كشف الغمة - 433 -  كتاب الطب: فصل: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحبس نفسه على نوع واحد من الأغذية 

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 433-  كتاب الطب: فصل: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحبس نفسه على نوع واحد من الأغذية 

صباح  الثلاثاء 2 ذو الحجة 1447هـ 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  الحكمة في تنوع الأطعمة حسب البلدان والفصول
  •  أطعمة كان يتناولها رسول الله
  •  الأدب النبوي مع الطعام: ترك ما تعافه النفس
  •  التوازن الغذائي: عدم الاقتصار على نوع واحد من الطعام
  •  كيفية تعديل الطعام أو كسره بغيره
  •  تناول النبي اللحم
  •  تناول فاكهة البلد في موسمها وعلاقتها بمناعة الجسد
  • نهي النبي عن النوم المباشر بعد الأكل وفوائد المشي
  • أثر ذكر الله في مراحل إعداد الطعام
  •  جمع النبي بين أنواع الطعام وترك المبالغة في الإدام
  •  تناول النبي "باكورة الثمار" فاكهة البلد عند مجيئها
  •  فائدة: تناول فاكهة البلد في موسمها
  •  المشي 100 خطوة بعد الأكل (بدل النوم)
  •  قواعد الجمع بين الأطعمة: ما كان النبي يتركه من المتناقضات
  •  النهي عن أكل الطعام الحار جداً والأطعمة العفنة أو المالحة

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

فصل 

"كان رسول الله ﷺ لا يحبس نفسه على نوع واحد من الأغذية ويقول إنه مضر بالطبيعة، وكان ﷺ إذا عاف طعامًا لم يأكل منه. قال العلماء: وهو أصل عظيم في حفظ الصحة. وكان ﷺ يأكل من فاكهة بلده إذا جاءت ولا يحتمي عنها، قال العلماء: لأن الله تعالى جعل في كل بلد من الفاكهة والخضر ما يحصل به الشفاء لأهلها من كل بلاء نزل ذلك الزمان، وتقدم في باب آداب الأكل أنه ﷺ كان ينهى عن النوم عقب الأكل ويقول إنه يُقَسي القلب، وكان ﷺ لا يجمع بين سمك ولبن ولا بين لبن وحامض، ولا بين غذاءين حارين ولا باردين ولا لزجين ولا قابضين ولا مسهلين ولا غليظين ولا مرخيين ولا مستحيلين إلى خلط واحد، ولا بين مختلفين كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه، ولا بين شوي وطبيخ ولا بين طري وقديد، لا بين لبن وبيض ولا بين لحم ولبن، كان ﷺ لا يأكل الطعام الحار ولا الطبيخ البائت ولو سُخِّن، وكان ﷺ لا يأكل الأطعمة العفنة ولا المالحة كالكوامخ والمخللات والملوحات، والكلام على علل ذلك كله مذكور في كتب الطب فراجعها، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله الذي بعث النبيين لصلاح المعاش والمعاد، وختمهم بسيدهم محمد خير العباد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه الأجواد، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسانٍ إلى يوم التناد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الهداية والصلاح والإسعاد، وأنوار الدلالة والهدى والرشاد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

يواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر الهدي النبوي فيما يتعلق بالأطعمة، ويقول: "كان رسول الله ﷺ لا يحبِسُ نفسه على نوع واحد من الأغذية ويقول إنه مضر بالطبيعة". 

وذلك أن الله عدد هذه الأطعمة لحكمةٍ، وجعل في كل بلدٍ أنواعًا من الأقوات، قال تعالى: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) [فصلت:10]، وجعل أيضًا في كل بلدٍ ما يصلح نباتُ ما هو أوفق لأهل تلك البلدة وجوّها من أنواع الأطعمة، ولا يكثر الطعام في موسم إلا وذلك الموسم هذا الطعام أصلح فيه للأبدان والأجساد، فسبحان الحكيم العليم -جل جلاله وتعالى في علاه-؛ فلا يكثر نوع من الأطعمة في بلدة إلا وهو أصلح لأهل تلك البلدة، ولا في زمن من أيام السنة إلا وهو أنفع في ذلك الزمن لأجساد الناس وأبدانهم.

وهكذا كان ﷺ كثيرًا ما يأكل الشعير، وقد يأكل البُرَّ، ولا يواصل أكل البُرَّ ثلاثة أيام -زيادة على ثلاثة أيام-، ويأكل التمر، ويأكل اللبن، وهذه الأطعمة المُوفَّرَة في وقته وزمنه وبلده ﷺ، فكان يتناول منها ولا يقتصر على نوعٍ واحد.

"وكان ﷺ إذا عاف طعامًا لم يأكل منه"، كما قُدِّم إليه الضب المشوي فقيل له: إنه لحم ضب، فأمسك يده عنه، "فرَفَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه، فقُلتُ: أحَرامٌ هو يا رَسولَ اللهِ؟ قال: لا، ولَكِنَّه لم يَكُنْ بأرضِ قَومي فأجِدُني أعافُه. قال خالِدٌ بن الوليد: فاجتَرَرتُه فأكَلتُه ورَسولُ اللهِ  يَنظُرُ".

 

"قال العلماء: وهو أصل عظيم في حفظ الصحة"، فكان من عادته ﷺ لا يحبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه؛ فإذا واظب الإنسان على نوع من الأطعمة حُرِم الخصائص التي في الأطعمة الثانية، ثم بقي جسده محصورًا على ذلك وشهوته؛ حتى إذا تناول طعامًا آخر بعد ذلك ربما تأثر به ولم تقبله طبيعته فيضعُف ويستضر بذلك؛ فلهذا لو كان أفضل الأغذية إذا انقصر عليه وحده يكون في انقصاره عليه ضرر.

وكان إذا في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل، كسرها وعدّلها بضدها إن أمكن، كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ ويقول: "نَكْسِرُ حرَّ هذا ببَردِ هذا ، وبَردَ هذا بِحَرِّ هذا"،

وإن لم يجد تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف فلا يكون هناك ضرر، وهكذا كما سمعنا في هديه إذا عافت نفسه طعامًا لم يأكله ولم يحمّلها إياه على كُره، فإنَّ في أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا يشتهيه تضرر أكثر مما ينتفع به، وهديه الشريف: "ما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه"  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكان ﷺ يحب اللحم، وأحبَّهُ إليه الذراع ومُقدَّم الشاة، ويقول على لحم الظهر: "إنه ألذ اللحوم"، وكان يتناوله من وقت إلى وقت، وتقدم معنا ما حذَّر من المداومة عليه وهكذا جاء في هديه عليه الصلاة والسلام.

قال: "وكان ﷺ يأكل من فاكهة بلدهِ إذا جاءت -في أيام موسمها ووقت ظهورها- ولا يحتمي عنها، قال العلماء: لأن الله تعالى جعل في كل بلد من الفاكهة والخضر ما يحصل به الشفاء لأهلها من كل بلاء نزل ذلك الزمان، -وفي ذلك المكان- وتقدم في باب آداب الأكل أنه ﷺ كان ينهى عن النوم عقب الأكل -مباشرة، وله أضرار متعددة على الجسد- ويقول إنه يقسي القلب". 

يقول: "أذيبوا طَعَامكُمْ بِذكر الله وَلَا تناموا عَلَيْهِ فتقسوا قُلُوبكُمْ"؛ يقول إنه يقسي القلب، فلهذا يقول العوام في أمثلتهم: تعشَّ وتمشّ ولو على ظهر الحَنَشْ، أي امشِ بعدها ولو خطوات بعد العَشاء لا تبادر بالنوم بعد الطعام مباشرة؛ فلذلك أضرارٌ على الجسد وقسوة في القلب، ولكن تحرَّكْ قبله وأكثر من ذكر الله تعالى: "أذيبوا طَعَامكُمْ بِذكر الله" -جل جلاله وتعالى في علاه-.

وللتلاوة والذكر أثر في إصلاح شأن الطعام ونفعه للبدن وللجسد، وقد كان من أسباب ما أظهر الله لأجيال في الأعصار السابقة من المسلمين من انتشار الصحة فيهم وقلة المرض بينهم؛ أنهم كانوا يلازمون ذكر الله تعالى عند غرس البذر، وعند السقي، وعند الحصاد، وعند الطحن، يكثرون ذكر الله تعالى، وعند الخبز والعجن، وعند وضعه وعند تقديمه، وإذا به من أوله لآخره ذكر لله سبحانه وتعالى، فكان ذلك من الأسباب التي أظهر الله فيها في عامتهم الصحة وقلة الأمراض، فلذكر الله أثر على الطعام وعلى الشراب إذا ذُكر اسم الله عليه وإذا أُكثر من ذكر الله.

قال: "وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجد له إدامًا"، تارة يأكله باللحم ويقول: "هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة"، وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، وضع تمرة على كِسرة شعير وقال: "هذا إدام هذه". 
وهكذا في تدبيره ﷺ وسلوكه مسلك الاعتدال والاقتصاد في أموره ﷺ، وقد جاء أيضًا في سيرته وعَلِمنا من سيرته أنه قد يمر عليه اليوم واليومين والثلاثة بلا طعام  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
وكان أيضًا إذا جاءت الفاكهة أول ما تظهر فيُجاء به إلى باكورة الثمر فيقبِّله ويضع يديه، فإذا وجد أحدًا من الأطفال عنده أعطاه أصغر من يوجد عنده من القوم يأكله.
فمعلوم ما ذكر الشيخ من أنه يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، وهذا أيضًا له اتصال بشأن الصحة والشكر للمُطْعِم -جل جلاله وتعالى في علاه-، قال: وإن تناول الفاكهة في وقتها يغني عن كثير من الأدوية، ويقول ابن القيم وغيره، يقول: وقَلَّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسمًا وأبعدهم عن الصحة والقوة. لا إله إلا الله، وهكذا تأتي فصول السنة بما هو مناسب لها.

وجاء  أيضًا ما سمعناه أنه ينهى عن النوم على الأكل وأنه يُقَسِّي القلب، ولكن بعد الطعام يخطو خطوات ويمشي، يقول بعضهم: ولو مئة خطوة فيكون ذلك أقرب لِتحمُّله، فلا أقل من أن يكون بين تناول الطعام والنوم نصف ساعة فأكثر من ذلك ولا يقل على هذا. 

 

وكان يأكل ما وجده ﷺ، وبعض الأشياء ما يحب الجمع بينها، كما قال عندكم: "وكان ﷺ لا يجمع بين سمك ولبن، -وهذا مما جاء في السيرة الشريفة- ولا بين لبن وحامض، ولا بين غذاءين حارين ولا -غذاءين- باردين ولا لزجين ولا قابضين ولا مسهلين ولا غليظين ولا مرخيين، ولا مستحيلين إلى خلط واحد، ولا بين مختلفين-ولا بين شديدي الاختلاف- كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه -ما يجمع بينهما-، ولا بين شوي وطبيخ ولا بين طري وقديد، لا بين لبن وبيض ولا بين لحم ولبن".

ولم يكن يأكل طعامًا في وقت شدة حرارته، ويأمر بإبراده ويقول: "إن الحار لا بركة فيه"، "أبردوا بالطعام فإن الحار لا بركة فيه". 

وكذلك ما كان من الأطعمة العفنة والمالحة فلا يقربها : "وكان ﷺ لا يأكل الأطعمة العفنة ولا المالحة كالكوامخ والمخللات والملوحات، والكلام على علل ذلك كله مذكور في كتب الطب فراجعها، والله سبحانه وتعالى أعلم".

ما أكرم هديه، وما أعظم منهجه، وما أجلَّ مكانته وقدره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وقد أتانا خاتم الرسالة *** بكل ما جاؤوا به من حاله 
فعمَّ كل الخلق بالدلالة *** وأشرقت مناهجُ الكمالِ

فَكُلُّهُ فَضلاً أتى ورحمة *** وَكُلُّهُ حُكْمُ هُدًى وَحِكمة

وَهْوَ إمامُ كُلِّ ذي مُهِمَّة *** وَقُدْوَةٌ في سائِرِ الخِصالِ

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 

قال الله عنه: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54]؛ اللهم اهدنا بهداه، وسِر بنا في سبيله وممشاه، وارزقنا اللهم قربه ورؤياه، وأكرمنا بمرافقته ﷺ،، واجعلنا من أسعد أمته بمرافقته ولقياه في خير ولطف وعافية، وفرِّج كروب أمته في المشارق والمغارب، وادفع عنهم المصائب والنوائب، واجمع شملهم على ما تحب، واجعلنا فيمن تحب، واسلك بنا مسالك من تحب، في لطف وعافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

02 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

19 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام