كشف الغمة - 423- تكملة آداب الطعام والشراب
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 423- تكملة آداب الطعام والشراب
صباح الثلاثاء 18 ذو القعدة 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- قصة دخول جابر بن عبد الله بيت النبي ﷺ وتقديم "3 أقرصة"
- فوائد الخل وعلاج حموضة المعدة
- الفرق بين طعام المؤمن وطعام المنافق
- البركة في ثلاث: صغر القرص، وطول الرشاء، وقصر الجدول
- متى يُرخص في الأكل من غير ما يليه؟
- تنظيف التمر العتيق وطريقة إلقاء النوى
- كراهة الأكل من نواحي القصعة في الثريد ونحوه
- إلقاء النوى بين اصبعيه
- النهي عن "القِران" (جمع الأكل في لقمة)
- أدب الاستئذان: ماذا تفعل إذا تبعك ضيف لم يُدعَ للطعام؟
- السنة في لعق الأصابع بعد الأكل
- كراهة مبيت القمامة والقاذورات في البيوت
- حكم مسح اليد بثوب آخر
- أدب مراعاة الجليس: لماذا لا ترفع يدك عن الطعام قبل القوم؟
- حكم الأكل في السوق وعلاقته بالمروءة والدناءة
- دعاء "القصعة" للآكل إذا أكملها
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: "كنت مع رسول الله ﷺ فدخل بعض حجر نسائه ثم أذن لي فدخلت، فقال: هل من غداء، قالوا: نعم، فأتوه بثلاثة أقرصة فأخذ رسول الله ﷺ قرصًا فوضعه بين يديه، وأخذ قرصًا آخر فوضعه بين يديّ، ثم أخذ الثالث فكسره باثنتين فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي، ثم قال: هل من أدم؟ قالوا: لا إلا شيء من خل، فقال: هاتوه فنعم الأدم هو".
وكان ﷺ يأمر بتصغير القرص ويقول: "البركة في ثلاث: في صغر القرص، وطول الرشاء، وقصر الجدول"، وفي رواية: "صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه"، وكان ﷺ يأمر أصحابه بالأكل مما يليهم، ويرخص في نحو أكل الرطب من نواحي الوعاء، ويقول: "كلوا حيث شئتم فإنه غير لون واحد"، وكان ﷺ إذا أتى بتمر عتيق فيه دود يفتشه حتى يخرج السوس منه، كان رسول الله ﷺ إذا أكل التمر يلقي النوى بين أصبعيه السبابة والوسطى، وكان ﷺ ينهى عن الأكل من نواحي القصعة في الثريد ونحوه ويقول: "كلوا مما يليكم فإنه لون واحد"، وكان ﷺ ينهى عن القران بين التمر ونحوه إلا أن يستأذن الرجل رفيقه.
وصنع رجل طعامًا للنبي ﷺ فأرسل إليه ائتني أنت وخمسة معك فبعث إليه رسول الله ﷺ أن ائذن لي في السادس، وكان ﷺ يقول: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده بالمنديل حتى يَلعقها أو يُلعقها"، وكان ﷺ يقول: "لا تبيتوا القمامة في حجركم فإنها مقعد الشيطان، ولا تبيتوا المنديل الذي تمسحون فيه أيديكم في بيوتكم فإنه مضجعه".
وكان ﷺ يقول: "لا تمسح يدك في ثوب من لا تكسوه"، وكان ﷺ يقول: "إذا أكل أحدكم مع جماعة وشبع فلا يرفع يده حتى يرفع القوم فإن ذلك يخجل جليسه"، وكان ﷺ يقول: "الأكل في السوق دناءة".
وكان ﷺ يقول: "من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة وقالت: أعتقك الله من النار كما أعتقتني من الشيطان".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن
الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان خير الورى سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه سرًّا وجهرًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،
فيواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما جاء في الآداب المتعلقة بالطعام والشراب، فيقول -1رضي الله تعالى عنه-: "وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: "كنت مع رسول الله ﷺ فدخل بعض حجر نسائه".
أي: ينظر تهيُّؤ البيت، وأن لا يكون فيه أحد من النساء ظاهرًا، ثم أذن له، فدخل وراءه إلى البيت.
يقول: "ثم أذن لي فدخلت فقال: هل من غداء، يسألهم ﷺ لأنه قد يُحتمل يوجد شيء في بيته ويُحتمل لا يوجد شيء، قالوا: نعم، فأتوه بثلاثة أقرصة، -من الخبز الصغير- فأخذ رسول الله ﷺ قرصًا فوضعه بين يديه، وأخذ قرصًا آخر فوضعه بين يديّ، ثم أخذ الثالث فكسره باثنتين فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدي، ثم قال: هل من أدم؟ -يعني: إدام نأتدم به للخبز- قالوا: لا إلا شيء من خل، -عندنا قليل خل ما شيء إدام آخر-، فقال: هاتوه فنعم الأدم هو". أي: نِعْمَ الإدام. كما جاء في اللفظ الآخر: "نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ"، كما سألهم مرة أخرى وقدموا إليه الخبز، قال: "هل من إدام؟" قالوا: ليس عندنا إلا الخل؛ قال: "نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ".
- ففيه قناعته -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ومُضيُّ هديه على أن يأكل ما تيسر، ويأكل ما وجد، ويأتدم كذلك بما تيسر.
- وكذلك فيه الثناء على الخل، ووُجد في الخل بذلك منافع وفوائد كثيرة للجسد، ومن أغرب ما فيه: أن في ذرِّهِ على الطعام إبعاد لأثر الحرقة هذه التي تأتي والحموضة التي تأتي عند الإنسان مع كونه حامضًا؛ ولكنه يدفع شر الحموضة التي يجدها بعض الناس والحرقة عند تناوله للطعام، فكان ﷺ لا ينطق بكلمة إلا وقد احتوت معاني كثيرة، فلم يقل "نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ" مجرد زهد ولا لأنه لم يجد غيره، ولكن فيه أيضًا الفوائد فهو من خير ما يُأتدَم به الخل، "نِعْمَ الأُدْمُ الخل" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجاء في حديث أن جابر يقول: "فما زلتُ أحب الخل مُذ سمعتها من نبي الله ﷺ"؛ كما قال سيدنا أنس: "ما زلتُ أحب الدُّبَّاء مُذ رأيته ﷺ يتتبع بأصبعه الدُّبَّاء من حوالي القصعة". - ففيه أيضًا الاقتصار في المأكل والمشرب على ما تيسر كما كان هيئته ﷺ، وجاء أيضًا في بعض الأخبار: أنَّ المؤمن يأكل بشهوة أهل بيته؛ أي: يحرص على أن يُحضر شيئًا يحبه أهل البيت ويشتهونه ويكون تبعًا لهم، وأن المنافق يأكل أهل بيته بشهوته، يُقَدِّم هو شهوته ويجعل الخلق تبعًا له، لا إله إلا الله.
وهكذا قال في هديه الكريم -عليه الصلاة والسلام- في ذلك التوسط واليسر في المؤونة.
ويقول كذلك: "وكان ﷺ يأمر بتصغير القرص ويقول: "البركة في ثلاث: في صغر القرص، وطول الرشاء، -الدلو الذي يؤخذ منه الماء- وقصر الجدول" -النهر، النهر القصير أنفع وأقرب للسقي من الطويل-، "وفي رواية: "صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه". ولهذا حتى إذا لم يكن إلا قرص واحد أو أقراص معدودة ففي تقسيمه إلى كِسَرٍ كِسَرٍ ثم أكلهم منه تحصل أثر البركة ويكفي المجتمعين عليه.
البركة في صِغَر القرص أي: في تصغير أقراص الخبز.
وطول الرشاء: الحبل الذي يُسقى به الماء.
وقِصَر الجدول: النهر الصغير، فالنهر القصير أعظم بركة وأكثر عائدة وفائدة على الشجر والزرع من الطويل.
وهكذا، يقول: "وكان ﷺ يأمر أصحابه بالأكل مما يليهم، -في عامة الأطعمة إلا فيما تختلف أجزاؤه مثل الرطب- فهذا يقول فيه: "كلوا حيث شئتم فإنه غير لون واحد". فإنه مختلف؛ فالمختلف الأجزاء يمكن أن يلتقط منه، وأما غير ذلك الطعام المستوي فينبغي أن يأكل مما يليه ولا يمد يده إلى غير ما يليه.
وجاء أيضًا فيما ورد ما يتعلق بالأقراص: "صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارَك لكم فيه".
ويقول: "وكان ﷺ إذا أتى بتمر عتيق فيه دود يفتشه حتى يخرج السوس منه". وهكذا ينبغي أن ينظف طعامه عما يعلق به من دود وغيره. والإمام أحمد قال بكراهة الخبز الكُبار؛ أن يأكل مباشرة من دون أن يُكسِّره، كذلك قال: إنه لا بركة فيه، كما جاء في الخبر.
قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أكل التمر يلقي النوى بين أصبعيه السبابة والوسطى، -أي: من اليد اليسرى-، وكان ﷺ ينهى عن الأكل من نواحي القصعة في الثريد ونحوه ويقول: "كلوا مما يليكم فإنه لون واحد". فألقى النوى بين أصبعيه السبابة والوسطى، وكان يضعها بعد ذلك في المكان، وإذا كان عنده أو بجانبه شيء من الغنم ونحوه يناولها إياه بيده الشريفة فتأكل من يده ﷺ، يضع النوى في كفه الأيسر ويناولها إياه فتأكل من كفه ﷺ.
"وكان ﷺ ينهى عن الأكل من نواحي القصعة في الثريد ونحوه ويقول: "كلوا مما يليكم فإنه لون واحد"، وكان ﷺ ينهى عن القران بين التمر ونحوه". التمر والعنب وغيره من الحبوب الصغار التي تؤكل؛ فيأكل على حبة حبة، ما يأخذ اثنتين مرة ويضعها ولا أكثر من اثنتين فيكون قَرن.
"وكان ﷺ ينهى عن القران بين التمر ونحوه إلا أن يستأذن الرجل رفيقه" الذي يأكل معه، وأنه إذا قُدِّمَ لهم من قِبَل أحد وهم ضيوف اشتركوا فيه، فإذا اشتركوا فلا يجوز لأحد أن يأكل أكثر من الثاني، فيصير هذا الذي قَدَمَّه لهم مشتركًا بينهم فأَذِن للاثنين؛ فإذا واحد يأكل أكثر من الثاني فقد أخذ حق أخيه، وقال بحرمة ذلك مَن قال من الفقهاء، "وكان ﷺ ينهى عن القران بين التمر ونحوه إلا أن يستأذن"، أو يقرنوه كلهم، كلهم يأكلون على تمرتين تمرتين، أو على عنبتين عنبتين، وإلا فليأكل على واحدة واحدة.
"وصنع رجل طعامًا للنبي ﷺ فأرسل إليه ائتني أنت وخمسة معك فبعث إليه رسول الله ﷺ أن ائذن لي في السادس". بجيب واحد زائد على الخمسة بيجيب لك ستة، ففيه أنه لا يُحضِر إلى المُضَيِّف إلا من طلبهم المُضَيِّف ومن أذن له وعَدَّدَهم له، فما زاد على ذلك فلا ينبغي أن يُحضِر إليه؛ إلا ما عَلِمَ من وفرة ما لديه وفرحه بمن يجيء فهذا أمر آخر، والأصل أنه لا يدخل معه إلى بيت المُضَيِّف إلا من طلبهم المُضَيِّف أو العدد الذين طلبهم المُضَيِّف، ولهذا لما قال له: ائتني وخمسة، أرسل إليه قال: معي سادس، رخصة بيجيب لك سادس.
وهكذا في مرة أخرى دعاه ﷺ بعض الصحابة، فقال له واثنين معه، قال لهم: تعالوا؛ فجاء، فتبعهم ثالث، فلما وصل عند الباب قال: إنك دعوتنا وهذين الاثنين وهذا تبعنا الثالث، فإن شئت دخل وإن شئت رجع، قال: يدخل معك يا رسول الله فدخل معه، قال: إن شئت يرجع من الباب لأنه ما دُعي وإن شئت دخل ﷺ.
"وكان ﷺ يقول: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده بالمنديل حتى يَلعقها أو يُلْعِقها". يعني: لا يستهين بآثار بقية الطعام الذي يبقى في الأصابع واليد، بل قبل أن يمسحها بالمنديل وقبل أن يغسلها بالماء يَلعَقها فإن في ذلك بركة وخير، أو يُلعِقها إذا لم تَعَفْ النفوس ذلك من مثل ابنٍ أو زوجةٍ أو نحو ذلك، يَلعَقها أو يُلعِقها.
"وكان ﷺ يقول: "لا تبيتوا القمامة في حجركم فإنها مقعد الشيطان، ولا تبيتوا المنديل الذي تمسحون فيه أيديكم في بيوتكم فإنه مضجعه". ففيه تنظيف الغرف والمساكن من القمامات وكذلك من الخِرَق التي تم بها مسح شيء من الطعام فضلًا عن غيره من الأوساخ الأخرى، فلا ينبغي أن يكون محلها وسط المكان الذي يبيت فيه الإنسان؛ لأن وجود هذه القاذورات وآثار الطعام والأوساخ مَجْلَبَة لأن يبيت فيها الشياطين أو يتعلقون بها؛ فينبغي أن تكون الغرفة التي تبيت فيها منظفة لا قمامة فيها ولا أثر مناديل موسخة بشيء مثل هذا، فهذه إرشادات تتعلق بها حِكَم كثيرة تعود على الإنسان، منها ما يُطَّلَع عليها ومنها ما لا يَطَّلِع عليه غيره ﷺ وما لا يُطَّلَع عليه إلا بنور النبوة.
يقول: "وكان ﷺ يقول: "لا تمسح يدك في ثوب من لا تكسوه". فلا يجوز أيضًا أن يستعمل مسح يده من أثر ماء أو غيره في ثوب آخر ليس أنت الذي تكسوه، فينبغي أن يراعي ذلك ويلاحظ حقوق الناس.
يقول: "وكان ﷺ يقول: "إذا أكل أحدكم مع جماعة وشبع فلا يرفع يده حتى يرفع القوم فإن ذلك يخجل جليسه". فينبغي أن يأكل قليلًا قليلًا حتى لا يكتفي قبل الآخرين، وإذا اكتفى قبل الآخرين فينبغي أن يُظهر أنه يأكل ويمد يده ويحرك شيئًا من الطعام هنا وهنا؛ حتى لا يُحرج الآخرين، ولا يكون أول من يقوم من الحلقة ولا آخر من يقوم.
"وكان ﷺ يقول: "الأكل في السوق دناءة". كما هو في حق ذوي الهيئات وغالب الناس في غالب الأحوال، بل في الأماكن التي يُعتاد فيها الأكل من ذوي المروءة وممن كان من أمثاله.
"وكان ﷺ يقول: "من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة وقالت: أعتقك الله من النار كما أعتقتني من الشيطان". كيف ذلك؟! يقول: إنه إذا بقيت البقايا في القصعة فإن الشياطين يتعلقون بها، فإذا لحسها؛ أي: بمعنى لعقها ولم يُبقِ فيها شيئًا من أثر الطعام، يقول هذا الصحن والقِدر الذي فيه الطعام لِمَن أكمل ما فيه ولعقه، يقول له: أعتقك الله من النار كما أعتقتني من الشيطان.
نسأل الله أن يرزقنا حسن متابعته، والاقتداء به، والاهتداء بهديه، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 ذو القِعدة 1447