كشف الغمة - 422-فصل في النهي عن أكل الطعام المعيون وعن الشبع وغير ذلك
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 422-فصل في النهي عن أكل الطعام المعيون وعن الشبع وغير ذلك
صباح الأحد 16 ذو القعدة 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- تعريف "العين" لغةً واصطلاحاً وحقيقتها الشرعية
- ماذا تقول إذا أعجبك شيء لتصرف عنه العين؟
- أثر نظرات الصالحين الرحيمة في تغيير حال الإنسان
- تحصين الأطفال والبيوت من العين والشياطين "أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"
- قصة في إصابة عين وصب الماء للمعيون
- ما يقال للتبريك لمن رأى ما يعجبه
- هل يجب على العائن أن يغتسل إذا طلب منه؟
- حديث: استرقوا لها فإن لها النظرة
- بركة مسح النبي ﷺ في علاج البطن والعين
- تغطية القدر لزيادة البركة
- الشبع المفرط: المؤمن يأكل في معى واحد
- مراتب الأكل: من الفرض والندب إلى الحرمة والمنع
- شرح حديث: "المسلم يأكل في معى واحد والكافر في سبعة"
- شهوات الأكل عند الكفار وشهوة الجوع عند المؤمنين
- زهد ابن عمر وإيثاره الأكل مع المساكين
- زهد سيدنا عمر في تنويع أنواع الطعام
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل في النهي عن أكل الطعام المعيون
وعن الشبع وغير ذلك
"قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ ينهى عن أكل الطعام المعيون. وقال أبو طلحة -رضي الله عنه-: دخلت يوماً على رسول الله ﷺ وعندهم قدر تفور لحماً فأعجبتني شحمة فأخذتها وازدردتها فاشتكيت عليها سنة، ثم إني ذكرتها لرسول الله ﷺ فقال: إنه كان فيها نفس سبعة أَناسِيِّ ثم مسح بطني فألقيتها خضراء، وكان خدم رسول الله ﷺ إذا طبخوا غطوا القدر حتى يذهب فوره يعني بخاره ويقولون: إنه أعظم للبركة .
وكان ﷺ ينهى عن الشبع المفرط ويقول: "المسلم يأكل في معي واحد، والكافر أو المنافق يأكل في سبعة أمعاء"، وكان عمر -رضي الله عنه- لا يجمع قط بين لونين من الطعام، وكانوا إذا أتوه بلونين يرد أحدهما ويأكل من لون واحد، وربما خلطهما جميعاً في إناء واحد ثم أكل، وكان -رضي الله عنه- إذا طبخ له عصيدة يقول للخادم: أنضج العصيدة تذهب حرارة الزيت.
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يجلس للأكل ولا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، قال نافع -رضي الله عنه-: فأدخلت مرة إليه رجلاً يأكل معه فأكل كثيراً، فقال: يا نافع لا تدخل مثل هذا عليّ فإنه أكول، وكان ﷺ يقول: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرمنا بالشريعة والأحكام والآداب والانتظام على يدِ خير الأنام، حبيبه المصطفى محمّد الرّاقي إلى أعلى مقام، صلّى الله وسلم وبارك وكرّم عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام ومن والاهم وعلى منهجهم استقام، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل الدلالة للخلائق على الحق ذي الجلال والإكرام، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين على الأبد والدوام.
وبعد،،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفصل ما يتعلق بالمنهيات المرتبطة بالأكل، وذكر النهي عن أكل الطعام المعيون الذي أصابته العين.
والعَيْن تأتي في اللغة على معاني كثيرة؛ والمراد بالعين هنا: ما يكون من النظر الذي يصحبه الاستكبار والاستعظام للشيء، فيؤثِّر ذلك على ما عُظِّم واستُكبِر، وبالغ صاحبه في استحسانه والإعجاب به، فيضرُّ المنظور والمعيون لذلك، وهذا مشتهِر بين البشر وأقرّه الشرع المصون أن "العَيْنُ حَقٌّ".
وهذا في جملة ما جعل الله -تبارك وتعالى- من الحِكم المتعلقة بالعين -عين ابن آدم- فيكون هناك نظر سوء:
- واُطلِق عليه لفظ العين.
- وله أيضًا في العربية إطلاق، يقال له عند العرب: نَجَأٌ، ويقول: نَجَأهُ نَجْأً؛ يعني: أصابه بالعين.
- وكذلك ما يقولون: عَانَهُ، أي: أصابه بالعين، عَانَهُ يُعِينُه عَيْنًا؛ يعني: أصابه بعينه فهو عائِن، والمصاب مَعِين.
- ويقولون: ما أَعْيَنَهُ؛ أي: ما أشدّ إصابته بالعين.
- ويقولون: رجل مِعْيَان؛ أي: شديد الإصابة بالعين وهكذا، والمَعْيُون: الذي أُصيب بالعين.
- ويقول ابن حجر في جملة تعريف العين هذه: نظر باستحسان مشوبٌ بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر.
- ويقول أبو الحسن المنوفى في العين: إنها سُمٌّ جعله الله في عين العائِن إذا تعجّب من شيء ونطق به ولم يبارك فيما تعجب منه.
هذه النظرة تقابلها نظرة الرحمة والشفقة والعطف والحنان، فهي تؤثر أثرًا طيبًا حسنًا، كما أن نظرة السوء والحسد واستكبار الأمر واستعظامه يكون عند الغافلين من أهل الحسد غالبًا، وإن كان كل إنسان مُعرض أنه إذا نظر إلى شيء مستحسِنًا له مستعجِبًا به، أو مُعجبًا به إعجابًا مفرطًا؛ يصاب بالعين، ولو نفسه ولو ولده ولو متاعه، إذا نظر إليه بهذه النظرة، وفي ذلك ورد: كلكم عَيَّانون إلا من بورك، وأمر إذا نظرتَ إلى شيء فاستحسنته وازدهيت به، ورأيت أو عجبت به، أن تُتبع ذلك بـ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما أشار إليه القرآن قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:39].
وكذلك قال -سبحانه وتعالى- عن رسوله ﷺ: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ) -أي: الكفار المشركين- (بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾؛ أي: يصيبونك بالعين، يعني: يزيلونك عن مقامك هذا، ويغيِّروا عليك شأنك بواسطة العين، وهكذا كانوا ينظرون إليه، وفيهم جماعة من المشهورين بالإصابة بالعين، كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العداوة يكاد يُزلِقه لولا حفظ الله له وعصمته.. وهكذا، وحتى أحضروا جماعة من المشتهرين بالعين وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حُجَّته؛ بقصد إصابته بالعين، فعصمه الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ * وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾[القلم:51-52].
- وكان في تلاوة هذه الآية أيضًا حفظ من العين، ودفع لأنواع الشرور.
- وكذلك في البركة أي: بارك الله فيك.
- وكذلك في الصلاة على النبي ﷺ فإنها تدفع الأعين؛ تدفع العين.
فمن خاف من عين فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اللهم بارك فيه ولا تضره، اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وبارك وسلم، ذهب عنه شر العين وضُرها وأذاها.
فهكذا لا ينبغي أن يرى الإنسان شيء يستحسنه ويعجب به إلا قال:
- ما شاء اللهُ لا قوَّةَ إلّا باللهِ.
- اللهم بارِكْ فيه ولا تَضُرَّه.
- ويصلي على النبي محمد ﷺ.
فهذا سبب ذهاب شر العين وضرّها.
يقابل هذا نظرة من أرباب النور والقلوب الرحيمة الشفيقة، فإنها أيضًا تؤثر؛ لكن تأثيرًا حسنًا طيبًا..
- فكما أن عين العائن تقتلك.
- فعين الصالح الولي تُحييك وتُحيي قلبك وتنقلك من حالة إلى حالة.
وفي الحديث: "العَيْنُ حَقٌّ تُدْخِلُ الجملَ القِدْرَ، والرجلَ القبرَ"، أي: يُصاب بها الجمل فيذبحونه ويطبخونه، ويصاب بها الرجل فيموت؛ قد يؤدي إلى أن يموت من إصابته بالعين.
وهكذا يأتي نظر أهل الله -تبارك وتعالى- إلى شيء بعين الشفقة والرأفة والرحمة والعطف والحنان، فيؤثر تأثيرًا حسنًا في نقله إلى ما هو خير وأجمل وأفضل.
ونظرة منهم إن صَحَّت على أحدٍ *** بعين وُدٍّ بإذن الله تحييهِ
- وفي التفضّل أيضًا الإلهي عَبَّر ﷺ بالنظر:
- "إنَّ للَّهِ عزَّ وجلَّ في كُلِّ يومٍ ثَلاثَمائةٍ وسِتِّينَ نَظرةً"، إذا أصابت العبد منها نظرة سَعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبدًا.
- وفي الخبر أيضًا: "وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا".
- وعَبَّر عن ذلك أيضًا في القرآن بقوله: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:77]؛ أي: نظر الرحمة ونظر الشفقة، النظر الذي يرفع صاحبه.
فنسأل الله أن ينظر إلينا بالعيون الرّحيمة إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويكون كل ذلك بإرادة الله تعالى ومشيئته كالسحر وغيره، والعين كمثل السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة:102]؛ فينبغي أن يُتَعَوَّذ: "أَعوذ بِكَلماتِ اللَّهِ التّامَّةِ من كلِّ شيطانٍ وَهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ"، هكذا كان ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين بما كان يعوِّذ به سيدنا الخليل إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق، يقول: "أُعِيذُكما بِكَلماتِ اللَّهِ التّامَّةِ من كلِّ شيطانٍ وَهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ".
وينبغي أن يعوَّذ الأطفال في الديار في كل يوم بهذا، ويضع يده على رأس الطفل ويقول:
- "أُعِيذك بِكَلماتِ اللَّهِ التّامَّةِ من كلِّ شيطانٍ وَهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ".
- "بسمِ اللَّهِ أرقيكَ، من كلِّ شيءٍ يؤذيكَ".
فهذا من جملة التبريكات التي وردت في السنة.
وجاء أيضًا في الخبر أن أبا سَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ اغتسل، فنزع جُبَّة كانت عليه، وواحد اسمه عامر بن ربيعة ينظر إليه، وكان سهلٌ رجلًا أبيض حسن الجلد، فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جِلْدَ عَذْراء! فَوُعِكَ سهل مكانه وأصابته الحمى واشتد وعكه يعني: حتى صُرِع، فأُتِيَ رسول الله ﷺ وأُخبِر أن سهل كان بيمشي معك وبيخرج معه في الغزوة كان؛ ولكنه أصابه وعكٌ -وُعِك- وأنه غير رائح معك ما يقدر يمشي معك يا رسول الله، فأتاه ﷺ ينظر ما به، فقال له سهل: كنت أغتسل، وعامر بن ربيعة قال: كذا وكذا وأصابني هذا، فدعا النبي ﷺ عامر بن ربيعة قال له: "عَلامَ يَقتُلُ أحدُكم أخاهُ؟! ألا برَّكْتَ؟" لَمَّا نظرتَ إلى جسده وعجبك ما تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، تبارك الله، اللهم بارك فيه؟! "ألا بَرَّكْتَ؟" -فقال ذلك لعامر مُتغيظًا عليه مُنكرًا- ثم قال: "ألا بَرَّكْتَ؟" يعني قلت: بارك الله فيك. ثم قال: "إنَّ العَينَ حقٌّ، تَوضَّأْ له"، يقول لعامر: "تَوضَّأْ له"، يعني اغسل أطرافك وأعضاءك بالماء يُصَبُّ عليه؛ فمن عَيَّن أحدًا من الناس أو من الأشياء، فغسّل أعضاءه وأطرافه فَصُبَّت على المعيون، ذهب عنه أثر العين.
يقول: فأمره ﷺ قال له: "تَوضَّأْ له" فتَوضَّأَ له عامر، فجاءوا وصبّوا الماء على سيدنا سهل بن حنيف، فلما صبّوا الماء عليه لوقته قام كأن ما كان به شيء، ذهبت منه الحمى والوَعك، وخرج مع رسول الله ﷺ، وراح معه في الغزوة كأن لم يكن به بأس، -ليس به بأس-.
ويقول بعضهم في التبريك عند خوف العين، يقول:
- (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون:14].
- "اللهم بارِكْ فيه ولا تَضُرَّه".
- لكن أيضًا في الحديث كما هو في القرآن يقول: "مَن رأى شيئًا فأعْجَبَه، فقال: ما شاءُ اللهُء لا قُوَّةَ إلّا باللهِ؛ لم يضُرَّهُ".
- فإذا أضاف ذلك إلى التبريك والصلاة على النبي ﷺ ذهب أثر العين أصلًا.
قال أهل العلم أيضًا: يجب على العائِن إذا دعاه المعِين للاغتسال أن يغتسل له، أن يتوضأ له، لما جاء في الحديث عنه ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عنه ﷺ قال: "العينُ حقٌّ ولو كان شيءٌ سابقَ القدَرِ لسبَقَتْه العينُ -لكنه كله تحت القضاء والقدر- وإذا استُغْسِلْتم فاغسِلوا"، قال إذا أحد شك أن نالته منك عين وقال لك: اغتسل لي، قل له: مرحبا؛ ولا تتكبر ولا تتأبَّى وتقول له: أنا! ما أنا مَعِين ولا أصبتُ أحد بعين ولا أنا عائن! كلكم عَائن إلا من بورك، وقد يصيب الإنسان نفسه بنفسه، أو يصيب ماله أو يصيب ولده، ينظر له بإعجاب وفرط وإكبار فيصاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ووجدوا في اكتشافاتهم هذه حتى أن هناك أشعة تخرج من العين، إن كان بعين استحسان، وإن كان بعين رحمة، وإن كان بعين عطف، وإن كان بعين حسد، أشعة تختلف في خروجها من العين وتؤثر على الآخر، وسبحان مكون الأكوان، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ)[الرعد:8] -جل جلاله وتعالى في علاه-.
"وإذا استُغسلتم" أي: طَلَبَ منكم من أصبتموه بالعين أن تغتسلوا له، فأجيبوه. فيغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وإذا تمكن داخلة إزاره كذلك، في قدح ثم يُصب على المعيون هذا، ويُكفَأ القدح وراءه على ظهر الأرض أو يُغسّله به، فيبرأ بإذن الله -تبارك وتعالى-.
- وهكذا تقول السيدة عائشة: "أَمَرَنِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ -أوْ أمَرَها- أنْ يُسْتَرْقى مِنَ العَيْنِ".
- وكذلك جاء أيضًا في صحيح البخاري عن أم سلمة أم المؤمنين أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى في بَيْتِها جارِيَةً في وَجْهِها سَفْعَةٌ، فقالَ: "اسْتَرْقُوا لَها؛ فإنَّ بها النَّظْرَةَ"، أي: أصيبت بعين، فيُرقَى المعيون بمثل ما جاء في هذه الأخبار التي ذكرناها.
يقول رافع بن خديج: "دَخَلْتُ يومًا على رسولِ اللهِ ﷺ وعندَهم قِدْرٌ تَفُورُ لحمًا فَأَعْجَبَتْنِي شَحْمَةٌ فأخذْتُها فَأزدردتُّها فاشْتَكَيْتُ علَيْها سَنةً ثم إني ذكرْتُهُ لِرسولِ اللهِ ﷺ فقال: "إنه كان فيها نَفْسُ سبعةِ أَناسِيِّ" سبعة نظروا كل واحد منهم كان يبغى يأكلها وأنت جئت أخذتها عليهم وأصابتك العين. "ثم مسحَ بَطْنِي فألقيتُها خَضِرًاء"، قال: خرجت بِنَفَسِها خضراء ما انهضمت ولا راحت، خرجت كما هي ومغيرة لونها مخضرة، فخرجت ببركة مسحته ﷺ؛ "ثم مسحَ بَطْنِي فألقيتُها خَضِرًا" فوالَّذِي بَعَثَهُ بالحقِّ ما اشْتَكَيْتُ بَطْنِي حتى الساعة، قال: من يوم حط يده عليها وخرجتها ولا عاد أوجعتني بطني بأي شيء من بعد ذلك اليوم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
وهكذا تكرر منه ﷺ قراءته على بعض الصحابة ثم لم يشتكوا بعد ذلك:
- يقول سيدنا علي لما قرأ عليه؛ على عينيه: فلم أشتكِ عينيَّ منذ قرأ عليه؛ كان رَمِد فقرأ عليه فما عاد أوجعته عينه قط.
- وهكذا قال الحبيب إبراهيم بن عمر بن عقيل بن يحيى -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: وكنت صغيرًا وأصابني وجع في بطني -في قريتهم المَسِيلة- قال: وحضر في المَسِيلة ذاك اليوم الحبيب علي بن عبد الرحمن المشهور، قال: فقدّموني إليه، وظنوا أنه أثر من أثر الرئة وانتفاخ الرئة وهو يُعَوَّذ من ذلك، قال: فوضع يده على بطني قال: ما به هذا الذي يسمونه بودَم عندنا -الطحال-؛ لكنه وجع ثاني. قال: فقرأ عليّ، ومن يوم وضع يده عليّ وأنا طفل.. قال: والآن شيبة في الثمانين ما وجعتني بطني خلاص من ذاك اليوم ما أوجعتني بطني بعد ذلك، وراثة له ﷺ.
يقول سيدنا رافع بن خديج: "ثم مسحَ بَطْنِي فألقيتُها -يعني: قطعة الشحمة ذي- خَضِرًاء"، فوالَّذِي بَعَثَهُ بالحقِّ ما اشْتَكَيْتُ بَطْنِي حتى الساعة ﷺ.
سنيَّة تغطية القدر عند الطبخ:
وهكذا جاء عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -ذات النطاقين- أنَّها كانتْ إذا أثَرَدَتْ غطَّتْه حتّى يَذهَبَ فَوْرُه، وتقولُ: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّه أعظمُ للبَرَكةِ" كما سمعتم.
"وكان خدم رسول الله ﷺ إذا طبخوا غطوا القدر حتى يذهب فوره يعني بخاره ويقولون: إنه أعظم للبركة"، كما علَّمهم ﷺ.
ثم كان فيما يتعلّق بالأكل:
"وكان ﷺ ينهى عن الشبع المفرط ويقول: "المسلم يأكل في معيٍّ -أو في لفظٍ مَعًى- واحد، والكافر أو المنافق يأكل في سبعة أمعاء"؛ كناية عن أن المؤمن يُبارَك له في طعامه ويكتفي باليسير، والكافر أو المنافق عبد بطنه ولا يكتفي إلا بأخذ الكثير، ولا بركة لهم في طعامهم، فقال: "يأكل في سبعة أمعاء"، هو ألا أمعاء واحدة حق البني آدم هي هذه كلها وحدة ولكن كنّى عن كثرة أكل المنافق والكافر بسبعة أمعاء، وهذا بِمَعًى واحد.
حتى أنه ورد عليه ﷺ بعض الوافدين -غير مسلم كان- فكان يأمرهم أن يُعَشُّوه ويُطْعِمُوه، فكانوا يحلبون له من سبع شياه، يحلبونه ويشربه كله، ثم أسلم وجاءوا حلبوا له الشاة الأولى قال: خلاص ما عاد أبغى شيء؛ اكتفى بها، فقالوا للنبي: هذا الرجل نسقيه كل يوم سبع شياه، الليلة شاة واحدة! قال: هو أسلم. قال: "إنَّ المُؤمِنَ يَأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، وإنَّ الكافِرَ يَأكُلُ في سَبعةِ أمعاءٍ". فقال: كنا نجيب له حق سبع شياه ويشربه كله، والآن شاة واحدة حلبناها له وقال خلاص اكتفى بها، وقال إنه قد شبع.
وهكذا ينهى عن الشبع المفرط:
قالوا: فإذا أدى إلى إضرار كان حرامًا على صاحبه..
- فالأكل من الطعام الحلال فوق الشبع مكروه إذا لم يؤذه.
- وإذا كان يصل إلى حد الإضرار صار حرامًا.
وهكذا.. ولذا يقولون الأكل على مراتب:
- يكون منه فرض: وهو ما يندفع به الهلاك وما يُقَوِّم الأَوَد، فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى.
- وقال: ومأجور عليه: ما زاد عليه ليتمكّن من الصلاة القائمة ومن أداء العبادات.
- ومباح: إلى حد الشبع؛ ولا أجر فيه ولا وزر، وإن كان من حلال.
- وحرام: وهو الأكل فوق الشبع بحيث يؤدي إلى الضر.
وهكذا تأتي عبائر الفقهاء:
- فهذا مما عبّر به الحنفية، وابن الحاج يقولون: الأكل في نفسه على مراتب: واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، قال:
- فالواجب ما يقيم به صُلْبَهُ لأداء فرض ربه، واجب عليه يأكل: ﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُۚ﴾ [سبأ:15]؛ لأن ما لا يُتوصَّل للواجب إلا به فهو واجب.
- المندوب: ما يعينه على تحصيل النوافل وتعلّم العلم وغيرذلك من الطاعات.
- المباح: الشبع الشرعي.
- والمكروه: ما زاد على الشبع قليلاً ولم يتضرر به.
- والحرام -المُحَرَّم-: البِطنة والأكل الكثير المضر للبدن هذا يصير حرام.
- وهكذا يقول الإمام النووي: يُكره أن يأكل من الطعام الحلال فوق شبعه.
- وهكذا يقول الحنابلة: يجوز أكله بحيث لا يؤذيه، يُكره مع خوف تخمة.
واختلفوا في تذكير المعنى: أن "المؤمن يأكل في معًى واحد":
- يعني: يقتصر على الحلال ويسمّي الله فيُبارَك له فيه فيكتفي باليسير من الأكل هذا.
- وقيل: المراد حضُّ المؤمن على قلة الأكل إذا عَلِم أن كثرة الأكل صفة الكافر على حد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد:12].
- وقيل: إن الحديث أيضًا خرج من مخرج الغالب، لأن بعض الكفار قد يكون أكله قليل، خرج من مخرج الغالب، وليس المراد حقيقة عدد وإنما المراد القلة والكثرة؛ فصار من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبُلْغَة، والاهتداء بالهدي النبوي؛ لأنه كان هناك "ثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفَسِه" وهي من أحسن ما يكون لصحة الإنسان.
- وقيل: المراد بالمؤمن تام الإيمان.
- وكذلك المؤمن يسمّي الله عند الطعام فما يشركه قرينه من الشياطين، لكن الكافر يشركه فيحصل كمية أكبر، يحتاج كمية أكثر؛ شيء له وشيء لقرينه من الشيطان، يؤاكله معه وهكذا.
- وفيه إشارة إلى أن المؤمن يقل حرصه على الطعام فيُبارَك له فيه وما أكله يشبع من القليل، والكافر طامح البصر إلى المآكل والأنعام، فلا يسعه القليل.
- وقال الإمام النووي: المراد أن بعض المؤمنين يأكل في مَعًى واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، يعني: بعض المؤمنين يقتصر على ما يقويه ويأخذ به ولا يصل إلى حد الشبع، وفي هديه ﷺ: "نحن قومٌ لا نأكلُ حتّى نجوعَ وإذا أكلنا لا نشبعُ".
- وذكر النووي أنه احتمال أنه المراد بسبعة صفات في الكافر: الحرص، والشَّرَه، وطول الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والحسد، وحب السمن، وما إلى ذلك، فهذا الذي يُعَبَّر عنه بسبعة أمعاء.
- وقال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، السابعة: الجوع هذه الضرورية، قال: هذه شهوة الجوع هي التي يأكل بها المؤمن، والباقي الستة عند الكفار يأكلون بها -لا إله إلا الله- قال:
- الكافر يأكل بالجميع: بشهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع.
- وأما المؤمن ما يأكل إلا بشهوة الجوع.
وقال سيدنا عمر لابن عمر: "أنضج العصيدة تذهب حرارة الزيت.
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يجلس للأكل ولا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، قال نافع -رضي الله عنه-: فأدخلتُ مرة إليه رجلاً يأكل معه فأكل كثيراً، فقال: يا نافع لا تدخل مثل هذا عليّ" سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ المُؤمِنَ يَأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، وإنَّ الكافِرَ يَأكُلُ في سَبعةِ أمعاءٍ".
"وكان عمر -رضي الله عنه- لا يجمع قط بين لونين من الطعام" بعدما نبَّهَهُ سيدنا سلمان الفارسي -عليه رحمة الله- "وكانوا إذا أتوه بلونين يرد أحدهما ويأكل من لون واحد، وربما خلطهما جميعاً في إناء واحد ثم أكل، وكان -رضي الله عنه- إذا طبخ له عصيدة يقول للخادم: أنضج العصيدة تذهب حرارة الزيت".
"وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يجلس للأكل ولا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه" وهكذا.
وكان بعض المتأخرين أيضًا من مناصب الشيخ أبي بكر بن سالم طول عمره ما يأكل إلا مع ضيف، لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع ضيف، وإلا ما يأكل شيء، لا يأكل إلا مع ضيفه. "وكان ﷺ يقول: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية".
رزقنا الله الاتباع والاقتداء بحبيبه محمد ﷺ في كل شأن، ورفعنا به إلى أعلى مكان، ونظمنا في سلكه، وحملنا في فلكه، واجعلنا من أهل حُسن متابعته، وأعلى درجات المنتقل إلى رحمة الله الشيخ علي بن أحمد من آل السناني الشافعي خادم مقام سيدنا الإمام محمد صاحب مرباط، الله يغفر له ويرحمه ويتجاوز عنه، ويخلفه فينا وفي الأمة بخير خلف، وأن الله يبارك في أولاده وأحفاده وأسباطه وقرابته، ويسير بهم مسار أهل المحبة والتقوى والصلاح والفلاح والنجاح، وأن الله يجعلها أبرك الأيام عليه، وأسعد الليالي لديه، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة، ويجعل له من عذابه وقاية وجُنة، ويتحمّل عنّا وعنه جميع التبعات، ويبدل كل سيئة من سيئاته وسيئاتنا إلى حسنات تامّات موصلات، ويتقبل كل حسنة من حسناته ويضاعفها إلى ما لا نهاية، ويجعل مستقر روحه في الفردوس الأعلى، ويرافقه بسيدنا محمد صاحب مرباط وأهل الثبات على سواء الصراط، وعباد الله الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن الله -سبحانه وتعالى- يدخل إليه في قبره روحًا منه وسلامًا منّا في كل لمحة وفي كل نَفَس، وأن الله -سبحانه وتعالى- يظلّه بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظلّه، ويظلّه بظلّ لوائه المعقود، ويرده على الحوض المورود في أوائل أهل الورود، وبسر الفاتحة إلى روحه وبنية الصلاح والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 ذو القِعدة 1447