آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم - 1 | وظائف المتعلم (1،2) طهارة النفس، وأشغال الدنيا
الدرس الأول للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في شرح كتاب: آداب المتعلم والمعلم وآفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء السوء (من كتاب العلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي)
ضمن دروس دورة صناعة المعلم: تزكية ودعوة، في معهد الرحمة بالأردن.
مساء الجمعة 13 رجب 1447هـ
الوظيفة الأولى: تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات
الوظيفة الثانية: أن يُقلل علائقه من أشغال الدنيا ويبعد عن الأهل والوطن
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبِسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصّالحين- من كتاب (الإحياء في علوم الدين) إلى أن قال:
البَابُ الخَامِسُ
في آداب المتعلّم والمعلّم
"فأمَّا المتعلِّمُ: فآدابُهُ ووظائفُهُ الظّاهرةُ كثيرةٌ، ولكنْ تَنْظِمُ تفاريعَها عشرُ جملٍ:
الوظيفةُ الأولىٰ: تقديمُ طهارةِ النفسِ عنْ رذائلِ الأخلاقِ ومذمومِ الأوصافِ:
إذِ العلمُ عبادةُ القلبِ، وصلاةُ السرّ، وقربةُ الباطنِ إلى اللهِ تعالىٰ، وكما لا تصحُّ الصلاةُ التي هيَ وظيفةُ الجّوارحِ الظاهرةِ إلا بتطهيرِ الظاهرِ عن الأحداثِ والأخباثِ.. فكذلكَ لا تصحُّ عبادةُ الباطنِ وعمارةُ القلبِ بالعلم إلّا بعدَ طهارتِهِ عنْ خبائثِ الأخلاقِ وأنجاسِ الأوصافِ .
قالَ ﷺ: "بُنِيَ الدِّينُ على النّظافةِ"، وهوَ كذلكَ باطناً وظاهراً .
وقالَ الله تعالىٰ: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)[التوبة:28]؛ تنبيها للعقولِ على أنَّ الطهارةَ والنّجاسةً غيرُ مقصورةِ على الظواهرِ المدركةِ بالحسِّ، فالمشركُ قدْ يكونُ نَظيفَ الثوبِ مغسولَ البدن، ولكنَّهُ نجسُ الجوهرِ؛ أي: باطنُهُ ملطَّخٌ بالخبائثِ .
والنجاسةُ: عبارةٌ عمَّا يُجتنبُ ويُطلبُ البعدُ منهُ، وخبائثُ صفاتِ الباطنِ أهمُّ بالاجتنابِ؛ فإنَّها معَ خبثِها في الحالِ مهلكاتُ في المآلِ، ولذلكَ قالَ ﷺ: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيهِ كلبٌ"، والقلبُ بيتٌ هوَ منزلُ الملائكةِ، ومهبِطُ أثرِهِمْ ومحلُّ استقرارِهِمْ؛ والصفاتُ الرديئةُ مثلُ الغضبِ والشهوةِ، والحقدِ والحسدِ، والكبرِ والعجبِ، وأخواتِها.. كلابٌ نابحةٌ؛ فأنَّىٰ تدخلُهُ الملائكةُ وهوَ مشحونٌ بالكلابِ، ونورُ العلم لا يقذفُهُ اللهُ في القلبِ إلّا بواسطةِ الملائكةِ؟! (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) [الشورى:51]، وهٰكذا ما يرسلُ مِنْ رحمةِ العلومِ إلى القلوب إنّما تتولّاها الملائكةُ الموكّلون بها، وهمُ المقدَّسونَ المطهَّرونَ المبرَّؤونَ عنِ المذموماتِ، فلا يلاحظونَ إلا طيِّباً، ولا يَعْمُرُونَ بما عندَهُمْ مِنْ خزائنِ رحمةِ اللهِ إلّا طيباً طاهرا.
ولستُ أقولُ: المرادُ بلفظِ البيتِ هوَ القلبُ، وبالكلبِ هوَ الغضبُ والصفاتُ المذمومةُ، ولكنّي أقولُ: هوَ تنبيهٌ عليهِ، وفرق بينَ تغييرِ الظواهرِ إلى البواطنِ وبينَ التنبُّهِ للبواطنِ مِنْ ذكرِ الظواهرِ معَ تقريرِ الظواهرِ، ففارقَ الباطنيةَ بهذهِ الدّقيقةِ، فإنَّ هذا طريقُ الاعتبارِ، وهوَ مسلكُ العلماءِ والأبرارِ؛ إذْ معنى الاعتبارِ: أنْ تعبرَ ممَّا ذُكرَ إلىٰ غيرِهِ، فلا تقتصرُ عليهِ؛ كما يرى العاقلُ مصيبةً لغيرِه فيكونُ لهُ فيها عبرةٌ، بأنْ يعبرَ منها إلى التنبُّهِ لكونِهِ أيضاً عرضة للمصائبِ، وكونِ الدنيا بصددِ الانقلاب؛ فعبورُهُ مِنْ غيرِهِ إلىٰ نفسِهِ، ومِنْ نفسِهِ إلى أصلِ الدنيا عبرةٌ محمودةٌ.
فاعبرْ أنتَ أيضاً مِنَ البيتِ الذّي هوَ بناءُ الخلقِ إلى القلبِ الذي هوَ بيتُ مِنْ بناءِ اللهِ تعالىٰ، ومِنَ الكلبِ الذي ذُمَّ لصفتِهِ لا لصورتِهِ وهوَ ما فيهِ مِنْ سَبُعيَّةٍ ونجاسةٍ إلىٰ روحِ الكلبيّةِ وهيَ السبُعيَّةُ.
واعلمْ: أنَّ القلبَ المشحونَ بالغضبِ، والشَّرَهِ إلى الدنيا، والتكالبِ عليها، والحرص على التمزيقِ لأعراضِ الناسِ.. كلبٌ في المعنىٰ، وقلبٌ في الصورةِ، فنورُ البصيرةِ يلاحظُ المعانيَ دونَ الصورِ؛ والصّورُ في هذا العالمِ غالبةٌ على المعاني، والمعاني باطنةٌ فيها، وفي الآخرةِ تتبعُ الصورُ المعانيَ، وتغلبُ المعاني، فلذلكَ يُحشرُ كلُّ شخصٍ على صورتِهِ المعنويّةِ، فيُحشرُ الممزِّقُ لأعراضِ الناسِ كلباً ضارياً، والشرِهُ إلى أموالِهمْ ذئباً عادياً، والمتكبِّرُ عليهِمْ في صورةِ نمرٍ، وطالبُ الرئاسةِ في صورةِ أسدٍ.
