آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 2 | وظائف المتعلم (3،4) ألا يتكبر على العلم، والاحتراز عن الاختلاف

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثاني في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)

ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.

مساء الجمعة 13 رجب 1447هـ

الوظيفة الثالثة: ألا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم

 الوظيفة الرابعة: أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس

نص الدرس مكتوب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:

البَابُ الخَامِسُ

في آداب المتعلّم والمعلّم

"الوظيفةُ الثالثةُ: ألا يتكبَّرَ على العلمِ ولا يتأمَّرَ على المعلَمِ:

بلْ يلقي إليهِ زمامَ أمرِهِ بالكلِّيَةِ في كلِّ تفصيلٍ، ويذعنُ لنصحِهِ إذعانَ المريضِ الجاهلِ للطبيبِ المشفقِ الحاذقِ.

وينبغي أنْ يتواضعَ لمعلِّمِهِ ويطلبَ الثوابَ والشرفَ بخدمتِهِ، قالَ الشعبيُّ: صلَّى زيدُ بنُ ثابتٍ علىٰ جِنازةٍ، فقُرِّبَتْ إليهِ بغلتُهُ ليركبَها، فجاءَ ابنُ عباسٍ فأخذ بركابِهِ، فقالَ زيدٌ: خلِّ عنهُ يا بنَ عمِّ رسولِ اللهِ، فقالَ ابنُ عباسٍ: هٰكذا أُمرْنا أنْ نفعلَ بالعلماءِ والكبراءِ، فقبَّلَ زيدُ بنُ ثابتِ يدَهُ، وقالَ: هٰكذا أُمرْنا أن نفعلَ بأهلِ بيتِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ.

وقالَ ﷺ: "ليسَ مِنْ أخلاقِ المؤمِنِ التملُّقُ إلا في طلبِ العلم".

فلا ينبغي للطالبِ أنْ يتكبَّرَ على المعلَمِ، ومِنْ تكبُّرِهِ على المعلَّمِ أنْ ستنكفَ مِنَ الاستفادةِ إلا مِنَ المَرموقينَ المشهورينَ، وهوَ عينُ الحماقةِ؛ فإنَّ العلمَ سببُ النجاةِ والسعادةِ، ومَنْ يطلبُ مهرباً مِنْ سبُعٍ ضارٍ يفترسُهُ.. لمْ يُفَرِّقْ بينَ أنْ يرشدَهُ إلى الهربِ مشهورٌ أوْ خاملٌ، وضراوةُ سباعِ النارِ بالجهَّالِ باللهِ تعالىٰ أشدُ مِنْ ضراوةِ كلِّ سبعٍ.

فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ، يغتنمُها حيثُ يظفرُ بها، ويتقلَّدُ المِنَّةَ لمَنْ ساقَها إليهِ كائناً مَنْ كانَ، ولذلكَ قيلَ:

الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى ٱلْمُتَعَالِي*** كَٱلسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي 

فلا يُنالُ العلْمُ إلا بالتواضعِ وإلقاءِ السمعِ؛ قالَ اللهُ تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37]، ومعنى كونِهِ ذا قلبِ: أنْ يكونَ قابلاً للعلمِ فَهِماً، ثمَّ لا تغنيهِ القدرةُ على الفهْمِ حتَّىٰ يُلْقِيَ السمعَ وهوَ شهيدٌ حاضرُ القلبِ، يستقبلُ كلَّ ما يُلقىٰ إليهِ بحسْنِ الإصغاءِ والضراعةِ والشكرِ والفرحِ وقبولِ المنَّةِ.

فليكنِ المتعلَمُ لمعلَّمِهِ كأرضٍ دَمْثَةٍ نالتْ مطراً غزيراً، فشربتْ بجميعٍ أجزائِها، وأذعنتْ بالكلِّيَّةِ لقبولِهِ، ومهما أشارَ عليهِ المعلِّمُ بطريقٍ في التعلُّمِ.. فليقلِّدْهُ وليدَعْ رأيّهُ؛ فإنَّ خطأَ مرشدِهِ أنفعُ لهُ مِنْ صوابِهِ في نفسِهِ؛ إذِ التجربةُ تُطلِعُ علىٰ دقائقَ يُستغربُ سماعُها معَ أنَّهُ يَعظُم نفعُها، فكمْ مِنْ مريض محرورٍ يعالجُهُ الطبيبُ في بعضٍ أوقاتِهِ بالحرارةِ؛ ليزيدَ في قوَّتِهِ إلىٰ حدِّ يحتملُ صدمةَ العلاجِ، فيتعجَّبُ منهُ مَنْ لا خبرةَ لهُ به".

 

الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ومن اهتدى بهداه، وعلى آبائه وإخوانه من رسل الله وأنبيائه، وعلى ملائكة الله والصالحين من عباد الله وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يقول: "الوظيفة الثالثة" للمتعلم: أن يحسن التواضع للمعلم والامتثال لأمره وحُسن التلقي عنه، فلا "يتكبَّرَ على العلمِ ولا يتأمَّرَ على المعلِّمِ؛ بلْ يلقي إليهِ زمامَ أمرِهِ بالكلِّيَةِ في كلِّ تفصيلٍ"، كما عَرَفنا ذلك من شأن الصحابة وما ورد عنهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- في أقوالهم وتلقيهم عن بعضهم البعض، وكذلك بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

قال: "ويذعنُ لنصحِهِ إذعانَ المريضِ الجاهلِ للطبيبِ المشفقِ الحاذقِ"، ويبقى منتظر ماذا يُشير عليه به الطبيب مباشرة ما يقول له ما يعمله؛ يعمله، يقول له: اتركه؛ يتركه، وكيف؟ وهل علي شيء في هذا؟ و"كيف افعل كذا؟ طبيب حاذق وهو مريض يريد الخَلاص والعلاج، فيكون خاضع كاملًا.

قال: "وينبغي -للمتعلُِم- أنْ يتواضعَ لمعلِّمِهِ ويطلبَ الثوابَ والشرفَ بخدمتِهِ"

وَذكَر عن الشعبي وهذا الحديث عند الحاكِم في المُستدرك، وهو أيضاً عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم، وهو أيضاً عند الطبراني في الكبير قصة في سيدنا زيد بن ثابت من علماء الصحابة -رضي الله عنهم- زيد بن ثابت كان يَقرأ عليه سيدنا عبد الله بن عباس ابن عم النبي ﷺ ويتعلم منه، وكان من أدب ابن عباس إذا جاء يقف على الباب ما يطرق الباب، يقولون له ما بك؟، يقول: لا يكون شيخي يُصلي أو يَقرأ أو يَأكل أو في حاجة وأنا أُزعجه أو يكون  نائم، ويبقى ساكت واقف عند الباب حتى إذا عَلِمَ به شيخه فتح له ويقول له: يا ابن عم رسول الله لا تقف على الباب، اطرق الباب، حتى أن الريح تهب تسف عليه الغبار التراب، حتى من كثرة الغبار حين يمر المار لا يدري مَن هذا مِن كثرة الغبار، ولا يرضى أن ينصرف عن باب شيخه حتى يفتح له وإن طال الوقت، وإن قَصُر، هذا في أدب ابن عباس.

يروي هنا عن "الشعبيُّ -أنه- صلَّى زيدُ بنُ ثابتٍ علىٰ جِنازةٍ"، وكانت جنازة أمه -عليه رضوان الله-، فبعد الصلاة على الجنازة "فقُرِّبَتْ إليهِ بغلتُهُ ليركبَها"، فسارع ابن عباس تلميذه إلى زمام البَغلة يمسكها، فلاحظه سيدنا زيد ولما أخذ به، قال له: "خلِّ عنهُ يا بنَ عمِّ رسولِ اللهِ" -اجعل غيرك يمسكه ابعد انت-، قال له "ابنُ عباسٍ: هٰكذا أُمرْنا أنْ نفعلَ بالعلماءِ والكبراءِ"، تَعَلَمنا مِن السُّنة هكذا، أنا سأقود الدابة لك، فتأثر سيدنا زيد، ومسك بيد ابن عباس يُقَبِلها، قال له: "هٰكذا أُمرْنا أن نفعلَ بأهلِ بيتِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ"، فما أعجب خُلُق المُعَلِم والمُتَعَلِم! وما أعجب  الأدب النبوي هذا الذي جَعَلهُم بهذه الصورة صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله! رباهم وعَلمهم، قال له: أنت تفعل هذا من أجل العلم عندي إذًا هات يدك فقبلها وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بآل بيت نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يقول: ذُلِلّتُ طالباً فَعُزِزتُ مَطلوباً لابن عباس، وأدركته دعوة النبي ﷺ: "اللهم فقهه في الدين وعلمه تأويل الكتاب"، فكان يُسمى حَبر الأمة وترجمان القرآن.

وذَكَر الحديث عند ابن عبد البر يقول: "ليسَ مِنْ أخلاقِ المؤمِنِ التملُّقُ إلا في طلبِ العلم"، يقول: 

فكُن في البكور غُراباً *** وفي التَّملق قطُّ

-مثل القط إذا أردت العِلم- 

لا شي كالعلم قط  ***  سيروا إليه وحطوا

 في مجلس العلم سر ***  به الوِزْرُ عنا يُحَطُ 

إن شئت تظفر بحظٍّ  *** منه ويأتيك قسطُ

فكُن في البكور غُراباً *** وفي التَّملق قطُّ

الغراب أول الطيور يخرج في الصباح يريد رزق الله؛ خير الله يأتيه، باكرًا يخرج مبكر، قالوا: أنت سارع وبَكِّر وبادر.

كن في التَّملق قِطُ: مثل القِط تطرده يرجع، قال: 

كن في البكور غراباً *** وفي التملق قِطُّ 

يقول: "ليسَ مِنْ أخلاقِ المؤمِنِ التملُّقُ إلا في طلبِ العلم" طالب العلم يتملق لمعلمه حتى يستفيد منه، ويقول: سيدنا علي: لا تشبع مِن  طول صحبته -أي: مَن يُعلمك- فإنما هو كالشجرة لا تدري متى ترمي لك بالثمر.

قال: "فلا ينبغي للطالبِ أنْ يتكبَّرَ على المعلَّمِ، ومِنْ تكبُّرِهِ على المعلَّمِ أنْ ستنكفَ مِنَ الاستفادةِ -ممن هو دونه، ما يطلب العلم- إلا مِنَ المَرموقينَ المشهورينَ"، قال: "وهوَ عينُ الحماقةِ؛ فإنَّ العلمَ سببُ النجاةِ والسعادةِ، ومَنْ يطلبُ مهرباً مِنْ سبُعٍ ضارٍ" يقول: دلنا على الطريق واحد صغير، صغير! أنت الآن في مأزق، تريد أن تخرج، تُخَلِّص نفسك، أي واحد صغير أو كبير يأخذ منك، لهذا ما يستنكف من الاستفادة من صغير ولا من كبير، ورأينا كثير مِن أهل العلم الذين بقيت فيهم آثار التربية النبوية يستفيدون مِن تلامذتهم، مِن طلابهم، بل بعضهم يسمي بعض طلبته مِن شيوخه، يُعِدُّهم مِن شيوخه وهم طلبته، عندنا الجد سالم -عليه رحمة الله- قال أنا: أعد الولد محمد من شيوخي -ولده ابنه!ـ، قال: أنا أعده من شيوخي، ما هذا؟ وهو سبب وجوده وسبب تعليمه وسبب هكذا، ولكن كانوا بهذه الصورة في أدبهم ولا يستنكفون عن أخذ العلم من صغير ولا من كبير، ولمن جاء به مِن أهله، لِمَن هو من أهله.

قال: "فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ"، أنَّا وجدها فهو أحق الناس بها. 

قال: "ومَنْ يطلبُ مهرباً مِنْ سبُعٍ ضارٍ يفترسُهُ.. لمْ يُفَرِّقْ بينَ أنْ يرشدَهُ إلى الهربِ مشهورٌ أوْ خاملٌ، وضراوةُ سباعِ النارِ بالجهَّالِ باللهِ تعالىٰ أشدُ مِنْ ضراوةِ كلِّ سبعٍ".

"فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ، يغتنمُها حيثُ يظفرُ بها، ويتقلَّدُ المِنَّةَ لمَنْ ساقَها إليهِ كائناً مَنْ كانَ"، ولذلكَ قيلَ:

  الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى ٱلْمُتَعَالِي***............

المتكبر غير المنصت والسامع

الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى ٱلْمُتَعَالِي *** كَٱلسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي

السيل لما يسيل يذهب للمحلات المنخفضة، كل ما كان أخفض يتكاثر فيه السيل ويصبح كبير، كل ما ارتفع يقصِّر، لكن في الأعلى ما يصل السيل إليه أصلاً، يمر السيل تحته، يمشي ويشوف الأماكن المنخفضة ويملأها، والمرتفع هذا ما يصل إليه شيء من السيل، قال فالعلم كذلك، المتذللة والخاضعين له يأتي إليهم، والمتكبرين "كَٱلسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي" ما يصل إليه منه شيء - لا إله إلا الله-.

والعجيب قالوا أهل الحديث: يفتتحون بقول النبي في الحديث: "حدثني تميم الداري" الحبيب الأعظم قال وهو على المنبر يخطب قال حدثني تميم الداري أنه رأى كذا كذا.. رأى الدابة في موضوع الدجال، والنبي قال: حدثني تميم، وتميم الداري أسلم لاحقا متأخر بعد الهجرة، والنبي قال: حدثني تميم صلى الله عليه وعلى آله، وهو أقرب قريب إلى الرحمن ﷺ، لا إله إلا الله.

وهكذا قال سيدنا عمر بن الخطاب: أصابت امرأة وأخطأ عمر،  استدلت له بآية في حُكم قد قضى به على المنبر، قالت: لا يا أمير المؤمنين، الله يقول كذا، تأمل وقال: صَدقتِ، أصابت امرأة وأخطأ عمر، فرجعنا عن القرار ألغى القَرار في نفس الوقت وهو أمير المؤمنين عليه رضوان الله، قال: أصبتِ، وأخذ منها العلم عليه الرضوان في تواضعه، يمشي كان في الطريق ومعه جماعة، وإذا بامرأة: توقفه وقف، وأصغى ووقف يستمع وثم مشى، قيل له: أوقفت الناس من أجل امرأة! قال: هذه امرأة أصغى الله إلى كلامها من فوق سبع سماوات، هذه التي جاءت إلى عند النبي تجادله في زوجها، (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) [المجادلة:1]  سمع الله قولها ما أردت عمر يسمع قولها؟ أنت مجنون؟ قال: الله سمع قولها، ما أردت عمر يسمع قولها؟ توقف لها وجلس يسمعها إيش تقول، قال: هذه خولة التي أنزل الله فيها، قال: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ)  [المجادلة:1]  من فوق سبع سماوات، ما تريد عمر يسمع قولها؟

وكان ﷺ يمشي، قال: فَتَرِده جارية في الطريق سوداء؛ فتستوقفه فيقف، فتذهب به اذهب كلم لي فلان فيمشي صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وواحد من المنافقين قال: هذا (أُذُنُ) يعني: يسمع كلام أي حد منهم، فأنزل عليهم، يقولون هو أُذُن: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ) [التوبة:61] صلى الله وسلم عليه وعلى آله، (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4].

يقول: "فلا يُنالُ العلْمُ إلا بالتواضعِ وإلقاءِ السمعِ" قال: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ)، وما يكفي عنده قلب وفهم وإدراك؛ بل (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37]، أحسن الإصغاء والاستماع وهو حاضر القلب، لهذا الحق -سبحانه وتعالى- عاب على هؤلاء أهل النفاق يأتون إلى عند النبي ويخرجون، (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا) [محمد:16] ماذا كان يقول؟ ماذا قال لنا؟ لأنهم ما أصغوا، بصدق؟ وقال: (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ) -يتكلمون بينهم البين وأنت تتكلم وهم قاعدين يتكلمون بينهم البين- (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) صفوتنا وعبدنا وأرسلناك رحمة لهم، سبب لرفعتهم إلى أعلى الدرجات، و يسمونك هذه التسمية، ويقولون لك هذا الكلام، (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) [الإسراء:47-48]. هكذا كان إنصاتهم؛ ولكن إنصات الصحابة كأن على رؤوسهم الطير في مجلسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، -الله أكبر-. 

فَحُسن الإصغاء مع حضور القلب، "ومعنى كونِهِ ذا قلبِ: أنْ يكونَ قابلاً للعلمِ فَهِماً ثمَّ لا تغنيهِ القدرةُ على الفهْمِ حتَّىٰ يُلْقِيَ السمعَ -يصغي وينصت- وهوَ شهيدٌ".

ولهذا كان يقولون: إذا رأيت طالب العلم لا يُنصت إلى المسألة قد سمعها ألف مرة، ويسمعها المرة الألف وواحد، إذا كان ما يصغي إليها بعد الألف والواحد كما أصغي إليها من أول مرة فما تعده طالب علم، هذا ما هو طالب علم، وكان قد سمعها مرات، كل مرة يلقي السمع وينتبه منها، ويستوثق من معانيها، هكذا يُبَيِّنون في الحِرص على طلب العلم-لا إله إلا الله-.

قال: "حتَّىٰ يُلْقِيَ السمعَ وهوَ شهيدٌ حاضرُ القلبِ، يستقبلُ كلَّ ما يُلقىٰ إليهِ بحسْنِ الإصغاءِ والضراعةِ والشكرِ والفرحِ وقبولِ المنَّةِ".

قال: "فليكنِ المتعلَمُ لمعلَّمِهِ كأرضٍ دَمْثَةٍ نالتْ مطراً غزيراً، فشربتْ بجميعٍ أجزائِها، وأذعنتْ بالكلِّيَّةِ لقبولِهِ، ومهما أشارَ عليهِ المعلِّمُ بطريقٍ في التعلُّمِ.. فليقلِّدْهُ وليدَعْ رأيّهُ؛ فإنَّ خطأَ مرشدِهِ أنفعُ لهُ مِنْ صوابِهِ في نفسِهِ".

قال: لأنه بسر "التجربةُ تُطلِعُ علىٰ دقائقَ يُستغربُ سماعُها معَ أنَّهُ يَعظُم نفعُها"، قال: مثل مريض  محرورٍ  يحضر له الطبيب حاذق حرارة فوق الحرارة؛ لأنه لديه علاج يحتاج إلى نسبة من الحرارة لتقبل صدمة العلاج وإذا أحضر العلاج بالحرارة هذه بالمستوى هذا والذي يراه يقول هل أنت مجنون عنده حرارة وتحضر له شيء حار، وهو أحذق عارف بالترتيب كما تعرف شؤون الهندسة وغيرها، يأتي الذي  لا يعرف، يقول: لماذا يفعل هكذا؟ لو عندك الخبرة التي عندهم! يقول: "ليزيدَ في قوَّتِهِ إلىٰ حدِّ يحتملُ صدمةَ العلاجِ، فيتعجَّبُ منهُ مَنْ لا خبرةَ لهُ به".

 

"وقدْ نبَّهَ اللهُ تعالىٰ بقصَّةِ الخضرِ وموسىٰ عليهما السلامُ حيثُ قالَ الخضِرُ: ( قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) [الكهف:67-68]]، ثمَّ شرطَ عليهِ السكوتَ والتسليمَ فقالَ: ( قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) [الكهف:70]، ثمَّ لمْ يصبرْ ولمْ يزلْ في مرادَّتِهِ إلى أنْ كانَ ذلكَ سببَ فراقِ ما بينهما.

وبالجملةِ: كلُّ متعلُّمٍ استبقى لنفسِهِ رأياً واختياراً وراءَ اختيارِ المعلَّمِ.. فاحكمْ عليهِ بالإِخفاقِ والخسرانِ.

فإنْ قلتَ: فقد قالَ الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:43]، فالسؤالُ مأمورٌ بهِ.

فاعلمْ: أنَّهُ كذلكَ، ولكنْ فيما يأذنُ المعلّمُ في السؤالِ عنهُ؛ فإنَّ السؤالَ عمَّا لمْ تبلغْ رتبتُكَ إلى فهمِهِ مذمومٌ، ولذلكَ منعَ الخضرُ موسىٰ -عليهما السلامُ- عنِ السؤالِ؛ أي: دَعِ السؤالَ قبلَ أوانِهِ، فالمعلِّمُ أعلمُ بما أنتَ أهلٌ لهُ، وبأوانِ الكشفِ، وما لمْ يدخلْ أوانُ الكشفِ في كلِّ درجةٍ مِنْ مراقي الدرجاتِ.. لا يدخلُ أوانُ السؤالِ عنهُ.

وقدْ قالَ عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ مِنْ حقِّ العالمِ: ألا تكثرَ عليهِ بالسؤالِ، ولا تعنَّتَهُ في الجوابِ، ولا تلحَ عليهِ إذا كسلَ، ولا تأخذ بثوبِهِ إذا نهض، ولا تفشيَ لهُ سرّاً، ولا تغتابَنَّ عندَهُ أحداً، ولا تطلبَنَّ عَثْرتَهُ، وإنْ زلَّ.. قبلتَ معذرتَهُ، وعليكَ أنْ توقِّرَهُ وتعظّمَهُ للهِ تعالىٰ ما دامَ يحفظُ أمرَ اللهِ تعالىٰ، ولا تجلسْ أمامَهُ، وإن كانتْ لهُ حاجةٌ.. سبقتَ القومَ إلىٰ خدمتِهِ".

 

يقول: نبه الله تعالى بقصة موسى والخضر -عليهما السلام- على وجوب طاعة المُتَعَلِم للمُعَلِم، فيقول له سيدنا الخضر اشترط على موسى، لاحقا، قال سيدنا موسى (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي) [الكهف:69-70]، اسكت، سترى الأمر وتتعجب فيه ولا تتكلم، اسكت، اختبار هذا كبير (فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أنا أقول لك، فأول مرة نسي، نسي لما ركبوا في السفينة-وثم قلع لوح منها يُعَرِضها للغرق، قال له: مالك؟! القوم عَرَفونا نحن وعَرَفوك أنت، ومن أجلك ركبونا بلا نُول -أجرة-، وتقوم تكافئهم بإغراق سفينتهم؟! (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) [الكهف:72-73]، كانت نسياناً الأولى من موسى، وهم يمشون، وقع طائر على حرف السفينة ونقر بمنقاره في البحر، قال سيدنا الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من عِلم الله  إلا بمقدار ما نقص هذا الطائر بمنقاره من البحر، كم نقص من البحر؟ لا شيء، قال: كل علومي وعلومك بالنسبة لعلم الله تعالى لا شيء، ماشاء الله، الله أكبر، سبحان الذي أحاط بكل شيء علما.

جاءوا إلى عند الغلام، لم يعد يستطيع الصبر سيدنا موسى، تأخذ غلام من بين الصبيان تقطع رقبته! (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، قال باقي واحدة (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا) [الكهف:74-76]، الثالثة تعمدها سيدنا موسى؛ انتهى مقصوده من العلم هذا، وشرح له لاحقا ما الذي انطوى عليه من الحِكم، (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) [الكهف:82].

يقول: "وبالجملةِ: كلُّ متعلُّمٍ استبقى لنفسِهِ رأياً واختياراً وراءَ اختيارِ المعلَّمِ.. فاحكمْ عليهِ بالإِخفاقِ والخسرانِ"، ما سيأتي منه شيء، ولكنهم على قدر أدبهم مع شيوخهم ارتقوا ونالوا حق إمدادات وفيض من العلوم، وهذا مُشاهد في كل قرن؛ وفي كل زمان وجماعة الذين تأدبوا مع الشيوخ وخضعوا لهم وانطووا فيهم، برزت عليهم بعدين منافع وخيرات كبيرة وانتشر بهم نور، والذين تطاولوا ورأوا أن عقولهم أعقل من الشيوخ ورأوا أن آراءهم أحسن من الشيوخ، مهما كان ومهما جمعت نتائجه تفشل؛ أو ينقلب ويرجع شيء ثاني فيما بعد -والعياذ بالله تبارك وتعالى- والحق يُثَبِت مَن يشاء. 

فيا رب ثبتنا على الحق والهدى *** ويا رب اقبضنا على خير ملة.

وكذلك ترى الصحابة السابقين الأولين هؤلاء ما يصلهم مَن بعدهم، وإن كانوا قاتلوا وجاهدوا معهم، لأن أدبهم مع الحبيب وانطوائهم فيه أقوى (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد:10]، والذين جالَسوه أكثر هؤلاء كبارهم مثل سيدنا أبو بكر، من قبل النبوة معهم، طول النبوة وطول الهجرة وطول الغزوات إلى وفاته، استقوا سُقيا قَوية مِنه امتلئوا، فما يساويهم غيرهم، ما يماثلهم غيرهم، حتى قالوا في حديث: "فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم" قالوا مِن  الصحابة نفسهم، يعني الأوائل ما يساويهم إنفاق الذي جاء من بعد الفتح، حتى وإن أنفق مثل أُحد، ما يصل إلى نصف مُدّ أحدهم ولا نصيفه، فكيف بمن بعدهم حتى منهم من نفسهم الصحابة ما يدركوا هؤلاء الأوائل، فرضي الله عنهم ورزقنا محبتهم وحشرنا في زمرتهم.

يعني يقول: "فإنْ قلتَ: فقد قالَ الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:43]، فالسؤالُ مأمورٌ بهِ".  قال: نعم، السؤال مأمور به، وهذا يقول (فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ) [الكهف:70]، قال: نعم، "ولكنْ فيما يأذنُ المعلّمُ في السؤالِ عنهُ؛ فإنَّ السؤالَ عمَّا لمْ تبلغْ رتبتُكَ إلى فهمِهِ مذمومٌ"، وهذا منع سيدنا الخضر موسى؛ لأنه: (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) [الكهف:67-68] ويقول: إذا ما جاء وقت تتأهل فيه للكشف، يعني للبيان عن حقيقة الأمر، فما هو وقت السؤال، إلى أن  تتأهل للفهم وأن يُكشف لك فتفهمه، يأتي وقت السؤال، ومن هنا أيضاً الصحابة بالغوا لما نهوا عن كثرة السؤال بالغوا حتى صاروا يُقِلوا السؤال كثيراً، فصاروا يفرحون بالأعراب الذين يأتون، الأعراب يسألون يسألون، يسمعون يخرجون لهم بعض الأشياء من النبي ﷺ، وهم من قوة أدبهم صار يثقل عليهم السؤال لأجل ذلك: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة:101]، و "ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ بكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ على أَنْبِيائِهِمْ،".

يقول: "وما لمْ يدخلْ أوانُ الكشفِ في كلِّ درجةٍ مِنْ مراقي الدرجاتِ.. لا يدخلُ أوانُ السؤالِ عنهُ". وهكذا فإذا لم يَنهَهُ المعلم عن السؤال  فليسأل، وقال سيدنا ابن عباس المسؤول عن كثرة علمه، قال: أوتيت قلبًا عقولا ولسانًا سؤولا، حُسن السؤال، ولهذا يقولون فيما ورد: "العلم خزائن مفاتيحها السؤال، فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة: العالِم، والسائل، والمُستَمِع، والمحب لهم. يُحَصِلون أجر من خلال السؤال هذا إذا سأل.

وقال ﷺ لسيدنا أبي هريرة: "لقد ظنَنتُ يا أبا هريرةَ، أن لا يَسأَلَني عن هذا الحديثِ أحدٌ أولى مِنكَ لما رأيتُ مِن حرصِكَ على الحديثِ" العِلم، شجعه عندما سأله: "مَن أسْعَدُ النّاسِ بشَفاعَتِكَ يَومَ القِيامَةِ؟" قال: "أسعَدُ الناسِ بشَفاعَتي يومَ القيامةِ، مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ خالصةً مِن قَلْبِهِ"، قال: قيل: "وما إخلاصُها؟" قال: "أن تحجُزَه عن محارمِ اللهِ"، يفهم من سرها ونورها ما يكون حائل بينه وبين المحرمات كلها، قال: هذا أسعد الناس بشفاعتي، اللهم شفُِعهُ فينا. أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة، حتى هم من أسعد الناس بشفاعته في دنياهم؛ هم حتى في دنياهم، يجد شفاعته منبسط أثرها على مجالسهم، على أقوالهم، على انطلاقهم، على مشاريعهم التي يقوموا بها، تجد شفاعتهم حاضرة؛ لأنهم منطوين فيه ومتحققين بحقائق لا إله إلا الله، يكونوا مِن أسعد الناس بشفاعته في القيامة وحتى في الدنيا، اللهم شفعه فينا، نِعْم الشفيع الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

"قالَ -سيدنا- عليٌّ -رضيَ اللهُ عنهُ-: إنَّ مِنْ حقِّ العالمِ: ألا تكثرَ عليهِ بالسؤالِ، -ولا تسأل عليه وقت ملله ووقت كسله-، ولا تعنَّتَهُ في الجوابِ،- ولا تلحَ عليهِ إذا كسلَ، ولا تأخذ بثوبِهِ إذا نهض، ولا تفشيَ لهُ سرّاً، ولا تغتابَنَّ عندَهُ أحداً، ولا تطلبَنَّ عَثْرتَهُ، وإنْ زلَّ.. قبلتَ معذرتَهُ، وعليكَ أنْ توقِّرَهُ وتعظّمَهُ للهِ تعالىٰ ما دامَ يحفظُ أمرَ اللهِ تعالىٰ، -لا يقصد الذنوب ولا المعاصي، ولا يتجرأ على الشريعة- ولا تجلسْ أمامَهُ، -يعني: تتقدم عليه في المجلس- وإن كانتْ لهُ حاجةٌ.. سبقتَ القومَ إلىٰ خدمتِهِ".

إلى غير ذلك مما ذكر سيدنا علي رضي الله تعالى عنه في آداب المتعلم.

 

"الوظيفةُ الرابعةُ: أنْ يحترزَ الخائضُ في العلم في مبدأِ الأمرِ عنِ الإصغاءِ إلى اختلافِ الناسِ، سواءٌ كانَ ما خاضَ فيهِ مِنْ علومِ الدنيا أو مِنْ علومِ الآخرةِ:

فإنَّ ذلكَ يدهشُ عقلَهُ ويحيِّرُ ذهنَهُ، ويُفتِّرُ رأيَهُ ويؤيسُهُ عنِ الإدراكِ والاطلاعِ، بلْ ينبغي أنْ يتقنَ أولاً الطريقةَ الحميدةَ الواحدةَ المرضيةَ عندَ أستاذِهِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ يصغي إلى المذاهبِ والشُّبَهِ.

وإنْ لمْ يكنْ أستاذُهُ مستقلاً باختيارٍ رأيٍ واحدٍ وإنَّما عادتُهُ نَقلُ المذاهبِ وما قيلَ فيها.. فليحذرْ منهُ؛ فإنَّ إضلالَهُ أكثرُ مِنْ إرشادِهِ، ولا يَصلحُ الأعمىٰ لقودِ العميانِ وإرشادِهِمْ، ومَنْ هذا حالَهُ فهوَ بعدُ في عمى الحَيْرةِ وتيهِ الجهلِ.

ومنعُ المبتدءِ عَنِ الشُبهِ يضاهي منعَ الحديثِ العهدِ بالإسلامِ عنْ مخالطةِ الكفارِ، وندبُ القويِّ إلى النظرِ في الاختلافاتِ يضاهي حثَّ القويِّ علىٰ مخالطةِ الكفارِ، ولذلكَ يُمنعُ العاجزُ عنِ التهجُمِ علىٰ صفِّ الكفارِ، ويندبُ الشجاعُ له.

ومِنَ الغفلةِ عنْ هذهِ الدقيقةِ ظنَّ بعضُ الضعفاءِ أنَّ الاقتداءَ بالأقوياءِ فيما يُنقلُ عنهُمْ مِنَ المساهلاتِ جائزٌ، ولمْ يدركْ أنَّ وظائفَ الأقوياءِ تخالفُ وظائفَ الضعفاءِ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: مَنْ رآني في البدايةِ.. صارَ صدِّيقاً، ومَنْ رآني في النهايةِ.. صارَ زنديقاً؛ إذِ النهايةُ تردُّ الأعمالَ إلى الباطنِ، وتسكِّنُ الجوارحَ إلا عنْ رواتبِ الفرائضِ، فيتراءىٰ إلى الناظرِ أنَّهُ بطالةٌ وكسلٌ وإهمالٌ، وهيهاتَ هيهاتَ! فذلكَ مُرابطةٌ للقلبِ في عينِ الشهودِ والحضورِ، وملازمةٌ للذكرِ الذي هوَ أفضلُ الأعمالِ على الدوامِ.

وتشبُّهُ الضعيفِ بالقويِّ فيما يَرَىٰ مِنْ ظاهرِهِ أنَّهُ هفوةٌ يُضاهي اعتذارَ مَنْ يُلقي نجاسةً يسيرةً في كوزِ ماءٍ، ويتعلَّلُ بأنَّ أضعافَ هذهِ النجاسةِ قدْ يُلقىٰ في البحرِ والبحرُ أعظمُ مِنَ الكوزِ، فما جازَ للبحرِ.. فهوَ للكوزِ أجوزُ، ولا يدري المسكينُ أنَّ البحرَ بقوَّتِهِ يحيلُ النجاسةَ ماءً، فتنقلبُ عينُ النجاسةِ باستيلائِهِ إلى صفتِهِ، والقليلُ منَ النجاسةِ يغلبُ الكوزَ ويحيلُهُ إلى صفتِهِ.

وبمثلِ هٰذا جُوِّزَ للنبيُّ ﷺ ما لمْ يُجوَّزْ لغيرِهِ؛ حتَّىٰ أُبيحَ لهُ تِسْعُ نِسوةٍ؛ إذْ كانَ لهُ منَ القوَّةِ ما يتعدَّىٰ منهُ صفةُ العدلِ إلى نسائِهِ وإنْ كثرْنَ، وأمَّا غيرُهُ.. فلا يقدرُ على بعضِ العدْلِ، بلْ يتعدَّىٰ ما بينهُنَّ مِنَ الضرارِ إليهِ، حتّىٰ ينجرَّ إلى معصيةِ اللهِ تعالى في طلبِ رضاهنَّ، فما أفلحَ مَنْ قاسَ الملائكةَ بالحدَّادينَ".

 

الوظيفة الرابعة: يتربى بِصِغار العِلم قبل كِباره، ويأخذ ما يستوعبه، ويأخذ في البداية مذهباً واحداً، ومسلكاً واحداً مِن مسالك أهل السنة الصحيح يمشي عليه، حتى يستوعبه تماماً، ثم ينظر في الاختلاف وما قال بقية الأئمة مِن مثل  الأئمة الأربعة في الفقه والشريعة، وغير ذلك أيضاً في أنواع العلوم؛ من علم اللغة والآلات أو علوم الحديث أو علوم التفسير وما إلى ذلك، يبدأ بشيء يسير وأقوال معروفة، حتى يرسخ عنده معاني للقرآن ثم يتسع، ولذا تجد الذين لا سند لهم بالعلم، مباشرة يجيبون لهم طلاب صغار مبتدئين، يجيبون لهم الكتب الكبيرة ويلقون لهم فيها الدروس، ومن هنا ومن هنا، ولا مذهب ولا أساس، ويطلع لا هو كذا ولا هو كذا، مخربط من كل جانب، فهذا ما هو طريقة في أخذ العلم.

ولكن كما ذكر قال: "سواءٌ كانَ ما خاضَ فيهِ مِنْ علومِ الدنيا أو مِنْ علومِ الآخرةِ: فإنَّ ذلكَ يدهشُ عقلَهُ"،، ولو أحضرنا واحد نريد نعلمه الطب، وأخذنا ننقله من مسألة إلى مسألة؛ لن يعرف ما يفعل؛ ولن يعرف أن يعالج أحد، لابد تبدأ معه شيء.. ضعوه في كلية الطب؛ وثم يتخصص ويطلع إلى الدكتوراة؛ وثم يتخصص في تخصصات.. شوي.. شوي.. حتى يستوعب ويقدر، وهكذا بقية العلوم.

 قال: "ينبغي أنْ يتقنَ أولاً الطريقةَ الحميدةَ الواحدةَ المرضيةَ عندَ أستاذِهِ"، ويأخذ بها ويرسخ عنده أساس في العلم، ثم يستطيع أن يتسع، أما إذا كان هو نفس أستاذه ما عنده استقرار ولا طريقة واحدة، -مهبِّش-، يجيب من ذا ومن ذا ومن ذا، قال له: انتبه لنفسك، اذهب وابحث لك عن شيخ سوي، هذا بيدخلك معه في المعمعة وبيخليك واحد من المهووجين -مهووجين- يضروا الناس أكثر مما ينفعونهم، لا يتقنون مذهباً ولا يتقنون حديثاً ولا يتقنون  شيء بل تهويش من هنا ومن هنا ومن هنا، قال: فلا بد من هذه الطريقة التي مشى عليها الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان -رضي الله تعالى عنهم-.

قال: "ومنعُ المبتدءِ عَنِ الشُبهِ يضاهي منعَ الحديثِ العهدِ بالإسلامِ عنْ مخالطةِ الكفارِ"؛ لأنه يخشى عليه يتأثر ويرجع يرتد، ولكن مثل ما نندب القوي إلى الاطلاع على الشبه والرد عليها، كذلك نندب القوي من المؤمنين في مقابلة الكفار ومخالطتهم أو الهجوم عليهم، قالوا: إذا كان ما هو شجاع وغبي ويهجم!!  ستسبب لنا خزوة بين الناس ولا تبيض وجه الإسلام؛ اجلس هناك، وهات واحد من الشجعان يأتي ويدخل في الموطن اللائق به، وهكذا.

قال: "ومِنَ الغفلةِ عنْ هذهِ الدقيقةِ ظنَّ بعضُ الضعفاءِ أنَّ الاقتداءَ بالأقوياءِ فيما يُنقلُ عنهُمْ مِنَ المساهلاتِ  جائزٌ، ولمْ يدركْ أنَّ وظائفَ الأقوياءِ تخالفُ وظائفَ الضعفاءِ، ولذلكَ قالَ -بعض العارفين-: مَنْ رآني في البدايةِ.. -اقتدى بي فيما ابتدأت فيه مسيري- صار صديقاً -وصل إلى الصديقية- ومَنْ رآني في النهايةِ.." -بعد ما امتلأ معرفة ويقين وصار حضوره مع الله غالب عليه، وصار له جاه بين الناس؛ صار  يريد مثله، هذا يرجع زنديق، هذا جاء على زندقة ما جاء على شيء، يمشي في الطريق التي مشينا فيها من البداية، انظر كيف تواضعنا؟ وكيف تَعَلمنا؟ وكيف جاهدنا؟ ثم هذه النهاية.

وقالوا: كثير من أرباب النهايات تتحول مجاهداتهم إلى باطنية، في دوام حضور مع الحق سبحانه وتعالى، وانفتاح لأنواع المعاني في الأسماء والصفات وعظمة الذات ومعاني القرآن، فيكون لهم ارتقاء من درجة لدرجة وتراه في ظاهره وتقول كأنه ما يفعل صلاة كثير وما يفعل…، ما يعلم أن نتائج الصلوات والعمل الجيد أوصلته إلى هذا، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]، فقد يقتصر على الفرائض، الفرائض ما لأحد عُذر فيها، لا يقول واصل ولا غير واصل ولا ولي ولا قطب،  فرائض الله ما فيها عذر لأحد كائناً من كان، لكن من غير الفرائض، قد تظن أنه تكاسل منه وتقصير، وأنت لا تعلم بالحال الذي هو فيه، والذي صلاتك الطويلة العريضة ما تساوي لحظة من لحظاتهم مع الله تبارك وتعالى، وهكذا.

وهكذا جاء بعض أهل العلم أيام سيدنا السقاف، ثم رأٓه بعد صلاة المغرب ركع ركعات واضطجع، وهذا يركع ويقول في قلبه: عالِم ولي داعي يضطجع بين مغرب وعشاء!؟ وقع في السجود أراد يرفع رأسه لم يقدر، وكملوا الناس حزب القرآن والقراءة والأذكار، وقاموا يصلون والرجل ما تحرك، قال لهم حركوه، حركوه وعندما حركوه قام، قال له: تبت أم لم تتب؟ ما سمعت من العارفين من قال: صلي الفرض ونام عرض، حالتي في الضجعة ما هي عندك في السجود، أنت وأنت ساجد ما هي عندك، قال: خلاص أنا تبت، فما يُنظَر إليهم في النهايات، ولكن كل واحد من الأكابر انظر بدايته، جد واجتهاد وصبر ومثابرة وكلهم هكذا مضوا بهذا الطريق -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

قال: فإذا أراد "تشبُّهُ الضعيفِ بالقويِّ" فيقوم يفعل قياس باطل، مثل الذي عنده كوز صغير ويضع بعض النجاسة فيه، صار ماء نجس، قال روح البحر يحطون فيه النجاسات كلها، أكبر من هذا وهو أكبر من كوزي، لما أنه أكبر من كوزك أحال النجاسات وأرجعها  إلى ماء أما أنت كوزك ماذا سيفعل، قال مدام هو أكبر من كوزي وقبل النجاسة فأنا أقيس بذلك!! هذا قياس كما يقولون قياس حماري؛ قياس حماري، كان واحد معه حمار ويحمل عليه ملح فعندما يمشي في طريق فيها ماء فالحمار لما ينخفض في الماء يخف الملح لأن الملح يذوب، فأعجبه أن ينخفض إلى الماء لأنه يخف عليه الحمل عندما يخرج من الماء، فقام مرة حمل عليه صوف فدخل في الماء صار يدخل يثقل يمتلئ، يثقل وطى أكثر كثر، قياسه الصوف على الملح هو هذا قياس حماري كما  يقولون، وهذا يقيس البحر على كوزه  بس شوي شوي ما هو هكذا القياس.

قال: لهذا "هٰذا جُوِّزَ للنبيُّ ﷺ ما لمْ يُجوَّزْ لغيرِهِ؛ حتَّىٰ أُبيحَ لهُ تِسْعُ" وما إلى ذلك، قال: (خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب:50] ﷺ، "إذْ كانَ لهُ منَ القوَّةِ ما يتعدَّىٰ منهُ صفةُ العدلِ إلى نسائِهِ -كلهن- وإنْ كثرْنَ"، ومع ذلك بدقة وبلطف وباستيعابه لهن  كلهن -عليه الصلاة والسلام- وبخلق، وأقام العدل بينهم صلى الله عليه وعلى آله، قالوا: وغيره ما تخبر، حتى وهو اثنتين ما يعرف ماذا يفعل وربما جعلوه يذهب ويخرج عن الطريق بسببهن؛ فلهذا يختلف الحال، ولهذا قال: "فما أفلحَ مَنْ قاسَ الملائكةَ بالحدَّادينَ"، الحدادين الذين يصلحوا الحديد، يريد يقيسهم بالملائكة!  نقول لا لا لا، الملائكة لهم شأن والحدادين لهم شأن ثاني، وهؤلاء موكلين بأقطار وموكلين بأمور في السماء والأرض وما بينها، ما هم مثل هذا.

رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة، وأحيا فينا العلوم النافعة.

اللهم ارزقنا الإنابة  الكاملة إليك، والإقبال الصادق عليك والقبول التام لديك، وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا..

وتب علينا توبة نصوحا

وتب علينا توبة نصوحا

وتب علينا توبة نصوحا

زكنا بها قلبا وجسما وروحا، اللهم ارزقنا كمال الإنابة والخشية والاستقامة، واتحفنا بأنواع المنن والمواهب والمزايا والكرامة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ودار المقامة، وارزقنا مرافقة المظلل بالغمامة عبدك المصطفى محمد، خَلِقنا بأخلاقه وأدبنا بآدابه، وسر بنا في دربه واسقنا من شربه، وأدخلنا في حزبه، ولا تفرق بيننا وبينه في الحياة وعند الوفاة والبرزخ ويوم الموافاة، وفي دار الكرامة، وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب.

وبارك لنا وللأمة في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، وأعنا على الصيام والقيام، واحفظنا من الآثام، وأرنا في الأمة واسمعنا ما تقر به عين خير الأنام والعباد الصالحون الكرام.

اللهم و ادفع عنا كيد الكائدين، واجعلنا في الهداة المهتدين، واحفظنا وأهالينا وأسرنا من فساد المفسدين، وانْظمنا في سلك أهل الصدق واليقين، وأنت راضٍ عنا يا أكرم الأكرمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

لتحميل الكتاب pdf

 

 

 

تاريخ النشر الهجري

14 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

03 يناير 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام