آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 12 | علامات علماء الآخرة: الاهتمام بعلم الباطن، وتقوية اليقين
الدرس الثاني عشر في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الجمعة 20 رجب 1447هـ
يواصل بيان علامات علماء الآخرة: أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، وأن يكون شديد العناية بتقوية اليقين
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
"وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فيما يرويهِ عنْ ربِّهِ: "لا يزالُ العبدُ يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّىٰ أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ.. كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ بهِ... " الحديثَ.
فكمْ مِنْ معانٍ دقيقةٍ مِنْ أسرارِ القرآنِ تخطرُ على قلْبِ المتجرِّدِينَ للذكرِ والفكرِ تخلو عنها كتبُ التفاسيرِ ولا يطلعُ عليها أفاضلُ المفسرينَ! وإذا انكشفَ ذلكَ للمريدِ المراقبِ وعُرِضَ على المفسرينَ.. استحسنوهُ، وعلموا أنَّ ذلكَ مِنْ تنبيهاتِ القلوبِ الزكيةِ، وألطافِ اللهِ -تعالىٰ- بالهممِ العاليةِ المتوجهةِ إليهِ، وكذلكَ في علومِ المكاشفةِ وأسرارِ علومِ المعاملةِ ودقائقِ خواطرِ القلوبِ؛ فإنَّ كلَّ علْمٍ مِنْ هذهِ العلومِ بحرٌ لا يُدركُ عمقُهُ، وإنَّما يخوضُهُ كلُّ طالبٍ بقدْرِ ما رُزِقَ منهُ، وبحسَبِ ما وُفِّقَ لهُ مِنْ حُسُنِ العملِ.
وفي وصفِ هؤلاءِ العلماءِ قالَ عليٌّ- رضيَ اللهُ عنهُ- في حديثٍ طويلٍ:
القلوبُ أوعيةٌ، وخيرُها أوعاها، والناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ ربانيٌّ، ومتعلِّمٌ علىٰ سبيلِ النجاةِ، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلونَ معَ كلِّ ريحِ، لمْ يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولمْ يلجؤوا إلىٰ ركنٍ وثيقٍ، العلمُ خيرٌ مِنَ المالِ، العلمُ يحرسُكَ وأنتَ تحرسُ المالَ، والعلمُ يزكو على الإنفاقِ والمالُ تنقصُه النفقةُ، محبَّةُ العالمِ دينٌ يدانُ بهِ، تُكتسبُ بهِ الطاعةُ في حياتِهِ، وجميلُ الأحدوثةِ بعدَ موتهِ، العلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليهِ، ومنفعةُ المالِ تزولُ بزوالِهِ، ماتَ خُزَّانُ الأموالِ وهمْ أحياءٌ، والعلماءُ باقونَ ما بقيَ الدهرُ.
ثمَّ تنفَّسَ الصعداءَ وقالَ: هاهِ! إنَّ هٰهنا علْمًا جمًّا لوْ وجدتُ لهُ حملةً، بلْ أجدُ طالبًا غيرَ مأمونٍ يستعملُ آلةَ الدينِ في طلبِ الدنيا، ويستطيلُ بنعَمِ اللهِ علىٰ أوليائِهِ، ويستظهرُ بحُجَجهِ علىٰ خلقِهِ، أوْ منقادًا لأهلِ الحقِّ، لكنْ ينزرعُ الشكُّ في قلبِهِ بأوَّلِ عارضٍ مِنْ شبهَةِ، لا بصيرةَ لهُ، لا ذا ولا ذاكَ، أوْ منهومًا باللذَّاتِ سلسَ القيادِ في طلبِ الشهواتِ، أوْ مغرىً بجمْعِ الأموالِ والادخارِ، منقادًا لهواهُ، أقربُ شَبَهًا بهما الأنعامُ السائمةُ.
اللهمَّ؛ هكذا يموتُ العلمُ إذا ماتَ حاملوهُ، بلْ لا تخلو الأرضُ مِنْ قائمِ للهِ بحجَّةٍ، إمَّا ظاهرٌ مكشوفٌ، وإمَّا خائفٌ مقهورٌ؛ لئلا تبطَلَ حججُ اللهِ تعالىٰ وبيِّناتُهُ، وكمْ وأينَ.. أولئكَ همُ الأقلُّونَ عددًا، الأعظمونَ قدرًا؟! أعيانُهُمْ مفقودةٌ، وأمثالُهُمْ في القلوبِ موجودةٌ، يحفظُ اللهُ تعالىٰ بهِمْ حججَهُ حتَّىٰ يُودِعُوها نظراءَهُمْ، ويزرعُوها في قلوبِ أشباهِهِمْ، هجَمَ بهمُ العلْمُ علىٰ حقيقةِ الأمرِ، فباشروا رُوحَ اليقينِ، فاستلانوا بما استوعرَ منهُ المترفونَ، وأَنِسُوا بما استوحشَ منهُ الغافلونَ، صَحِبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الأعلىٰ، أولئكَ أولياءُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ خلقِهِ، وأمناؤُهُ وعمالَهُ في أرضِهِ، والدعاةُ إلى دينِهِ.
ثمَّ بكىٰ وقالَ: واشوقاهُ إلىٰ رؤيتِهِمْ.
فهذا الذي ذكرَهُ آخرًا هوَ وصْفُ علماءِ الآخرةِ، وهوَ العلمُ الذي يُستفادُ أكثرُهُ مِنَ العملِ والمواظبةِ على المجاهدةِ."
يذكر اهتمامهم بهذا العلم. ومن المعلوم أن اهتمامهم بعلم الباطن لا يتناقض مع علم الظاهر من قريب ولا من بعيد؛ بل يُحسنون استعمال علم الظاهر ويقفون على أسرار المعاملات. فيحسنون مُعاملة الله -تبارك وتعالى- بأقوالِهم وأفعالِهم وأحوالِهم وصفاتِهم، ووجهاتِهم ونيَّاتِهم على مراقبة واهتمام بالنَّوايا، بالمقاصِد، وكلَّما خطر خاطر من رياء أو عُجب أو غرور، ردُّوه ورفضوه، وتبرَّأوا إلى الله منه، ورجعوا إليه وسألوه الخلاص منه والسلامة من شرِّه. فلا يزالون في هذه المجاهدة حتى يُكرمهم الله -تعالى- بتعليمٍ من عنده، وبإدراكٍ للحقيقة، واستمساكٍ قوي ثابت بالعروة الوثيقة.
فهؤلاء لا يزال منهم؛ كما نقرأ في كلام سيدنا علي- الذي أورده أبو نعيم في الحلية، وأورده أيضًا الخطيب في تاريخ بغداد وغيرهم؛ وعند الدارميّ نقل كثير من كلام سيدنا علي فيما يتعلق بالعلم: أنهم يؤدونه إلى نُظرائهم وإلى أمثالهم. فيبقى هذا العلم في الأمة محفوظ بحمد الله -تعالى-؛ وإن كثرت الفتن، وظهرت المحن، وانتشرت آفات الالتفات إلى غير الله -تبارك وتعالى-.
ثم يذكر لنا في شأن هؤلاء واستفتاء القلوب وما يحصل لهم، ما أشار إليه الحق -تعالى- فيما روى عنه نبيّه محمد ﷺ فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث: "مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيًّا فقد آذَنتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّهُ".
وبعد ذلك يذكر الحق -تعالى- ثمرات لأسرار محبته إذا أحب عبدًا من هؤلاء العباد، الذين آتاهم العقل والقلوب، وآتاهم هذه الأرواح، وجعلهم من بني آدم ومن أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن المتَّصلين بإقامة الفرائض بأصنافها، وترك المُحرَّمات كلها بأصنافها؛ كيف تكون محبته لهم، وما مقدار هذه المحبة؟
فجاء بكلام عظيم لا يزال أهل الإشراق والذوق من خواص أهل العلم من عهد الصحابة إلى اليوم متحيرين في معانيه الواسعة. حتى ألَّف الشيخ الشوكاني -عليه رحمة الله- كتاب مُستقل سمَّاه: قَطْرُ الولي -الولي بمعنى المطر- على حديث الولي؛ مجلَّد مخصوص في حديث البخاري هذا: "مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيًّا فقد آذَنتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّهُ"
وذكر الأقوال في معنى: ".. فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ… " وذكر القول الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس في معاني: "كُنْتُ سَمْعَهُ.."، "كُنْتُ بَصَرَهُ..". قال: بحفظه له، أو بتجلِّيه عليه بنور، أو بصرف حمايته من الطاعات، وهذا قد تقدَّم.. وذكر سبعة.. ثمانية.. عشر أقوال.
وصل إلى أنه يُمدّه الله في هذه القوى والعطاء بأنوارٍ ربَّانية يتَّسع له فيها المجال ما لا يتَّسع لغيره، ووقف عند هذا. والأمر لا يزال شأنه عظيم إذا الرحمن يقول: " كُنْتُ سَمْعَهُ.. كُنْتُ بَصَرَهُ.. يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا.. رِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا.." لسانه الذي ينطق به؛ ما هذا!
جاء في الرواية: "..فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي ينْطق.."
ايش من آدمي هذا مخلوق وعبد؛ ورب العرش يقول: "..كنت سَمعه وبصره وَلسَانه وَيَده وَرجله.."!
ما هذا الوصف؟! وما هذا التجلَّي الكبير من الرحمن -جل جلاله-؟!
أشار الإمام الغزالي إلى معنى من ذلك فقال: "فكمْ مِنْ معانٍ دقيقةٍ مِنْ أسرارِ القرآنِ تخطرُ على قلْبِ المتجرِّدِينَ للذكرِ والفكرِ تخلو عنها كتبُ التفاسيرِ ولا يطلعُ عليها أفاضلُ المفسرينَ! وإذا انكشفَ ذلكَ للمريدِ المراقبِ وعُرِضَ على المفسرينَ.. استحسنوهُ" ورأوا أنه كلام علم واضح مؤيَّد.
وهذه الكشوفات حقهم -من باب أولى المرائي- ما يقبلون منها إلا ما شهد له الشاهدانِ العدلانِ بالحق.
ما الشاهدانِ العدلانِ؟ الكتاب والسنة، فلا يقبلون من المرائي ولا من الكشوفات؛ ما هو إلَّا ما شهد له شاهدا الكتاب والسنَّة بالصحة. وهذا الذي كان يقوله سيدنا الجنيد بن محمد: إن الالتباس فيه كثير والدعوة التي تسارع إليها النفس، وتدَّعي ما ليس لها، وتدَّعي أنه انكشف لها حجاب، وتدَّعي أنها وصلت إلى مراتب.. وتدَّعي، وتدَّعي، وتدَّعي، وتدَّعي…
والدَّعاوي إن لم تقيموا عليها *** بيِّناتٍ أبْنَاؤهَا أدْعيَاء
بهذا يأتي الفرق الكبير، كما سأل سائل أيضًا عن الفرق: كيف نجمع بين التباعد عن الفتوى وتداول الفتوى وبين التعليم والإرشاد؟
التعليم والإرشاد غير الفتوى؛ الفتوى محل مرموق بين الناس؛ محل التفات أنظار؛ محل رغبات النفوس؛ محل منزلة ومكانة بين الناس، هذا مرادهم بهذه الفتوى. أمَّا مجرد التعليم والتذكير وإلَّا مسائل في طهارة أو في صلاة واضحة بيِّنة مبينة من خلال مذاهب أهل السنة الواضحة، هذا يجب نشر التعليم بها، ويجب التَّساؤل فيها.
لكن انتصابك للفتوى -كما أشرنا في الكلام- إمَّا قضايا كبيرة ومختصَّة بأرباب الحذق والمهارة في العلم، أو محل ظهور بين الناس، هذه الفتوى التي كانوا يتباعدون عنها، هذه الفتوى التي كانوا يحذّرون منها.
وكما أشرنا أيضًا أنهم يتسابقون إلى التعاون على البر والتقوى، وإلى الإحسان، وإلى البذل والتضحية، هذه الأمور التي يتسابقون إليها -عليهم رضوان الله-، وإلى القيام وإلى الذكر، وإلى نفع بعضهم البعض وخدمة بعضهم البعض، أمور يتسابقون إليها كلهم هؤلاء الأئمة.
لكن الأمور التي إمَّا في حد ذاتها خطرة بين العبد وبين ربه، أوتميل إليها النفس بحكم الهوى هذا الذي يتباعدون عنه، هذا هو الفتوى.
كذلك وكما الفارق بين أهل أسرار القرآن هذه وبين من يقول في القرآن برأيه.
الذي يقول في القرآن برأيه: هو الذي يسبق عنده مُراد وأمر، ويلوي من أجله كلام القرآن أو كلام السنة لكي يصل إلى مراده، على غير بصيرة وعلى غير علم وعلى غير هدى. أما المطَّلع على أسرار القرآن، بالعكس يشهد القرآن له، كما قال أهل العلم الظاهر لمَّا يسمعوا هذا الكلام من العارفين يستحسنونه ويتعجبون فيه، يقولون: ما أعجبه!
فلما ورد مرة سيدنا أبو الحسن الشاذلي إلى مصر، وجلس في مجلس فيه كبار من العلماء وفيهم سيدنا العز بن عبد السلام -سلطان العلماء-، وجلسوا في مجلس ضم جماعة من كبار علمائهم في ذلك الوقت في مصر. فتكلم، وسيدنا أبو الحسن جالس بينهم، كان ينصت إليهم، فقالوا: تكلّم أنت يا أبا الحسن! جئتنا وما تكلمت أنت في هذه المسائل؛ أنتم أهل العلم وأنتم أهل المعرفة، ماذا أقول لكم؟
قالوا: لا بد تتكلم بشيء.
قال: إذًا لا تستغربون، بسألكم؟
قالوا: تفضل!
قال: أصلَّيتم؟
يقول لكبار العلماء!
قالوا: كيف تسأل عن الصلاة؟
قال: إنما أسأل عن الصلاة الدائمة، ألم تسمعوا قول ربكم: (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 23]! وما ديمومة الصلاة عند المصلي، أإذا صلَّى سويعات وأوقات ثم خرج من الصلاة، أيكون دائم الصلاة؟
ما ديمومة الصلاة؟ قال: (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ).. تدوم معهم أسرار الصلاة في خارج الصلاة حتى يكون دوام وقتهم، يقظتهم كلها حتى يَسري إلى نومهم وهم يصلون. (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ).. فهم دائمًا في معنى الركوع، وفي معنى السجود، وفي معنى التسبيح، وفي معنى الذكر،.. وأخذ يتكلم. فصاح العز بن عبد السلام وقال: تعال أيها الناس اسمعوا هذا الكلام حديث عهد بربه؛ هذا كلام طري -يعني: جديد مُتنزل بفتح من الله تعالى-. فعلِم أنه يشهد له الكتاب والسنة ويشهد له وعلماء الظاهرون يعرفونه، وأما الذي يتكلم برأيه ويجيب أمور مستغربة وينكرها عليه ظاهر الشرع، هذا يقول في القرآن برأيه ".. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". فرق بين هذا وهذا!
والثاني الذي قال عنه سيدنا علي: إلا فهمًا يؤتاه أحدنا في كتاب الله. فهم صحيح قائم على أساس هذه المعاني الاي أشار إليها الإمام علي -رضوان الله عليه تبارك وتعالى- وقال: "وعلموا أنَّ ذلكَ مِنْ تنبيهاتِ القلوبِ الزكيةِ، وألطافِ اللهِ -تعالىٰ- بالهممِ العاليةِ المتوجهةِ إليهِ، وكذلكَ في علومِ المكاشفةِ وأسرارِ علومِ المعاملةِ ودقائقِ خواطرِ القلوبِ" بأنواعها:
- الخاطر الرباني.
- والخاطر الملكي.
- والخاطر النفسي.
- الخاطر الشيطاني.
وأصنافها وحكمة ورودها وكيفية التعامل معها. قال: "فإنَّ كلَّ علْمٍ مِنْ هذهِ العلومِ بحرٌ لا يُدركُ عمقُهُ" سواء في علوم المكاشفة أو أسرار علوم المعاملة التي ألّف فيها هو الإحياء هذا؛ حتى ابتدأ في العبادات بـ:
- كتاب أسرار الطهارة.
- كتاب أسرار الصلاة.
- كتاب أسرار الصوم.
- كتاب أسرار الزكاة.
- أسرار الحج.. وما إلى ذلك.
- أسرار المعاملة؛ أو دقائق خواطر القلوب.
"فإنَّ كلَّ علْمٍ مِنْ هذهِ العلومِ بحرٌ لا يُدركُ عمقُهُ، وإنَّما يخوضُهُ كلُّ طالبٍ بقدْرِ ما رُزِقَ منهُ، وبحسَبِ ما وُفِّقَ لهُ مِنْ حُسُنِ العملِ"، فيأتي الوهب من الله تعالى على قدر حسن الأعمال.
"وفي وصفِ هؤلاءِ العلماءِ قالَ سيدنا عليٌّ- رضيَ اللهُ عنهُ-: الذين قاموا بحق الشريعة واستمسكوا بالطريقة فوصلوا إلى الحقيقة، "القلوبُ أوعيةٌ، وخيرُها أوعاها"، قال: "والناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ ربانيٌّ، ومتعلِّمٌ علىٰ سبيلِ النجاةِ، وهَمَجٌ رَعاعٌ".
هؤلاء أصناف الأمة المحمدية:
- إما عالمٌ ربانيٌّ: أخذ العلم عن أهله وبسنده وبالصحة وقام بالعمل به، وغاص على أسرار العمل والمعاملة للرحمن، وصار ربانيًّا، مُربَّى لا يريد إلا وجه الله، مجموع القلب على الله، عالِم ربانيّ.
- "ومتعلِّمٌ علىٰ سبيلِ النجاةِ": يطلب؛ يطلب الخلاص من شرور نفسه وسيئاتها، يطلب الخلاص من الانقطاع الذي هو فيه والحجاب الذي هو فيه، يطلب الوصول إلى الرحمن، يطلب مرافقة سيد الأكوان والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار الكرامة. ما أراد العلم من شأن سمعة ولا شهرة ولا مال، يطلب النجاة، قال: هذا متعلم على سبيل النجاة.
- والذي ما عنده ذِه ولا ذِه وقع في الصنف الثالث: "هَمَجٌ رَعاعٌ"، ما لهم زمام من نور الشريعة، نور الوحي، نور العلم يزمهم ويأخذ بعقولهم وأفكارهم، "هَمَجٌ": متغلِّب عليهم أهواء وشهوات، "رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ"، يسمعونكم يقولون: نعم، هذا تمام.. لا هذا أحسن.. يمكن هنا.. نحب روح هنا.. نشوف..، وإن ظهر واحد.. وراءه، وإن ظهر واحد.. وراءه، بصيرة ما في "يميلونَ معَ كلِّ ريحِ، لمْ يستضيئوا بنورِ العلمِ، -على وجه الحقيقة- ولمْ يلجؤوا إلىٰ ركنٍ وثيقٍ".
وكان يخاطب كُميل: "يا كُميل، "العلمُ خيرٌ مِنَ المالِ، العلمُ يحرسُكَ وأنتَ تحرسُ المالَ، والعلمُ يزكو على الإنفاقِ والمالُ تنقصُه النفقةُ، محبَّةُ العالمِ، -المتحقَّق بهذا العلم، قال:- دينٌ يدانُ بهِ". "دينٌ يدانُ بهِ" الله أكبر.
لهذا لما كان من مصادر العلوم في الأمة خواص آل البيت الطاهر من أوائلهم الأكابر، وكانت القصة التي تسمعونها عن سيدنا زين العابدين مع الفرزدق، وقال شِعره وما هو إلا شاعر؛ لكن الثقافة التي عنده من خلال مجالسة أمثال مجالس الحسن البصري ومن معهم في ذاك الوقت من سادة التابعين، وصل إليه من الثقافة بحكم ما ورثه في أسرته وفي مجتمعه من الإيمان أن محبة هؤلاء وُصْلة بالله قُربى إلى الله ودِين يُدان به الله وتفسير لحقائق: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ*وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا..) [المائدة:55-56] وفي قصيدته يقول هذا، وينتهي إليها يقول:
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دينٌ وَبُغْضُهُمُ *** كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَلجا وَمُعْتَصَمُ
إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ *** أوْ قِيلَ مَنْ خيرُ أهلِ الأرْض قِيلَ هُمُ
يقول في أثناء القصيدة:
مَن يَعْرف الله يَعْرف أوّلِيّةَ ذا *** ..........
يعرف التقدمة لمثل هذا الإنسان الذي أمامك هذا الذي قلتَ ما أدري، قلت ما أعرفه، الأمير هشام بن عبد الملك أيام كان وليّ العهد، سألوه أهل الشام عنه: مَن هذا الذي يهابونه؟ قال: لا أدري، هو يدري لكن ما أبغاهم يرغبون فيه.
فقال:
وَلَيْسَ قَوْلُكَ لا أدْري بِضَائرِه *** العُرْبُ تَعرِفُ مَن أنكَرْتَ وَالعَجمُ
في بدايته لما أراد أن يستلم الحجر الأسود مع زحمة الناس في موسم الحج، ما تمكن الأمير من القرب وفي تلك الأيام ما كان الأمراء يتجاسرون على طرد الناس.. فأمر بمنبر له كرسي في جانب الحرم ينظر الطائفين جلس عليه. بينما هو في ذلك الحال أقبل سيدنا عليّ زين العابدين، لما ظهر في صحن المطاف وقف المطاف بأهله، انشقوا له حتى لما دخل إلى الحجر وقبّله وصار يمشي والناس يحفُّونه من حواليه؛ اهتزوا هؤلاء الجنود الذين معه وقالوا: من هذا الرجل الذي يهابه الناس هذه الهيبة؟ هم كانوا ينادون في المطاف ويقولون: أوسعوا أوسعوا هذا ولي العهد هشام بن عبد الملك، والناس يُسبِّحون ويحمدون، ما أحد إلتفت إليه، وهذا من دون ما يكلم أحدًا، الناس وقفوا، من هذا؟ قال: لا أدري. ذا جاءته الغيرة الإيمانية التي عنده، وكان مع الذين حقه، قال: أنا والله أعرفه، أنا أدري. قالوا: من هو يا أبا فراس؟ قال:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ *** وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِم **** هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ
هذا ابنُ فاطمَةٍ إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ *** بِجدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا
يُنمى إلى ذرْوَةِ العِزِّ التي قَصُرَتْ *** عَنِ نَيْلِها عَرْبُ الإسْلامِ والعَجَمُ
إذا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قال قائِلُها *** إلى مَكَارِمِ هذا يَنْتَهِي الكَرَمُ
يُغْضِي حَياءً وَيُغضَى من مَهابَتِه *** فَمَا يُكَلَّمُ إلّا حِينَ يَبْتَسِمُ
ما قال لا قطُّ إلّا في تَشَهُّدِهِ *** لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ
فِي كَفّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ *** يَكادُ يُمْسِكُهُ رِيحُ الحَطِيمِ إذا ما جَاءَ يَستَلِمُ
الله أكبر! وأخذ يكمل:
مَن يَعْرف الله يَعْرف أوّلِيّةَ ذا *** فالدِّينُ مِن بَيتِ هذا نَالَهُ الأُمَمُ
وَلَيْسَ قَوْلُكَ لا أدْري بِضَائرِه *** العُرْبُ تَعرِفُ مَن أنكَرْتَ وَالعَجمُ
من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ *** كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَلجا وَمُعتَصَمُ
إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ *** أوْ قِيلَ مَنْ خيرُ أهلِ الأرْض قِيلَ هُمُ
غضب هشام وأمر بحبسه، وحبسوه. وبلغت القصة لسيدنا زين العابدين، أمر وكيل حقه معه 20 ألف وقال أرسلها إليه. وصلت إليه قال: ما مدحتكم لهذا، لو نريد هذا نمدحهم هم هؤلاء؛ مدحتكم لله ولرسوله، أنا أريد قربى لربي، لما مدحتك أنت قصدي، فلما بلغوا زين العابدين ، قال: قولوا له ونحن أهل بيت إذا أخرجنا شيئًا فيه لا نعود فيه، عليه رضوان الله.
فالشاهد هذا قوله: محبتهم دين، قال سيدنا عليّ -عليه الرضوان-: "محبَّةُ العالمِ دينٌ يدانُ بهِ، تُكتسبُ بهِ الطاعةُ في حياتِهِ، وجميلُ الأحدوثةِ -يعني: الذكر الجميل لأوصافه وأقواله ودلالاته بعدَ موتهِ، العلمُ حاكمٌ والمالُ محكومٌ عليهِ، ومنفعةُ المالِ تزولُ بزوالِهِ، ماتَ خُزَّانُ الأموالِ وهمْ أحياءٌ -لا زالوا في الدنيا وهم ميتين؛ موت القلوب- والعلماءُ باقونَ ما بقيَ الدهرُ".
"ثمَّ تنفَّسَ الصعداءَ"، كنت أذكر له أبيات في هذا المعنى، قال:
ما الفخرُ إلا لأهلِ العِلمِ إنَّهُمُ *** على الهُدى لِمَن استهدى أدِلَّاءُ
وقدرُ كُلِّ امرِئٍ مَا كانَ يُحسِنُهُ *** والجاهِلُونَ لأهلِ العِلمِ أعدَاءُ
فَفُزْ بِعِلمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أبدًا *** النَّاسُ مَوتَى وأهلُ العِلمِ أحْيَاءُ
قال "ثمَّ تنفَّسَ الصعداءَ"، مِن ما يحمله من هموم سيدنا علي، "وقالَ: هاهِ! إنَّ هٰهنا علْمًا جمًّا لوْ وجدتُ لهُ حملةً"؛ مشحون بعلم، أخذه من معدن، وصح الحديث: "أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها".
حتى ألف فيه الشيخ الغُماري ثلاثة مؤلفات: مختصر ومطول ومتوسط في تفنيد أسانيد هذا الحديث، وحكم بصحته "أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها".
وكان يقول: لي ساعة من رسول الله أجلس معه فيها لا يجلس معه فيها غيري، في الليل كان يجيؤه، قال: كنت آتيه في الحجرة التي بات فيها، من حُجَر أمهات المؤمنين، قال فآتي الباب فأستأذن، قال: فإن كان يصلّي سبّح، لو وجدته في تهجده يصلّي ويسبّح، وإن وجدته في غير صلاة يأذن لي، فأدخل عنده وأجلس معه.
فالحبيب يقول: "إن هاهنا علمًا جمًّا". إيش بيتكلم هو والحبيب؟! إيش يقول فيه؟! كم تلك الليالي والساعات يتكلمون عن إيش الحديث؟!.
"إنَّ هٰهنا علْمًا جمًّا لوْ وجدتُ لهُ حملةً، بلْ أجدُ:
- طالبًا غيرَ مأمونٍ". عنده في ذا الوقت سيدنا علي يتكلم على التابعين بينا وبينه 1400 سنة، "طالبًا غيرَ مأمونٍ يستعملُ آلةَ الدينِ في طلبِ الدنيا" يتلقف منّا كلمتين، ويقول أنا أخذت عن الإمام عليّ، ويطلب بها عرض الدنيا، وينصب نفسه، ما ندري مَن.. وما ندري مَن..)، " يستعملُ آلةَ الدينِ في طلبِ الدنيا، ويستطيلُ بنعَمِ اللهِ علىٰ أوليائِهِ"، نِعَم الله التي أعطاها الأولياء يدّعيها هو، ويدّعي أن عنده ولاية وعنده معرفة وعنده أسرار وعنده وعنده وعنده.. سيدنا عليّ قال، قال: هذا ما آمنهم على العلم، هؤلاء ما هم أهل لأخذ هذا العلم"، "يستطيلُ بنعَمِ اللهِ علىٰ أوليائِهِ، ويستظهرُ بحُجَجهِ علىٰ خلقِهِ".
تشوفهم كما قال سيدنا عمر: أخوف ما أخاف على الأمة منافق عليم. قالوا: كيف منافق عليم؟ قال: عليم اللسان، يجيب الآيات ويجيب الأحاديث، فقط يستظهر بها على مراداته، هذا واحد.
أو قد يُحصّل منقادًا للحق، لكن ما عنده ثبات، ما عنده صدق، يسمع مني، يتعلم شيئ ويبدأ في مسلك، لكن ينزرع الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، يلويه ذا، ويلويه ذا، ويصدق ذا، وإذا أحد جاء يكلمه يخليه يتشكك. ما وجد طالب العلم الصادق الثابت، الذي ما يتزعزع حتى يصل إلى غور العلم وحقيقته، إذا بدأنا نعطيهم شيئًا، أتوا بسرعة يشك بأي واحد يتكلم، يقول له فلان فعل وفلا ترك، يبدأ يتشكك، "لا بصيرة له".
وقد قال له ﷺ: "لا يُحِبُّك إلَّا مؤمنٌ ولا يُبغِضُك إلَّا منافقٌ"،
كان يقول: لو سقيتُ المنافق سمنًا وعسلًا لم يزدد لي إلا بغضًا، ولو علوت المؤمن بسيفي لم يزدد لي إلا حبًّا. بعد قول رسول الله: "لا يُحِبُّك إلَّا مؤمنٌ ولا يُبغِضُك إلَّا منافقٌ".
يُذكر في بعض مناقبه وكراماته أنه بعض الذين تعلقت قلوبهم بمحبته من أجل الله ومحبة رسول الله ﷺ وصحابته وآل بيته. في جماعة كانوا ينالون من سيدنا علي، فكان يرد عليهم ويذب عن عرض سيدنا علي، في يوم خلافته، غوته نفسه هذا المحب ووقع في سرقة، جيء به إلى عند سيدنا علي، وعندما ثبت عليه الحد، أمر بقطع يده، قُطعت يده، قُطعت يده وناوله إياها وحملها ومشى، عدّى في الطريق، حصّل القوم هؤلاء الذين يتكلمون على سيدنا علي، قالوا: مِن أين جئت؟ قال: جئت من عند سيد المسلمين، ختن الرسول وصهر البتول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قالوا له: إيش هذا ما معك؟ ماذا في يدك؟ قال: أمر بقطع يدي، قالوا: يقطع يدك وتقول عنه كذا؟! عادك تمدحه وتسبه وتثني عليه وهو قطع يدك؟ قال: هو الحق، هذا دِين بيني وبين الله، أدين به. واحد كان مارًّا في الطريق يسمعهم، راح عند سيدنا علي، قال: الرجل الذي وقع في زلة وقطعته؟ قال: نعم، قال: أنا مريت به في الطريق وهو يقول للقوم: كذا، قالوا: كذا، قال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: اُدْعه، قل له: يجي، دعاه، فلما جاء إلى عنده، قال: أين اليد؟ معك؟ قال: نعم، قال: هاتها، فوضعها في مكانها، ولف عليها الثوب، قال: حد الله قد أقمناه خلاص، انتهت مع الحكم، والآن أنا بسأل الحق يردها عليك، لا تفتحها إلا في بيتك، روح اخرج، راح، وسيدنا علي أجرى اتصال فوق…، وصل حصّل يده كما كانت، ردها الله سبحانه وتعالى.
وهكذا يقول: -وبجد الثابت هذا- "ينزرعُ الشكُّ في قلبِهِ بأوَّلِ عارضٍ مِنْ شبهَةِ، لا بصيرةَ لهُ، لا ذا ولا ذاكَ". لا بعطيه اللي يريد العلم من أجل الدنيا، ولا بعطيه ذا المتشكك اللي أي واحد يلويه كذا ولّا كذا.
- "أوْ منهومًا باللذَّاتِ" -غير ذانك الاثنين- " منهومًا باللذَّاتِ -الفانيات- سلسَ القيادِ في طلبِ الشهواتِ" واحد.
- "أوْ مغرىً بجمْعِ الأموالِ والادخارِ". يريد رصيد، يريد ثراء، أو يريد…. وبعدين؟ قال: "منقادًا لهواهُ".
قال: هذا الذي منهوم باللذات متبع الشهوات، وهذا المغرم بالمال، "أقربُ شَبَهًا بهما الأنعامُ السائمةُ" مثل الأنعام، هؤلاء أعطيهم العلم هذا اللي عندي؟! أعطيه هؤلاء؟! قال: هذا اللي قدامي، -يعني: أكثر الموجودين أمامي- إما:
- "طالبًا غيرَ مأمونٍ، يستعملُ آلةَ الدينِ في طلبِ الدنيا، ويستطيلُ بنعَمِ اللهِ علىٰ أوليائِهِ، ويستظهرُ بحُجَجهِ علىٰ خلقِهِ".
- "أوْ منقادًا لأهلِ الحقِّ، لكنْ ينزرعُ الشكُّ في قلبِهِ بأوَّلِ عارضٍ مِنْ شبهَةِ، لا بصيرةَ لهُ، لا ذا ولا ذاكَ".
باقي اثنين ثانيين، والاثنين الثانيين قدامي من هم؟ قال:
- "منهومًا باللذَّاتِ"، يريد يأكل ويشرب وينام ويلبس الفاخر من الثياب و…، وراها، هذا فكره، سلس القياد في طلب الشهوات.
- أو الثاني أوْ مغرىً بجمْعِ الأموالِ والادخارِ، بيدخر يخبي ويجيب ويريد.. وراها، وبعدين؟! منقادًا لهواهُ" مثل الأنعام.
فإيش من الأربعة هؤلاء أريد أعطيهم العلم؟
"هاهِ! إنَّ هٰهنا علْمًا جمًّا لوْ وجدتُ لهُ حملةً".
كان معه بعض الخواص الذين حواليه؟ بدأ يَكبُر ولده الحسن والحسين وتلقوا من حواليهم…لكن بقيت وكما أشار ما تبقَى هذه العلوم إلا مع الله.
"اللهمَّ؛ هكذا يموتُ العلمُ إذا ماتَ حاملوهُ؛" استدرك قال: "بلْ لا تخلو الأرضُ" فيبقى هذا العلم مع عزته وعزة أهله وقلتهم ويستمر على مدى القرون "بلْ لا تخلو الأرضُ مِنْ قائمِ للهِ بحجَّةٍ" من أرباب اليقين والمعرفة هؤلاء، "إمَّا ظاهرٌ مكشوفٌ" وفي رواية: إما ظاهر مشهور وإما خامل مستور، هنا "إمَّا ظاهرٌ مكشوفٌ، وإمَّا خائفٌ مقهورٌ، -لكنهم موجودين- لئلا تبطَلَ حججُ اللهِ تعالىٰ وبيِّناتُهُ". وهذا الذي يشير إليه الحديث، الحديث بسند صحيح جاء "يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عُدولُه -عدول كل خلف في كل عصر يحملونه- يَنفونَ عنه تحريفَ الغالينَ وانتِحالَ المبطِلينَ وتأويلَ الجاهِلينَ". و"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ نَاوَاهُم" يقول ﷺ.
قال: "لئلا تبطَلَ حججُ اللهِ تعالىٰ وبيِّناتُهُ، وكمْ وأينَ.. أولئكَ همُ الأقلُّونَ عددًا، -مع قلة عددهم- الأعظمونَ قدرًا؟! أعيانُهُمْ مفقودةٌ، وأمثالُهُمْ في القلوبِ موجودةٌ، يحفظُ اللهُ تعالىٰ بهِمْ حججَهُ حتَّىٰ يُودِعُوها نظراءَهُمْ"، وفي لفظ جاء في رواية: "حتى يؤدوها إلى نظرائهم"، مَن يخلفهم من بعدهم وفيه قوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْنَنْسَأْهَا) وفي قراءة (أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة:106].
"حتَّىٰ يُودِعُوها نظراءَهُمْ ويزرعُوها في قلوبِ أشباهِهِمْ" من الذين أخلصوا وصدقوا وعلت وجهتهم إلى فوق، قال: هم الذين يتداولونها ويتناولونها وتنتقل منهم من فريق إلى فريق، ومن زمان إلى زمان.
منهم هؤلاء الذين يكونون من الأبدال بأرض الشام على مدى القرون ومنهم... قال: "الأقلُّونَ عددًا، الأعظمونَ قدرًا؟! أعيانُهُمْ مفقودةٌ، وأمثالُهُمْ في القلوبِ موجودةٌ، يحفظُ اللهُ تعالىٰ بهِمْ حججَهُ حتَّىٰ يُودِعُوها نظراءَهُمْ".
قال: "هجَمَ بهمُ العلْمُ علىٰ حقيقةِ الأمرِ، فباشروا رُوحَ اليقينِ". فعلاماتهم كيف هم في هذا؟ قال: "فاستلانوا بما استوعرَ منهُ المترفونَ". المترفون يستوعِرون كثرة القراءة وكثرة القيام والسهر في الليل، البذل والتضحية وبذل النفس، وبذل المال، والتذلل لله تعالى، والصبر على الجوع والفقر؛ هذا المترفون يستَوعرونه، قال: هو ليّن عندهم هذا، "فاستلانوا بما استوعرَ منهُ المترفونَ، وأَنِسُوا بما استوحشَ منهُ الغافلونَ". الغافلون يستوحشون من الخلوة، يستوحشون من الوحدة، يستوحشون من قلة كلام الناس، يستوحشون من الثياب الخلِقة، يستوحشون من الجوع، يستوحشون من السهر. هؤلاء الغافلون. قال: هؤلاء يأنسون مما يستوحش منه هؤلاء "فاستلانوا بما استوعرَ منهُ المترفونَ، وأَنِسُوا بما استوحشَ منهُ الغافلونَ، صَحِبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الأعلىٰ". كم شخص تنظره حاضرًا وروحه في العلا تجول؟
يقول كان بعض العارفين: لي عشرون سنة يظنون الناس أني أتكلم معهم وأنا ما أتكلم إلا مع الله؟ كيف؟ يعني متمكن في قلبي الحضور مع الله، ما أقول لواحد السلام عليكم، إلا وأنا مع الله، ممتثل لأمره، مقتدٍ بنبيه، أشهده يسمعني، وبه أنطق وأتكلم، ولا أجاوب على أحد بكلمة إلا وأنا مع الله، ما أتكلم مع الناس ما أتكلم مع الخلق، إنما أتكلم مع الله.
أبدان في الدنيا لكن الأرواح لا، القلوب فوق.
الله أكبر، الله أكبر، سبحان الله.
"أرواحُها معلَّقةٌ بالمحلِّ الأعلىٰ، أولئكَ أولياءُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ خلقِهِ، وأمناؤُهُ وعمالَهُ في أرضِهِ"، عماله؟ عمال، تشوف المندوبين من الحكومات والقائمين عليها؟ فهؤلاء عمال الله في الأرض، هؤلاء محل نظر الله، الذي بهم يدفع الرزايا، وبهم يدفع البلايا، وبهم يهبُ الخيرات، للعمال حق الله في الأرض؛ يعني: الموكلين من الله تعالى، الذي يؤتي ملكه من يشاء جل جلاله وتعالى في علاه، ليس الملك العام، هذا الملك العام تؤتي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء، لكن يؤتي ملكه هو ملكه هو من يشاء الله تعالى، الله يؤتي ملكه هو، ما هو الملك حق الخلق ذا، ملكه هو يؤتيه من يشاء، يعني: يجعل من أحبابه في أرضه وسماه من إذا سأل أُعطي وإذا…. وقالت السيدة عائشة للحبيب: إني أرى ربك يسارع في هواك، -اللي تحبه ربك معاك-، رسول الله لا إله إلا الله؛ لكن هم هم هم تحققوا بالعبودية، هم أصلًا ما عاد بقيت لهم إرادة غير إرادة الله، ولا بقيت لهم مشيئة مع مشيئة الله، وانطوَوا في عظمة الله تعالى، فكانوا عمال الله في أرضه، فهم محل نظره، محل تسييره، بهم يرحم وبهم يُقرِب وبهم يُسْعِد وبهم يهدي من يشاء. "وأمناؤُهُ وعمالَهُ في أرضِهِ، والدعاةُ إلى دينِهِ. ثمَّ بكىٰ وقالَ: واشوقاهُ إلىٰ رؤيتِهِمْ". يتذكر من فقدهم من الصحابة الأوائل، راحوا قبله مثل سيدنا أبو بكر وعمر وعثمان، ومن في طبقاتهم، ويتذكر أيضًا من بيحمل هذا ممن يجيء بعده وبكى.
يقول سيدنا الغزالي: "فهذا الذي ذكرَهُ آخرًا هوَ وصْفُ علماءِ الآخرةِ، وهوَ العلمُ الذي يُستفادُ أكثرُهُ مِنَ العملِ والمواظبةِ على المجاهدةِ"، لا من الكتب، الكتب كل يتناولها، والعلم اللي فيها حتى الشيطان يقدر يعرفه، إبليس بنفسه يطّلع عليه.
لكن علوم ما يقدر عليها لا غافل ولا فاسق ولا مجرم ولا كافر ولا محجوب، موضوعة في قلوب، هذا العلم الشريف العزيز اللي يرفع الله أصحابه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].
الله يوفر حظنا من هذه العلوم.
يدعي سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم يقول: اللهم إني أسألك العلم اللّدُنّي والمشرب الصافي الهنيّ يا وهاب يا غنيّ.
"ومنها: أنْ يكونَ شديدَ العنايةِ بتقويةِ اليقينِ: فإنَّ اليقينَ هوَ رأسُ مالِ الدين، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "اليقينُ الإيمانُ كلُّهُ".
ولا بدَّ منْ تعلُّمِ علْمِ اليقينِ، أعني أوائلَهُ، ثمَّ ينفتحُ للقلبِ طريقُهُ، ولذلكَ قالَ ﷺ: "تعلَّمُوا اليقينَ"، ومعناه: جالسوا الموقنينَ، واسمعوا منهُمْ علْمَ اليقينِ، وواظبوا على الاقتداءِ بهِمْ؛ ليقوىٰ يقينكُمْ كما قويَ يقينُهُمْ، وقليلٌ منَ اليقينِ خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العملِ.
قالَ ﷺ لمَّا قيلَ لهُ: رجلٌ حسنُ اليقينِ كثيرُ الذنوبِ، ورجلٌ مجتهدٌ في العبادةِ قليلُ اليقينِ؟ فقالَ ﷺ: "ما مِنْ آدميِّ إلاَّ ولهُ ذنوبٌ، ولكنْ مَنْ كانَ غريزتُهُ العقلَ وسجيتُهُ اليقينَ.. لمْ تضرُه الذنوبُ؛ لأنَّه كلَّما أذنبَ.. تابَ واستغفرَ وندمَ، فتُكفَّرُ ذنوبُهُ، ويبقىٰ لهُ فضْلٌ يدخلُ بهِ الجنةَ".
ولذلكَ قالَ ﷺ: "مِنْ أقلِّ ما أُوتيتمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ، ومَنْ أُعْطيَ حَظَّهُ منهما.. لمْ يُبَالِ ما فاتَهُ مِنْ قيامِ الليلِ وصيامٍ النهارِ".
وفي وصيةِ لقمان لابنِهِ: يا بنيَّ؛ لا يُستطاعُ العملُ إلا باليقينِ، ولا يعمَلُ المرءُ إلا بقدْرٍ يقينِهِ، ولا يقصِّرُ عاملٌ حتَّىٰ ينقصَ يقينُهُ.
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: إنَّ للتوحيدِ نورًا، وللشرْكِ نارًا، وإنَّ نورَ التوحيدِ أحرقُ لسيئاتِ الموحدينَ منْ نارِ الشرْكِ لحسناتِ المشركينَ، وأرادَ بهِ اليقينَ.
وقدْ أشارَ اللهُ تعالىٰ في القرآنِ إلى ذكرِ الموقنينَ في مواضعَ دلَّ بها علىٰ أنَّ اليقينَ هوَ الرابطةُ للخيراتِ والسعاداتِ."
نعم يقول هذا علامة بارزة من علامات علماء الآخرة -الله يلحقنا بهم- أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين؛ يعني: قوة التصديق بما جاء به صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، قوة ذلك، لأن اليقين عبارة -كما يشرح لنا- عن قوة الإيمان والرسوخ في القلب حتى يصير كالطود الشامخ والجبل الراسخ ما يُزَعزَع لشيء. قال: يعتنون "بتقويةِ اليقينِ: فإنَّ اليقينَ هوَ رأسُ مالِ الدين"، وذكر هذا الحديث والحديث في صحيح البخاري موقوف على ابن مسعود قوله: "اليقينُ الإيمانُ كلُّهُ".
هنا ذكره عند أبي نعيم والبيهقي مرفوعاً، وهو في صحيح البخاري من كلام ابن مسعود قال ابن مسعود: ""اليقينُ الإيمانُ كلُّهُ".
قال: "ولا بدَّ منْ تعلُّمِ علْمِ اليقينِ، أعني أوائلَهُ"، تعرف واجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وأسماء الله سبحانه وتعالى وصفات الحق سبحانه وتعالى الواجبة والمستحيلة هذه أوائل قال: ومع التقوية في كل إذن (أمر) لليقين، على الإيمان بالله ورسوله وأسماء الله سبحانه وتعالى وصفات الحق سبحانه وتعالى الواجبة والمستحيلة والجائزة، هذه أوائله.
قال: "ثمَّ ينفتحُ للقلبِ طريقُهُ، ولذلكَ قالَ ﷺ: "تعلَّمُوا اليقينَ"، -قال: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين وأبو نعيم في الحلية، "تعلموا اليقين"، كيف نتعلم اليقين؟ قال: "ومعناه: جالسوا الموقنينَ، واسمعوا منهُمْ علْمَ اليقينِ، وواظِبوا على الاقتداءِ بهِمْ؛ ليقوىٰ يقينكُمْ كما قويَ يقينُهُمْ، وقليلٌ منَ اليقينِ خيرٌ مِنْ كثيرٍ مِنَ العملِ".
"قالَ ﷺ لمَّا قيلَ لهُ: رجلٌ حسنُ اليقينِ كثيرُ الذنوبِ، ورجلٌ مجتهدٌ في العبادةِ قليلُ اليقينِ؟ فقالَ ﷺ: "ما مِنْ آدميِّ إلاَّ ولهُ ذنوبٌ، ولكنْ مَنْ كانَ غريزتُهُ العقلَ وسجيتُهُ اليقينَ.. لمْ تضرُه الذنوبُ؛ لأنَّه كلَّما أذنبَ.. تابَ واستغفرَ وندمَ، فتُكفَّرُ ذنوبُهُ، ويبقىٰ لهُ فضْلٌ يدخلُ بهِ الجنةَ"، ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.
ويقول: اليقين.. كثرة العبادة مع ضعف الإيمان ما ترفع صاحبها، عبادة أقل منها مع قوة يقين ترفع صاحبها، تفيده وتجمعه على الله تعالى. ولهذا يقول: "مِنْ أقلِّ ما أُوتيتمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ"، يعني: أن الخيرات التي ما يحصلها إلا القليل من الناس، هذا معناه من أقل ما أوتيتم، كيف أقل ما أوتيتم؟ يعني: ما تُؤتَون منه هذا شيء كثير، ما يحصله إلا القليل منكم. أي: يجمع بين اليقين وعزيمة الصبر -قوة يقين وصبر في المجاهدة-، قال: "مِنْ أقلِّ ما أُوتيتمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ، ومَنْ أُعْطيَ حَظَّهُ منهما.. لمْ يُبَالِ ما فاتَهُ مِنْ قيامِ الليلِ وصيامٍ النهارِ"، فإنه باليقين وعزيمة الصبر يبلغ درجة هؤلاء ويزيد.
ولهذا يقول في حسن الخلق -الذي هو عبر عنه بالصبر هنا-: "إنَّ العبدَ لَيدرِكُ بِحُسنِ الخُلُقِ درجةَ الصّائمِ -الذي لا يفطر- الَّذي يصومُ النَّهارَ ويقومُ اللَّيلَ لا يفتر"، بحسن خلقه يدرك هذه الدرجة.
لقمان لابنه يقول: "يا بنيَّ؛ لا يُستطاعُ العملُ إلا باليقينِ، ولا يعمَلُ المرءُ إلا بقدْرٍ يقينِهِ، ولا يقصِّرُ عاملٌ حتَّىٰ ينقصَ يقينُهُ".
"وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: إنَّ للتوحيدِ نورًا، وللشرْكِ نارًا"، فنار الشرك تحرق الحسنات، ونور اليقين يحرق السيئات قال: "وإنَّ نورَ التوحيدِ أحرقُ لسيئاتِ الموحدينَ منْ نارِ الشرْكِ لحسناتِ المشركينَ، وأرادَ بهِ اليقينَ".
وقال أشار الله تعالى في القرآن إلى ذكر الموقنين في مواضع، منها قال سبحانه وتعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام:75]. خليله إبراهيم قال حتى تصل منزلة اليقين هذه وليكون من الموقنين، سيدنا الخليل إبراهيم، وهم أهل حق اليقين. سيدنا إبراهيم ارتقى في مراتب حق اليقين مراقي إلى حد أنه يريد وصول إلى درجة حق اليقين في إحياء الموتى، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ) علم اليقين وعين اليقين عنده عن إحياء الموتى، لكنه يريد حق اليقين (قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، الله تكرّمَ عليه، قال: مرحبًا. (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) قطِّع رؤوسهن وقطِّع أجسامهن ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا) فرق القطع حقهن في الجبال بعدين؟ بعدين ما قال له: انظر أنا بحييهن (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) أنت بنفسك يا إبراهيم، يعني: أمكِّنك من إحياء الموتى أنا، أنت نفسك أنا أحييتك وأُميتك، ولكن الآن أُمكًِنك أن تحيي الموتى بإذني، كما قال سيدنا عيسى في خطابه الله يقول له: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ)....(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي)[المائدة:110]
وفي الآية الثانية (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران:49]، جل جلاله وتعالى في علاه.
ذا سيدنا إبراهيم قال: خلاص شوف أحياء الموتى كيف، نريك كيف نحيي الموتى؟ ونمكِّنك أنت منهن (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأتِينَكَ) بسرعة يلبِّين الطلب، وهذا حق اليقين قال: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة:260].
فإنْ قلتَ: فما معنى اليقينِ، وما معنىٰ قوتِهِ وضعفِهِ؟ فلا بدَّ مِنْ فهمِهِ أولاً، ثمَّ الاشتغالِ بطلبِهِ وتعلُّمِهِ؛ فإنَّ ما لا تُفهَمُ صورتُهُ لا يمكنُ طلبُهُ.
فاعلمْ: أنَّ اليقينَ لفظٌ مشتركٌ يطلقُهُ فريقانٍ لمعنيينِ مختلفينِ:
أمَّا النظَّارُ والمتكلمونَ: فيعبُّرونَ بهِ عن عدمَ الشكَّ؛ إذْ ميلُ النفسِ إلى التصديقِ بالشيءِ لهُ أربعُ مقاماتٍ:
الأولُ: أنْ يعتدلَ التصديقُ والتكذيبُ، ويُعبَّرُ عنهُ بالشكِ، كما إذا سُئِلتَ عنْ شخصٍ معيَّنِ أنَّ اللهَ تعالىٰ يعاقبُهُ أمْ لا وهوَ مجهولُ الحالِ عندَكَ.. فإنَّ نفسَكَ لا تَميلُ إلى الحَكْمِ فيهِ بإثباتِ ولا نفيٍ، بلْ يستوي عندَك إمكانُ الأمرينِ، فيسمَّىٰ هذا شكًّا.
الثاني: أنْ تميلَ نفسُكَ إلىٰ أحدِ الأمرينِ معَ الشعورِ بإمكانِ نقيضِهِ، ولكنَّهُ إمكانٌ لا يمنعُ ترجيحَ الأوَّلِ، كما إذا سُئِلتَ عنْ رجلٍ تعرفُهُ بالصلاحِ والتقوىٰ أنَّهُ بعينِهِ لوْ ماتَ على هذهِ الحالةِ هلْ يُعاقبُ؟ فإنَّ نفسَكَ تميلُ إلىٰ أنَّهُ لا يُعاقبُ أكثرَ مِنْ ميلِها إلى العقابِ، وذلكَ لظهورِ علاماتِ الصلاحِ، ومعَ هذا فأنتَ تجوِّزُ اختفاءَ أمرٍ موجبِ للعقابِ في باطنِهِ وسريرتِهِ، فهذا التجويزُ مساوقٌ لذلكَ الميلِ، ولكنَّه غيرُ دافعٍ رجحانَهُ، فهذهِ الحالةُ تُسمَّىٰ ظنًا.
الثالثُ: أنْ تميلَ النفسُ إلى التصديقِ بشيءٍ بحيثُ يغلبُ عليها ولا يخطرُ بالبالِ غيرُهُ، ولوْ خطرَ بالبالِ.. لنَبَتِ النفسُ عنْ قبولِهِ، ولكنْ ليسَ ذلكَ عنْ معرفةٍ محقَّقةٍ؛ إذْ لو أحسنَ صاحبُ هذا المقامِ التأمُلَ والإصغاءَ إلى التشكيكِ والتجويزِ.. لاتسعتْ نفسُهُ للتجويزِ، وهذا يسمَّى اعتقادًا مقاربًا لليقينِ، وهوَ اعتقادُ العوامِّ في الشرعياتِ كلِّها؛ إذْ رسخَ في نفوسِهِمْ بمجرَّدِ السماع، حتَّىٰ إنَّ كلَّ فرقةٍ تثقُ بصحَّةِ مذهبِها وإصابةِ إمامِها ومتبوعِها، ولو ذُكِرَ لأحدِهمْ إمكانُ خطأِ إمامِهِ.. نفرَ عنْ قبولِهِ.
الرابعُ: المعرفةُ الحقيقيةُ الحاصلةُ بطريقِ البرهانِ الذي لا يُشكُّ فيهِ، ولا يُتصوَّرُ الشكُّ فيهِ، فإذا امتنعَ وجودُ الشكِّ وإمكانُهُ.. يسمَّىٰ يقينًا عندَ هؤلاءِ".
بيذكر لنا اصطلاحين الآن، قال: إذا قلت: إيش معنى اليقين؟ ما معنى قوته وضعفه؟
قال: "أنَّ اليقينَ لفظٌ مشتركٌ يطلقُهُ فريقانٍ لمعنيينِ مختلفينِ":
- فالفريق الأول: فريق "النظَّارُ والمتكلمونَ" -أهل علم التوحيد هذا الظاهري وأهل صناعة علم الكلام-، قال عندهم اليقين له معنى.
- ويتكلم عن اليقين أهل توحيد الوجهة إلى الله تعالى وإقامة الجمعية على الرحمن من خواص العارفين، قال: إذًا فهو عند علماء الكلام اليقين له معنى، ولكن عند الفريق الثاني وهم أهل الفقه في الدين والمعرفة الخاصة، معنى اليقين عندهم ثاني.
قال: بذكره لك، "أمَّا النظَّارُ والمتكلمونَ: فيعبُّرونَ بهِ عن عدمَ الشكَّ؛ إذْ ميلُ النفسِ إلى التصديقِ بالشيءِ لهُ أربعُ مقاماتٍ:
- أول مقام: اعتدال، يمكن ما يمكن، ما هناك ترجيح، تجويز الأمرين من دون مزية لأحدهما على الآخر، ما هناك ترجيح لجانب، يعني كله يمكن سواء سواء، هذا هو الشك، فتجويز الأمرين من دون ترجيح لأحدهما على الآخر هذا يقال له شك، يعتدلَ التصديقُ والتكذيبُ،، مثاله: إذا سُئِلتَ عنْ شخصٍ معيَّنِ أنَّ اللهَ تعالىٰ يعاقبُهُ أمْ لا وهوَ مجهولُ الحالِ عندَكَ.. لا تدري أهو من الأخيار، "فإنَّ نفسَكَ لا تَميلُ إلى الحَكْمِ فيهِ بإثباتِ ولا نفيٍ"، هذا شك.
- الثاني: وراءه ظن، "أنْ تميلَ نفسُكَ إلىٰ أحدِ الأمرينِ"، فيكون أرجح عندك من الثاني، هذا فوق الشك ظن؛ أنت من نفسك تميل مع الشعور بإمكان نقيضه، "ولكنَّهُ إمكانٌ لا يمنعُ ترجيحَ الأوَّلِ كما إذا سُئِلتَ عنْ رجلٍ تعرفُهُ بالصلاحِ والتقوىٰ" والبر والإنابة والخشية والورع، قالوا لك: إذا مات على هذه الحالة تظن أن الله يعذبه؟ يقول: الترجح عندك أن الله لا يعذب مثل هذا، مع أنك تجوز أن يكون بينه وبين الله شيء ما أدري به، لكن الراجح والغالب أنه لا يعذب مثل هذا. فهذا يسمى ظن، تجويز أحد الأمرين مع مزية لأحدهما على الآخر، فالذي له المزية الراجح، يقال له: ظن، المرجوح ذاك وهم، واستواءهم شك، خرجنا من الوهم والشك والظن.
- قال الثالث: "أنْ تميلَ النفسُ إلى التصديقِ بشيءٍ بحيثُ يغلبُ عليها ولا يخطرُ بالبالِ غيرُهُ، ولوْ خطرَ بالبالِ.. لنَبَتِ النفسُ عنْ قبولِهِ، ولكنْ ليسَ ذلكَ عنْ معرفةٍ محقَّقةٍ؛ إذْ لو أحسنَ صاحبُ هذا المقامِ" لو أصغى إلى المشككين بقوة وكثُر عنده الكلام، لقبلت نفسه الشك والتجويز. "وهذا يسمَّى اعتقادًا مقاربًا لليقينِ، -وليس بيقين- وهوَ اعتقادُ العوامِّ في الشرعياتِ كلِّها؛ إذْ رسخَ في نفوسِهِمْ بمجرَّدِ السماع، حتَّىٰ إنَّ كلَّ فرقةٍ تثقُ بصحَّةِ مذهبِها وإصابةِ إمامِها ومتبوعِها، ولو ذُكِرَ لأحدِهمْ إمكانُ خطأِ إمامِهِ.. نفرَ عنْ قبولِهِ" لكن لو حد قعد مع بعضهم …. يوم يومين يقول: يمكن، يمكن غلط، لاحول ولا قوة إلا بالله
- المستوى الرابع: "المعرفةُ الحقيقيةُ الحاصلةُ بطريقِ البرهانِ الذي لا يُشكُّ فيهِ، ولا يُتصوَّرُ الشكُّ فيهِ، فإذا امتنعَ وجودُ الشكِّ وإمكانُهُ"، هذا هو عند النُظّار والمتكلمين هو اليقين.
سيُفَصل لنا بعد ذلك فيما يأتي إن شاء الله، طال الوقت عليكم، العفو، جمعنا الله وإياكم على الخير.
سؤال:
عن التفضيل سواء بين الصحابة وكذلك بين الأولياء؟
التفضيل سواء بين الصحابة وكذلك بين الأولياء مما لا يحسن التطاول عليه والجزم فيه من غير علم، والذي استقر بين أهل السنة والجماعة:
أولاً: أمر مقطوع به، وهو أن الذين آمنوا به واتبعوه صلى الله عليه وسلم وأنفقوا وجاهدوا معه قبل الفتح أعظم من الذين بعد الفتح، هذا أمر مقطوع به لأنه في القرآن: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ) [الحديد:10].
بعد ذلك السابقون الأولون مذكورون في القرآن بذكر مخصوص، وهم الذين من قبل الفتح أيضاً على قول، ومن قبل بيعة العقبة على قول ثاني.
والأمر ثالث: جاءت نصوص في وقائع مخصوصة، مثل بدر، ومثل أحد، ومثل بيعة الرضوان، فحاضروا هذه المواقع أفضل من غيرهم بيقين.
ثم جاءت نصوص في أشخاص معينين، ومنهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وممن حضروا بدراً وحضروا أحد وحضروا بيعة الرضوان، كأمثال هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة.
فالذي اشتهر من قول بين أهل السنة أن هؤلاء العشرة أفضل أصحابه، وأفضلهم الخلفاء الراشدون.
وعلى كل الأحوال، ما هناك نص صريح في الأمر، ولكن انتقاص أي أحد منهم خروج عن السنة وعن الاتباع، وعن معرفة قدر الحق ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ انتقاص أي أحد منهم.
والتطاول بمجرد الهوى وما إلى ذلك، كذلك من المسالك التي تقطع الإنسان وهو في حاجة إلى أن يقرب من ربه ويسلك سبيل حسن، فيجب أن ينزه قلبه عن احتقار أحد من عموم المسلمين، فكيف بخصوصهم؟ فكيف بخصوص الخصوص من الصحابة الكرام عليهم رضوان الله تبارك وتعالى ونفعنا الله بهم.
والنصوص واردة، ولم يفسح صلى الله عليه وسلم المجال، وأكثر ما ورد وغاية المُراد فيهأنه بعض الصحابة كان يقول: كنا نقول أن أفضل الأمة بعد النبي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وظاهر الحديث أنه يبلغ النبي مثل هذا الكلام، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم بين هؤلاء مثل هؤلاء الأكابر وحواليه يصرح بأفضلية، ذا على ذا، لكن ذكر أفضلية بعض القبائل، ذكر بعض العموم، وقال: ذا أفضل وذول أفضل في وجه عام، والأفضل من هو أفضل عند الله تبارك وتعالى.
فهذا الذي استقر من مسلك أهل السنة أن أفاضل الصحابة:
- أولًا: الأمر المقطوع به، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وأن من كان آمن وأنفق قبل الفتح، بالنص القرآني.
- ثم أن الذين شهدوا بعض الوقائع أفضل من غيرهم، هذه الوقائع مثل بدر ومثل أحد.
- ومثل أفراد أفراد جاءت أحاديث في فضل سيدنا أبو بكر كثيرة، جاءت أحاديث في فضل سيدنا عمر، جاءت أحاديث في فضل سيدنا عثمان، جاءت أحاديث في فضل سيدنا علي.
- والعشرة هؤلاء المبشرين، في فضل سيدنا سعد، في فضل سيدنا أبو أيوب الأنصاري جاءت أحاديث.
فالذين خُصصوا من النبي ﷺ بذكر التفضيل هم أفضل من غيرهم.
وهذا أيضاً كما أن الأمر المشهور الواضح بين أهل السنة أن الخلفاء الراشدين من أفضل الصحابة وأعظم الصحابة وأجل الصحابة قدرًا عند الله وعند رسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
والذي ذكره ابن رسلان في الزُبَد، الذي هو مشهور بين أهل السنة ويقررونه:
بعدَه فالأفضل الصديقُ *** والأفضلُ الثاني له الفاروقُ
عثمان بعده كذا علي *** فالستة الباقون فالبدريُّ
وقال صاحب زوائد الزبد:
فأحدٌ فبيعة الرضوان *** فسائر الصحابة الأعيان
فالأمر كما ذكروا وكما بيّنوا، ويجب علينا محبتهم أجمعين وتعظيمهم أجمعين، ورجاء أن الله يحشرنا معهم ويرينا وجوههم في القيامة وفي دار الكرامة، ويبرزها إن شاء الله يا أكرم الأكرمين.
بالتوفيق والصلاح والفوز والنجاح، ويصلح شؤوننا بنا أصلح به شؤون الصالحين، ويدفع عنا البلاء وعن جميع المؤمنين، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يعاملنا بفضله وما هو أهله، ويصلح لنا وللأمة الشأن كله، ويختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 رَجب 1447