وقد وردتْ بذلكَ الأخبارُ، وشهدَ بهِ الاعتبارُ عندّ ذوي البصائرِ والأبصارِ، وشهدَ به شواهدُ الرؤيا؛ فإنّ النّائمَ لمّا بَعُدَ عنْ عالمِ المحسوساتِ.. قربَ منْ ذلك العالمِ؛ إذِ النومُ أخو الموتِ، فيرى في النّومِ الموصوفينَ بهذهِ الصفاتِ علىٰ هذهِ التي ذكرناها.
الحمد لله مولانا العليم الحكيم، (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:4-5] وبعث الأنبياء والمرسلين معلّمين، مبشّرين ومنذرين، وداعين إليه بإذنه ودالّين عليه، صلوات الله وسلامه عليهم، وعلى سيّدهم المصطفى المختار محمد، وعلى جميع من سبقه وأظهره الله قبله من آبائه وإخوانه من النّبيّين والمرسلين، وآلهم وصحبه وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين.
وهذا الدّرس الأوّل فيما يتعلّق: بِآداب المتعلّم والمعلّم، إذ هما القائمان بالوظيفة الكبرى التّي تتّصل بالمقصود الأعلى من خلق السّماوات والأرض وما بينهما، فيما أشار الحقّ إليه تعالى في كتابه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
وفيه الإشارة إلى العلم الأعظم، وهو:
- علم توحيد الحقّ -جلّ جلاله-.
- والإيمان به.
- ومعرفة أسمائه وصفاته.
ويترتّب على ذلك ما اتّصل وارتبط به:
- من علوم الشّرع المصون.
- وفقه الأوامر والنّواهي.
- علوم الإسلام والإيمان والإحسان.
وفّر الله حظنا منها.
المتعلّم والمعلّم هما: اللذان يخرجون من ظلمة هذه الدّنيا واسودادها، وحصول الطّرد والبعد لها ولأرْبابها عن حضرة الله تعالى، فيما صحّ في الحديث الذّي روى التّرمذي وغيره: "الدُّنيا ملعونةٌ ، ملعونٌ ما فيها، إلّا ذكرَ اللهِ و ما والاه، وعالِمًا أو متعلمًا". وهم وإن كانوا داخلين في ذكر الله وما والاه -ولكن نصّ عليهم تنصيصاً- من باب ذكر الخّاص بعد العام، تعظيماً، واهتماماً، واعتناءً، بهذين الصّنفين من القلائل: العالم والمتعلّم.
ولا شكّ أنّ المراد بالعالم والمتعلّم:
منْ يتعلّمون ما بُعث به الأنبياء والمرسلون، وما أمرهم الله تعالى بتعليمه للخلق، ثمّ بعد ذلك يدخل فيه -في التّبعيات- كل عالم و متعلّم لكلّ ما ينفع النّاس ويمكن صرفه إلى معانٍ من العبادة بحسب النّية. وتسيير ذلك التّعلم والتعليم فيما يعود بالمنافع والفوائد للمسلمين التّي تكون عوناً لهم، على إقامة أمر الله -تعالى- في أنفسهم وديارهم وعلى هذه الأرض.
يقول: "فأمَّا المتعلِّمُ: فآدابُهُ ووظائفُهُ الظّاهرةُ كثيرةٌ، ولكنْ تَنْظِمُ تفاريعَها عشرُ جملٍ:"، أي: يذكر عشر وظائف جمليّة تتبع كلّ وظيفة أو يندرج فيها عدد من المعاني، ولكن هذه الأسس المهمّة:
- الوظيفة الأولى: تطهير النفس
فنبّه إلى "الوظيفة الأولى" وهى التّي أُهْملت، والتّي ضُيّعت، والتي ترتّب على إهمالها وإضاعتها أنواع من الفساد:
- في الخافي وفي البادي.
- في الأجسام وفي الفؤاد.
- في الخّاص والعام.
- في الأُسر، وفي المجتمعات، وفي الدّول.
لأنّ التّعلّم ما قام على هذا الأساس، والله يعيد المسلمين إلى ما هو أجمع، وأنفع، وأرفع.
ولا نقول انقطع بالنّهاية، لكن العبرة بالكثرة، وإلّا فلا يمكن أن ينقطع أخذ التّعلم على وجهِه في الأمّة، لأنّ الله تكفّل لنبيّه ببقاء هذا الدّين وحقائقه.
وصحّ في الحديث:
- "يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه"، وكلّ خلف في أيّ قرن من القرون فيهم عدول، هم الحاملون للعلم، أي: لحقيقته، ونوره، وسرّه.
- "ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ" وهذه وظائف حَمَلَة العلم على وجهه الصّحيح:
- ينفون تحريف الغالين.
- وانتحال المبطلين.
- وتأويل الجاهلين.
فلا غلُو عندهم ينتحلون، ولا تحريف لمعاني كلام الله ورسوله بجهل بسيط أو مُركّب، ولا تأويل بغير سند ومعنى، وعلم، وأساس. لا تأويل جهلي، ولا انتحال غلُو، ولا تحريف مُغالٍ كذلك، أو انتحال مبطل. هؤلاء يُحفظ حقائق العلم فيهم، والله يلحقنا وإيَّاكم بهم ويدخلنا في دوائره.
"يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ".
والمعنى: أنّهم يكونون في الأمّة؛ مُنتحلون مبطلون، ومحرّفون جاهلون، وغَلاة يؤوّلون الآيات والأحاديث بغير تأويلها، هذا معنى كلام النبي ﷺ؛ ولكن هؤلاء ينفون عن حقائق الدّين هذه الأشياء التّي تحدُث في الأمّة.
ذكَّرنا هذا ذكر الوظيفة الأولى؛ وهى التّي كان يتعاون عليها في مجتمعات الإسلام: البيوت، والمساجد، والشّوارع. فكانوا يتعاونون على طهارة النّفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصّفات. كان للأب في هذا دور، وللأمهات لها دور، وللأسرة دور، وللمَساجد دور، وحتى الشّوارع المسلمة في هذا دور، حتّى ما يدرك الناشئ فيهم وقت طلب العلم، إلّا وهو مُزكّى، وهو مطهّر، صار وعاء نظيف صالح لحمل العلم النّوراني الربّاني الصّحيح.
يقول: لأنّ "العلمُ -في حقيقته- عبادة القلب"، "العلمُ عبادةُ القلبِ" وهو صلاة سرّ الإنسان. فإن كان جسدنا يصلي من خلال الصلوات المفروضة الخمس ثم النوافل بِقيام، وركوع، وسجود بالجسد، فالسّر يصلي بالعلم، يكون مصلياً لله تعالى، حتّى تتّصل معاني هذه الصّلاة به على الدّوام. وبهذا قال سيّدنا أبو الحسن الشاذلي لبعض علماء مصر لما لقيهم، منهم العز بن عبد السلام، في معنى قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج:23]، قال: الذّين لا ينفصلون عن سرّ الصّلاة ومعناها في كلّ أوقاتهم، فـ (هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)، سواء كانوا:
- في المسجد أو خَارج المسجد،
- في البيت
- أو في أيّ وقت،
- في وسط الصّلاة أو خارج الصّلاة،
هم دائمون على سرّ الصّلاة، هؤلاء أهل صلاة السرّ.
فالسرّ يصلّي لله بالعلم دائماً، بل إذا قوي وتنوّر يتابع هذا الإنسان سر هذه الصلاة حتى في منامه فضلاً عن يقظته، فيصير حتّى وهو في النوم سرّه مصلٍ، بمعاني حضورٍ مع الله تغلب عليه، فتأْخذه بكلّيته، فلا ينام إلا وهو فيها، ومفكراً فيها، حتّى لا يصادفه من الرؤى إلا ما يناسبها.
وإذا كان صحّ لنا في الحديث: "أنتم في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، فهذا معلّق بحقّ الصّلاة، وسرّ الصّلاة في أحواله كلّها. حتّى من مقاصده في نومه أن يتقّوى في معنى هذه الصّلاة، وأن يستعين بهذا النوم على الارتقاء في مراتب هذه الصّلاة السرّيّة، فهذا شأنه عجيب!
وإذا كان بالعزم الصّادق يُعدّ النّائم كالمصلّي؛ من نام عن ورده من صلاة "مَن أتى فراشَه وَهوَ ينوي أن يقومَ يصلِّي منَ اللَّيلِ ، فغلَبتهُ عيناهُ حتَّى أصبحَ كُتِبَ لَه ما نَوى" في الحديث مثلاً، إذا نام وهو ينوي مع أنّه نائم، ولكن يكتب له كأنّه صلّى، فكيف بمن وَلِعَت أنوار الصّلاة في سرّه؟
يقول: "العلمُ عبادةُ القلبِ، وصلاةُ السرّ، وقربةُ الباطنِ إلى اللهِ تعالىٰ، وكما -أنّ الصّلاة لا تصحّ إلا بالطّهارة- الصلاةُ التي هيَ وظيفةُ الجّوارحِ الظاهرةِ" -ظهر وعصر ومغرب وعشاء وفجر ثم النوافل- لا تصحّ إلّا بالطّهارة، فلا تصحّ من صاحب نجاسة، ولا من صاحب حدث، لقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ) [المائدة:6].
قال: ما تصح "إلا بتطهيرِ الظاهرِ عن الأحداثِ والأخباثِ.. فكذلكَ لا تصحُّ عبادةُ الباطنِ وعمارةُ القلبِ بالعلم إلّا بعدَ طهارتِهِ عنْ خبائثِ الأخلاقِ وأنجاسِ الأوصافِ".
- "بُنِيَ الدِّينُ على النّظافةِ".
- و(لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة:79].
- قال في حديث التّرمذي: "إنَّ اللهَ طيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظيفٌ يُحِبُّ النَّظافَةَ".
وقال نبّه في القرآن: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة:28]، أنّ الطّهارة لا تتعلّق بمجرّد الأخباث الحسّيّة؛ فإنّ كثيراً من المشركين يكون مغتسلاً متطهّراً، ما في عنده قذارة، ولا نوع من أنواع النّجاسة، وربّما الجسم معطّر ومزهلق -يعني: أنيق نظيف- ولابس أحسن الثياب، وهو نجس! (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) كما قال -سبحانه وتعالى-. فليس الأمر -بالظاهر- بل قال في المنافقين: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ) [المنافقون:4]، ليس من حيث الظّاهر، من حيث الشّكل، لكن هو نجس! -و أعوذ بالله-
إذًا: فالنّجاسة لا تنحصر على القاذورات الحسّيّة والأخباث الظّاهرة، "تنبيهًا للعقولِ على أنَّ الطهارةَ والنّجاسةً غيرُ مقصورةِ على الظواهرِ المدركةِ بالحسِّ، فالمشركُ قدْ يكونُ نَظيفَ الثوبِ مغسولَ البدن، ولكنَّهُ نجسُ الجوهرِ؛ أي: باطنُهُ ملطَّخٌ بالخبائثِ"؛ الشرك، والكفر، والإنكار لما أوحى الله تعالى، والتّكذيب بالرّسل، وما إلى ذلك، خبائث شّنيعة معنويّة.
- وهذا من عظيم مهمّات المؤمنين أن يعرفوا المعنويات.
- أما الوقوف عند الحسّيات فهذا شأن الطبيعيين والدهريين والملحدين يقفون عند الظواهر.
لكن المؤمن يعرف أنّ:
- وراء الظاهر باطن.
- ووراء الجسد روح.
- ووراء البدن قلب.
- وفوق الأرض سماء.
- وبعد الدنيا آخرة.
هذه مهمّات المؤمنين، وهي الحقيقة التّي ينقطع عنها كثير من أرباب الجهالة والغفلة والضلال.
يقول: "والنجاسةُ: عبارةٌ عمَّا يُجتنبُ ويُطلبُ البعدُ منهُ، وخبائثُ صفاتِ الباطنِ أهمُّ بالاجتنابِ؛ فإنَّها معَ خبثِها في الحالِ مهلكاتُ في المآلِ"؛ أمّا النّجاسات الحسيّة ما تؤثر على الهلاك في المآل، مجرد وجودها، ولكن الخبائث المعنويّة مهما بقيت، ومات الإنسان عليها، ترتّب أنواع العذاب: سواء في البرزخ، أو في القيامة، ثمّ في النّار على هذه الخبائث؛ إذًا فهي أولى بالتّطهير والتنقية.
وأشار إلى معنى في أنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب كما جاء في الصحيحين: "لا تدخُلُ الملائِكَةُ بيتًا فيهِ كلبٌ"، فإذا كان الأمر كذلك، اُُعبر من هذا البيت الظّاهر، المبني بالحجر، أو بالمدر، أو بالخشب، أو غير ذلك، إلى بيت بناه الله في باطنك، هو قلبك! وإذا كانت الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب -الكلب مذموم لسبُعِيَّتِه وليس امجرد شكله أو صورته، لكن لسبُعِيَّتِه- وإذا كانت عندك صفات سبُعيّة في وسط قلبك، تريد الملائكة أن يأتوا؟ تريد الملائكة أن يدخلوا؟ لا يدخلون بيتاً فيه كلب حسّي، وإذا كان لديك الكلب المعنوي في وسطك، تريد أن يدخلون قلبك؟ طهّر قلبك من هذه الأوصاف حتى تدخل إليه الملائكة.
قال: "والقلبُ بيتٌ هوَ منزلُ الملائكةِ، ومهبِطُ أثرِهِمْ ومحلُّ استقرارِهِمْ؛ -ومحل نظر الربّ -جل جلاله- والصفاتُ الرديئةُ مثلُ الغضبِ والشهوةِ، والحقدِ والحسدِ، والكبرِ والعجبِ، وأخواتِها.. كلابٌ نابحةٌ؛ فأنَّىٰ تدخلُهُ الملائكةُ وهوَ مشحونٌ بالكلابِ".
- من هنا جاء: "إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم". يجب أن نطرد كلاب الخبائث عن قلوبنا! حتّى تصلح لنظَر ربّنا.
- وسيّدنا الخليل إبراهيم مع كونه خليل الرّحمن، شوف الدعاء يقول: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:87-89].
- وقال الإمام الحداد في وصيّة لبعض المتوجّهين إلى الحج أو رغب في عمل السنن بعد الفرائض في العمرة والحج، وقال له: واعلم أن لله في باطنك بيتًا؛ هو القلب! وقد أُمِرَ إسماعيلَ -علمَك- وإبراهيمَ -عقلَك- أن يطهّراه للطائفين والعاكفين من الملائكة والروحانيين الذين يتردّدون عليه حتى يصلح أن ينزلوا فيه، كما أُمِر إبراهيم وإسماعيل: (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[البقرة:125] قال: وأنت البيت في باطنك، الملائكة يطوفون حوله، الرحمن طهّره لهم بالعلم والعقل. علمك وعقلك إبراهيم وإسماعيل حق القلب الخاصين بقلبك؛ علمك وعقلك قد نسبوا إلى البيت: "طهر بيت الله للطائفين والعاكفين" من الملائكة والروحانيين، فإنّ القلب بين لَمَّة المَلَك ولَمَّة الشيطان كما صحّ في الحديث. وإذا تطهّر واستلمته الملائكة تناولوه من يد ملك إلى ملك، إلى ملك، ولا يزال فيه أن يلهم الخير بواسطة الملائكة النّاصحين، حتّى إذا غفل عن ذكر الله قدر عليه عدوّه من الشياطين. طهر اللّهم قلوبنا.
قال: والقلبُ بيتٌ هوَ منزلُ الملائكةِ، ومهبِطُ أثرِهِمْ ومحلُّ استقرارِهِمْ؛ والصفاتُ الرديئةُ مثلُ الغضبِ والشهوةِ، والحقدِ والحسدِ، والكبرِ والعجبِ، وأخواتِها.. كلابٌ نابحةٌ؛ فأنَّىٰ تدخلُهُ الملائكةُ وهوَ مشحونٌ بالكلابِ! ونورُ العلم لا يقذفُهُ اللهُ في القلبِ إلّا بواسطةِ الملائكةِ؟! (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ) [الشورى:51]، (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [النحل:2].
"وهٰكذا ما يرسلُ مِنْ رحمةِ العلومِ إلى القلوب إنّما تتولّاها الملائكةُ الموكّلون بها، وهمُ المقدَّسونَ المطهَّرونَ المبرَّؤونَ عنِ المذموماتِ، فلا يلاحظونَ إلا طيِّباً، ولا يَعْمُرُونَ بما عندَهُمْ مِنْ خزائنِ رحمةِ اللهِ إلّا طيباً طاهرا".
يقول: انتبه، أنا ما عبرت إلى البيت المعنوي والكلب المعنوي لأبطّل المعنى الحسي، -قال لا- ما نحن ممن يسمون باطنيين يرفضون الظواهر أبداً؛ بل عندنا الظاهر قائم والباطن قائم؛ وإنّما هي عبرة وعبور نعبر به إلى ما وراءها ودلالات نستدل بها على ما خلفها من دون أن ننكر الظّاهر، ومن دون أن نبطل شيئاً من الظاهر. "ولستُ أقولُ: المرادُ بلفظِ البيتِ هوَ القلبُ، -المذكور في الحديث- وبالكلبِ هوَ الغضبُ والصفاتُ المذمومةُ، ولكنّي أقولُ: هوَ تنبيهٌ" كما نبّهنا ﷺ أنّ البيت الحسّي لا تدخله الملائكة وفيه كلب حسّي، نعبر من هذا ونعرف من خلال إرشاده أنّ البيت المعنوي أهمْ بالتّطهير، وأنّ كلابه: الصّفات الخبيثة، والملائكة أبعد أن تدخله إذا كانت فيه هذه الكلاب.
"ولكنّي أقولُ: هوَ تنبيهٌ عليهِ، وفرق بينَ تغييرِ الظواهرِ إلى البواطنِ وبينَ التنبُّهِ للبواطنِ مِنْ ذكرِ الظواهرِ معَ تقريرِ الظواهرِ، ففارقَ الباطنيةَ بهذهِ الدّقيقةِ" هذا هو الفرق بين الباطنية وأهل السنة:
- أهل السنة: يثبتون الظاهر ويعبرون به إلى الباطن.
- والباطنية: ينكرون الظاهر ويؤولون المعاني كلها لمعاني أخرى وينكرون هذا الظاهر، وهؤلاء أهل شذوذ وانحراف وخروج عن سواء السبيل.
يقول: هذا الفرق بيننا وبينهم.
"فإنَّ هذا طريقُ الاعتبارِ، وهوَ مسلكُ العلماءِ والأبرارِ؛ إذْ معنى الاعتبارِ: أنْ تعبرَ ممَّا ذُكرَ إلىٰ غيرِهِ، فلا تقتصرُ عليهِ؛ -مثل- كما يرى العاقلُ مصيبةً لغيرِه -يتنَبَّه-، فيكونُ لهُ فيها عبرةٌ -كيف عبرة؟-، بأنْ يعبرَ منها إلى التنبُّهِ لكونِهِ أيضاً عرضة للمصائبِ، وكونِ الدنيا بصددِ الانقلاب -والتحول-؛٠ فعبورُهُ مِنْ غيرِهِ إلىٰ نفسِهِ، ومِنْ نفسِهِ إلى أصلِ الدنيا عبرةٌ محمودةٌ".
"فاعبرْ أنتَ أيضاً مِنَ البيتِ الذّي هوَ بناءُ الخلقِ إلى القلبِ الذي هوَ بيتُ مِنْ بناءِ اللهِ تعالىٰ، ومِنَ الكلبِ الذي ذُمَّ لصفتِهِ لا لصورتِهِ وهوَ ما فيهِ مِنْ سَبُعيَّةٍ ونجاسةٍ إلىٰ روحِ الكلبيّةِ وهيَ السبُعيَّةُ".
قال: "واعلمْ: أنَّ القلبَ المشحونَ بالغَضبِ"، وعندكم في البخاري لما طلب بعض الصحابة الوصية قال: "لا تغضب"، إذ اختصر له ﷺ الوصية قال: "لا تغضب" طهر نفسك من هذا الكلب الذي تبعثه من عندك، لا تخليه يتغلب عليك ويخرجك عن سواء السبيل؛ تحقد على الناس، وتتكبر على الناس، وتسب الناس، بعِّد هذا منك، بعِّد الكلب ذا منك، "لا تغضَب" فكرر مرارًا قال: "لا تغضَب". جاء في رواية غير البخاري جاء من أمامه وجاء من يمينه ألا توصني يا رسول الله؟" قال: "لا تغضب". حتى قال له بعد المرار: "ويحك! أما تفقه؟ قلت لك لا تغضب". صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وكأنه رأى في هذا السائل أن مصائبه ومشاكله في الانحراف من هذه الجهة وبهذه الصفة، قال: خلِّصها وأنت على سواء السبيل، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
قال: "أنَّ القلبَ المشحونَ بالغَضبِ والشَّرَهِ إلى الدنيا، -رغبة فيها ومحبة لها وميلًا إليها- والتكالُبِ عليها، والحرص على التمزيقِ لأعراضِ الناسِ.." قُراب وبعاد، أحياء وأموات، هذا فعل وهذا فعله، وهذا تركه وهذا تركه، وهذا فيه كذا.. وبعد؟ أنت كلب من الكلاب ما خليت عِرض لقريب ولا لبعيد ولا لحي ولا لميت، اتقي الله.
- قال: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا)[الحجرات:12].
- وضرب لك المثل (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)[الحجرات:12].
ويصير هذا الذي يصيب هذه النجاسات والعياذ بالله حتى يتعلم أو يُعلِّم، وهو يسب وهو فلان فعل وفي المسجد وفي البيت، بقلبه حتى في الصلاة ساجدًا لله ويسب أولياء الله؛ وهو ساجد؛ صورته ساجدًا لله، وهو قاعد يلمز أحباب الحق -تبارك وتعالى- إيش هذه المصيبة؟ بُعد -والعياذ بالله- عن الله شديد، خلصنا الله والمسلمين من هذه البلايا والآفات.
يقول: "أن القلبَ المشحونَ بالغَضبِ والشَّرَهِ إلى الدنيا، والتكالبِ عليها، والحرص على التمزيقِ لأعراضِ الناسِ..، كلبٌ في المعنىٰ"، -صورته قلب وهو كلب، والعياذ بالله تبارك وتعالى- "كلبٌ في المعنىٰ، وقلبٌ في الصورةِ، فنورُ البصيرةِ يلاحظُ المعانيَ دونَ الصورِ؛ والصّورُ في هذا العالمِ غالبةٌ على المعاني -أي: عالم الدنيا- والمعاني باطنةٌ فيها"، لكن الآخرة: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ)[ق:22] المعاني هي الظاهرة، الصور ما عاد لها اعتبار.
"وفي الآخرةِ تتبعُ الصورُ المعانيَ، وتغلبُ المعاني"، ولذا حتى في صور الناس عند حشرهم جاءت أحاديث أشار إليها، قال: "فلذلكَ يُحشرُ كلُّ شخصٍ على صورتِهِ المعنويّةِ، فيُحشرُ الممزِّقُ لأعراضِ الناسِ كلباً ضارياً"، شوفو هذا فيه ملامح فلان بن فلان، لكنه على هيئة كلب، هو ذا فلان؟ والعياذ بالله، لأنه كان كلب في الدنيا في الصفة والعياذ بالله تبارك وتعالى، كلب عقور، ما أحد سلم منه ، وبعضهم حتى أبوه ما سلم منه، حتى أمه ما سلمت منه، نعوذ بالله من غضب الله؛ هذه كلبية، نجاسة معنوية، الله يخلصنا والمسلمين منها ومن شرها.
يقول: "فيُحشرُ الممزِّقُ لأعراضِ الناسِ كلباً ضارياً، والشرِهُ إلى أموالِهمْ ذئباً عادياً، والمتكبِّرُ عليهِمْ في صورةِ نمرٍ، وطالبُ الرئاسةِ في صورةِ أسدٍ. -حسب أوصافهم- وقد وردتْ بذلكَ الأخبارُ، وشهدَ بهِ الاعتبارُ عندّ ذوي البصائرِ والأبصارِ، وشهدَ به شواهدُ الرؤيا -في الدنيا-؛ فإنّ النّائمَ لمّا بَعُدَ عنْ عالمِ المحسوساتِ.. قربَ منْ ذلك العالمِ؛ إذِ النومُ أخو الموتِ، فيرى في النّومِ الموصوفينَ بهذهِ الصفاتِ علىٰ هذهِ التي ذكرْناها".
يشاهد إنسان على صورة كلب، يشاهد إنسان على صورة خنزير التي تغلبه الشهوات في النوم، لأن هذه الصور يحشرون عليها -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وفي رواية في حشر المتكبرين على صور الذر والنمل يطأهم الناس بأقدامهم، يُجمعون في وادٍ يجعله الله على ظهر الأرض بعد مدها وتغييرها، فيمرون عليهم أهل الموقف وهم أذلة أمثال النمل، وهم المتكبرون في الدنيا، فلان وفلان الذين كان لهم صيت، ولهم صورة الآن هم بهذه الصورة، لا إله إلا الله، فما أحقر الدنيا وما أسرع انقضائها وزوالها.
قال: هذه الوظيفة الأولى ضُيِّعَت، فصار يَتَعلم ويُعِّلم من لم يتطهر باطنه، فالكلاب في باطنه تنبح؛ والذئاب تعوي؛ والسباع تنهم وتؤذي الخلق؛ وهو تَعلَّم، وهو مُعلِّم.. بسم الله الرحمن الرحيم!!.. ما هكذا تعلم الصحابة! ما هكذا تَعلَّم التابعون! ما هكذا تعلم خيار الأمة على مدى القرون! بل بعضهم كان ما عنده ظاهر كِبر، بعد ما يتعلم قليل يتكبر-لا حول ولا قوة إلا بالله-، كان ما يسب، بعد ما تَعلَّم صار يسب، يا أخط هذا العلم يفيد ولا يضر؟ العلم يصفي وَلَّا يُخمِّج؛ لأنه على غير وجهه، ما أخذ العلم على وجهه، لو أُخذَ العلم على وجهه (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28] يزداد خشية، وإن كان يسب يصير لا يسب، وإن كان يتكبر يصير متواضعًا، وإن كان يرائي يصير مخلصًا بهذا العلم؛ هذه وظيفة العلم فيه، ولكن إذا أُخذ على غير وجهه يزداد به الإنسان كبرًا وبُعدًا -والعياذ بالله تعالى-
ومن هنا قال:
العلم بالأعمالِ*** يزكو وبالأحوالِ
وليس بالأقوالِ*** وكثرة الجدالِ
"فإنْ قلتَ: كمْ مِنْ طالبِ رديءِ الأخلاقِ حصَّلَ العلومَ!
فهيهاتَ ما أبعدَكَ عَنِ العلْمِ الحقيقيِّ النافع في الآخرةِ الجالبِ للسعادةِ؛ فإِنَّ مِنْ أوائلِ ذلكَ العلمِ أنْ يظهرَ لهُ أنَّ المعاصيَ سمومٌ قاتلةٌ مهلكةٌ، وهلْ رأيتَ مَنْ يتناولُ سمّاً معَ علمِهِ بكونِهِ سمّاً قاتلاً؟!
إنَّما الذي تسمعُهُ مِنَ المترسِّمينَ حديثٌ تلقَّفُوهُ، يوردونَهُ بألسنتِهِمْ مرَّةٌ، ويرددونَهُ بقلوبِهِمْ أخرىٰ، وليسَ ذلكَ مِنَ العلمِ في شيءٍ؛ قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: ليسَ العلمُ بكثرةِ الروايةِ، إنّما العلمُ نورُ يُقذفُ في القلب.
وقالَ بعضُهُمْ: إنما العلمُ الخشيةُ؛ إذْ قالَ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28].
وكأنَّهُ إشارةٌ إلىٰ أخصّ ثمراتِ العلمِ، ولذلكَ قالَ بعضُ المحققينَ: معنىٰ قولِهِمْ: تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ، فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ: أنَّ العلمَ أبَىٰ وامتنعَ علينا، فلمْ تنكشفْ لنا حقيقتُهُ، وإنَّما حصلَ لنا حديثُهُ وألفاظُهُ.
فإنْ قلتَ: إنِّي أرىٰ جماعةً مِنَ الفقهاءِ المحقَّقينَ برَّزوا في الفروعِ والأصولِ، وعُدُّوا مِنْ جملةِ الفحولِ، وأخلاقُهُمْ ذميمةٌ لمْ يتطهَّروا منها.
فيقالُ: إذا عرفتَ مراتبَ العلومِ، وعرفتَ علمَ الآخرةِ.. استبانَ لكَ أنَّ ما اشتغلوا بهِ قليلُ الغَناءِ مِنْ حيثُ كونُهُ علماً، وإنَّما غناؤُهُ مِنْ حيثُ كونُهُ عملاً للهِ تعالىٰ، إذا قُصِدَ بهِ التقرُّبُ إلى اللهِ تعالىٰ .
وقدْ سبقَ إلىٰ هٰذا إشارةٌ، وسيأتيكَ فيهِ مزيدُ بيانٍ وإيضاحٍ إن شاءَ اللهُ تعالىٰ".
يقول لنا: عند تبيين هذه الحقيقة، وأنه ينبغي أن نستعد لحقيقة العلم بتزكية قلوبنا عن الكبر والرياء والغرور والحسد والبغضاء وما إلى ذلك، طهّر الله قلوبنا ونقاها، إنه أكرم الأكرمين.
قال: قد يلتبس عليك، تقول له: أنا شفت علماء كثير، مرديي الأخلاق، عندهم علوم، يخطب ساعتين وعنده دكتوراه وبروفيسور وهو سيء الأخلاق.
قال: "فهيهاتَ ما أبعدَكَ عَنِ العلْمِ الحقيقيِّ النافع في الآخرةِ الجالبِ للسعادةِ؛" ما قصدنا هذه المعلومات هذه يتقنها البر والفاجر، وإبليس أعلم من كثير من الناس فيها، إبليس يعلمها أحسن من كثير من خلق الله، طيب قال ليش؟ قال: "فإِنَّ مِنْ أوائلِ ذلكَ العلمِ -الذي قصدناه النافع- أنْ يظهرَ لهُ أنَّ المعاصيَ سمومٌ قاتلةٌ مهلكةٌ" يوقن أن المعاصي مثل السم، فنظره إلى الذنوب صغائرها وكبائرها مثل نظره إلى السموم، ومثل نظره إلى النار المُحرقة، هذا أوائل العلم، قال هذه بداية العلم.
"وهلْ رأيتَ مَنْ يتناولُ سمّاً معَ علمِهِ بكونِهِ سمّاً قاتلاً؟!"؛ ناقع ويشربه؟ يعني، لو كان عنده علم صحيح ما بيرضى سيبعد عن هذا السم، إذًا فالذي أقرَّ نفسه على الأخلاق البذيئة، أو قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وبعدين قلت لي إنه عالم وإنه على مرتبة في العلم؟! لو عنده من العِلم شيء ما رمى نفسه في هذه الخبائث، حقيقة العلم ليست عنده، عنده تصورات وألفاظ، كما اللي في الشريط ولا في الجوال، قال يجيء يقول لي :الجوال هذا حقي عالم كبير، إيش عالم كبير؟! قال: وسطه كتب كثيرة.. وبعدين؟
- ربي لما ذكر الذين انحرفوا في الأخلاق تعلموا التوراة والإنجيل ولا تخلّقوا بها (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)[الجمعة:5] حمار وفيه كتب! بتقول لي عالم هذا الحمار؟ عالم إيش عالم؟ حمار، فيه كتب فيها علم غزير، كثيرة كثيرة، حتى مائة كيلو؛ لكن هو حمار أصلًا يحمل ما يحمل من الكتب هو حمار؛ وهذا الإنسان مَثّلهم ربي بذلك.
- والثاني مَثّله بالكلب: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) بلعام بن باعوراء (فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) انسلخ من حقيقتها ومن سِرها (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) اعثر، السقوط (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) يعني: ما ينتفع بشيء (إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) وهذا إن كلمته أو ما كلمته إن وعظته وإن ما وعظته لن ينفع فيه كمثل الكلب (أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث)[الأعراف:175-176].
فمثَّلهم بالحمير وبالكلاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى- في نص القرآن.
قال: فإذا تقول لي عالم سيء الأخلاق، كيف عالم سيء الأخلاق؟ ما يقع؛ هذا حامل معلومات مثل الكتاب ومثل الشريط؛ علم ما في عنده، ما عنده من نور العلم. الله.
"إنَّما الذي تسمعُهُ مِنَ المترسِّمينَ حديثٌ تلقَّفُوهُ، يوردونَهُ بألسنتِهِمْ مرَّةٌ، ويرددونَهُ بقلوبِهِمْ أخرىٰ، وليسَ ذلكَ مِنَ العلمِ في شيءٍ"
- "قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: ليسَ العلمُ بكثرةِ الروايةِ، إنّما العلمُ نورُ يُقذفُ في القلب"
- في رواية كما جاء عند الإمام أحمد في كتاب الزهد: "ولكن العلم الخشية".
- "قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28]".
- في الآية الأخرى قال (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) هذا وصف العالم، وبعد ذلك قال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ…) -الوصف هذا- (...وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[الزمر:9] لا قانت ولا قائم ولا يحذروا الآخرة ولا يرجوا رحمة ربه، ما هو عالم أصلاً؟
- ونقرأ في القرآن: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)[الروم:6-8].
يقول: "حديثٌ تلقَّفُوهُ، يوردونَهُ بألسنتِهِمْ مرَّةٌ، ويرددونَهُ بقلوبِهِمْ أخرىٰ….وقال بعضهم: إنما العلم الخشية؛ إذ قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28]"، اللهم زدنا علماً وزدنا خشية، قال الله لأعلم الخلق: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[طه:114].
"وكأنَّهُ إشارةٌ إلىٰ أخصّ ثمراتِ العلمِ -يعني: الخشية- ولذلكَ قالَ بعضُ المحققينَ: معنىٰ قولِهِمْ: تعلَّمْنا العلمَ لغيرِ اللهِ، -هذا قول سيدنا سفيان الثوري- فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ".
- له معنى أولي: المعنى الأول أنه لما درسنا العلم ودخلنا فيه، نبّهنا نحن إلى خَطَر قصد غير الله تعالى بعلوم الدين، وخطر أن نتوجه إلى المنزلة في قلوب الخلق بشيء من العبادات والصلاة، بيننا وبين الرب وصلّحنا نياتنا. هذا المعنى الأول المشهور.
- وله معنى ثاني: قال فأبى العلم، ما رضي يدخل قلوبنا ولا رضي أبداً يصل إلى بواطننا ولا يشرق نوره فينا إلا بعد ما أخلصنا. "فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلا للهِ"، فلما قصدنا الله جاء العلم؛ أما قبل ما جاء. تعلمنا تعلمنا ما في علم، يعني: ما ولج نور العلم في قلوبنا إلا أن يكون لله، ما رضي إلا أن يكون لله؛ فإذا خلصنا لله وحده أشرق نور العلم في قلوبنا.
قال: "أنَّ العلمَ أبَىٰ وامتنعَ علينا، فلمْ تنكشفْ لنا حقيقتُهُ، وإنَّما حصلَ لنا حديثُهُ وألفاظُهُ" أبى العلم أن يكون إلا لله".
"فإنْ قلتَ: إنِّي أرىٰ جماعةً مِنَ الفقهاءِ المحقَّقينَ برَّزوا في الفروعِ والأصولِ، وعُدُّوا مِنْ جملةِ الفحولِ، وأخلاقُهُمْ ذميمةٌ لمْ يتطهَّروا منها"، فيقالُ: إذا عرفتَ مراتبَ العلومِ، وعرفتَ علمَ الآخرةِ.. استبانَ لكَ أنَّ ما اشتغلوا بهِ قليلُ الغَناءِ مِنْ حيثُ كونُهُ علماً"، هو مقصود للعمل، طريق للعمل، باب للعمل، وسيلة للعمل، من أخذه وحده فما عنده من فائدة إلا أن الحجة آكد عليه، والعذاب أقرب إليه، إلا أن عمل به، وهكذا.
وقالوا: إن واحداً من الحمقاء جاء عند دكتور وكان يشكو الأرق، فأعطاه حبوب منومة، جاء ثاني يوم والحبوب يحملها، قال له: يا دكتور ما تنفع هذه الحبوب، ليش؟ قال: طول الليل حطيتها فوق عيني ما نمت، حطيتها طول الليل فوق عيوني ما نمت، قال: يا أبله، ما هو حطها فوق عيون، اشربها.
فهذه العلوم من دون عمَل بها مثل هذا الذي حط الدواء فوق العيون.. ومثل اللي أخذ الدواء من الدكتور وحطه في الثلاجة، وقال لا يوجد فائدة، أنت ما استعملت الدواء أصلاً؛ والدواء ما ينفع بذاته كونه دواء تحمله، إلا تستعمله، ويخالط بطنك ويمازجك تأتي الفائدة من الدواء.
وهذه العلوم قال التي تعلموها هؤلاء العلماء المبرِّزين ما لها فائدة إلا إن عُمِل بها وإن تحقق بها؛ فما دام ما تحققوا بحقائقها هم مثل هذا الرجال، أخذ الدواء حطه في الثلاجة، أو حط الحبوب فوق عينه وكذا ويبغي ينام، لا إله إلا الله.
لأن الأحكام جاءت عن رسول الله عمل؛ افعل ولا تفعل، واترك ويردد افعل ولا تفعل، وهو عمل هذا؟ هذا ما المقصود منها افعل ولا تفعل، التلفظ بهذا، إذا قال لك افعل: طبق، قم. وإذا قال لك لا تفعل: اجتنب. فإذا جيت لعند -افعل- ما فعلت، وعند -لا تفعل- وفعلت، وتكرر -افعل كذا ولا تفعل كذا- إيش يفيد هذا التكرير حقك؟ هذا الكلام، مكررين للكلام هؤلاء. الكلام عمل ما يشبهه، فما عندهم.
كيف تقولي علماء؟ "إذا عرفتَ مراتبَ العلومِ، وعرفتَ علمَ الآخرةِ.. استبانَ لكَ أنَّ ما اشتغلوا بهِ قليلُ الغَناءِ مِنْ حيثُ كونُهُ علماً، وإنَّما غناؤُهُ -وفائدته ومنفعته- مِنْ حيثُ كونُهُ عملاً للهِ تعالىٰ، إذا قُصِدَ بهِ التقرُّبُ إلى اللهِ تعالىٰ ". وقبِلً الله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[المجادلة:11]. وقدْ سبقَ إلىٰ هٰذا إشارةٌ، وسيأتيكَ فيهِ مزيدُ بيانٍ وإيضاحٍ" في هذه الحقيقة والموضوع.
"الوظيفةُ الثانيةُ: أنْ يقلَّلَ علائقَهُ مِنْ أشغالِ الدنيا ويبعدَ عَنِ الأهلِ والوطنِ:
فإنَّ العلائقَ شاغلةٌ وصارفةٌ، وما جعلَ اللهُ لرجلٍ مِنْ قلبينِ في جوفِهِ، ومهما توزعتِ الفكرةُ.. قَصُرَتْ عنْ درْكِ الحقائقِ، ولذلكَ قيلَ: (العلمُ لا يعطيكَ بعضَهُ حتَّىٰ تعطيَهُ كُلَّكَ، فإذا أعطيتهُ كُلَّكَ.. فأنتَ مِنْ إعطائِهِ إيَّاكَ بعضَهُ علىٰ خطرٍ).
والفكرةُ المتوزِّعَةُ علىٰ أمورِ متفرِّقةِ كجدولِ تفرَّقَ ماؤُهُ، فنَشَفَتِ الأرضُ بعضَهُ، واختطفَ الهواءُ بعضَهُ، فلا يبقىٰ منهُ ما يجتمعُ ويبلغُ المُزْدَرَعَ".
يعني: موضع الزراعة، محل الزراعة-.
هذه "الوظيفة الثانية" لمن أراد أن يتسع في العلم، أن يأخذ حظاً وافراً منه، ما فرضه الله من العلم فيسير، وأيضاً يحتاج الاجتماع عليه ولو في وقت يسير، فإنه على قدر التفرغ واجتماع القلب تحصل الفائدة.
قال: فيقلل العلائق التي تشغله، ولهذا كثير منهم رحلوا، رحلوا من بلدانهم في طلب العلم، وبسط الله لنا في القرآن الكريم لما أراد علماً سيدنا موسى عليه السلام (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)، يعني: زمان طويل يقضيه في الرحلة، ليش؟ أراده يلتقي بالخضر الذي أخبره الله أنه عنده علم ليس عنده ليتعلم منه. وهذا كليم الله! فأدبه مع الله تعالى واعتناؤه ورحلته في طلب العلم؛ ومع أنه كان يمكن يقول: يا رب إيش هذا العلم عند الخضر؟ علمنا، هو ربه ويكلمه، يعرف أنه من سنة الله إذا خص أحداً بعلم فالطريقة أن تأتي إليه، ما تقول أنا بس أعطنا علمه مثلاً، ومن أين جاء به الخضر؟ من عند الله، لكن الله ما قال لموسى بعلمك قال له روح لعنده. فأين يُلتَمس عبدك الخضر هذا؟ قال عند مجمع البحرين، قال هيا لفتاه يوشع، قم يا يوشع بسم الله، (لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)[الكهف:60] في طلب العلم.
بعدين لما وصلوا ولقوا الخضر، بعد ما قص الله ما قص، جاء بالآداب كلها حق طلب العلم سيدنا موسى:
- (هَلْ أَتَّبِعُكَ)[الكهف:66] لا قالوا أصاحبك، ولا أجالسك.. أتبعك! كيف عبر بالتبعية؟ أنا طالب، يعني: أنا تلميذ، نبي كليم كليم الرحمن، (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) وفي قراءة (رَشَدًا).
- (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)[الكهف:67] ما تقدر تصبر على علمي، أنا رفيق صاحب شريعة وأوامر ونواهي وحاد الطبع، ما بتقدر تصبر معي.
- (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)[الكهف:69]، أنا في الطوْع؛ يعني: حال تلميذ، كليم الله هذا، كليم الله موسى، ولكن عند طلب العلم كيف صار؟ الله..
- (فَانطَلَقَا)[الكهف:71] كما قال وقص الله علينا خبرهم، حتى تيقن سيدنا موسى في الثالثة أنه خلاص ما عادوا بحاجة لهذا العلم، وهو مهمته ووظيفته أخرى، فتعمد الثالثة قال في حق الغلام هل اتخذت عليه، قال الجدار قال له:ايش؟ قال: (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا* قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)[الكهف:77-78] خلاص إلى هنا. وقال النبي الثالثة كانت تعمد من موسى؛ لأنه خلاص أراد أن ينصرف وهذه مهمته عرف المقصود من هذا العلم، خلاص عرف، عليه سلام الله وصلواته.
فيقول: التقليل من العلائق والأشغال والحضور في العلم باستجماع الفكر مهم، "فإنَّ العلائقَ شاغلةٌ وصارفةٌ، وما جعلَ اللهُ لرجلٍ مِنْ قلبينِ في جوفِهِ" قال ويقول العلم: أعطني كلك عسى أن أعطيك بعضي. قال: "والفكرةُ المتوزِّعَةُ علىٰ أمورِ متفرِّقةِ كجدولِ تفرَّقَ ماؤُهُ، فنَشَفَتِ الأرضُ بعضَهُ، واختطفَ الهواءُ بعضَهُ"، -وإذا به ما عاد في شيء- "فلا يبقىٰ منهُ ما يجتمعُ ويبلغُ المُزْدَرَعَ" يعني: محل الزراعة؛ لأنه تفرق تفرق تفرق هنا، فلما كثر تفرقه قل قل قل، شيء نشفته الأرض وشيء الهواء، ولا عاد وصل شيء للمزرعة منه.
قال: وصاحب الفكر المتفرق تعطيه المسائل تروح هنا وهنا موزعة؛ ما عاد يستفيد ذهنه، ما يمسك شيء منه، ولكن إذا هو متفرغ وهو قَبِل يستطيع أن يأخذ عنه.
- وكانوا يجلسون بين يدي ﷺ كأن على رؤوسهم الطير، صلوات الله وسلامه عليه.
- قال سيدنا الإمام الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً لئلا يُسمع وقعها، ما تسمع حس الورقة، لما يفتحها أمام شيخه الإمام مالك -عليه رضوان الله-.
- وكان الربيع يقول من أصحاب الشافعي: ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له.
لا إله إلا الله، فرضي الله عنهم، وأحيا الله فينا سِيَرهم وأخلاقهم، ونظر إلى الأمة نظرة يحيي بها ما مات ويرد بها ما فات، وقد وعد حبيبه بذلك ولن يخلف الله وعده.
13 رَجب 1447