبَ تسخُّرِ القلمِ في يدِ الكاتبِ، وأنَّ القدرةَ الأزليَّةَ هيَ المصدرُ للكلِّ.. استولى على قلبهِ غلبةُ التوكُّلِ والرضا والتسليمُ، وصارَ موقنًا بريئًا مِنَ الغضبِ والحقدِ والحسدِ وسوءِ الخُلقِ، فهذا أحدُ أبوابِ اليقينِ"
فهذا أحد أبواب اليقين.. الله أكبر.
يقول: "فإذا فهمتَ هذا المعنى.. علمتَ أنَّ المرادَ" باليقين من حيث:
- اصطلاح النُظّار: أنه نفي الشك و الجزم والقطع بالأمر.
- ومن حيث أيضاً كلام أهل الفقه: أنه ما استولى على القلب وغلب عليه وأثر فيه.
قال: فإذن تدرك أن لليقين تفاوت و درجات، من حيث القوة والضعف؛ اسْتعدادهم للموت يختلف بحسب تفاوت اليقين، من أيقن استعد.
قال: يختلف من حيث "القوَّةِ والضعفِ، والقلَّةِ والكثرةِ، والخفاءِ والجلاءِ".
- إذن هو من خلال "القوَّةِ والضعفِ" مُختلف.
- وكذلك باعتبار "القلَّةِ والكثرةِ"؛ قلة في المعلومات المُستيقَنة وكثرتها يختلف، ويقال: هذا لكونه أكثر يقينًا؛ لكونه عنده كثرة في متعلَّقات اليقين.
- كذلك "الخفاءِ والجلاءِ"، في الوضوح يختلف بين هذا وهذا.
وضرب لنا المَثَل: أنت مصدق بأن منطقة هناك اسمها مكة؟ قال: نعم، وهناك منطقة اسمها فَدَك.. موقن بذلك؟ يقول: نعم.. ما يَشُك في واحدة منهن؛ لكن شعورك وإدراكك بالقوة في أي البلدين أكثر؟ قال: مكة.. لماذا؟ لأن المخبرين بها والمحدِّثين عنها أكثر، وتلك يسمع بذكرها نادر وهو كان ما يشك فيها، فهذا من حيث "الخفاءِ والجلاءِ".
- يقول: "بالقوَّةِ والضعفِ" يأتي فعندنا مستعد للموت بقوة، ومستعد للموت بضعف، بحسب تفاوت اليقين؛ إذا ضعف اليقين يكون الاستعداد ضعيف، وإذا قوي اليقين يكون الاستعداد قوي.
- وكذلك يتفاوت "بالخفاءِ والجلاءِ"؛ كما ذكرنا في إيمانك بالبلدين.
- وكذلك "بالقلَّةِ والكثرةِ فذلكَ بكثرةِ متعلقاتِ اليقينِ؛ اليقينِ؛ كما يُقالُ: فلانٌ أكثرُ علمًا؛ أي: معلوماتُهُ أكثرُ"؛ كذلك أكثر يقيناً.
قال: "قدْ يكونُ العالِمُ قويَّ اليقينِ في جميع ما وردَ الشرعُ بهِ، وقدْ يكونُ قويَّ اليقينِ في بعضِهِ" وليس في الجميع؛ ولهذا يكون أيضاً التمكين، فأحياناً بعض الموقنين في بعض مقامات اليقين مُمكَّن، وبعضهم ليس مُمكَّن فيها، وبعضهم مُمكَّن في جميع مقامات اليقين.
قال: الآن فهمنا معنى اليقين، لكن قل لي مطلوب اليقين بأي شيء؟ هذا الذي تقول إن علماء الآخرة مشغوفون به ومعتنون به وشديدي العناية به، يقين بأي شيء؟ يعني: يقين على ماذا؟ قال: على ما جاء به الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وجميع ما بُعِثُوا به من الشرائع؛ هذا هو اليقين بهذا، قال: مرادنا اليقين بهذا، هذا هو محط اليقين، وهو إذن متَعَلَّق اليقين: ما بعث به النبيُّون -صلوات الله عليهم- من آدم إلى خاتمهم سيدنا محمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.
يقيننا بهذا، ما دعونا إليه وأمرونا بالإيمان به، نحن فيه على مراتب في اليقين؛ قال: ومتعلَّقات الشرائع ما نحيط بها ولكن سأذكر لك أهمها، "ولكنِّي أشيرُ إلى بعضِها وهيَ أمهاتُها:
"فمنْ ذلكَ التوحيدُ": ترى الأفعال، ما هي الأفعال؟ بالنسبة للحق؛ كل ما سواه.. كل ما سواه فهو فعله، كل ما سواه فهو فعله ﷻ.
- هذه الأفعال كلها إذا ترى شيء منها تتوهم فيه أدنى استقلال له؛ فأنت عندك ضعف في اليقين.
- وإذا أيقنت أنه لا استقلال لشيء من هذه الموجودات بنفسه قط، لا في خلقه ولا في إيجاده ولا في مكتسباته ولا في صورته ولا في شكله ولا في تقديمه ولا في تأخيره ولا في نفعه، ما لها استقلال، وكلها فعل واحد؛ هذا حقيقة من حقائق التوحيد.
إذن "وهوَ أنْ يرى الأشياءَ كلَّها مِنْ مسبِّبِ الأسبابِ، ولا يلتفتَ إلى الوسائطِ"، مثاله: واحد وقّع له الملك أو الأمير بصرف مكافأة له جائزة وهدية في ورقة بقلم، أخذها؛ شكره يتوجه للملك.. أم للورقة أم للقلم؟ يتوجه لمن؟ ويشعر أن من الذي قام معه؟ ورقة وقلم! أوراق ملء الدنيا لا دخل للورقة، ليست الورقة التي وهبتني ومنحتني هذا ولا القلم؛ يشكر الملك لأنه يشوف هذا فعله، قال: الكائنات كلها بالنسبة للحق مثل هذا..
بحلف يمين قطَّاعة *** ما أحد يحرك باعه
في معصية أو طاعة *** إلا إن حركها الله
إلا إن حركها الله ﷻ (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه) [التكوير:29]-جل جلاله-.
بس بعد ذلك أدب معه سبحانه وتعالى تأتي للوسائط تقول: بحكم الذي سخركم أمرني أنا أشكرك أنت، والشكر له، أنت مجرد مسخَّر.
- وهكذا كتب بعض العارفين إلى صاحبه يطلبه في حاجة، قال: فإن قضيتَها فالمنّ لله وأنت مشكور؛ المعطي الله وأنت مشكور، وإن لم تقضها فالمنع من الله وأنت معذور. فقط.. معذور.
- وهكذا كان واحد جالس تحت مكان مكتب حق بعض المسؤولين، فجاء واحد من أهل الصفاء واليقين وهو يُعَدُّ من العوام، قال: شافه دخل لعنده لحاجة معينة، فكأنه ما استجاب له وخرج، ثم خرج سمعته يقول: يا رب يوم ما أردتَ؛ عبدك ما رضي، لما أنك أنت ما تريد عبدك ما رضي.. هو يتكلم بذا الكلام فإذا ذاك تحرك قلبه داخل، قال: رجّعوا الرجال هذا رجّعوه، قال: هات الورقة، وقَّعها وأعطاه إياها، خرج قال: شفت يوم رضيتَ الآن؛ هو الذي دوَّر لي هو الذي جابنا لأنك أنت أردتَ، الأمر من عندك؛ فَهُم آلة تحت الجلالة.. آلة تحت الجلالة -لا إله إلا الله-.
- وهكذا قال بعض الصالحين، وكان معه صدقة وحصَّل فقير واحد من الصالحين كماه صالح، شافه قال: خذ، لا لك؛ خذ هذا ما هو لك؛ مراد هذا: أني أعطيتها وبذلتها من أجل الله، خذ هذا لا لك.. الثاني كماه هو صالح وَليّ قال: وهاتها لا منك، وأنت هاتها ما هي منك.. هات؛ خذها لا لك، قال: وهاتها لا منك.. وأنت ما هي منك؛ هو الذي سلط عليك الدواعي حتى جبتها، وهي ملكه وأنت ملكه وأنا ملكه، هات ما هي منك ولا شيء، هي منه سبحانه وتعالى -لا إله إلا الله-.
- وهكذا قال ﷺ: "إنَّما أنا قاسِمٌ واللهُ يُعطي" ﷺ.
يقول: "فإنِ انتفىٰ عنْ قلبِهِ معَ الإيمانِ إمكانُ الشكِّ..فهوَ موقنٌ"، يقول: هذا الذي يصدِّق بأن الوسائط كلها تحت قهر الله؛ هذا مؤمن معتقد، فإنِ انتفىٰ عنْ قلبِهِ الشك؛ فهو يقين باصطلاح النُّظار.
لكن "إنْ غلبَ على قلبِهِ معَ الإيمانِ غلبةً أزالَ عنهُ الغضبَ على الوسائطِ" كما قال ذاك: وإن لم تقضها فالمانع الله وأنت معذور؛ ما بزعل عليك لأنه لو أراد أنت ما بتقدر تتأخر، وإذا ما أراد أنت ما بتقدر تقوم بها؛ فالأمر منوط بإرادته، هذا غلَب على قلبه الإيمان هذا والتوحيد؛ فلهذا ماعاد يغضب على الرجال، كيف يغضب عليه وهو يعتقد أنه ما له استقلال أصلاً؟ كيف يغضب عليه؟
كما واحد يجي يمسك الورقة والقلم التي فيها أمر بسجنه، يقول: أنتِ يا خبيثة!.. هذه إلا ورقة؛ السجَّان هناك الذي أمر بسجنك، والمسؤول هو روح لعنده وقل له: لماذا سجنتني؟.. أما هذه تقول لها: لماذا تسجنيني؟..أنت مجنون؟!
وكذلك من غلب عليه اليقين ما يغضب على الوسائط هذه؛ يتعبد فقط أن يحب ما أحب ويبغض ما يبغض، ويرضى لرضاه ويغضب لغضبه، لكن ما ينسب للخلق ما ليس لهم، ويعلم أنه هو وهم مقهورون تحت أمر الواحد الأحد، المقدِّم هو والمؤخِّر هو، والنافع هو الضار هو.
وهكذا، "فإنْ غلبَ على قلبِهِ معَ الإيمانِ غلبةً أزالَ عنهُ الغضبَ على الوسائطِ، والرضا عنهُمْ والشكرَ لهمْ، ونزَّلَ الوسائطَ في قلبِهِ منزلةَ القلمِ واليدِ في حقِّ المنعمِ بالتوقيع، فإِنَّهُ لا يشكرُ القلمَ ولا اليدَ ولا يغضبُ عليهما، بلْ يراهما آلتينِ مسخَّرتينِ وواسطتينِ.. فقدْ صارَ موقنًا" موقناً عند العارفين وعند أهل الفقه في الدين، قال: "وهوَ الأشرفُ، وهوَ ثمرةَ اليقينِ الأوَّلِ وروحُهُ وفائدتُهُ".
قال: "ومهما تحقَّقَ أنَّ الشمسَ والقمرَ والنجومَ والجمادَ والنباتَ والحيوانَ وكلَّ مخلوقٍ فهيَ مسخراتٌ بأمرِهِ حسَبَ تسخُّرِ القلمِ في يدِ الكاتبِ، وأنَّ القدرةَ الأزليَّةَ هيَ المصدرُ للكلِّ.. استولى على قلبهِ غلبةُ التوكُّلِ والرضا والتسليمُ، وصارَ موقناً بريئاً مِنَ الغضبِ والحقدِ والحسدِ وسوءِ الخُلُقِ -لأنه يعرف الأفعال من- فهذا أحدُ أبوابِ اليقينِ" -لا إله إلا الله- وفيه تفصيل طويل ولكن هذا خلاصة.
"ومنْ ذلكَ الثقةُ بضمانِ اللهِ سبحانَهُ بالرزقِ في قولِهِ تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]، واليقينُ بأنَّ ذلكَ يأتيهِ، وأنَّ ما قُدِّرَ لهُ سينساقُ إليهِ، ومهما غلبَ ذلكَ علىٰ قلبِهِ.. كانَ مجمِلاً في الطلبِ، ولمْ يشتدَّ حرصُهُ وشرهُهُ وتأسُّفُهُ علىٰ ما يفوتُهُ، وأثمرَ هذا اليقينُ أيضاً جملةً مِنَ الطاعاتِ والأخلاقِ الحميدةِ.
ومِنْ ذلكَ أنْ يغلبَ علىٰ قلبِهِ أنَّ مَنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ خيراً.. يرَهُ، ومَنْ يعمل مثقالَ ذرةٍ شرأ.. يرَهُ: وهوَ اليقينُ بالثوابِ والعقابِ، حتَّىٰ يرى نسبةَ الطاعاتِ إلى الثوابِ كنسبةِ الخبزِ إلى الشبعِ، ونسبةَ المعاصي إلى العقابِ كنسبةِ السمومِ والأفاعي إلى الهلاكِ، فكما يحرِصُ على التحصيلِ للخبزِ طلباً للشبعِ فيحفظُ قليلَهُ وكثيرَهُ.. فكذلكَ يحرِصُ على الطاعاتِ كلُها قليلِها وكثيرِها، وكما يتجنَّبُ قليلَ السمومِ وكثيرَها.. فكذلكَ يجتنبُ المعاصيَ؛ قليلَها وكثيرَها، وصغيرَها وكبيرَها.
واليقينُ بالمعنى الأوَّلِ قدْ يوجدُ لعمومِ المؤمنينَ، أمَّا بالمعنى الثاني.. فيختصُ بهِ المقربونَ.
وثمرةُ هٰذا اليقينِ: صدْقُ المراقبةِ في الحركاتِ والسكناتِ والخطراتِ، والمبالغةُ في التقوىٰ، والاحترازُ عنِ كلِّ السيئاتِ، وكلَّما كانَ اليقينُ أغلبَ.. كانَ الاحترازُ أشدَّ والتشمُّرُ أبلغَ.
ومِنْ ذلكَ اليقينُ بأنَّ الله تعالى مطلعٌ عليكَ في كلِّ حالٍ، ومشاهدٌ لهواجسِ ضميرِكَ وخفايا خواطرِكَ وفكرِكَ: وهٰذا متيقَنٌ عندَ كلِّ مؤمنٍ بالمعنى الأولِ، وهوَ عدمُ الشكِّ، وأمَّا بالمعنى الثاني -وهوَ المقصودُ- فهوَ عزيزٌ يختصُ بهِ الصدِّيقونَ.
وثمرتُهُ: أنْ يكونَ الإنسانُ في خلوتِهِ متأدباً في جميعِ أحوالِهِ وأعمالِهِ؛ كالجالسِ بمشهَدِ ملكِ معظَّمِ ينظرُ إليهِ، فإنَّه لا يزالُ مطرقاً متأدّباً في جميعٍ أعمالِهِ، متماسكاً محترزاً عنْ كلِّ حركةٍ تخالفُ هيئةَ الأدبِ، ويكونُ في فكرتِهِ الباطنةِ كهوَ في أعمالِهِ الظاهرةِ؛ إذْ يتحقَّقُ أنَّ اللّهَ تعالىٰ مطلعٌ علىٰ سريرتِهِ كما يطلعُ الخلقُ على ظاهرِهِ، فتكونُ مبالغتُهُ في عمارةِ باطنِهِ وتطهيرِه وتزيينِهِ لعينِ اللهِ تعالى الكالِئَةِ أشدَّ مِنْ مبالغتِهِ في تزيينِ ظاهرِهِ لسائرِ الناسِ.
وهٰذا المقامُ في اليقينِ يورثُ الحياءَ والخوفَ والانكسارَ، والذلّ والاستكانةَ والخضوعَ، وجملةً منَ الأخلاقِ المحمودةِ، وهذهِ الأخلاقُ تورثُ أنواعاً مِنَ الطاعاتِ رفيعة.
فاليقينُ في كلِّ بابٍ مِنْ هذهِ الأبوابِ مثلُ الشجرةِ، وهذهِ الأخلاقُ في القلبِ مثلُ الأغصانِ المتفرِّعةِ منها، وهذهِ الأعمالُ والطاعاتُ الصادرةُ مِنَ الأخلاقِ كالثمارِ والأنوارِ المتفرِّعةِ مِنَ الأغصانِ، فاليقينُ هوَ الأصلُ والأساسُ، ولهُ مجارٍ وأبوابٌ أكثرُ ممَّا عدَّدْناهُ، وسيأتي ذلكَ في ربعِ المنجياتِ، وهذا القدرُ كافٍ في تفهيمِ معنى اللفظِ الآنَ".
يقول عليه رحمة الله تعالى-د من أبواب اليقين ومجاري اليقين أن الله ضمن للخلق برزقهم، قال: "(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]" وهذه النقطة مما يلعب فيها إبليس كثيراً، بل قامت كثير أيضًا من أفعال الكفار على ظهر الأرض على اللعب بالمسلمين من خلال هذا؛ من خلال ضعف اليقين في هذا.
حتى ربما أن أعداد من المسلمين ليست بقليلة يصبحون ويمسون وفي قلوبهم أن الذي سيقرِّب لهم الخيرات أويدفع عنهم الآفات، أويحقق لهم بعض المطامع أو يصرف عنهم بعض المضار التي يخافونها في أنفسهم أو في ممالكهم وما إلى ذلك، هم أهل السياسة الفلانية، وأهل السياسة الفلانية والإتجاه الفلاني؛ فكأنهم الفعَّالون دون الله!.. كأنهم الفعَّالون دون الله!
وهذا بسبب ضعف اليقين عند المسلمين، فبذلك سُلِّط عليهم أعداء الله تعالى؛ لأنهم ظنوا أنهم سيرفعونهم ويخفضونهم من دونه، وما وثقوا بالله سبحانه وتعالى أنه الذي يدفع عن عباده المؤمنين، وهو الذي يرفع قدرهم، وهو الذي يسخر الأسباب لهم، وهو الذي يدفع السوء عنهم ﷻ، لما ضعف هذا اليقين وأقاموا هؤلاء؛ فصاروا مثل الأصنام، مثل الأصنام المعبودة من دون الله تعالى؛ كأن يوقن أن هؤلاء ممكن يوقعونه في الورطة التي ما يقدر يتخلص منها، أو يخرج عن ملكه، أو ما عاد يحصل له قوت… أو شيء من ذا الكلام، ضعف اليقين عندهم حوّل الخلائق إلى أصنام مركوزة - والعياذ بالله تبارك وتعالى- وإلا فالأمر أعظم من ذلك.
وصار هذا استفحل في المسلمين حتى دخل البيوت، وصرتم تسمعون كثيراً يتحدثون من آباء وأمهات يقول: إذا ما درس ولدنا -مثلًا- أو جاء بالشهادة وتوظف من أين بيأكل بعدين؟.. من أين بيأكل؟! وأيام كان في بطن أمه من أين يأكل؟! والأيام هذه تظنون أنكم وهو صغير أنكم أنتم الذين تأكلونه؟ (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) [العنكبوت:60]، ماهو أنتم؛ أنتم مسخرين له الآن، والقُوت القَوَام قد تكفل الله سبحانه وتعالى به.
فانظر كيف أثَّر الوحي الشيطاني مقابل وحي الإله تعالى:
وحي الإله:
- "(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]".
- (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)[الذاريات:22-23].
- يقول صاحب الوحي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعوا على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ ولو اجتَمعوا على أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضرُّوكَ إلّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ".
- ويقول: "يَكتُبَ عملَه وأجلَه ورزقَه وشقيٌّ أم سعيدٌ".
وما قُدّر لماضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه.
الوحي الثاني يقول: الرزق من هنا، بهذه الوسائط وبهذه الأسباب!..والعجيب أنه بعدين حتى الحس يشهد بأن هذا ما هو صحيح.
- كثير من الذين قاموا بوسائل مثلاً: بعضهم الدراسة، وبعضهم إقامة أعمال؛ هؤلاء ما حصلوا وظائف، وهؤلاء ما نجحوا في العمل.
- وكثير من الذين ما عندهم شهادة ولا عندهم… وانفتح له باب في الرزق؛ باب كبير.
كان عندنا المعلم بن لادن -الله يرحمه- هذا كان أبوهم هؤلاء، ما يعرف يكتب اسمه جيدًا، ما يتقن كتابة اسمه، وبعدين والدكاترة والبروفيسورات والماجستير موظفين عنده، يجيئون لعنده، وهو صاحب الشركات هو صاحب المؤسسات وهو يأمرهم وينهاهم؛ وهو أُمّي ما يقدر يكتب اسمه تمام! رزق مفتوح، هذا مَثَلُه كثير؛ هذا واحد.
الثاني: كثير من الذين درس من أجل يتسبب لكسب الرزق، وتخصص في مجال معين، وكمّل ما أدري كم سنة جلس وكملها، وبعدين راح انفتح له رزق من باب ثاني ماهو حول تخصصه؛ ما تشوفون أحد منهم.. بالعشرات بالمئات؟ لا هو حول تخصصه ولا هو حول دراسته.. طيب والسنين تلك كلها؟! الآن جاك الرزق من هنا؛ هذا الرزق وأعماله وطريق اكتسابه.. ولا درست منها كلمة، وكل الي درسته قعدت عشر سنين تدرس، ولما تخرجت ولا عاد شيء استعملته من ما درسته أبداً في كسب الرزق، والرزق جاء لك بس من باب ثاني؛ من أجل يعلِّمك أن الأمر أمره والرزق رزقه، هو سبحانه وتعالى (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)[الرعد:26] كما قال.
هذا وحي الله -تبارك وتعالى- ولكن الناس في هذا وقعوا في مشاكل كثير، مع أن القيام بالأسباب مشروع وواجب بحدوده؛ ولكن وهم الاستقلال هذا عند الغير، وأنه ما يجيء إلا من هنا وهنا، ونسيان حقيقة الرزاق.
ولهذا كان يقولون: من شك في الرزق فقد شك في الرزاق.
لذا لما تاب بعض الذين كان ابتُليَ بحفر القبور ومن أجل سرقة الأكفان، تاب عند بعض العارفين قديمًا، لما تاب عنده قال له: قد حفرت كم؟ فذكر له عدد كبير منهم، قال له: وجدتهم على هيئتهم مستقبلين القبلة؟ ولا حُوِّلُوا؟ قال: الأكثر حُوِّلُوا! استرجع وقال: أتدري ماذا حولهم؟.. قال: شكُّهم في الرزق، ويظنون أن غيره يرزق، حُوِّلُوا عن القبلة -والعياذ بالله- وهم وسط قبورهم؛ (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)[الذاريات:58].
ولهذا تخاصم اثنين مرة وهم جالسين قال واحد: الحركة والتسبب أسباب للرزق وللشغل وغيره؛ ولكن الرزق من عند الله -تبارك وتعالى- قد يجيء رزق من غيرها، قال الآخر: ما يجي رزق إلا بحركة، قال له: أقول لك الحركة سبب وقد يجيء بحركة وبغير حركة، قال: أبداً، قال: أقول لك الحركات كلها مجرد أسباب، صناعات أو زراعات أو أسفار أو مباني… كلها أسباب، والرزق من عند الله.
قال له: اجلس محلك أنت هنا، وأنا بروح وبشوف من يجيء بالرزق، قال: تفضل رُح… خَرَج وحصَّل فاكهة عند الباب أخذها وجاء ورمى بها، وقال: شوف أقول لك ما يجيء رزق إلا بحركة!.. ذاك أخذ الفاكهة وأكلها، قال له: كمَّلت الذي معك؟! من الذي جاء برزق أول؟ قال: أنا، قال له: أين هو؟ أنا اللي جاءني رزق أول! أنت أكلتَ شي منه؟.. خدّام رُحتَ لي تخدمنا من أجل رزق لي من عند ربي، رُحتَ تخدمنا فيه وتجيبه لي بحركاتك ذي، وأنت ما رُزِقتَ شيء.. معك رزق؟! أنا قاعد في مَحَلِّي وجاءني الرزق، وأنت رُحتَ.. أكلت شي؟ قال: لا، ما معك رزق.. أنا الذي رزقني سبحانه وتعالى، قال: لا إله إلا الله.. ما الذي جعلني أرميها لك وأنا قاعد أتفرج وأنت تأكلها، وأنا أبربر بكلامي ولا فائدة!
فالرزق رزقه سبحانه وتعالى؛ يعطي المتحرك، ويعطي الساكن، ويعطي المتسبب، ويعطي غير المتسبب.
ومن أقوى الأسباب الأسباب الباطنة مثل ما عبَّر عنها:
- بقوله:(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطلاق:2-3].
- ومن القول: "مَن طلَب العلمَ، تكفَّلَ اللهُ لهُ برزقِه"
قال: "واليقينُ بأنَّ ذلكَ يأتيهِ، وأنَّ ما قُدِّرَ لهُ سينساقُ إليهِ، ومهما غلبَ ذلكَ علىٰ قلبِهِ.. كانَ مجمِلاً في الطلبِ" يطلب ويتسبب لكن بالإجمال، ما هو معتمد على السبب وراكن بالسبب، ومتوكل على السبب، ويظن أن السبب كأنه الفعال؟
قال: "ولمْ يشتدَّ حرصُهُ وشرهُهُ وتأسُّفُهُ علىٰ ما يفوتُهُ -لأنه من عند الله- وأثمرَ هذا اليقينُ أيضاً جملةً مِنَ الطاعاتِ والأخلاقِ الحميدةِ" من مثل: الحلم، ومن مثل: العفو والصفح، ومن مثل: حسن بشاشة الوجه والمقابلة، لأنه يعرف أن الرزق من فوق ماهو من هذا ولا من هذا، لا بيقدر يقدم لك ولا بيؤخر لك، ولا بيزيد رزقك ولا بينقصه، لا ذا ولا ذاك.
ولكن تجده يقول هذا قطع رزقي! لو كان رزقك ما بيقدر يقطعه لا هو ولا غيره؛ إلا الشيء الذي ماهو رزقك؛ ما بيجيك.
هذا يقوله الإمام الحداد:
الَّذِي لِغَيْرِكْ لَنْ يَصِلْ إلَيْكْ *** وَالَّذِي قُسِمْ لَكْ حَاصِلٌ لَدَيْكْ
الذي كُتِب لك بيجيء.
وقال ﷺ لمن أكل التمرة قال: "لَوْ لم تَأْتِها لَأَتَتْكَ"، راح وتناولها، وقال له: "لَوْ لم تَأْتِها لَأَتَتْكَ"؛ لأنها رزقك فلابد أن تأكلها.
-لا إله إلا الله.. سبحانه عز وجل-
قال: "ومِنْ ذلكَ أنْ يغلبَ علىٰ قلبِهِ أنَّ مَنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ خيراً.. يرَهُ، ومَنْ عمل مثقالَ ذرةٍ شرأ.. يرَهُ" -يختلفون فيه- "وهوَ اليقينُ بالثوابِ والعقابِ، حتَّىٰ يرى نسبةَ الطاعاتِ إلى الثوابِ كنسبةِ الخبزِ إلى الشبعِ، ونسبةَ المعاصي إلى العقابِ كنسبةِ السمومِ والأفاعي إلى الهلاكِ، فكما يحرِصُ على التحصيلِ للخبزِ طلباً للشبعِ" وهذا يحرص على الحسنات طلبًا للأجر والثواب، "فكذلكَ يحرِصُ على الطاعاتِ كلُها قليلِها وكثيرِها، وكما يتجنَّبُ قليلَ السمومِ وكثيرَها" ما يقول للسم: قليل قليل فقط.. كيف قليل فقط؟ ما شي قليل قليل ولا كثير.. ما يريده، كذلك الذنوب والمعاصي عنده مثل السموم ما يرضى منها بشيء -لا إله إلا الله- "فكذلكَ يجتنبُ المعاصيَ؛ قليلَها وكثيرَها، وصغيرَها وكبيرَها".
قال: "واليقينُ بالمعنى الأوَّلِ -أن الرزق من عند الله- قدْ يوجدُ لعمومِ المؤمنينَ" كلهم يقولون: نعم الرزق من عند الله، ولكن لابد من سبب.
لهذا جاء بعضهم وكان غريب، ونزل في جانب مسجد يصلي في المسجد، وبعدين إمام المسجد بعد مدة شافه قال له: أنت جالس هنا وفي المسجد دائمًا معتكف من أين تأكل؟ قال له: قال الله تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود:6]، قال له: نعم صحيح هذا؛ ولكن لابد من سبب، طوَّل عليه قال له: اسمع، تشوف هذا اليهودي جنب الدار وجنب المسجد في السوق يهودي معه دكان هناك، قال: هو تكفل لي برغيفين كل يوم. قال: تمام، قال: يا عدو نفسه! قلت لك الله يقول ما اطمأنيت! واليهودي هذا يمكن يغير رأيه الان، يمكن يموت الآن، يمكن يتشلل محلُّه ولا عاد يقدر يقوم الآن، وأنت وثقتَ بضمانة اليهودي، وأنا قد ذكرت ضمانة الله! وثقتُ وأنا أصلي معك هذا المدة.. بأقضى الصلوات التي صليتها خلفك، أنا بروح الآن وبدوِّر لإمام ثاني مسجد ثاني ما بصلي مع واحد يشك في رزق الرزاق ﷻ؛ قلت له الله قال: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، ما وثق، قلت له يهودي تكفل برغيفين وثق! هذا اليهودي ما يقدر ينفع نفسه ولا يضرها، ويمكن يموت في نفس اللحظة، ويمكن يغير رأيه في نفس اللحظة، لكن هذا ربي وعده حقه ما يختلف أبدًا، يجيء به عبر يهودي، عبر مسلم، عبر قريب، عبر بعيد.. كيف ما وثقت في كلام الله ووثقت في ضمانة اليهودي؟
قال: الآن كم صلوات صليت خلفك بروح بقضيها؛ لأني صليت خلف شاك في قول الله تعالى، وبدوِّر لإمام ثاني بتصلِّح يقينك أنت وإلا بدوِّر لإمام ثاني بروح مسجد ثاني، ما بقعد معك؛ لأنك وثقت بضمانة حقير ضعيف ما يقدر على نفع ولا ضر وشكيت في ضمانة الحق -جل جلاله وتعالى في علاه ..لا إله إلا الله-.
وهكذا كان في بعض قرى في اليمن قالوا: مرة كَبُرَ أبوهم صاروا ينقلونه كل مدة عند واحد من الأولاد، وواحد منهم كان صاحب صلاح وخير قال لهم: يا إخواني نُتعِبُ الوالد ننقله.. خلُّوه عندي بيبقى وأنا بقوم بخدمته، ومن يزوره منكم يتفضَّل ويجيء؛ فِكْر هؤلاء قالوا له: من أجل بعدين يوم يموت أنت بتأخذ الأرض حقه هذا العقار الذي معه -وكان مع أبوهم عقار- قال: لا لا ما أفكر في هذا، حتى بعطيكم ورقة أن نصيبي من الإرث لكم، أنا ما أريد شيء من حق الوالد، إلا بغيت أخدمه وأقوم بِبرُّه من أجل رضا ربي وقربه، قالوا: بتصلِّح ورقة؟ قال: نعم، قالوا: هيا صلِّح.. صلحها، قالوا: خُذ الوالد، أخذ والده وباقي عمره بقى يقوم بخدمته بإتقان مخلص لوجه الله، توفي بعدين.. صلَّوا عليه، اقتسموا أخوانه العقار ولا خلَّوا له شيء، ولا اعطوه شيء شالوه كله… راحوا هنا وهنا ودخلوا فيه مبايعات ومشاكل..خسروا.
عدَّت السنة وهو من أغنى الأغنياء هذا الولد البار.. جاء أخوانه لعنده بيشيلون من عنده نفقتهم، فصار هو الذي ينفق بعد سنة واحدة من وفاة الوالد، صار هو الذي ينفق على أخوانه هؤلاء الذين أخذوا التركة وخلُّوه بلا شيء، وفتح الله له أبواب الرزق ورزقه وأعطاه، وصار هو الذي ينفق على أخوانه بعد ذلك.
-لا إله إلا الله-
في واحد كان ابن عم هذا المعلم الذي ذكرناه بن لادن في القديم أول، وكان عاد ما شي هنا غنى في الدولة هذه.. وبدؤا يعمّرون الحرم ويوسِّعونه.. فقام هو بشركته بنِيَّة؛ فصار كثير من مال الشركة حقه يقدمه؛ لأنه كان ما يوجد عند الدولة فلوس كثير، فكان يقدمه من أجل الحرم تعظيم… فالشريك هذا الذي معه يقول له: أنت مجنون بتخسِّر الشركة! قاله: لا، ماهو معقول أنا أعمر بيته وهو بيخرب بيتي، قال: الآن أنت تأخذ وتأخذ، قال: هذا طريقي، قال: أنا بانفصل عنك، قال: انفصل.. أعطاه نصيبه من الشركة راح صلَّح له عمل ثاني.. مدة يسيرة وذاك تعب وما حصَّل شيء وخسر، رجع قال له: أريد معك في الشركة، قال له: تعال ارجع.. وهو تبارك ماله، وصار بعدين من الأغنياء، وفي فترات يستقرضون منه الدولة وغيرها، يستقرضون منه وهو أعانه الله؛ بالصدق وبالتقوى، وهو كما قلنا لكم ما يعرف يكتب اسمه حتى سواء.. لا إله إلا الله.
يقول: "ومن يعملْ مثقالَ ذرةٍ خيراً.. يرَهُ، ومَنْ عمل مثقالَ ذرةٍ شرأ.. يرَهُ"
- يقول: اليقين بالمعنى الأول: أن الناس مجزيون بأعمالهم؛ كل المؤمنين يوقنون بذلك.
- لكن بالمعنى الثاني: وهو استيلاؤه على القلب حتى يحاسب نفسه محاسبة دقيقة، هذا عند المقربين، اللهم ألحقنا بهم.
قال: "وثمرةُ هٰذا اليقينِ: صدْقُ المراقبةِ في الحركاتِ والسكناتِ والخطراتِ، والمبالغةُ في التقوىٰ، والاحترازُ عنِ كلِّ السيئاتِ، وكلَّما كانَ اليقينُ أغلبَ.. كانَ الاحترازُ أشدَّ والتشمُّرُ أبلغَ".
كذلك "ومِنْ ذلكَ اليقينُ بأنَّ الله تعالى مطلعٌ عليكَ" حيث ما كنت وأين ما كنت.
- (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)[الحديد:4].
- (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)[المجادلة:7] يقيننا بهذا يختلف -لا إله إلا الله-.
- وكونه يشاهد هواجسِ ضمائرنا وخفايا خواطرنا وفكرِنا -لا إله إلا هو-.
وكل مؤمن يتيقن بهذا بمعنى عدم الشك؛ لكن "بالمعنى الثاني -وهوَ المقصودُ- فهوَ عزيزٌ يختصُ بهِ الصدِّيقونَ".
ففي خلواتهم أدبهم مع الله واسع كبير، يشهدون شهود الله لهم واطلاعه عليهم، فهو أعظم من شهود الملائكة ومن شهود الخلائق؛ شهود الحق -تبارك وتعالى- واطلاعه عليهم ورؤيته لهم، فَهُم لذلك على أدب؛ قال ﷺ: "فاللهُ أحقُّ أنْ يُستَحْيا منه" جل جلاله وتعالى في علاه.
ولهذا تجدهم على آداب في خلواتهم وحيث لا يراهم أحد، وعلى تقوى في السر والعلن، ويكون في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة؛ لأن الله مطَّلع على سريرته كما يطَّلع الخلق على ظاهره، فيبالغ في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه لنظر الله ولعين الله التي تكلؤه وتطلع عليه جل جلاله وتعالى في علاه.
"وهٰذا المقامُ في اليقينِ يورثُ الحياءَ والخوفَ والانكسارَ، والذلّ والاستكانةَ والخضوعَ، وجملةً منَ الأخلاقِ المحمودةِ، وهذهِ الأخلاقُ تورثُ أنواعاً مِنَ الطاعاتِ رفيعة".
"كلِّ بابٍ مِنْ هذهِ الأبوابِ مثلُ الشجرةِ"
لها أغصان وأنوار يعني: أزهار - الأنوار هنا بمعنى: الأزهار، جمع نَوْر، لا جمع نُور- قال: "كالثمارِ والأنوارِ المتفرِّعةِ" -يعني الأزهار- "المتفرِّعةِ مِنَ الأغصانِ"
- فإن الزهر يسمى نَوْر؛ النَوْر هو الزهر وجمعه أنوار.
- والنُور كذلك جمعه أنوار؛ النُور: الضياء وجمعه أنوار.
كلها جمعها أنوار، ولكن هذا جمع نَوْر وهذا جمع نُور.
"الأنوارِ المتفرِّعةِ مِنَ الأغصانِ، فاليقينُ هوَ الأصلُ والأساسُ، ولهُ مجارٍ وأبوابٌ أكثرُ ممَّا عدَّدْناهُ، وسيأتي ذلكَ في ربعِ المنجياتِ،" تكلم عن اليقين ومعاني اليقين بكلام وافٍ، لكن قال: "وهذا القدرُ كافٍ"؛ لتتبين ما مرادنا باليقين؟ وما مرادنا أن علماء الآخرة يعتنون بقوة اليقين؟
الله يقوي يقيننا، الله يرزقنا النصيب الوافي من هذا اليقين يا أكرم الأكرمين.
لذا الكثير من العارفين يستحي من كثرة دخوله للخلاء ومن تردده على الخلاء، وكان يقلل الطعام، قال: أنا أستحي يراني هكذا.. يراني هكذا -لا إله إلا الله- وهم على دوام المراقبة له سبحانه وتعالى في خلواتهم وجلواتهم -لا إله إلا هو إليه المصير- يا رب وفِّر حظنا من هذا اليقين وألحقنا بالسابقين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
25 رَجب 1447