شرح نظم مسائل علمية - 06 | مراتب دفع الصائل، والسبع الموبقات (خاتمة الدروس)

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس ( الأخير ) - للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في : شرح نظم مسائل علمية ، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448

فجر السبت 4 ظفر الخير 1448هـ.

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من نظم المسائل العلمية، إلى أن قال:

مراتب دفع الصائل

فائدة: يُدفع الصائل بالأخفّ فالأخفّ، ولذلك ثمان مراتب، نظمتها بقولي:

الدفعُ لِلصَّائِلِ وَالصَّائِلَةِ *** بِهَرَبٍ، فَالزَّجْرِ، فَاسْتِغَاثَةِ

فَالضَّرْبِ بِالْيَدِ ، فَسَوْطٍ، فَعَصَا *** فَالْقَطْعِ، فَالْقَتْلِ؛ لِكَوْنِهِ عَصَى

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغرَّاء وبيانها على لسان خير الورى، عبده المختار سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاهم وبمن جراهم جرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والقرب والشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وذكر الوالد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الفصل والفائدة؛ المراتب التي يكون بها الدفعُ لِلصَّائِلِ

  • وهو الذي صالَ لأجل أخذ ما لا يحق له أخذه، صال على مال أو على عرض أو على نفس، فيُدفع بواحدة بعد الثانية. 
  • فلا يجوز أن يُبادَر بالدفع في أمرٍ شديد وهو يقدرُ أن يدفع شره عنه بأمر أخفَّ منه. 

وهكذا اختلفوا في وجوب الدفع، فهل يجب أو مجرد أنه يجوز؟ 

ورجَّح الشافعية أنه إن كان الذي يصول كافرًا؛ فيجب دَفعهُ، على كلٍّ سواءً دافع عن نفسه أو عن ماله أو بدنه ونفسه أو عِرض غيره كذلك. يجب الدفع للمستطيع في هذه الأشياء، لما جاء: "مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد". وسُئل ﷺ: "أرَأيتَ إن جاءَ رَجُلٌ يُريدُ أخذَ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالَك، قال: أرَأيتَ إن قاتَلَني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرَأيتَ إن قَتَلَني؟ قال: فأنتَ شَهيدٌ، قال: أرَأيتَ إن قَتَلتُه؟ قال: هو في النَّارِ"، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إلى غير ذلك مما جاء في كتب السنة. 

وجاء كما أشرنا اختلاف الأئمة: هل ذلك لمجرد الإباحة أو أنه واجبٌ عليه أن يدفع؟ وبعد ذلك، هل يضمن المُدافِع شيئًا؟ 

  • فالجمهور أنه لا يضمن شيئًا، مهما كان المعتدي الصائل. 
  • ولكن اشترط الحنفية أن يكون الصائل مُعتدٍ -صاحب عدوان- بمعنى: 
    • لو كان صبيًا أو كان حيوانًا عدا عليه فدفعه فقتله، فإنه عندهم يضمن. يَضمن عند الحنفية إذا كان صبياً أو حيواناً ونحوه فإنه يضمن؛ لأنه لا يوصف بالعدوان بالمبتدأ. 
  • لكن يضمن ماذا؟ 
    • يضمن الدية فقط. 
    • لا يضمن قصاص، ليس عليه قصاص بالاتفاق. 
  • وإنما الضمان أيضاً عند الجمهور لا يضمن، سواءً دفع عن نفسه أو عن غيره. 
  • والحنابلة فرقوا بين أن يكون دفع بالقتل أو بغيره، قالوا: 
    • فإن كان بغير القتل فلا شيء عليه. 
    • وإن كان بالقتل، 
      • فإن كان عن نفسه أو عن محارمه - أحد محارمه - أو ولده أو أبويه فدفعه عنه فلو بالقتل إذا لم يتأتَّ غيره، فلا يضمن أيضًا. 
      • وأما إن دفع عن غيره بالقتل فعليه الضمان عند الحنابلة، يعني: يلزمه الدية، يلزمه فيها الدية. أما القصاص ليس عليه؛ لأن هذا معتدي وصائل.

 

ويقول: لكن الدفع بشيء فشيء. لهذا أيضًا جاء في الحديث أن رجلاً عض يد أخيه فنزعها بقوة فأخرج ثنيّته وأسقط سنّه معه، ولما ذكروا ذلك للنبي ﷺ قال: "يقضِمُ أحدُكُم كما يقضِمُ الفحلُ!"، ثم قال: لا دِيةَ لَكَ. 

  • وعليه أيضاً الجمهور. 
  • وفي قولٍ عند المالكية أن عليه الضمان. 
  • وقولٍ عند الحنفية. 

كذلك فيمن ينظر في بيت الغير بغير إذنه فإذا رمى عينه:

  • فقال الشافعية والحنابلة: لا شيء عليه، ولو فقأ عينه فهي هَدَر؛ كما ورد في الحديث. 
  • وقال المالكية والحنفية: لا إثم عليه ولكن عليه الضمان؛ عليه الضمان وهي الدية.

يقول: 

"الدفعُ لِلصَّائِلِ"؛ من صالَ عليك يريد أخذ مالا يحل له من مالٍ أوعِرضٍ أونفسٍ، "وَالصَّائِلَةِ" مثله؛ سواء رجل أو امرأة. 

  1. "بهَربٍ"؛ فإن أمكنك الهرب فاهرب انتهت المسألة. 

أما يقول: لا، أنا ما أهرب، أنا شجاع، أنا رجال! هيا اقعد انت وإياه وشوف ما الذي يحصل لك؟ وإن أصبتَ منه فعليك الضمان وإن أصاب منك فعليه. لكن ما دام ممكن الهرب.. فالهرب. 

  1. ما يمكن ذلك وحُوصِر "فالزجر"؛ يزجره، فإن تأتى دفعه بالزجر خلاص، لا عاد يضرب ولا يصلح شيء لأنه اندفع. 
  2. فإن لم ينزجر؛ "الاستغاثة"؛ يصيح ويستغيث بالناس وهو ذاك يهرب ويكف عنه، واحدة بعد الثانية. 
  3. فإن كان ما يتأتّى الاستغاثة وما حد عنده يسمعه وما بيندفع هذا بها، "فالضرب" باليد، يلكمه ويلطمه حتى يندفع عنك. 
  4. ما يندفع بضرب اليد، "فسوط"، يضربه بسوطه. 
  5. ما عنده سوط ولا بيندفع الرجل، "فالعصا"، يضربه بالعصا. 
  6. ما يندفع بالعصا، "فَالْقَطْعِ"، يقدر يقطع يده يقطع، تكسره. 
  7. ما يندفع بهذا وما تمكن، "فالقتل" آخر مرحلة، الثامنة. 

فَالْقَتْلِ؛ لِكَوْنِهِ عَصَى 

أي مُعتدي آثم صائل، فيُدفَع بمِثل ذلك.

وهكذا إيضًا رجّح الشافعية كما أشرنا أنه:

  •  لو كان الصائل عليه كافرًا فلا يجوز أن يستسلم له ويجب عليه قتاله. 
  • وإن كان المعتدي مسلم فقالوا: 
    • له حق الدفاع ويجوز له. 
    • وإن قُتل فهو شهيد. 
    • وإن لم يُدافع فهو أيضًا شهيد

 لقوله: "فكن كخير ابني آدم" في أيام الفتنة. قال: أرأيت إن دُخل عليّ داري؟ قال: "فَليَكُن كَخَيرِ ابْنَي آَدَمَ"، وفي لفظ آخر: "غطِّ وجهك".

 فهذا محل الاجتهاد والخلاف. وقيل مُطلقًا يجب أن يدفع وأن يدافع عن نفسه إلا ألا يستطيع. وفي الآية: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [المائدة:27-28]. 

 

 السبع الموبقات

وقال رضي الله عنه:

وفي 19 جمادى الأولى، سنة 1351هـ، يومَ الثلوثِ بعدَ الظهرِ أشارَ سيدي الحبيبُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ الشاطريُّ وقتَ طلبـي العلـمَ بـ الرباطِ بنظمِ السبعِ الموبقاتِ، فقلتُ مغتنمًا إشارتَهُ -رضي الله عنه-:

إياكَ سَبْعًا مُوبِقَاتِ الْخَاسِرِ *** في النَّارِ وَهيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ

أَوَّلُهَا إِشْرَاكُهُ بِالْحَقِّ *** وَقَتْلُهُ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقِ

كَذَاكَ سِحْرُهُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتُ *** يَتْلُوهُ قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتُ

وَالْأَكْلُ لِلرِّبَا الْحَرَامِ الصرف *** كَذَلِكَ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ

وَأَكْلُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى السَّابِعُ *** فَعَنْ جَمِيعِهَا نَهَانَا الشَّارِعُ

 

ذَكرَ أنه لما كان في سن التاسعة عشر من عمره أيام طلبه العلم في تريم، لما مرَّ ذكر الموبقات السبع في الحديث عند الحبيب عبدالله بن عمر الشاطري، قال: أحد ينظُمها؟ فنظَمَها الوالد بقوله: 

"إياكَ سَبْعًا مُوبِقَاتِ الْخَاسِرِ"

يقول ﷺ: "اجتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ"، وعدَّهن عليه الصلاة والسلام. فمعنى الموبق: المُهلِك، أي المُهلِكات التي يوقِعنَ صاحبها في الهلَكة. جنَّبنا الله جميع المهالك وجعلنا ممن يذَرُ ظاهر الإثم وباطنه إيمانًا ومحبة وعبودية وأدبًا وهيبة للرب جلَّ جلاله.

قال: "إياكَ سَبْعًا مُوبِقَاتِ الْخَاسِرِ"؛ المُهلكات التي يهلك صاحبها ويخسر ويتعرَّض لخسران الأبد والعياذ بالله تعالى، "الْخَاسِرِ *** في النَّارِ"، وهي أكبر الكبائر،  أكبر الكبائر في بعض الروايات ثلاثة منها وارد، وفي بعض الروايات جاء: أكبر الكبائر و سرد السبع الموبقات، وفي الرواية: "اجتنِبوا السَّبعَ الموبقاتِ"، فعيّن من الذنوب والمعاصي هذه السبع على وجه الخُصوص مُحذِّرًا أمته ﷺ وناصحًا لهم ومُباعدًا بينهم وبين ما يُوجب غضب الله وسخطه.

فأما: الأول -فالعياذ بالله تعالى-، فهو أكبر الكبائر وهو من مات عليه لم يُغفَر له -والعياذ بالله تعالى- ويُخلَّد في النار، وهو أن يعتقد أن مع الله شريكًا آخر، لا إله إلا هو سبحانه وحده لا شريك له. 

  1. أَوَّلُهَا إِشْرَاكُهُ بِالْحَقِّ

وذلك أن يعتقد أن مع الله إلهاً آخر. 

  • وهذا الذي أكرم الله الأمة بالطهارة منه على يد نبيها محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. 
  • ثم أكرمه بأن لا يُوقع فيه من آمن به وحافظ على الصلاة من أمته إلى آخر الزمان. 

حتى جاءنا في صحيح البخاري: "ما أخافُ علَيكُم أن تُشرِكوا بَعدي، ولَكِن أخافُ علَيكُم أن تَنافَسوا فيها". وأن تبسط عليكم الدنيا. ويقول كما جاء في صحيح مسلم: "إنَّ الشَّيطانَ قد أيِسَ أن يَعبُدَه المُصَلُّونَ في جَزيرةِ العَرَبِ، ولَكِن" إن يطمع في شيء "في التَّحريشِ بينَهم"؛ يعني: طمعه في ما يُهلكهم بالتحريش بينهم كما تشاهدون وكما هو آفة الأمة قديمًا وحديثًا. 

أما الذين يشهدون أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله ويقيمون الصلاة فليس فيهم من يُشرك بالله، لا من تبرَّك ولا من توسّل؛ ليس فيهم من يعتقد أن مع الله إلهاً آخر، هذا الشرك الأكبر الموجب للخلود في النار لمن مات عليه والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ومع كون الشرك بالله لا يُغفر.. إلا لِمن تاب، فأجمعوا على صحّة التوبة منه. بخلاف المعصية التي بعده وهي: 

  1. "وَقَتْلُهُ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقِ". 

لم يجمعوا على صحة التوبة منها. بعضهم قال تُقبل التوبة.

  • والبعض قالوا: ما تُقبل توبة القاتل بعمد، إذا قتل نفس بعمد ما تُقبل منه التوبة في قول بعضهم. 
  • والذي عليه الجمهور أنه تُقبَل التوبة، وإن كان قتل.

 وكما جاء في الحديث عن المُسرف على نفسه من بني إسرائيل وقد قتل 99 نفسًا، فجاء إلى واحد ما عنده علم وليس براسخٍ في العلم، إنما تظاهر بالعبادة والعلم. فلما سأله قال: ماذا عملت؟ قال: قتلت 99. قال: ما لك توبة! لا تقبل لك توبة. قال: خلاص نكمل بك المئة ما دام ماشي توبة، فقتله! 

ثم حركه ضميره بسابقة له من الله.. ذهب إلى عالِمٍ مُتمكن فسأله، قال: مَن يقدر يحول بينك وبين الله؟ قتلت مئة أو أقل أو أكثر، أنت نادم وتتوب، حقوقهم محفوظة قدامك بعدين إذا صدقت مع الله بيسامحونك في الآخرة ولا بيؤخذ منك. لكن شل نفسك وتب إلى ربك، لكن خذ نصيحتي: هذه القرية التي أنت بها فيها أناس فُسَّاق كثير وأهل سوء، وهم يحملونك على مثل هذه الأفعال، اهربْ منها. شوف القرية الفلانية فيها أخيار صالحين الحَق بهم، باقي عمرك خلّه معهم عسى الله يقبل توبتك. 

قبل المسكين وأقبل، وخرج في أول طريقه من القرية حقه يمشي، حضره الموت فمات؛ يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "فاختَصَمَت فيه مَلائِكةُ الرَّحمةِ، ومَلائِكةُ الْعَذابِ"، تريد تأخذه ملائكة العذاب قالوا: هذا قتّال النفوس، صاحب شر، فقالت ملائكة الرحمة: إنه تاب، ومات على التوبة فنحن أحق به. فأرسل الله إليهم ملَك يحكم بينهم بأمر الله، فقال لهم: قيسوا ما بينَ الأرضَينِ، فإن كان أقرب إلى أرض الأخيار فلتأخذه ملائكة الرحمة، وإن كان أقرب إلى أرض الأشرار فلتأخذه ملائكة العذاب. 

فلما بدأوا يقيسون أوحى الله إلى أرض الأشرار: تباعدي -لأنه كان أقرب إليها من جهة المسافة الحسية- وأوحى إلى أرض الأخيار: تقاربي. فلما قاسوا وجدوه أقرب إلى أرض الأخيار بشبر، فنفعه الله بذلك سبحان الله، فأخذته ملائكة الرحمة. 

ويوم القيامة النفوس كلها بتصطف قدامه، ويلقي الله في قلوبهم مسامحته ويؤجرهم ويثيبهم على ذلك. لا إله إلا الله… "فقَبَضَتْه مَلائِكةُ الرَّحمةِ"، قال ﷺ. وفي الحديث: فلمّا أحس بالموت ناء بصدره إلى الأرض التي يريدها؛ فقلنا هذا هو حفظ الله لما نيته صادقة وناء بنفسه عند الموت، هذا الشبر حفظه الله وخلّاه أقرب إلى أرض الأخيار بمقدار ما ناءه، مقدار الشبر قربها، وبعَّد ذيك. وإلا هو من جهة المسافة على الحس والمعتاد كان أقرب إلى أرض الأشرار، لكن رحمة الله، لما صدق في التوبة إليه قال: لهذه تباعدي أنتِ، وقال لتلك تقرَّبي، فوجدوه أقرب إلى أرض الأخيار بشبرٍ وهكذا.

وهذا أيضًا - قُربه من هذه الأرض وهذه الأرض- أمر خارج في ظاهر الأمر عند الناس، ما هو عمل له، ولكن القُرب من الأخيار ومن أماكنهم له مكانة عند الله سبحانه وتعالى، بل جاء في الحديث الصحيح وصح أن سيدنا موسى عليه السلام لما كان في آخر أيامه وجاءته الوفاة، قال: ربِّ أَدْنِني مِن الأرضِ المُقدَّسةِ رَمْية حجر! قربني إلى الأرض المقدسة؛ فطلب القرب من الأرض المقدسة لما تقدّم فيها قبله من الأنبياء ومن الصالحين. 

وفي هذا يُذكر أيضاً في الفقهاء، فيمن مات في بلد فأوصى أن يُقبَر في بلدة أخرى، قالوا: 

  • وإن كان هناك ميزة في البلد الأخرى كمكة والمدينة وبيت المقدس والأرض المقدسة فالوصية تُعتبر. 
  • وكذلك إذا كان في البلد المطلوب الانتقال إليها يتوفر فيها أخيار كثر، صالحون كثر ظاهرون فيها فيُقبل منه. 

وإلا فهو أحق أن يدفن في الأرض التي مات فيها، فهو أحق أن يُدفن فيها، ولا تُتَّبع وصيته إن كان بالعكس فما يلزمهم تنفيذ وصيته. إذا قال: انقلوني إلى قرية كذا وما حد فيها ظاهر من كثرة الصالحين، والمكان الذي هو فيه أكثر عمارة بصُلحاء وعلماء، وقالوا ماله معنى نقله من غير غرضٍ صحيح. "أَدْنِني مِن الأرضِ المُقدَّسةِ رَمْيةً بحجرٍ".

فهذا القتل اختلفوا فيه وفي صحة التوبة منه. 

وبينما كان سيدنا ابن عباس في المجلس جاءه سائل يسأله: هل للقاتل توبة؟ قال له: نعم. خرج. دخل ثانٍ يقول: هل للقاتل توبة؟ قال: لا. خرج... الجلساء قالوا: كيف واحد قلت له نعم وواحد قلت له لا، وكلهم سؤالهم واحد! قال:

  •  تفرّست في الأول أنه قد وقع في جريمة القتل فأراد أن يتوب فما حُلت بينه وبين ربه. 
  • أما الثاني بينه وبين قريب له عداوة ويحدّث نفسه بقتله وجاء يسألني من شأن إذا شي توبة بيقتل، فحُلت بينه وبين الخطر. 

فلما ذهبوا وسألوا عنهم حصلوهم كما قال. لهذا قالوا: هذه الفتوى بغَت بصيرة وعقل ما هو كل من جاء… ودعا ﷺ لسيدنا ابن عباس: "اللهم فقًَّههُ في الدينِ، وعلِّمْهُ التأويلَ". 

وبقية الذنوب كلها ﻻ خلاف في صحة التوبة منها، إلا قتل النفس عمد؛ هذا الذي بغير حق، "وَقَتْلُهُ النَّفْسَ بِغَيْرِ حَقِ": (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [اﻹسراء:33]: 

  • ولهذا جاءنا في الحديث الصحيح بالنسبة لمن لم يكن محارب من الكفار: "مَن قتل مُعَاهَدًا" أو ذمِّيًا "لم يَرَحْ رائحةَ الجنةِ"، والعياذ بالله تبارك وتعالى. 
  • بخلاف المُحاربين، قال تعالى: (وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة:120]. 
  •  "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المَفارِقُ لِلْجَماعَةِ".

 

  1. "كَذَاكَ سِحْرُهُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتُ" 

والعياذ بالله تبارك وتعالى، فالسحر من أكبر الكبائر، وإثمه عظيم لكل من يعمله ولمن يَطلب عمله، ويأتي إلى عامله ويرضاه. فهم واقعون -والعياذ بالله- في سخط الله تعالى وغضب الله تبارك وتعالى. 

والسحر أنواع. ولا يُتقنُ كبير السحر إلا كافر، فلذا سلَّط الله تبارك وتعالى، وجعل للسحر مِن الشياطين مَن هم البَطَلة. 

  • البطلة هم السحرة من شياطين الجن. 
  • وقال ﷺ في سورة البقرة: "ولا تَستطيعُها البَطَلةُ". 
  • فإذا قُرئت سورة البقرة في بيت ثلاثة أيام ما يستطاع سحر أحد في البيت، ولو اجتمع السحرة كلهم. 

"ولا تَستطيعُها البَطَلةُ"؛ أي: المَرَدَة السحرة من الجن، وهذا يقوم في الغالب على نفث وعقد، قال: (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) [الفلق:4]؛ سَواحرٌ يسحرن الناس، واستغاثة بشياطين عياذاً بالله وأرواح خبيثة. فهذا حرام كله، كله حرام ومنه ما يوقع في الكفر. وحتى ما يتمكنون منه: 

  • حتى العياذ بالله يتبرأ من دينه. 
  • والعياذ بالله يبول على مصحفه أو على شيء مُعظَّم وشيء من الأفعال هذه الكفرية والعياذ بالله. 

فهذا كفر، مع كونه سحر أيضًا هو كفر، وخروج عن الملة. وارتداد عياذاً بالله تبارك وتعالى، والردة أشد أنواع الكفر. 

  • وما لا يُوقع أيضاً في الكفر منه حرام: 
    • لا يجوزُ تعلُّمه ولا تعليمه والعمل به ولا الإتيان عند صاحبه. 
    • والتساهل بهذا من أخطر الخطر على أصحابه. 

ولا يعيش في الغالب أصحاب هذه الأعمال إلا في نكد وهم وغم مهما ملكوا من المال ومهما أدخلوا من مظاهره، ثم عذاب الآخرة أشد وأشق والعياذ بالله تبارك وتعالى.

  1. "يَتْلُوهُ قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتُ": 

أي: رَمْيهُن بجريمة الزنا والعياذ بالله تعالى. فرميُ المسلم بجريمة الزنا واللواط هذا قَذْفٌ.

وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات شديد عند الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:4-5]. 

حتى قالوا في هذا القذف: وإن ما أقاموا عليك الحد في الدنيا ثمانين جلدة، شوفه قدامك بيقع ضرب وجلد في الآخرة والعياذ بالله تعالى شديد. فهذا من أخطر ما يكون؛ لأن

  • سبّ المسلم بأي شيءٍ حرام، بل فسوق. 
  • وأما هتك عرضه باتهامه فلا يجوز. 

ولا يجوز النطق بتلك الخطيئة ولو رآه بعينه، إلا أن يكون معه أربعة شهداء رأوا الحالة في أخسِّ ما يكون. وإلا ما يجوز أن يتكلم. فإن تكلم أُقيم عليه الحد، ثم لا تقبل له شهادة أبدا. 

  • وحتى قال الحنفية: وإن تاب، وأخذوا بقول: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) على أن يُغفر لهم لكن الشهادة ما تُقبل، لقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا). 
  • وقال بقية الأئمة: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ) فيُغفر لهم وتُقبَل شهادتهم إذا مر على التوبة سنة ولم يعودوا لشيء من ذلك. 

فهكذا كل كلمات تدل على الرمي بجريمة الزنا واللواط فهي قذف وهي من الكبائر وهي مُحبطة لعمل الإنسان، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

  1. "وَالْأَكْلُ لِلرِّبَا". 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة:278-279]، والعياذ بالله تبارك وتعالى. "الْحَرَامِ الصرف" فهو من أشد الحرام، أكل الربا.

  1. "كَذَلِكَ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ" 

الفرار مِن مُقاتلة الكفار، يخاف على نفسه الموت فيهرب يترك الكفار يبسطون أيديهم على أرض المسلمين أو على أجساد المسلمين، بل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) [الأنفال:45]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال:15-16]، يهرب إلا متحرفاً لقتاله، أو مُتحيِّزًا إلى فئة يذهب إلى فئة أخرى من أجل أن يستنصرهم ويأتي بهم، أو يتحرّف للقتال يرتب الترتيب. وأما لغير ذلك، هرب خوفًا، (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، هذه الشدة على من يفر من الزحف، وهكذا. 

  1. "وَأَكْلُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى السَّابِعُ" 

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10]. فأكل مال اليتيم قلَّ أو كَثُر فذلك من موجبات الغضب -والعياذ بالله تعالى- وهي من السبع الموبقات. 

جنّبنا الله إياها، وجنّبها أهلينا، وجنّبها أولادنا، وجنّبها أصحابنا، وجنّبها طلابنا، وجنّبها المسلمين آمين. 

"فَعَنْ جَمِيعِهَا نَهَانَا الشَّارِعُ" 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم ارزقنا امتثال أمرك واجتناب نهيك وزجرك يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

انتهى ما قيّدوه من نظم المسائل العلمية بعد ما كتب من الفوائد الثمينة. والله يُعلي درجاتهم ويجمعنا بهم في أعلى الجنة ويرحم الحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ومشايخه وتلامذتهم وأصولهم وفروعهم والدينا خاصة، وأموات المسلمين وأحياهم عامة. الله يفقهنا في الدين ويعلّمنا التأويل، ويهدينا إلى سواء السبيل، ويسلك بنا مسالك أهل الصلاح والفلاح والنجاح والفوز الأكبر في الدنيا والآخرة، بسر الفاتحة. 

جاء في بعض الروايات ترتيبها كما ذكرها، فكل واحدة منها بعد الثانية أشدها. بالاتفاق الإشراك بالله، ثم هكذا ترتيبها. أجارنا الله منها ومن جميع الذنوب، اللهم حُل بيننا وبين الذنوب والمعاصي وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب.

 

اجعلنا من التابعين لهم والصادقين العهود والمُوفين العهود، والركع السجود والسابقين الشهود، وأرباب اليقين وأهل التمكين في خير ولطف وعافية، وصلاح للشؤون الظاهرة والخافية. ويبارك لنا ولكم في خاتمة هذه الدورة ويجعل يومنا يوم نفحات وعطايا كبيرات ومِنح وفيرات تعم الأحياء والأموات. نتطهّر بها عن جميع الذنوب والخطيئات وعن جميع الظلمات الآفات، وعن جميع العاهات والظواهر والخفيات، ويثبتنا أكمل الثبات ويرفعنا مراتب أهل المحبة من خيار الأحبة، وينظمنا في سلك أهل الرضوان الأكبر، ويرعانا بعين العناية فيما بطن وفيما ظهر، ويدفع عنا كل شر أحاط به علمه في الدارين. 

ويعلي درجات المنتقل إلى رحمة الله الشيخ محمد بن عبدالله بن عبدالقادر بارجاء، ويجمعنا به مع أعلى درجات دار الكرامة والهناء، وأن الله سبحانه وتعالى يكرم نزله ويُوسع مدخله ويرعاه بعين عنايته، ويبشره بأسنى ما يبشر به أرواح المحبوبين المقربين، ويتقبل جميع حسناته، ويضاعف كل حسنة منها إلى ما لا نهاية، ويتجاوز عن جميع سيئاته ويبدل كل سيئة منها إلى حسنات تامات موصلات، ويتحمل عنه وعنا جميع التبعات، ويجمعنا به في أعلى الجنات، ويخلفه في أهله وذويه وقرابته وأهل بلده والمسلمين، وأن الله يرحم موتانا وأحيانا برحمته الوسيعة، ويوردنا وإياهم على الحوض المورود في أوائل أهل الورود، ويظلنا بظل اللواء المعقود وبظل العرش، وأن الله يجعل مستقر أرواحهم الفردوس الأعلى من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، وأن يختم لنا بأكمل الحسنى، وهو راضٍ عنا في لطف وعافية. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

12 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

26 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام