كشف الغمة - 424-  تكملة آداب الطعام والشراب ، من الوضوء مما مست النار 

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 424-  تكملة آداب الطعام والشراب ، من الوضوء مما مست النار 

صباح الأربعاء 19 ذو القعدة 1447هـ 

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  هل يجب الوضوء مما طبخ بالنار؟
  • التحذير من المبيت وفي اليد أثر زُهومة اللحم (الغَمَر)
  • معنى حديث: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده
  • الإعجاز النبوي في الذباب: أين يكمن الداء والدواء؟
  • خصوصية "اللبن" في كفايته عن الطعام والشراب معاً ودعاء شربه
  • قاعدة اجتماعية: لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي
  • أسرار الصدقة وإطعام الصالحين
  • قصة الشيخ الحبوظي مع الصدقة
  • فضل إكرام الخبز وعلاقته ببركة الاقتصاد
  • توجيه النبي للسيدة عائشة بتعظيم النعمة
  • قصة عن كرم الشيخ أبي بكر بن سالم
  • عواقب الاستهانة بالنعم: عبر من التاريخ والواقع

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:

 

"وتقدم في باب الأحداث قوله ﷺ: "توضأ مما مسَّت النار"، وكان جابر -رضي الله عنه- إذا سُئل عن الوضوء من ذلك يقول: "لقد كنا في زمن النبي ﷺ لا يجد أحدنا من ذلك الطعام إلا قليلًا فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نصلي ولا نتوضأ"، وقال أنس -رضي الله عنه-: خرج رسول الله ﷺ يومًا من الخلاء فقُدِّم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". 

وقُدِّمَ إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- طعام وقد جاء من الخلاء فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: لولا التغطرس ما غسلت. قال ثابت -رضي الله عنه-: وأكل الجارود عند عمر -رضي الله عنه- مرة فلما فرغ طلب المنديل يمسح يديه، فقال له عمر: امسح يدك بأُستِك، وكان ﷺ يقول: "من بات وفي يده غَمَر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه"، وكان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- يقول: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، ثم ذكرت ذلك للنبي ﷺ وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال رسول الله  ﷺ: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".

وكان ﷺ إذا أكل التمر ونحوه لا يغسل يديه، وكان ﷺ يقول: "إذا وقع الذباب في طعام أحدكم أو شرابه فليغمسه كله فإن في أحد جناحيه سمًا وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء"، وكان ﷺ يقول: "ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن"، وكان ﷺ يقول: "لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي". 

وكان ﷺ يقول؛ "أكرموا الخبز فإن الله أكرمه، وهو من بركات السماء والأرض"، وسيأتي في باب عشرة النساء أنه ﷺ رأى كسرة في بيت عائشة وقد علاها الغبار فرفعها ﷺ، وقال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فعادت إليهم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمدُ للهِ مُكرِمِنَا بشريعتِه وبيانها على لسَانِ عبدِهِ وحبيبِهِ وصفوتِهِ خير بريّته سيدنا محمدِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم وعلى آلِهِ وصحابَتِهِ وأهلِ مَوَدَّتِهِ ومُتَابَعَتِهِ، وعلى آبائِهِ وإخوَانِهِ مِن الأنبيَاءِ والمُرسَلين مَحَطِّ كرَمِ الله تباركَ وتعَالَى وعِنَايَتِهِ، وعلى آلهِم وصحبِهِم وتابعيهِم، وعلى المَلائِكة المُقرَّبين، وجميعِ عبادِ الله الصَّالحِين، وعلينا معهُم وفيهِم إِنَّه أكرَمُ الأكرَمِينَ وأرحَمُ الراحمينَ.

 

وبعد،،

فيواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما يتعلق بآداب الطعام ويقول: " وتقدم في باب الأحداث قوله ﷺ: "توضأ مما مسَّت النار" في روايةٍ جاءت عند الترمذي وغيره. 

فالوضوء مما مسَّت النار:

  • مما استحبَّه جماعة من أهل الفقه.
  • والجمهور -منهم الأئمة الأربعة معتمد المذاهب الأربعة- أنه لا يجب الوضوء مما مسَّت النار، وأن الأمر بالوضوء مما مسَّت النار نُسِخ. 

 

وأنه ثبت عنه ﷺ أنه أكل مما مسَّت النار من مطبخات ثم قام وصلى ولم يتوضأ. 

وهكذا جاء عندكم: "وكان جابر -رضي الله عنه- إذا سُئل عن الوضوء من ذلك -مما مسّت النار- يقول: "لقد كنا في زمن النبي ﷺ لا يجد أحدنا من ذلك الطعام إلا قليلًا -أكثر طعامهم التمر واللبن؛ مما لم تمس النار- فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نصلي ولا نتوضأ"؛ هكذا جاء عند البخاري وابن ماجه وغيرهم. 

  • وفيه بيان أنه لا يجب الوضوء مما مسَّت النار كما عليه جمهور الفقهاء. 
  • ويروى عن سيدنا عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والزهري أنه يجب الوضوء مما مسَّت النار وأخذوا بالحديث وهو أصله في صحيح مسلم: "تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ". وقالوا:
  • هذا إنما كان للندب.
  • أو محمولًا على الوضوء بعد الطعام وقبله، وهو المراد به غسل اليدين؛ لأن الأكل مما مست النار يُبقِي في اليدين أثرًا وفي الشفتين، وهذا هو الغَمَر.

أثر الطعام الذي أصله زهومة اللحم ونحوه. والمراد به أثر الطعام وهو الغمر الذي يُنهى عنه. فلا يبيت الإنسان على غَمَر لا في شفتيه ولا في يديه وأصابعه؛ فإن ذلك سبب لأن يلحسه الشيطان، ثم يُصيبه ما يُصِيبه من أنواع البلاء والآفات بسبب ذلك.

 

إذًا يقول أن الوضوء مما مست النار:

  • إما يُراد به غسل اليدين.
  • أو إذا أردنا الوضوء الشرعي فذلك على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب كما هو عند الجمهور.

 

ويقول: "أنس -رضي الله عنه-: خرج رسول الله ﷺ يومًا من الخلاء فقُدِّم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ -أي: ماء يتوضأ به-  فقال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". 

"وقُدِّمَ إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- طعام وقد جاء من الخلاء فقيل له: ألا تتوضأ ؟ فقال: لولا التغطرس ما غسلت"؛ ما غسلت يدي يعني، ولكن لأجل السنة يغسل اليد؛ حتى لا يبقى الغمر فيه. 

 

"قال ثابت -رضي الله عنه-: وأكل الجارود عند عمر -رضي الله عنه- مرة فلما فرغ طلب المنديل"؛ فكأن ما أكله أمر سهل ويسير لا يبقى منه أثر على اليد مثل التمر اليابس، فطلب المنديل. فرأى سيدنا عمر أن ذلك شيء من الترفه الزائد. فلهذا نهره لما طلب ذلك؛ أي إبعادًا له عن الترفه والاسترسال في الزينة، وليكن على اعتدال. وكأنه ممَّن لاحظ منه المبالغة في الزينة والترفه؛ لهذا زجره.

 

وإلا فكما سمعنا ينبغي ألا يبقى الغمر: "وكان ﷺ يقول: "من بات وفي يده غمر.." -وهو أثر زهومة اللحم ونحوه، المراد به أثر الطعام- "..ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه".

وفي رواية: "..وَمن نَام وَفِي يَده غَمَرُ الطَّعَام، فَأَصَابَهُ لَمَمٌ فَلَا يلومنَّ إِلَّا نَفسه.."، وفي رواية: "مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ، فَأَصَابَهُ وَضَحٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ". 

وَضَحٌ: يعني برص.

وفي رواية: "من بَات وَفِي يَده غمر اللَّحْم؛ فَأَصَابَهُ خبل؛ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَاّ نَفْسَهُ". 

ففيه:

  • خبل.
  • أو لَمَمٌ.
  • أو وَضَحٌ.

فالمراد فساد شيء من أعضائه؛ بسبب قرب الشياطين منه، وما يتمكنون من قربه إذا ترك هذا الأثر من الطعام. فلهذا ينبغي:

  • أن يعتني بغسل يديه بعد الطعام فلا يبقي فيها أثرًا.
  • ويستعين بنحو أشنان أو صابون أوغير ذلك ليبعد الأثر.

حتى لا تبقى الرائحة ولا أثر الطعم فيتلحَّسه الشيطان؛ فيُصاب بأنواعٍ من الأدواء -يُصيبه كذا أو كذا أو كذا- قال: "فلا يلومن إلا نفسه".

 

"وكان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- يقول: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده ثم ذكرت ذلك للنبي ﷺ.." -وسيدنا سلمان الفارسي إنما صاحب رهبانًا من النصارى ولكن كان معهم شيء من التوراة- "..وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال رسول الله ﷺ: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".

وفي رواية: أنه مما يورث الغناء اَلْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ.

والمراد بالوضوء: غسل اليدين. فإتقان غسل اليدين قبل تناول الطعام ثم بعد تناول الطعام؛ حتى لا يبقى أثر في اليدين ولا في الشفتين.

"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده"، هكذا جاء عند أبي داود والترمذي كما هو في مسند الإمام أحمد بن حنبل. 

فهذا فيه إثبات سنية غسل اليد قبل الطعام وبعد الطعام. وإذا كان هناك آثار تعلق باليد وبالفم فينبغي أن يستعمل لها ما يزيلها من نحو أشنان أو صابون أو شيء يدفع عنه ذلك. وجاء -أيضًا- في الخبر: "إِنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ لَحَّاسٌ، فَاحْذَرُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غُمَرٌ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ" كما جاء عند الترمذي وغيره.

 

إذًا الغُسل مستحب قبل الأكل وبعده. وقرن هذا اللفظ: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده"،

  • بمعنى: تنظيف اليد بغسلها. 
  • بل أيضًا مما يُسن ويُستحب بعد الفراغ من الطعام المضمضة؛ كما جاء في تمضمضه ﷺ بعد أن شرب اللبن.

قال: "وكان ﷺ إذا أكل التمر ونحوه لا يغسل يديه"؛ ما دام لا يعلق شيء بيده منه، أي بعد الأكل.

 

"وكان ﷺ يقول: "إذا وقع الذباب في طعام أحدكم أو شرابه فليغمسه كله فإن في أحد جناحيه سمًا وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء". وترى الذباب إذا وقع في أي مائعٍ راكزًا أحد جناحيه وموطئًا الجناح الآخر -وغالبًا يكون الأيسر- الأيسر مغموسًا والأيمن مرفوعًا، وفي الأيسر من الجراثيم والداء ما يُفنيه ويُبعد شره مادة في الجناح الأيمن. فإذا غمسته فيه:

  • قابلت المادةُ المادةَ؛ فأذهبت أثره.

 

وكان هذا من معجزاته ﷺ. وقد كان بعض أرباب المادة والاغترار ينتقدون الحديث، فلما جاءت اكتشافاتهم إلى جناحي الذباب وإذا بها معجزة من معجزاته ﷺ. (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم: 3-4].

وهو أصدق الخلائق على الإطلاق. ما يتكلم أصدق منه إنسي ولا جني ولا ملك ولا غيرهم من الخلائق. (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ) صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله. 

ويقول: "وفي الآخر شفاء"، فهو أقرب ما يكون بإبعاد أثر الداء الذي يكون من هذا الجناح.

 

ثم قال: "وكان ﷺ يقول: "ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن"، يقوم مقام الاثنين، فيُبعد العطش والجوع معًا؛ اللبن: 

  • فهو طعام.
  • وهو شراب. 

وبهذا المعنى وغيره من الحكم كان إذا دعا بعد الطعام يقول: "وَارْزُقْنَا خَيْرًا مِنْهُ"، إلا اللبن فيقول: "وَزِدْنَا مِنْهُ"، ولا يقول: "وَارْزُقْنَا خَيْرًا مِنْهُ". وإن وجود اللبن الصحيح:

  • فيه المنفعة الكاملة للبدن.
  • ولا يوجد أيضًا إلا: 
  • والأرض خصبة.
  • وأحوال الناس طيبة.
  • والأنعام تُدرُّ لهم بالألبان.

ولا يكون ذلك إلا مع الخصب واليسر. 

فهو يتضمن في معنى وجوده وجود عدَّة من النعم، فلهذا كان يقول: "وَزِدْنَا مِنْهُ". وإن طَعِم غير اللبن قال: "اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا وَارْزُقْنَا خَيْرًا مِنْهُ"، فإذا شرب اللبن قال: "اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا وَزِدْنَا مِنْهُ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

وكان ﷺ يقول: "لا تصاحب إلا مؤمنًا". 

وفي هذا ترتيب حالة المؤمن؛ فيمن يتعلق قلبه بهم؟ ومن يُجالسهم؟ ومن يُصغِي إلى حديثهم؟

فإنه كلما كثر على سمع الإنسان وبصره وذهنه كلام الغافلين والفاسقين والمفسدين:

  • أثَّر فيه ظلمة.
  • وأثَّر فيه قسوة.
  • وأثَّر فيه تغيرًا وانحرافًا في فكره وفي سلوكه.

 

ولهذا قال: رتب نفسك، "لا تصاحب إلا مؤمنًا"

لا تصاحبه مباشرة، ولا في صورة ، ولا في كتاب، ولا في شاشة، ولا في تلفزيون، ولا في جوال.

لا تصاحب إلا مؤمن.. لا تصاحب إلا مؤمن! 

فرؤيتك للفسَّاق والفجَّار والكفَّار وسماعك لكلامهم يُفسدك:

  • يُفسد ذهنك.
  • يُفسد عقلك.
  • يُفسد أدبك.
  • يُفسد نور إيمانك. 

"لا تصاحب إلا مؤمنًا" يحفظ إيمانك ويزداد ويشرق النور فيك. 

وماذا تريد من مصاحبة الكفار والفجار؟

تدخلهم ذهنك؟! ترجع يخطرون على بالك حتى وأنت بين يدي ربك في الصلاة! لما هكذا؟ لماذا تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ لما تستبدل الفاسد بالصالح؟!

لم لا تحافظ على وجهتك وعلاقتك وفكرك ألَّا يصاحب إلا أهل حضرة الرحمن من النبيين والصالحين؟ يكون ذلك أعون لك:

  • على صفاء باطنك.
  • وعلى صلاح حالك.
  • وعلى استقامة منهجك وقدمك.

 

 "لا تصاحب إلا مؤمنًا"

واصحب ذوي المعروف والعلم والهدى** وجانِب ولا تصحب هُديت من افتتن

 

"الْمَرْءِ مِنْ جَلِيسِه"، و"المرءُ عَلى دِينِ خَلِيلهِ". 

قال سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: "من صاحب الأخيار حُظِي بالخير والأسرار، ومن صاحب الأشرار استحقَّ العار والنار". فلا تُملىء باطنك ولا ذهنك إلا بكلام ومعاني وصور الصالحين. 

 

"لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي"؛ وكانوا يغبطون من يعيشون في مثل هذه البلدان في القرون السابقة أن يمر عمره ما يرى وجه كافر ولا وجه فاسق من طول عمره! يُصابح ويُماسي وجوه زهاد وعباد وأتقياء وخاشعين وخاضعين، يُصبح ويُمسي على رؤية هذه الوجوه. لا إله إلا الله.

وكان يحب الصحابة إذا كانوا في الجهاد وغيره أن لا تلامس أبدانهم أبدان الكفار ولا ثيابهم ثياب الكفار لغير حاجة وضرورة، ما دام ما ضرورة ولا حاجة ما يحبون ملامستهم. وهكذا، لا إله إلا الله.

 

يقول: "ولا يأكل طعامك إلا تقي". يعني احرص، وإن كان لك في كل كبد رطبة أجر، ولكن كلما أكل طعامك صاحب تقوى، فإنه يتقوى به على أنواع من العبادات الصافية الخالصة، فتشاركه في الثواب فيكون ذلك أحظى لك، أحظى لك! يأكل طعامك ثم يصطف قدمه بين يدي الله -تبارك وتعالى- في خضوع وخشوع متقوياً بذلك الطعام فتشاركه فيما يتنزل عليه، يأكل طعامك فيتدبر آيات الله ويسرد منها الأجزاء بعد الأجزاء وينازل منها معارف ولطائف فتكون أنت السبب في ذلك، يأكل طعامك تقي.. وهكذا. 

قالوا لبعض الأولياء والصالحين: ما كان سبب ولايتك وظهورك فيها؟ قال: ما هو إلا أني لقيت يوماً صالحاً كان به جوع وناولته بعض الطعام، فالتفت لي وقال: "حررك الله من رق المعصية كما حررتني من رق الجوع". فهذا كان سبب ولايتي ، دعوة من صالح عارف بسبب أطعمته طُعمة؛ فقال: "حررك الله من رق المعصية كما حررتني من رق الجوع"، فتحرر من رق المعصية، فصار من أولياء الله -سبحانه وتعالى- (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس:63] لا إله إلا الله.

 

وهكذا سمعتم أيضاً قصة الشيخ الحبوظي سلطان -عليه رحمة الله- كان من الأثرياء وكان له سلطنة، وفي ليلة أخرج صدقات كثيرة في الحرم، وخطر على باله: أنه ما أظن أحداً اليوم في الدنيا -في العالم- أخرج صدقات مثل هذه في الحرم. فلما أراد الله أن ينبهه إلى الانكسار وشهود الفضل لله، وإلى غيبيات ينبغي أن لا تغيب عنه، بينما هو يطوف بالكعبة وخطر الخاطر على باله، سمع هاتفاً يقول: بلى! فلان بن فلان باكزبور في الهجرين بحضرموت، تصدق الليلة بصدقة هي أفضل عند الله من صدقاتك هذه كلها! وحفظ الاسم وسمع الهاتف، وخرج بعد الحج، وصل إلى الهجرين، قالوا: تفضل، أين بتنزلون؟ قالوا: بغيت باكزبور! قالوا: باكزبور ذا إنسان فقير! قال: أنا بغيت عنده. فجاء إليه، وبعد العِشاء رحبّ به بالبشاشة واستقبله وجلسوا مجلس طيب وباسطه بالكلام. فجاء إليه بقرص كسره بينه وبينه كسرة، أعطاه كسرة، وأخذ كسرة، قال له: في ليلة كذا كذا وفقك الله لصدقة، أريدك تبيعني ثوابها بما شئت -أنا أعطيك ما تشاء، وثوابها تعطيني إيّاه- تجعلها لي. ضحك باكزبور، قال: الهاتف الذي سمعته فوق الكعبة أنا سمعته كماك! ولا لي حاجة أعطيك حقي، -ولاتسال حق ولا أشل حقك- ولا أريد منك شيء! قال: فإيش أنت تصدقت به تلك الليلة؟ قال: شوف كما تشوف، شفت هذه الكسرة اللي أعطيتك إياها هذه؟! قال: وفد إلى البلد رجل كان جائعاً وكان من أصفياء الرحمن، كان صاحب حال مع الله ومنزلة، جئت به إلى بيتي وأكرمته وبشّيت في وجهه وأعطيته كما أنت الكسرة، فوزنت حقك الصدقات كلها، لأنها وقعت في يد واحد محبوب عند الرب صاحب حضور معه! وأنت لا تطلع إلى ثواب حد، روح لك.. تعرض لمثل هذا، وأشير عليك: ابنِ أماكن للغرباء في المدن، وخصوصاً المدن التي يرد فيها الصالحون، ابنِ أماكن للغرباء، بيجي ليلة واحد كما الرجال ذا بيدخل مكانك وبيأكل من طعامك؛ بتحصل مثلي، ورأى ثواب الله عظيم وجوده كبير. فبنى كثيراً من البيوت في المدن للغرباء تركها للغرباء وجعل فيها الطعام، رجاء أن يجيء له مثل هذه المنزلة عند الله تبارك وتعالى. قال: "ولا يأكل طعامك إلا تقي". فإن كان قد يرحم الحق تبارك وتعالى ولو بإطعام كلب أو إطعام هرة ونحو ذلك، فكيف إذا صادف يد محبوب عنده محتاج إلى هذا الطعام؟ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

وكان ﷺ يقول؛ "أكرموا الخبز فإن الله أكرمه، وهو من بركات السماء والأرض". من بركات السماء تنزل المطر وتسقيه، وهو مقدر أيضاً في السماء، ومحله إنباته في الأرض، فهو من بركات السماء والأرض. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:96].

فمن أقوى أسباب صلاح المعيشة وانتظام الاقتصاد وجود وفرة الإيمان والتقوى عند أهل كل منطقة. أهل كل منطقة تتوفر فيهم الإيمان والتقوى اقتصادهم يقوم، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.

لكن طلبوا السعة وحسن العيش بالربا والحيل واتباع أنظمة التجارة العالمية، فما جنوا من ذلك إلا هم وغما وكدر، وكل ما جمعوا شيئاً جاءت لهم مشاكل عليه تعبتهم فيه، وكل ما أخذوا أمراً وحتى دولهم الكبيرة تزيد ديونهم على ما عندهم، ما يكسبون! وهكذا 

  • ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:39] هم هؤلاء يحصلون الربح ويحصلون الفائدة، هم هؤلاء! ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، هؤلاء يتضاعف لهم أجرهم.  
  • ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة:261] فوق ذلك كله! 
  • ويقول: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:265] جلَّ جلاله!

 

يقول:"وسيأتي في باب عشرة النساء أنه ﷺ رأى كسرة في بيت عائشة وقد علاها الغبار فرفعها ﷺ،-ونفضها-، وقال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله -إذا جاءتكم نعمة قلت أو كثرت أحسني جوارها- ، فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فعادت إليهم". إذا لم يقوموا بحسن جوارها وما شكروا فنفرت عنهم وأوقعهم الله بعد ذلك في الفقر، فقل أن ترجع إليهم بعد أن تنفر عنهم ويكون ذلك نادراً. 

قال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله  فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فعادت إليهم" 

 

ولهذا كان في سيرته يعظم النعمة وإن دقت صلى الله عليه وسلم، حتى مر في الطريق وإذا بتمرة، فوقف ورفع التمرة ونظفها وقال: "لولا خشية أن تكون من الصدقة لأكلتها". لما أعطاها لغيره وما رماها، ما استهان بنعمة الله تبارك وتعالى. 

ولهذا قال سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: "لو لم نشكر القليل ما جاءنا الكثير". وكان مطبخه في اليوم يطبخون فيه سبعمائة قرص أو ألف قرص للوافدين والضيوف، وجاءت امرأة معها شطر -نصف مد- من شعير وقت القيلولة حق الشيخ، فتقول للخادم: فين الشيخ أبوبكر؟ فقال: لها نايم. قالت: ادعوه لي! قال: ليه. قالت: بأعطيه هذا. قال: من شأن هذا حقش نقوّم لك الشيخ وأنبهه ذلحين من شأن هذا؟ أيه هو حقش هذا! شوفي نحن نخبز كل يوم كم؟ كأنه انكسرت خاطرها ولم يدري إلا بحركة في الدرج وإذا به الشيخ نازل: مرحبا بمن جاءت! قالت: العفو إلا عندي... 

أهلا وسهلا ومرحبا بارك الله فيك ما شاء الله هذا كم حبات والحبات كم ذرات وزنها! (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [ الزلزلة:7] وجيتي من أجل الله قصدتينا وجيتي من البلاد كذا وكم خطوات خطوتي بارك الله فيكي! انجبرت وفرح خاطرها، وأخذها منها وأعطاها الهدية. قال للخادم: إيش قلت لهذه؟  قال: إلا قالت: اقومك .. قال: وتحتقر نعمة الله! أما تدري أنه لو لم نشكر القليل ما جاءنا الكثير؟ وأنت ما قدّرت أنها من أجل الله مشت وقطعت المسافة وجاءت تقصدنا من أجل الله سبحانه وتعالى، فلو تصدقت بهذا، وربك يقول ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾! احذر تكسر خاطر أحد، واحذر تستهين بنعمة الله. فهكذا كانت تربيتهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

 

فكان أكثر السلاطين في وقتهم ماشي في مطبخهم هذا، كل يوم حد يجي لهم سبعمائة ولا ألف نفر كل يوم، لكن كان عند الشيخ أبو بكر شغال! ومع ذلك في تواضع، يخرج ويقول للخبازين: صغروا الأقراص، فقد سمعتم الحديث فيها، وأنه كان يكره كبار الأقراص، ويقول: صغروا، أنا مانا سلطان ولا ملك! أنا ألا سالم بن عبد الله.. إنسان.. يقول هكذا عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

فلما ازدحم الوافدون عليه في آخر عمره في شعب النبي هود، وقف عند البئر وبكى وقال: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) [الزخرف:59] لا إله إلا الله! 

وهكذا تربيته صلى الله عليه وسلم في هؤلاء، برز أعظم شرفها في الخُلَّص من ورثته صلى الله عليه وسلم وأهل متابعته.

 

وكان ﷺ يقول؛ "أكرموا الخبز فإن الله أكرمه، وهو من بركات السماء والأرض"، وسيأتي في باب عشرة النساء أنه ﷺ رأى كسرة في بيت عائشة وقد علاها الغبار فرفعها ﷺ، وقال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فعادت إليهم". وذكروا في بني إسرائيل -ومثلها حصلت قبل أيضاً مدة طويلة في عدن كان هناك شيء من الرخاء منهم- وكذلك هذه واحدة من بني إسرائيل كان في وقت رخاء عندهم، فكانت استهانت بالنعم، إذا وسخ طفلها تجيب الخبز وتنجي به وترمي به! فأصابهم الله بعد ذلك بقحط واشتد عليهم الجوع، وراحت تدور الكسر اللي كانت تنجي بها ولدها تنظفها لتأكلها! لا إله إلا الله.

ويقال: حصل مثل هذا أيضاً أيام كان الرخاء الظاهر هذا في عدن، وكانت بعضهم أيضاً تنجي ولدها بالروتي -نوع من الخبز-  وترميه في مكان؛ وبعدين جاءت الشيوعية والشدة وراحت تدور لهذه الكسر ما عاد حصلت لها أكل! عقاب لهم في الدنيا. 

وقال: "يا عائشة أحسني جوار نعم الله فإنها قلما نفرت عن أهل بيت فعادت إليهم".

ثم ذكر أشياء ما كان يحب صلى الله عليه وسلم ردها، على الخصوص والله أعلم.

 

رزقنا الله الاستقامة، والاتحاف بالكرامة، واتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ومقاصده ونياته، وادخلنا في دائرته، واحضرنا في حضرته، وحشرنا في زمرته، وأصلح شؤون أمته، وجعلنا في خيارهم وأبركهم عليهم وأنفعهم لهم في عافية.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

23 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

10 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام