آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 3 | وظائف المتعلم (5 إلى 9) منهج ترتيب العلوم وتزكية المقاصد

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثالث في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء السبت 14 رجب 1447هـ

الوظيفة الخامسة: ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوعاً من أنواعها إلا وينظر فيه نظراً يطلع به على مقصده وغايته
الوظيفة السادسة: إن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً، فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه
الوظيفة السابعة: ألا يخوض في فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب فيبدأ بالأهم فالأهم
الوظيفة الثامنة: أن يعرف السبب الذي به يدرك شرف العلوم
الوظيفة التاسعة: أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

"الوظيفةُ الخامسةُ: ألا يدعَ طالبُ العلومِ فنًّا مِنَ العلومِ المحمودةِ ولا نوعًا مِنْ أنواعِها إلا وينظرُ فيهِ نظرًا يطّلعُ بهِ على مقصدِهِ وغايتِهِ، ثمَّ إنْ ساعدَهُ العُمُرُ.. طلبَ التبحُّرَ فيهِ، وإلا.. اشتغلَ بالأهمِّ منهُ واستوفاهُ، وتطرَّفَ مِنَ البقيةِ؛ فإنَّ العلومَ متعاونةٌ، وبعضَها مرتبطٌ بالبعض.

ويستفيدُ منهُ في الحالِ الانفكاكَ عنْ عداوةِ ذلكَ العلمِ بسببِ جهلِهِ؛ فإنَّ الناسَ أعداءُ ما جهلوا، قالَ اللهُ تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)[الأحقاف:11].

وقالَ الشاعرُ:

وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ *** يَجدْ مُرّا بِهِ الْماءَ الزُّلالا

فالعلومُ علىٰ درجاتِها: إمَّا سالكةٌ بالعبدِ إلى اللهِ تعالىٰ، أوْ معينةٌ على السلوكِ نوعًا مِنَ الإعانةِ، ولها منازلُ مرتَّبةٌ في القربِ والبعدِ مِنَ المقصودِ، والقُوَّامُ بها حفظةٌ كحفّاظِ الرباطاتِ والثغورِ، ولكلِّ واحدٍ رتبةٌ، ولهُ بحسَبِ درجتِهِ أجرٌ في الآخرةِ إذا قصدَ بهِ وجهَ اللهِ تعالىٰ.

 

الوظيفةُ السادسةُ: إنَّ العمرَ إذا كانَ لا يتسعُ لجميعِ العلومِ غالبًا.. فالحزمُ أنْ يأخذَ مِنْ كلِّ شيء أحسنَهُ:

ويكتفيَ منهُ بشمَّةٍ، ويصرفَ جِمامَ قوَّتِهِ في الميسورِ مِنْ علمِهِ إلى استكمالِ العلمِ الذي هوَ أشرفُ العلومِ وهوَ علمُ الآخرةِ؛ أعني: قسميٍ المعاملةِ والمكاشفةِ، فغايةُ المعاملةِ المكاشفةُ، وغايةُ المكاشفةِ معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ.

ولستُ أعني بهِ الاعتقادَ الذي تلقَّنَهُ العاميُّ وراثةً أوْ تلقُّفًا، ولا طريقَ تحريرِ الكلامِ والمجادلةِ في تحصينِ ذلكَ عنْ مراوغاتِ الخصومِ كما هوَ غايةُ المتكلَّمِ، بلِ الذي أعنيهِ نوعُ يقينٍ هوَ ثمرةُ نورٍ يقذفُهُ اللهُ تعالىٰ في قلبِ عبدِ طهَّرَ بالمجاهدةِ باطنهُ عنِ الخبائثِ حتىٰ ينتهي إلى رتبةِ إيمانِ أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- الذي لوْ وُزِنَ بإيمانِ العالمينَ.. لرجحَ، كما شهدَ لهُ بهِ سيِّدُ البشرِ ﷺ، فما عندي أنَّ ما يعتقدُهُ العاميُّ ويرتَّبُّه المتكلِّمُ الذي لا يزيدُ على العاميِّ إلا في صنعةِ الكلامِ ولأجلِهِ سُمِّيتْ صناعتُهُ كلاماً.. كانَ يعجَزُ عنهُ عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وسائرُ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-، حتَّىٰ كانَ يفضُلُهُمْ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- بالسرِّ الذي وَقَرَ في صدرِهِ.

والعجَبُ ممَّنْ يسمعُ مثلَ هذهِ الأقوالِ مِنْ صاحبِ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ ثمَّ يزدري ما يسمعُهُ علىٰ وَفْقِهِ، ويزعمُ أنَّهُ مِنْ ترَّهاتِ الصوفيةِ، وأنَّ ذلكَ غيرُ معقولٍ.

فينبغي أنْ تتَّئِدَ في هذا، فعندَهُ ضيَّعْتَ رأسَ المالِ، وكنْ حريصاً علىٰ معرفةٍ ذلكَ السرِّ الخارجِ عنْ بضاعةِ الفقهاءِ والمتكلمينَ، فلا يرشدُكَ إليهِ إلا حرصُكَ في الطلبِ".

 

الحمد لله مكرمنا بالتوفيق، والآخذ بيد المقبل عليه إلى أقوم طريق. ونشهد أن الله وحده لا شريك له، وأنه لا إله إلا هو، عليه اعتمادنا وإليه استنادنا، نسأله أن يأخذ بأيدينا وأن يهدينا ويرشدنا في جميع شؤوننا، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الهادي إليه، والدال عليه، والمبيّن وحيه لخلائقه بأتمّ تبيين، فهو خير معلِّم ورحمة للعالمين.

اللهم أدم صلواتك على خاتم النبيين وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وقد سرد لنا الشيخ -عليه رحمة الله- أربع وظائف فيما يتعلق بالمتعلِّم، ووقفنا عند الوظيفة الخامسة.

"الوظيفةُ الخامسةُ: ألا يدعَ طالبُ العلومِ فنًّا مِنَ العلومِ المحمودةِ ولا نوعًا مِنْ أنواعِها إلا وينظرُ فيهِ نظرًا يطّلعُ بهِ على مقصدِهِ وغايتِهِ"، وبعد ذلك التبحّر في العلوم بمساعدة العمر والقوة والقدرة والفراغ الذي يجده الإنسان، بمعنى: أنه كما أشار الشيخ -عليه رحمة الله- العلوم مترابطة ببعضها البعض، ومقوية لبعضها البعض، فأَخْذُ المبادئ والأوليّات والأساسيات من مختلف الفنون جميلٌ بطالب العلم، وشريفٌ له، وأدعى أن يفهم الحقائق، وأن لا يعادي علمًا لعدم معرفته به.

فيأخُذُ من العلوم المحمودة نصيب، فأولها علوم الشرع التي يُعبَّر عنها بالعلوم الستة: 

  • علم التفسير وأصوله.
  •  وعلم الحديث ومصطلحه.
  •  وعلم الفقه وأصوله.

ثم ما أعان عليها وكان آلةً لها من علوم اللغة العربية، وما إلى ذلك من بقية فنون العلم، فينبغي أن يأخذ من كل فن نصيب. 

ويقول شاعرهم:

ما حوى العلمَ جميعًا أحدٌ *** لا ولو مارسه ألف سنة

إنما العلمُ بعيدٌ غورُه *** فخذوا من كل علمٍ أحسنَه

فينبغي إذا طلب علمًا من العلوم؛ لا بأس أن يتبحر في جانب من جوانبه، ولكن يأخذ نصيبًا ومبادئ من بقية فنون العلم، فيكون ذلك أولى له وأجدر أن يعي كثيرًا من الحقائق، وأن يدرك رابط العلوم ببعضها البعض.

وقال: "ثمَّ إنْ ساعدَهُ العُمُرُ.. طلبَ التبحُّرَ فيهِ"، فيما يراه أولى ثم أولى من العلوم التي هو بصددها، "وإلا.. اشتغلَ بالأهمِّ منهُ واستوفاهُ، وتطرَّفَ مِنَ البقيةِ؛ فإنَّ العلومَ متعاونةٌ، وبعضَها مرتبطٌ بالبعض. ويستفيدُ منهُ في الحالِ الانفكاكَ عنْ عداوةِ ذلكَ العلمِ بسببِ جهلِهِ"؛ لأنه كما قالوا: 

  • المرء عدوِّ ما جهل. 
  • وقال الله تبارك وتعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) [يونس:39]. 

وهكذا الإنسان فيما يجهله وما لا يعرف حقيقته يعاديه، وهو لا يدري في الحقيقة، ولكن إذا انكشفت له الحقيقة استحى على نفسه؛ وشاف نفسه أن الأمر غير ما يتخيل فكلما اتسع العلم اتسع الخلق، واتسعت النفسية لمختلف اتجاهات الناس. ولذا كانوا يقولون: من ضاق عِلمه ضاق خُلُقه، ومن اتسع علمه اتسع خُلُقه. فالأخلاق تتسع باتساع العلم لأنها تتسع البصيرة، وإدراك الحقائق.

والذي يظن أنه يجب أن ينخرط الناس كلهم في أسلوب تفكيره هو، وفيما وصل له هذا مجنون بلا عقل!! أنت واحد من ملايين خلق الله تبارك وتعالى، يُعَلِّم الله من شاء ما شاء وكما شاء، وأين يصل علمك عند عِلم الخلق؟ ولا الناس كلهم يأتونه؛ ولكن قد جعل الله تبارك وتعالى أُسس بعث بها الأنبياء والمرسلين يجمع عليها أتباعهم من المؤمنين الذين هم أهل دار الكرامة، المهيؤون للنجاة من عذاب جهنم، ومع ذلك ففروعها متنوعة ومتعددة. 

إذاً فكلما اتسع العلم اتسع البال، واتسع الخُلُق، واتسع الاستيعاب لمن حواليك. 

وإذا ضاق العلم أراد الناس فقط وراء هذا المنظار حقه؛ وبالقوة، ويتنازع مع ذا، ويتنازع مع ذا، ويتآذى هو وذا، ويسب ذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بسبب ضيق العلم ضاق أُفُقه لضيق علمه.  

قال: "ويستفيدُ منهُ في الحالِ الانفكاكَ عنْ عداوةِ ذلكَ العلمِ بسببِ جهلِهِ؛ فإنَّ الناسَ أعداءُ ما جهلوا، قالَ اللهُ تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ)[الأحقاف:11]".

وقالَ الشاعرُ:

وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ *** يَجدْ مُرّا بِهِ الْماءَ الزُّلالا

يجيئون له بالماء الزلال العذب الطيب، يقول: هذا فيه مرارة! والمرارة في فمه هو بسبب المرض وسبب الحمى التي عنده، طعمه مُر حتى لو جاؤوا له بعسل يقول: مُر، ما هو مُر، لكن المرارة في فمه هو. وهكذا إذا ضاق فهم الإنسان ووعيه يضيق بالأشياء.

"فالعلومُ علىٰ درجاتِها: 

  • إمَّا سالكةٌ بالعبدِ إلى اللهِ تعالىٰ. 
  • أوْ معينةٌ على السلوكِ نوعًا مِنَ الإعانةِ".

والمعنى: أنه ما من علمٍ صحيح في أي جانب من جوانب الحياة، إلا ويمكن تسخيره ليكون وسيلة وليكون عونًا على السلوك إلى الله، وعلى تطبيق شريعة الله؛ أي علم كان يُستطاع بحسن النظر وسعة الإدراك والفكر أن يُتخذ وسيلة للسير إلى الله. وأن يكون هذا العلم؛ سواء رياضيات أو هندسة أو جيولوجيا أو علوم فضاء أو علوم بحار أو كمبيوتر أو غيرها، يستطيع العاقل الواعي أن يجعلها وسيلة يخدم بها شرع الله ومنهاجه، ومعينة للناس على السير إلى الله، وعلى سلوك سبيل الله تبارك وتعالى. وبهذا يشترك أهل العلوم المختلفة: 

  • في وجوب قصد وجه الله. 
  • وفي وجوب أن تسخر لنفع عباد الله سبحانه وتعالى. 
  • ولتكون جنودًا ووسائل لخدمة العلم الأساس وهو علم الشرع المصون، وما بُعث به الأمين المأمون صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

قال: "فالعلومُ علىٰ درجاتِها: إمَّا سالكةٌ بالعبدِ إلى اللهِ تعالىٰ"؛ وهي علوم الشرع وما بُعِث به النبي، "أوْ معينةٌ على السلوكِ نوعاً مِنَ الإعانةِ"؛ سواءً كانت علم منطق، أو علم عربية، أو علم هندسة، أو علم حِرَف، أو غير ذلك من أنواع العلوم، يكون فيها نوع من الإعانة على السلوك. "ولها منازلُ مرتَّبةٌ في القربِ والبعدِ مِنَ المقصودِ، والقُوَّامُ -بهذه العلوم- حفظةٌ كحفّاظِ الرباطاتِ والثغورِ، ولكلِّ واحدٍ رتبةٌ، ولهُ بحسَبِ درجتِهِ أجرٌ في الآخرةِ إذا قصدَ بهِ وجهَ اللهِ تعالىٰ".

ولذا كان من غير العلوم الشرعية علوم تُعد فرض كفاية، مثل علم الطب، يعدّه فقهاء الشريعة من فروض الكفاية، وأن أهل كل بلدة فُقِد فيهم الطبيب الذي يتصدى لعلاج المرضى بقدر الحاجة، يأثم كل من تمكن من دراسة هذا العلم ولم يدرسه ولم يقم بواجبه، يأثم أهل القطر كلهم؛ من تمكّن منهم من دراسة هذا العلم لأنه مُحتَاج إليه. وكذلك علم الحساب يُحتاج إليه في أمر الحياة والشريعة، فلهذا يصير فرض كفاية، ويتحول من فروض الكفاية مع أنه ليس من العلوم الشرعية، ولكن علم الشريعة يقضي بأنه فرض كفاية، وأنه يجب على الكفاية أن يقوم به المسلمون ليسدّوا حوائجهم. وهكذا النظر الواسع فيما بُعِث به النبي الشافع صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

حتى علم اللغات، وجدناه في سنته وفي سيرته يأمر بعض أصحابه أن يتعلم لغة معينة من لغة القوم كالعبرية وغيرها، ليأمن كذبهم وليترجم لهم، فأمر بعض الصحابة فتعلم، حتى يذكر بعض الصحابة قال: لما أمرني ﷺ  تعلمتها في أسبوع يقول، أو في شهرين بعضهم تعلموا اللغة كلها ببركته ﷺ، إلى غير ذلك. ورتب لهم ﷺ سوقهم، واختار الموقع الاستراتيجي لسوق المسلمين لمّا وفد إلى المدينة، وأمرهم أن يكونوا فيه، وفسح لهم المجالات في الحياة. فما أوسع عقله وعلمه ووحيه، وما بعثه الله به ﷺ وهو  النبي الكامل، جاء بالدين الكامل والشرع الشامل لكل مصالح الخلائق، من عند الإله الخالق. 

  • (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]. 
  • (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]. 
  • (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].

قال: "ولكلِّ واحدٍ رتبةٌ، ولهُ بحسَبِ درجتِهِ أجرٌ في الآخرةِ إذا قصدَ بهِ وجهَ اللهِ تعالىٰ". وما يوحيه كثير من الكفار والمشركين أن علوم الدين لا دخل لها في علوم الحياة والعلوم التجريبية وما إلى ذلك؛ وهم في تخبّطهم جلسوا فترة من الفترات في القرن الماضي يدعون الناس إلى علومهم التجريبية ويجعلونها كل شيء في الحياة، وانحدروا والآن رجعوا، حتى العلوم ماعاد هم حولها  وبقي العقل. والآن ظهر حتى من يتنكر للعقل، وينكر العقل من الذين يُعَدُّون كبار ومثقفين فيهم! فلا عاد لهم؛ لاعاد علم تجريبي ولا عقل ولا دين! بإيش تمسك؟.. همجية وحيوانية وسقوط -والعياذ بالله- عن الدرجة، عاد الحيوانات لها نظام تمشي عليه، ومستقيمة عليه من يوم خُلقت تؤدي مهمتها في الحياة، أما هؤلاء تنكروا للإله الذي خلق فما عاد عرفوا كيف يمشون، لا عاد حكمهم علم ولا عقل ولا عُرف ولا… وبقوا أهواء في أهواء والعياذ بالله تبارك وتعالى. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116]. فهذه الوظيفة الخامسة.

ثم ذكر الوظيفةُ السادسةُ: ما دام العمر لا يتّسع لجميع العلوم، "فالحزمُ أنْ يأخذَ مِنْ كلِّ شيء أحسنَهُ: ويكتفيَ منهُ بشمَّةٍ، ويصرفَ جِمامَ قوَّتِهِ في الميسورِ مِنْ علمِهِ إلى استكمالِ العلمِ الذي هوَ أشرفُ العلومِ" وهو على درجات؛ أما أشرفها من جهة الظاهر والباطن والحس والمعنى فعلم معرفة الله ﷻ وتعالى في علاه، وعبّر عنه بعلم الآخرة، يعني "قسميٍ المعاملةِ والمكاشفةِ" من علوم الشرع المصون، "فغايةُ المعاملةِ المكاشفةُ، وغايةُ المكاشفةِ معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ"

لأن السبب للوصول لمعرفة الله نأخذ علم المعاملة؛ علم المعاملة: علم الأحكام الظاهرة الواردة عنه ﷺ للعمل بها وتطبيقها، إذا عملنا بها وتطبيقها أشرقت أنوار في قلوبنا ندرك بها أسرار ولطائف الأحكام والحِكم الإلهية في الوجود وفي الشريعة؛ هذا يسمى علم المكاشفة، وهو العلم الباطن. كما تقدم معنا في الصباح في "الرسالة الجامعة" أن يكون من أهل العلم ظاهرًا وباطنًا:

  • العلم الظاهر هذا علم المعاملة: وهو الذي يُتلقى به الأحكام وتعرف فيه التشريعات للعمل بها والقيام بحقها.
  • ولا طريق لعلم المكاشفة إلا بعلم المعاملة.
  • لا طريق لعلم الباطن إلا بعلم الظاهر. 
  • ومن خلال العلم الظاهر وأخذه على وجهه وتطبيقه والقيام به ينفتح باب علم الباطن:
    • (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282] جلّ جلاله. 
    • "من عَمِل بما عَلِم ورّثه الله عِلم ما لم يعلم".

وقال الله في نبيه وتوجيهه لنا وإرساله لنا بمهمّات: 

  • (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، 
  • ثم أشار لعلم المكاشفة وعلم الباطن، قال: (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) يعلمكم الكتاب والحكمة؛ القرآن والسنة، وعاد باقي ما يفضي إليه علم الكتاب والسنة من هذا النور (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). 

فكانت هذه وظيفة رسول الله فينا:

  • يتلو علينا الآيات نعمة من الله تبارك وتعالى.
  • ويزكينا تنقيةً لبواطننا وتهيئةً لهذه المعرفة الخاصة، ونشرًا لعلم الكتاب والسنة.
  • (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) ثم ينفتح به الباب الكبير العالي: (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة:151].

وهو خاطبه ﷺ بقوله: 

(وَلَا يَضُرُّونَكَ شَيْئًا ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) [النساء:113]، (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ)، تلقاه مباشرة من الحق جل جلاله، (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ). 

ثم جعل من وظائفه فينا: 

(يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة:151]، مما علمه الله سبحانه وتعالى. (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).

ومن هنا، قال بعض أهل المعرفة إن المراد بالإنسان في الأول قوله في الآيتين: 

  • (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:5]. 
  • وقوله: (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن: 3-4]؛ 

المراد الأول به: محمد؛ الإنسان محمد ﷺ؛ لأنه هو الذي انفسح مجاله في تعليم ما لم يعلم الناس، وهو الذي قال. (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن) نص عليه (وَعَلَّمَكَ)، من هو ذا؟ محمد، (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن)؟ بعده قال: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ)؛ من الإنسان؟ هذا المقصود الأول هو ﷺ ثم بقية الناس بالتبع؛ بقوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) وبقوله: (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ). 

ولهذا قال الحبيب علي الحبشي -عليه رحمة الله-: 

قال: فَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الحَضْرَةِ مِنْ جَوَامِعِ الحِكَمْ قَوْلْهُ تَعَالَى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فَمَا أَعْظَمَها مِنْ بِشَارَةٍ أَوْصَلَتْهَا يَدُ الإِحْسَانْ مِنْ حَضْرَةِ الإِمْتِنَانْ إِلَى هَذَا الإِنْسَانْ وَأَيَّدَتْهَا بِشَارَةُ (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ). وَلَا شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الإِنْسَانُ المَقْصُودُ بِهَذَا التَّعْلِيمِ مِنْ حَضْرَةِ الرَّحْمَنِ الرَّجِيم -جل جلاله وتعالى في علاه-.

قال: "فغايةُ -علم- المعاملةِ -أن يوصلك إلى علم- المكاشفةُ" وهو ما يشِهدُك الله تعالى من لطائف وأسرار وحِكم أحكامه وتكوينه. "وغايةُ المكاشفةِ معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ"؛ أي: المعرفة الخاصة. 

  • أما المعرفة العامة واجبة، هذا من أول الإيمان؛ أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتعتقد أنه موجود، وأنه قديم، وأنه واحد، وأنه غني، وأنه قادر، وأنه مريد.. وأنه عالم بكل شيء إلى غير ذلك هذه المعرفة عامة هذه واجبة مفروضة. 
  • ولكن بعد ذلك تأتي المعرفة الخاصة التي هي عين اليقين.

"ولستُ أعني بهِ الاعتقادَ الذي تلقَّنَهُ العاميُّ وراثةً أوْ تلقُّفًا، ولا طريقَ تحريرِ الكلامِ -في علوم التوحيد- والمجادلةِ في تحصينِ ذلكَ عنْ مراوغاتِ الخصومِ كما هوَ غايةُ المتكلَّمِ" -لا؛ أقصد هذا بمعرفة الله تعالى- "بلِ الذي أعنيهِ نوعُ يقينٍ هوَ ثمرةُ نورٍ يقذفُهُ اللهُ تعالىْ في قلبِ عبدِ طهَّرَ بالمجاهدةِ باطنهُ عنِ الخبائثِ حتىٰ ينتهي إلى رتبةِ إيمانِ أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- الذي لوْ وُزِنَ بإيمانِ العالمينَ.. لرجحَ، كما شهدَ لهُ بهِ سيِّدُ البشرِ ﷺ". مشيرًا إلى قوله: "لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ هذه الأمةِ لرجحَ بهِ".

قال: "فما عندي أنَّ ما يعتقدُهُ العاميُّ ويرتَّبُّه المتكلِّمُ الذي لا يزيدُ على العاميِّ إلا في صنعةِ الكلامِ" فقط، ولهذا قال؛ "سُمِّيتْ صناعتُهُ كلاماً.."، علم الكلام. قال: فالمتكلم هذا يزيد على العامي في أنه يعرف يرتب المسائل ويستدل عليها فقط، أما الاعتقاد هو وإياه سواء؛ قال أنا قصدي غير هذا، قال: أهل عين اليقين، بعد علم اليقين؛ هؤلاء أهل  المعرفة التي يتكلم عنها عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

قال: "كانَ يعجَزُ عنهُ" -بعض الكلمات في المصطلح بعلم الكلام  كان ما يعرفها سيدنا "عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وسائرُ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهُمْ-، حتَّىٰ كانَ يفضُلُهُمْ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- بالسرِّ الذي وَقَرَ في صدرِهِ. والعجَبُ ممَّنْ يسمعُ مثلَ هذهِ الأقوالِ مِنْ صاحبِ الشرعِ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ ثمَّ يزدري ما يسمعُهُ علىٰ وَفْقِهِ،" -وعلى مقتضاه وعلى نتيجته من أقوال الصالحين والعارفين- "ويزعمُ أنَّهُ مِنْ ترَّهاتِ الصوفيةِ، وأنَّ ذلكَ غيرُ معقولٍ"، والسبب أن عقله صغير جدًا وما استوعب هذه الحقائق وهذا غير معقول!.. فإذا كان عقلك ضيق مثل هذا أيش نصلح فيك؟ في عقول موجودة أوسع من عقلك تعرف هذه الحقيقة، وهو إنما سوء استخدامه لعقله.

قال: "فينبغي أنْ تتَّئِدَ في هذا"، فإنك عند هذا "ضيَّعْتَ رأسَ المالِ"، واغتررت بأقوال هؤلاء فإذا كان هذا الغرور بأقوال قوم منسوب علومهم إلى الشريعة وإلى التوحيد، فكيف بالعلوم الثانية التي طرأت علينا وجعلوها كل شيء وأعظم شيء في الوجود، حتى سموها في المدارس عندنا مدارسنا نسميها العلوم؛ هو ذا؟!  القرآن والسنة ما هي علوم؟! قال: علوم تجريبية جاءت من عندهم، هذه مادة العلوم، وهذا قسم العلوم، وذاك إيش هو؟! ذاك جهل ولا إيش هو؟! وهل حقائق العلوم إلا ما بعث به المعصوم ﷺ! هذه حقائق العلوم، سموه علمي -يسمونه علمي- وغيره ما يكون علمي؟! وهذا العلمي لما ابتدأ وابتدأ غرور الناس به كان فيه معسكرين: معسكر الشرق ومعسكر الغرب، واحد رأسمالي وواحد اشتراكي، وبعدين أنت مسلم في أي بلاد، عربي، عجمي، علمي أم لست علمي؟ تتبع واحد من هؤلاء؟ ما تتبع أحد من البارزين في المعسكرين هذا إذًا أنت غير علمي!... أنا أتبع محمدًا، أتبّع نبيّنا.. لا علم إلا عند هذا! 

طيب.. العلم هنا وهنا، متفق أو مختلف؟ قال: مختلف ، لو كان علماً ما كان مختلفاً، لأن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع

والآن الذي يتبع ذا علمي، والذي يتبع ذا علمي؛  وذا ضد ذا؛ هذا غاية الجهل!!.. لو كان العلم، بيجمع الناس على الحقيقة. ويقول: وذا رأس مالي، وذا اشتراكي، وذا فكره ثاني وذا فكره ثاني ، لكن ذا علمي وذا علمي؟ أما الكتب المنزلة والأنبياء ما شيء! واغتروا الناس وصدقوهم كلام فارغ، كذب في كذب، هوس ما له حقيقة. واغتروا بهم رجال ونساء من المسلمين، واستهانوا بعلم الشريعة وبعلم الدين، وراحوا وراء تلك العلوم. وإيش كانت النتائج؟ وإيش كانت الثمرات؟ وانتهى العلميون فيهم إلى أن يتضاربون بعضهم البعض، ويضربون الآخرين بعضهم ببعض، هذه العلوم حقهم انتهت إلى هذا، وينهبون الثروات، ويقتلون خلق الله، ويستحلون الحرمات، وهذا نهاية العلم حقهم! ونهاية التقدم والتطور!.

أين هذا مما بعث به الأنبياء ومما جاء به المرسلون؟ في صلاح العباد والبلاد وجمع القلوب وجمع الشتات، ورسم الحدود لكلٍّ في تصرفه في علمه، وليتعايشوا بالسلام وبالجوار وحسن الجوار. أنبياء بعثوا بهذه الحقائق، بهذا السلام، قال الله في كتابه (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة: 15-16]. فالله يحول أحوال المسلمين إلى أحسن الأحوال.

"فينبغي أنْ تتَّئِدَ في هذا، فعندَهُ ضيَّعْتَ رأسَ المالِ، وكنْ حريصاً علىٰ معرفةٍ ذلكَ السرِّ الخارجِ عنْ بضاعةِ الفقهاءِ والمتكلمينَ، فلا يرشدُكَ إليهِ إلا حرصُكَ في الطلبِ"، ومن جد وجد (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]. 

 

"وعلى الجملةِ: فأشرفُ العلومِ وغايتُها معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وهيَ بحرٌ لا يُدركُ منتهىٰ غورِهِ، وأقصىٰ درجاتِ البشرِ فيهِ رتبةُ الأنبياءِ، ثمَّ الأولياءِ، ثمَّ الذين يلونَهُمْ.

وقد رُوِيَ أنَّهُ رُئِيَ صورةُ حَكِيمينِ مِنَ الحكماءِ المتقدمينَ في مسجدٍ وفي يدِ أحدِهما رقعةٌ فيها: إِنْ أحسنْتَ كلَّ شيءٍ.. فلا تظنَّنَ أنَّكَ أحسنْتَ شيئاً حتَّىٰ تعرفَ اللهَ تعالىٰ وتعلمَ أنَّه مسببُ الأسبابِ وموجدُ الأشياءِ، وفي يدِ الآخرِ: كنتُ قبلَ أنْ أعرفَ اللهَ سبحانَهُ أشربُ وأظمأُ، حتَّىٰ إذا عرفتُهُ.. رَوِيتُ بلا شرْبِ.

الوظيفةُ السابعةُ: ألّا يخوضَ في فنونِ العلمِ دفعةً، بلْ يراعي الترتيبَ، فيبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ، ولا يخوضُ في فنّ حتَّىٰ يستوفيَ الفنَّ الذي قبلَهُ:

فإنَّ العلومَ مرتبةٌ ترتيبًا ضروريًّا، وبعضُها طريقٌ إلىٰ بعضٍ، والموفَّقُ مراعي ذلكَ الترتيبِ والتدريجِ، قالَ اللهُ تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)[البقرة:121]، أيْ: لا يجاوزونَ فنّاً حتَّىٰ يحكموهُ علماً وعملاً.

وليكنْ قصدُهُ مِنْ كلِّ علمِ يتحرَّاهُ الترقيَ إلىٰ ما فوقَهُ، وينبغي ألا تحكمَ علىٰ علمٍ بالفسادِ لوقوعِ الاختلافِ بينَ أصحابِهِ فيهِ، ولا بخطأِ واحدٍ أو آحادٍ فيهِ، ولا بمخالفتِهِمْ موجَبَ العلمِ بالعملِ، فترىٰ جماعةً تركوا النظرَ في العقليَّاتِ والفقهيَّاتِ متعلُّلينَ فيها بأنَّها لوْ كانَ لها أصلٌ.. لأدركَها أربابها، وقدْ مضىٰ كشفُ هذِهِ الشبهِ في كتابِنا (مِعيارُ العلمِ)، وترىٰ طائفةً يعتقدونَ بطلانَ الطبِّ لخطأٍ شاهدوه من طبيبِ.

وطائفةٌ اعتقدوا صحَّةَ النجومِ لصوابِ اتفقَ لواحدٍ، وطائفةً اعتقدوا بطلانَهُ لخطأ اتفقَ لواحدٍ، والكلُّ خطأٌ، بلْ ينبغي أنْ يُعرفَ الشيءَ في نفسهِ، فلا كلُّ علمٍ يستقلُّ بهِ كلُّ شخصٍ، ولذلكَ قالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ تعالىٰ عنهُ-: لا تعرفِ الحقَّ بالرجالِ، اعرفِ الحقَّ.. تعرفْ أهلَهُ.

 

الوظيفةُ الثامنةُ: أنْ يعرفَ السببَ الذي بهِ يُدركُ شرفُ العلومِ، وأنَّ ذلكَ يُرادُ بهِ شيئانِ:

أحدُهما: شرفُ الثمرةِ.

والثاني: وثاقةُ الدليلِ وقوَّتُهُ.

وذلكَ كعلْمِ الدينِ وعلْمِ الطبِّ؛ فإنَّ ثمرةَ أحدِهما الحياةُ الأبديةُ، وثمرةَ الآخرِ الحياةُ الفانيةُ، فيكونُ علمُ الدينِ أشرفَ.

ومثلُ علمِ الحسابِ وعلمِ النجومِ؛ فإنَّ علمَ الحسابِ أشرفُ؛ لوثاقةِ أدلتِهِ وقوَّتِها.

وإذا نُسبَ الحسابُ إلى الطبِّ. كانَ الطبُّ أشرفَ باعتبارِ ثمرتِهِ، والحسابُ أشرفَ باعتبارِ أدلَّتِهِ، وملاحظةُ الثمرةِ أولى، ولذلكَ كانَ الطبُّ أشرفَ وإنْ كانَ أكثرُهُ بالتخمين.

وبهذا يتبينُ أنَّ أشرفَ العلومِ العلمُ باللهِ عزَّ وجلَّ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ، والعلمُ بالطريقِ الموصلِ إلىٰ هٰذهِ العلومِ، فإيَّاكَ وأن ترغبَ إلا فيهِ، وأن تحرصَ إلا عليهِ".

 

يقول: "وعلى الجملةِ: فأشرفُ العلومِ وغايتُها معرفةُ اللهِ عزَّ وجلَّ". اللهم وفّر حظنا منها، اللهم وفّر حظنا منها، اللهم وفّر حظنا منها.

قال: "وهيَ بحرٌ لا يُدركُ منتهىٰ غورِهِ" الله؛ جل الله عن أن يحيط به أحد، أي أحد غيره سبحانه وتعالى. فلهذا قال: "وأقصىٰ درجاتِ البشرِ فيهِ رتبةُ الأنبياءِ، "، فهم أعرف الخلق بالإله الخالق وعظمته ومعاني أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. "ثمَّ الأولياءِ، ثمَّ الذين يلونَهُمْ " على درجات، ولكن هؤلاء الأنبياء كلهم إلى سيدهم لا يحيطون بالله، ولا يحيطون بأوصاف الله، ولا بأسماء الله. في الأسماء قال سيدهم ﷺ: "اللهم إني أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أو أنزلته في كتابِك أو علمته أحدًا" -هنا يُعَلِّم بعض الخلق من أسمائه ما لا يعلمه الآخر- قال: "أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندك"، فكل الذي يعلمه الملائكة والأنبياء ومن دونهم من الأسماء؛ فهناك أسماء لله استأثر بها في علم الغيب لا يعلمها إلا هو ﷻ. -الله أكبر- وكذلك لا يحيط بأفعاله أحد، ولا بصفاته. 

وقال سيدهم ﷺ: وكان في كل ليلة يناجي ربه بهذه المناجاة، يقول: "اللهمَّ إني أعوذُ برضاك من سخطِك، وبمعافاتِك من عقوبتِك، وأعوذُ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسِك". هذا أعلمهم، أعرفهم على الإطلاق: "لا أُحصي ثناءً عليك"، ومَن دونه من باب أولى.

إذاً فلا يزال يتسع مجال معرفة الله تعالى للعارفين، ألحقنا الله بهم، ولا يزالون يزدادون وكلما ازدادوا.. ازدادوا معرفة بجهلهم، حتى يقول سيدنا الصديق -عليه رضوان الله- أبو بكر في معرفته بالله: لا يعرف الله إلا الله.. ما يحيط بمعرفة الله إلا هو.

 لا يعرف اللهَ إلا الله واتَّئدوا *** والدين دينان إيمان وإشراكُ 

وللعقول حدودٌ لا تجاوزها ***والعجزُ عن دركِ الإدراك إدراكُ

كلما اتسعت المعرفة بالله، اتسعت المعرفة بالعجز عن الإدراك، ولا يزال يزداد معرفته بعجزه عن الإدراك كلما اتسعت معرفته بالله سبحانه وتعالى. يا رب وفّر حظنا من هذه المعرفة.

يقول: "وقد رُوِيَ أنَّهُ رُئِيَ صورةُ حَكِيمينِ مِنَ الحكماءِ المتقدمينَ في مسجدٍ وفي يدِ أحدِهما رقعةٌ فيها: إِنْ أحسنْتَ كلَّ شيءٍ.. فلا تظنَّنَ أنَّكَ أحسنْتَ شيئاً حتَّىٰ تعرفَ اللهَ تعالىٰ وتعلمَ أنَّه مسببُ الأسبابِ وموجدُ الأشياءِ"؛ لأن من لم ينتهِ إلى هذه المعرفة فغاية ونهاية وثمرة ونتيجة كل ما يعلمه الندم والخسارة والانقطاع؛ حتى يعلم أن الله مسبب الأسباب وموجِدُ الأشياء، فهذه المعرفة التي تنفع بها كل المعارف وتُستخدم بها، لتُثمر ثمرة نعيم الأبد.

 وهكذا، وكل من عرف أي شيء من الكائنات ولم يعرف المكوِّن، وكأنه ما عرف شي، لأن معرفته بالكائنات ما تنفعه إذا لم تدله على المكون -جل جلاله وتعالى في علاه- أي: النفع الأبدي الحقيقي. 

قال: "وفي يدِ الآخرِ: كنتُ قبلَ أنْ أعرفَ اللهَ سبحانَهُ أشربُ وأظمأُ، حتَّىٰ إذا عرفتُهُ.. رَوِيتُ بلا شرْبِ ".

قال:

كانـت لقلبي أهواءٌ مفرّقــة *** فاستجمعَتْ مـُذْ رأَتـْك العينُ أهوائي

قال: كانت لي هموم؛ فجعلت الهمَّ هماً واحداً فكفاني كل همِّي  -جل جلاله وتعالى في علاه-، يا رب وفر حظنا من معرفتك.

يقول: "الوظيفةُ السابعةُ: ألّا يخوضَ في فنونِ العلمِ دفعةً، -ينبغي الترتيب- بلْ يراعي الترتيبَ، فيبدأُ بالأهمِّ فالأهمِّ، ولا يخوضُ في فنّ حتَّىٰ يستوفيَ الفنَّ الذي قبلَهُ -إذا كان مرتباً عليه-: فإنَّ العلومَ مرتبةٌ ترتيبًا ضروريًا، وبعضُها طريقٌ إلىٰ بعضٍ، والموفَّقُ مراعي ذلكَ الترتيبِ والتدريجِ، قالَ اللهُ تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)[البقرة:121]، أيْ: لا يجاوزونَ فنّاً حتَّىٰ يحكموهُ علماً وعملاً".

وقال ابن عباس في قوله تعالى: (وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) [آل عمران:79] قال: الذين يعلَمون صغار العلم قبل كبارِه حتى يتدرج ويعرف ويستطيع أن يفهم. 

"وليكنْ قصدُهُ مِنْ كلِّ علمِ يتحرَّاهُ الترقيَ إلىٰ ما فوقَهُ"؛ بحيث أنه لا يقف ولا يظن أنه قد علِم. 

حتى قالوا: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. وإن من عَلِمَ الحقيقة يعلم أنه محتاج لزيادةٍ في العلم، وأن ما يجهله أكثر مما علمه. وقال الله لِأعلم الخلق: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114]. فما أحد يستغني عن الزيادة من هذا العلم.

قال: "وليكنْ قصدُهُ مِنْ كلِّ علمِ يتحرَّاهُ الترقيَ إلىٰ ما فوقَهُ، وينبغي ألا تحكمَ علىٰ علمٍ بالفسادِ لوقوعِ الاختلافِ بينَ أصحابِهِ فيهِ" من العلوم التي أصولها صحيحة ويتفق عليها المختصون فيها، وإنما يكون الاختلاف في الفروع أو فساد من بعض المنتمين إلى ذاك العلم، فهذا لا يضر. "ولا بخطأِ واحدٍ أو آحادٍ فيهِ، ولا بمخالفتِهِمْ موجَبَ العلمِ بالعملِ". الواجب من العِلم العمل به، فبمخالفتهم لعِلمهم من حيث أعمالهم لا تدل على فساد العِلم، لكن تدل على فساد عندهم هم لا فساد العلم.

  • "فترىٰ جماعةً تركوا النظرَ في العقليَّاتِ والفقهيَّاتِ"، وإيش العلة؟ قال: " لوْ كانَ لها أصلٌ.. لأدركَها أربابها"، أي: غاياتها وهي ليس لها غاية. ومضى كشف هذه الشبهة في كتاب للإمام اسمه (معيار العلم) وهو من علوم المنطق، (معيار العلم).
  • "وترىٰ طائفةً يعتقدونَ بطلانَ الطبِّ لخطأٍ شاهدوه.."، خطأ بعض الأطباء، لكن هذا ما يدل على أن الطب كله باطل.
  • "وطائفةٌ اعتقدوا صحَّةَ النجومِ لصوابِ اتفقَ لواحدٍ،"، مرة نجَّم وجاب كلام وقع صحيح، قالوا خلاص علم النجوم صحيح! ولا هو بصحيح.
  • "وطائفةً اعتقدوا بطلانَهُ لخطأ اتفقَ لواحدٍ، والكلُّ خطأٌ:

"بلْ ينبغي أنْ يُعرفَ الشيءَ في نفسهِ، فلا كلُّ علمٍ يستقلُّ بهِ كلُّ شخصٍ، ولذلكَ قالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ تعالىٰ عنهُ-: لا تعرفِ الحقَّ بالرجالِ، اعرفِ الحقَّ.. تعرفْ أهلَهُ". والحق ما جاء به النبيون صلوات الله وسلامه عليهم.

قال: "الوظيفةُ الثامنةُ: أنْ يعرفَ السببَ الذي بهِ يُدركُ شرفُ العلومِ". 

 كيف ندرك شرف العلم؟ قال بواحد من أمرين: 

  • إما "شرفُ الثمرةِ" ونتيجته.
  •  أو قوة الدليل فيه، "وثاقةُ الدليلِ وقوَّتُهُ".

فإذا قارنا بين علم الدين وعلم الطب؛ وجدنا:

  • "ثمرةَ -علم الدين اسمها- الحياةُ الأبديةُ".
  • وَثمرةَ -علم الطب- الحياةُ الفانيةُ" حياة الجسد، الحياة الفانية. ففرق بين هذا وهذا كبير. 

ومن خلال الثمرة فيكونُ علمُ الدينِ أشرفَ.

وإذا قارنا بين علمِ الحسابِ وعلمِ النجومِ:

  • وجدنا علم النجوم يقوم على ظنون.
  • وعلم الحساب قطعي يقوم على المنطق وعلى العقل، فتكون الوثاقة في أدلة علم الحساب. 

فإنَّ علمَ الحسابِ أشرفُ -من علم النجوم-؛ لوثاقةِ أدلتِهِ وقوَّتِها.

ولكن إذا قارنا بين علم الحساب والطب:

  • وجدنا من حيث الوثاقة في الأدلة الحساب أقوى.
  • لكن من حيث الثمرة، الطب يخليك تصح وتقدر تتحرك، والحساب لا يزيّدك فيك مزيد، ولا ينقذك من مشكلة في بدنك علم الحساب .

فإذاً من حيث الدليل يتقدم عِلم الحساب، لكن من حيث الثمرة عِلم الطب أولى؛ ومراعاة الثمرة أولى من مراعاة وثاقة الدليل.

يقول: "وبهذا يتبينُ أنَّ أشرفَ العلومِ العلمُ باللهِ عزَّ وجلَّ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ، والعلمُ بالطريقِ الموصلِ إلىٰ هٰذهِ العلومِ"، قال: فاجعل رغبتك فيها، وحرصك عليها، إن كنت تريد الأهم، وتريد الأعظم، وتريد الأكرم، وتريد الأرفع، وتريد الأنفع، وتريد الأجمع، وتريد الأسدّ، وتريد الأسعد؛ خلِّ رغبتك في هذا العلم الذي يؤدي إلى المعرفة بالله جل جلاله.

 

"الوظيفةُ التاسعةُ: أنْ يكونَ قصدُ المتعلَّمِ في الحالِ تحليةَ باطنِهِ وتجميلَه بالفضيلةِ، وفي المآلِ القربَ مِنَ اللهِ سبحانَهُ والترقِّيَ إلى جوارِ الملأ الأعلىٰ مِنَ الملائكةِ والمقرَّبينَ:

ولا يقصدُ بهِ الرئاسةَ والمالَ والجاهَ ومماراةَ السفهاءِ ومباهاةَ الأقرانِ، وإذا كانَ هذا مقصدَهُ.. طلبَ -لا محالةَ- الأقربَ إلى مقصودِهِ، وهوَ علمُ الآخرةِ، ومعَ هٰذا فلا ينبغي له أنْ ينظرَ بعينِ الحقارةِ إلىٰ سائرِ العلومِ؛ أعني: علمَ الفتاوىٰ، وعلمَ النحوِ واللغةِ المتعلِّقَينِ بالكتابِ والسنةِ، وغيرَ ذلكَ ممَّا أوردناهُ في المقدِّماتِ والمتمّماتِ منْ ضروبِ العلومِ التي هيَ فرضُ كفايةٍ.

ولا تفهمَنَّ مِنْ غُلُوّنا في الثناءِ علىٰ علمِ الآخرةِ تهجينَ هذهِ العلومِ؛ فالمتكفَّلونَ بالعلومِ كالمتكفَّلِينَ بالثغورِ والمرابطينَ بها، والغزاةِ المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ؛ فمنهُمُ المقاتلُ، ومنهُمُ الرِّدْءُ، ومنهُمُ الذي يسقيهِمُ الماءَ، ومنهُمُ الذي يحفظُ دوابَّهُمْ ويتعهَّدُها، ولا ينفكُ واحدٌ منهُمْ عنْ أجرِ إذا كانَ قصدُهُ إعلاءَ كلمةِ اللهِ تعالىٰ دونَ حيازةِ الغنائمِ، فكذلكَ العلماءُ، قالَ اللهُ تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11]. 

وقالَ تعالىٰ : (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ) [آل عمران:163] .

والفضيلةُ نسبيَّةٌ، واستحقارُنا للصيارفةِ عندَ قياسِهِمْ بالملوكِ لا يدلُّ علىٰ حقارتِهِمْ إذا قيسوا بالكنَّاسينَ.

ولا تظنَّنَّ أنَّ ما نزلَ عنِ الرتبةِ القصوىٰ ساقطُ القدْرِ، بلِ الرتبةُ العليا للأنبياءِ، ثمَّ الأولياءِ، ثمَّ العلماءِ الراسخينَ في العلمِ، ثم للصالحينَ علىٰ تفاوتِ درجاتِهِم.

وبالجملةِ: (مَنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ خيراً يَرهُ، ومَنْ يعملْ مثقالَ ذرةٍ شراً يَرهُ) [الزلزلة: 7-8] ومَنْ قصدَ اللهَ تعالىٰ بالعلمِ أيَّ علمِ كانَ.. نفعَهُ ورفعَهُ لا محالةً".

 

يقول: هذه الوظيفة التاسعة:

إصلاح القصد عند المتعلم؛ فذلك أن المتعلم لمختلف العلوم، وخصوصا علم الشريعة، "أنْ يكونَ قصدُ المتعلَّمِ في الحالِ تحليةَ باطنِهِ وتجميلَه بالفضيلةِ" بعد تخليته عن الرذائل وعن الخبائث، فهذا المقصد في الحياة الدنيا؛ أن تتزكى بهذا العلم:

  • وأن تتخلى عن الخبائث في الأخلاق والاعتقادات والمقاصد والإرادات، تتخلى عن الرذائل والخبائث فيها. 
  • وتتحلى بالفضائل والمحامد وما يُشكر عند الله. هذا قصدك من العلم في الحال، في الحاضر. 

وفي الغاية والنهاية؛ "وفي المآلِ القربَ مِنَ اللهِ سبحانَهُ والترقِّيَ إلى جوارِ الملأ الأعلىٰ مِنَ الملائكةِ والمقرَّبينَ".

  • ففي البداية تتخلى وتتحلى.
  • وفي النهاية عليك الرحمن يتجلى. 

فإذا كان هذا مقصدك للعلم أُعِنت على التخلية والتحلية، وإذا أُعِنت على التخلية والتحلية  أكرمك الله بالتجلي الذي يتجلى به على خواص عباده، ويقربك إليه سبحانه وتعالى.

قال: "ولا يقصدُ بهِ:

  • الرئاسةَ؛ ولا التعالي على الناس والتميز بينهم. 
  • ولا تحصيل المال.
  • ولا تحصيل الجاه؛ وهي محبة القلوب.
  • ولا ومماراةَ السفهاءِ؛ أهل المراء الذين يعترضون على أقوال بعضهم البعض.
  • ولا ومباهاةَ الأقرانِ وهكذا.

بل علوم الشريعة يجب أن تتنزه عن هذه المقاصد الخبيثة. 

  • وفي الحديث: "لا تتعلَّموا العِلمَ لتباهوا به العلماءَ ولتُماروا به السُّفهاءَ ولتصرفوابه وجوهَ النّاسِ إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النّارِ".
  • وفي حديث آخر: "من طلب عِلمًا ممّا يبتغي به وجهَ اللهِ تعالى ليُصيبَ به عرَضًا من الدُّنيا لم يجِدْ عرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ"، وعرفها أي: ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام. فهكذا يجب الإخلاص في تلقي العلوم.

وهذه مقاصده في الحال تخلية وتحلية موصلة إلى معرفة وقرب من الله تبارك وتعالى ومرافقة للملأ الأعلى.

قال: "وإذا كانَ هذا مقصدَهُ.. طلبَ -لا محالةَ- الأقربَ إلى مقصودِهِ"، فإذا كان مقصده علم التحلي والتخلي وحصول التجلي فإنه يطلب الأقرب للمقصود وهو علم الآخرة.

"ومعَ هٰذا فلا ينبغي" -كما نبّه من عقله هذا في القرن الخامس والسادس الهجري -عليه رحمة الله تعالى- يقول: لا تظن احتقار بقية العلوم- "فلا ينبغي له أنْ ينظرَ بعينِ الحقارةِ إلىٰ سائرِ العلومِ؛ أعني: علمَ الفتاوىٰ، وعلمَ النحوِ واللغةِ المتعلِّقَينِ بالكتابِ والسنةِ، وغيرَ ذلكَ ممَّا أوردناهُ في المقدِّماتِ والمتمّماتِ منْ ضروبِ العلومِ التي هيَ فرضُ كفايةٍ". قال: فإذا بالغنا في الثناء على علم الآخرة فلا تظن أننا نحتقر بقية العلوم؛ لكن نسبتها إليها أقل ودون، وقد تكون العلوم الأخرى لها نسبة رفيعة بالنسبة لما هو أقل منها وما هو دونها، فنحن لا نستحقر بقية العلوم الصحيحة النافعة ولكن ننزلها منزلتها نقول هذا أشرف.

وهكذا "ولا تفهمَنَّ مِنْ غُلُوّنا في الثناءِ علىٰ علمِ الآخرةِ تهجينَ -أي: احتقار وتنقيص- هذهِ العلومِ؛ فالمتكفَّلونَ بالعلومِ كالمتكفَّلِينَ بالثغورِ -الثغور: مداخل الكفار إلى بلدان المسلمين- والمرابطينَ بها، والغزاةِ المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ؛ فمنهُمُ المقاتلُ، ومنهُمُ الرِّدْءُ، ومنهُمُ الذي يسقيهِمُ الماءَ، ومنهُمُ الذي يحفظُ دوابَّهُمْ ويتعهَّدُها -وكلهم يتشاركون في الأجر- ولا ينفكُ واحدٌ منهُمْ عنْ أجرِ إذا كانَ قصدُهُ إعلاءَ كلمةِ اللهِ تعالىٰ دونَ حيازةِ الغنائمِ، فكذلكَ العلماءُ".

  • قالَ اللهُ تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11]. 
  • وقالَ تعالىٰ: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ) [آل عمران:163] .

قال: أما "الفضيلةُ نسبيَّةٌ"؛ فإذا واحد مثلا استحقر مرتبة الصيارفة  بالنسبة للملوك.. لا، صدقت؛ لكن إذا نَسب الصيارفة بالنسبة للكناسين؟ ففي فرق، هولاء أشرف، فهو بالنسبة.، فما معنى إذا مدحنا مقام الملوك أننا استحقرنا مقام الصيارفة، ولا معنى إذا مدحنا مقام الصيارفة استحقرنا من دونهم، فكل واحد له شرف بالنسبة لمن دونه، وهو دون الذي فوقه، فلهذا نبالغ في الثناء على علوم الآخرة لأنها الوسيلة الأقرب والأقوى لنيل معرفة الله الخاصة".

قال: "ولا تظنَّنَّ أنَّ ما نزلَ عنِ الرتبةِ القصوىٰ ساقطُ القدْرِ، بلِ الرتبةُ العليا للأنبياءِ، ثمَّ الأولياءِ، ثمَّ العلماءِ الراسخينَ في العلمِ، ثم للصالحينَ علىٰ تفاوتِ درجاتِهِم". ومن هنا نعلم هذا من جملة موازين الله التي بعث بها الأنبياء أن الأفضل في الخلائق:

  • الأنبياء والمرسلين.
  • ثم خواص أتباعهم من الأولياء والصديقين والمقربين.
  •  ثم الصالحين.
  • ثم عموم المؤمنين.

وأنه لا يلحق بهم كافر في القدر والشرف والمنزلة مهما كان.

  • (وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ…وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: 221]. 
  • (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) [البينة: 6-7]. هذا ميزان من موازين الله تعالى.

فأن يتسرب إلى قلب أحد أو عقله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله أنه يتفضل أحد من الكفار ومن غير المؤمنين لأنه عنده اطلاع على أمر؛ ولا عنده أسلحة؛ ولا عنده صناعة؛ هذا كلام مخالف لميزان الحق، هذا اختلال في معرفة ميزان الحق، الحق اللي وزن  وجعل الترتيب هذا

ولهذا عند بعثهم يوم القيامة يقولون: (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاۜ) تقول لهم الملائكة:(هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس: 52]. ماعاد يُصَدّق المتطورون ولا المتقدمون ولا الحكام ولا ال…..، صدق المرسلون التقدمة للأنبياء، التقدمة للرسل، هذا ميزان الله. الأفضل في الخلائق من جميع البشر: أنبياء الله ورسله، ثم أتباعهم على قدر اتّباعهم وقربهم منهم، من آلهم وصحبهم. ولكل أمة نبي، ولكل نبي آل وصحب وأمة. فآلهم وصحبهم أقربهم -أقرب الأمة إلى نبيها- ثم بقية الأمة على حسب مراتبهم في القرب من حيث العلم والعمل والاقتداء والإرث للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

فهذا هو الترتيب الرباني والميزان الرحماني، ثم بعد ذلك كل شيء يوضع في موضعه من شؤون الإنسانية لها مكانتها للإنسان ولو كان كافراً -ولو كان مجرماً وكل شيء له حدوده وله التعامل به ولو كان كافراً- فرق بين حربي وبين مؤَمَّن، وبين معاهَد وبين مصالَح؛ فرق بينهم، بين من يؤذي ويضر، ومن لا يؤذي ولا يضر، وبين من يعين ويساعد، وبين من لا يعين ولا يساعد؛ وإن كانوا كفاراً.

وقد استعان ﷺ في مشيه إلى الهجرة بدلالة عبد الله بن أُرَيقط وكان على الشرك، كان على الشرك هو الذي يدله هو وسيدنا بكر الصديق، وقد أَمِنه، ولكنه مأمون في هذه الناحية فتعاملوا معه. وكان يحضر لهم الناقة ويسوقهم، يمر بهم من قرية إلى قرية ومنطقة إلى منطقة، بدلالته، وهكذا..

ولكن مع ذلك أما في مستوى القتال والجهاد قال: "إننا لا نستعين بمشرك، لا نستعين بمشرك" ﷺ، لما كان خارجاً إلى بدر ولقي بعض المشركين مشهور ببطولة في الجهاد ودقة في الرمي، فرح به بعض الصحابة لما جاء للنبي، قال: أردت أن أساعدكم، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟" قال: لا. قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، الأمر هنا يختلف؛ أمر الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، فما يستعان بمثل هؤلاء في مثل هذا.

مع أنه في حياته في المدينة المنورة، بعض جيرانه كان يهود، وبعضهم أرسلوا أولادهم إلى بيوته صلى الله عليه وسلم يقوموا بشيء من الخدمة، وما رابه شيء منهم فتركهم.

حتى فيهم الذي أنقذه الله بعد ذلك على يديه، كان يخدم النبي ﷺ، ولما مرض جاء يزوره يعوده إلى بيت أبيه، وجده مُحْتضِر، آخر رمق. قال له: "اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" فتّح عيونه يشوف والده فزعان من والده  قال له: أطِع أبا القاسم والده قال: أطِع؛ لأنهم في قلوبهم يعلمون أن رسول الله هو رسول الله وهو صادق. والحين ولده يموت ما عاد في داعي يروح للنار، قال له: أطع أبا القاسم. فشهد الغلام ومات. فخرج النبي فرحان يقول: الحمدلله الذي أنقذه بي من النار.

ولكن أرباب الريبة وأرباب الخيانة، حتى ولو كانوا من المسلمين، ما قبلهم في بيته ولا قبلهم في مكانه ومحيطه ﷺ، وأمر بإبعاد من أمر بإخراجهم وهكذا، صلوات ربي وسلامه عليه. فبهذا المقياس النبوي تقاس الأمور.

يقول: "وبالجملةِ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )" [الزلزلة: 7-8]، مثاقيل الذر هذه من يحصيها إلا هو، "ومَنْ قصدَ اللهَ تعالىٰ بالعلمِ أيَّ علمِ كانَ.. نفعَهُ ورفعَهُ لا محالةً" فيحتاج أن المسلمين بمختلف أنواع العلم يقصدون وجه الله. من تعلم منهم طيران، ومن تعلم منهم جندية وعسكرة، ومن تعلم منهم هندسة، ومن تعلم منهم صناعة، ومن تعلم منهم أي شيء من المجالات الحالية؛ يجب وهو مسلم أن يقصد بعلمه وجه الله، ويسخر علمه لنصرة الحق ورسوله، ولنشر الخير في الأمة، "وإنما لكل امرئ ما نوى". 

ياالله بالتوفيق.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

لتحميل الكتاب pdf

 

تاريخ النشر الهجري

14 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

03 يناير 2026

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام