كشف الغمة - 413- كتاب الأطعمة (07) فصل: فيما جاء في إدمان أكل اللحم
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 413- فصل: فيما جاء في إدمان أكل اللحم
صباح الثلاثاء 26 شوال 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- قصة تحريم عرق النسا للنبي يعقوب وسبب نزع اليهود للعروق
- ضراوة اللحم: معنى الإدمان عليه وأثره في قسوة القلب
- معنى قوله ﷺ: إن الله يبغض أهل البيت اللحميين
- توجيه عمر بن الخطاب لترك الإسراف في اللحم
- معنى قوله تعالى (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) وتنبيه عن الانغماس في اللذات
- بركة المرق وخصائصه الغذائية وإهداء الجيران
- حديث: أثردوا ولو بالماء (معنى الثريد وأكل الأنبياء)
- هل أكل اللحم ظلم على الحيوان؟
- فائدة البيض في علاج الضعف الجسدي
- أكل النبي ﷺ للمخ
- قصة الشيخ العمودي مع الإمام أبي بكر العدني في إكرام العلم بلا إسراف
نص الدرس المكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل فيما جاء في إدمان أكل اللحم
"كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: عرضت لإسرائيل -عليه السلام- عرق النسا فأضنت جسده فجعل للهِ عليه إن شفاه أن لا يطعم عرقًا فلذلك صارت اليهود تنزع من اللحم العروق، وكان عكرمة -رضي الله عنه- يقول: لولا قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) [الأنعام: 145] لتتبع المسلمون عروق اللحم فنزعوها كما تتبعها اليهود، وكان نعمر -رضي الله عنه- يقول: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر وإن الله يبغض أهل البيت اللحميين.
وقال جابر -رضي الله عنه-: أدركني عمر -رضي الله عنه- وأنا أجيء من السوق ومعي حمال لحم فقال: ما هذا؟ قلت: قرمنا إلى اللحم فاشتريت بدرهم لحمًا، فقال: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره وابن عمه أين تذهب عنكم هذه الآية (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) [الأحقاف:20] الآية، وكان عمر -رضي الله عنه- إذا بلغه أن الناس محتاجون إلى سمن أو غيره لم يأكل منه حتى يتسع الحال على الناس.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: لما أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله ﷺ فلم أقبل عليها بشيء مما تريد حتى أطعمتني القثاء بالرطب فسمنت عليه كأحسن السمن، وتقدم قوله ﷺ: "المرق أحد اللحمين فأكثروا من المرقة، فمن لم يجد لحمًا أصاب مرقًا"، وكان ﷺ يقول: "أثردوا ولو بالماء"، وكان ﷺ يقول: "اللحم بالبر مرقة الأنبياء"، وكان ﷺ يقول: "شكا نبي من الأنبياء إلى ربه -عز وجل- ما يجد من الضعف فأمره بأكل البيض"، وكان سعد بن عبادة -رضي الله عنه- يقول: "أتيت النبي ﷺ بجفنة مملوءة مخًا، فقال: ما هذا؟ فقلت: والذي بعثك بالحق لقد نحرت أربعين ذات كبد فأحببت أن أشبعك من المخ، فأكل ﷺ منه ودعا لي بخير"، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن سار في دربه.
الحمد لله مكرمنا بالمسلك القويم والصراط المستقيم، وبيان معالمه وأحكامه على يد حبيبه العظيم، ذي الخلق العظيم الرؤوف الرحيم سيدنا محمد، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان بقلب سليم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتمجيد والتبجيل والتعظيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد؛
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الفصل ما جاء من الاقتصاد في تناول الإنسان ما أُبيح له من اللحوم، وعَلِمْنا أن الله تعالى أباح لنا أنواعًا من اللحوم، وما أحل لنا -سبحانه وتعالى- منها فيه؛ أكثره يقوم على ذبح هذه الأنعام، فتفقِد حياتها إذنًا من الله وإكرامًا لهذا الإنسان، فجاءت الشرائع بالتوسط والاعتدال في الأمر، والبعد عن الإسراف والتبذير والتعود المستمر الذي يورث ضراوة ويجعل ما ليس ضروريًا ضروريًا، فأرشد إلى التوسط في الأمر. وقال تعالى في عموم الإنفاق: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) [الفرقان:67].
فذكر -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- قول ابن عباس: "عرضت لإسرائيل".
أي: سيدنا يعقوب، إسرائيل أي: عبد الله؛ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فأولاده يقال لهم بنو إسرائيل، ومنهم سيدنا يوسف -عليه السلام-، ومَن بعده كما نقرأ في الآية: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ) [آل عمران:93]، أي: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
يقول: "كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: عرضت لإسرائيل -عليه السلام- عرق النسا فأضنت جسده فجعل للهِ عليه إن شفاه أن لا يطعم عرقًا" قط، فكان أولاده يخرجون العروق من اللحم ويقدمون له اللحم ما فيه شيء عرق.
قال: "فلذلك صارت اليهود تنزع من اللحم العروق".
قال تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا) [آل عمران:93]، ما نزلت إلا على موسى من بعده، بعد سيدنا يعقوب بقرون جاء سيدنا موسى وأُنزلت التوراة.
يقول أيضًا في رواية عن ابن عباس التي أخرجها الطبراني في مسند الشاميين يقول: "إن إسرائيل أخذه عرق النَّسَا ذات ليلة فأسهره، فقال إنَّ للهِ إن شفاه لم يطعم عرقًا قط، قال: فتبع بنوه العروق بعد ذلك ينزعونها من اللحم، كما في قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) [آل عمران:93]".
وجاء عن عكرمة يقول في قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا)، قال: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون من العروق ما تتبعته اليهود، ولكن مما حَرَّم: الدم المسفوح السائل -الدم الذي يسيل- أما ما يعلق باللحم وغيره من يسير الدم فمعفو عنه، ولكن (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا): سائلًا.
وهكذا يقول: "وكان عكرمة -رضي الله عنه- يقول: لولا قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) [الأنعام: 145] لتتبع المسلمون عروق اللحم فنزعوها كما تتبعها اليهود".
"وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر"، أي: المداومة عليه والمواظبة عليه، وأن يريد الإنسان أن لا يأكل طعامًا إلا بلحم في كل يوم، فهذا هو المنهي عنه.
"إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر".
أي: إلف وعادة يتعلق بنفس صاحبه فيصعب عليه تركه، ويشق عليه أبدًا، كما يشق على مَن ألِفَ الخمر أن يترك الخمر إلا بمجاهدة و مشقة وشدة، قال فلا تصلوا إلى هذا الحد مع اللحم.
وكما قال سيدنا عمر أيضًا لابنه: "كُلْ يومًا خبزًا ولحمًا، ويومًا خبزًا ولبنًا، ويومًا خبزًا وسمنًا، ويومًا خبزًا وملحًا، ويومًا خبزًا قفارًا"؛ يعني: نوِّع طعامك، ولا تتعود على طعام معين لا بد تلزم نفسك به، وخصوصًا من الكماليات والأُدُم التي لا ضرورة لها، فتأخذ منها ما تيسر من دون التركيز والمواظبة والمداومة على غير بصيرة.
"إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر"، وقد أخرجه الإمام مالك في الموطأ.
وكذلك ذكر لنا قوله: "وإن الله يبغض أهل البيت اللحميين" وهذا جاء هنا عن عمر، وجاء عن كعب في روايات، جاء عن كعب: "إن الله يبغض أهل البيت اللحميين والحبر السمين"، أي: العالِم الذي يكون مفرط السِّمَن، وهو حَبْر، يكون مفرط السِّمَن إذا تولد ذلك من كثرة الأكل، هذا معناه، وقد يكون للسِّمَن سبب آخر ما هو مذموم، لكن قد يكون السِّمَن متولد بسبب كثرة الأكل، قال: هذا الذي هو مبغوض، "إن الله يبغض أهل البيت اللحميين والحَبْر السَّمين".
ولسيدنا سفيان تأويل لأهل البيت اللحميين هذا، يقول محمد بن عبيد الطنافسي: كنا عنده -عند سفيان الثوري- فأتاه الرجل قال: أبا عبد الله أرأيت هذا الحديث الذي يُروى "إن الله يبغض أهل البيت اللحميين"، أهم الذين يكثرون اللحم؟ قال سفيان: لا، هم الذين يكثرون أكل لحوم الناس، البيت الذي كل يوم يغتابون خلق الله، قاعدين الأسرة؛ الأب والزوجة والأولاد كل يوم: فلان فعله، وفلان تركه، وفلان كذا، قال: هؤلاء يبغضهم الله، هؤلاء قاعدين يأكلون لحوم الخلق في الليل والنهار، هؤلاء يبغضهم الله تبارك وتعالى؛ قالوا: هذا تأويل منه حسن، غير أن ظاهر الوارد الإكثار من أكل اللحم والمواظبة عليه، والجمع بينه وبين الحَبر السَّمين فيه الدلالة على أن المراد كثرة الأكل.
وهكذا يقول: "وقال جابر -رضي الله عنه-: أدركني -وهذا أيضًا في موطأ الإمام مالك- أدركني عمر -رضي الله عنه- وأنا أجيء من السوق ومعي حمال لحم فقال: ما هذا؟ قلت: قرمنا إلى اللحم، -يعني: اشتقنا له؛ يعني: لهم مدة منه- فاشتريت بدرهم لحمًا". فذكَّرَه سيدنا عمر بلفظه ويقال أنه ربما كان في وقت فيه حاجة للناس ومخمصة. "فقال: أما يريد أحدكم -يعني أما مسلككم وطريقتكم التي تعلمتموها من الرسول ﷺ- أن يطوي -أحدكم- بطنه عن جاره" -يعني: يُقصِّر من الأكل؛ من أجل يجود على الجار ويجود على القريب، ويُقصِّر شيئًا من أكله- "أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره وابن عمه وقال: وأين تذهب عنكم هذه الآية -أي: تدبرها وتأملها-: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) [الأحقاف:20]".
هذا يقوله الله للكفار، وهكذا قالوا: إنما أراد أن لا تكون المبالغة في أكل اللحم، وأما منع اللحم غير وارد، بل خارج عن حكم الشريعة؛ حكم الشريعة ما أحله الله فهو الحلال، وقد أكل الأنبياء وغيرهم اللحم الذي أحله الله -سبحانه وتعالى-؛ ولكن المداومة عليه والإكثار منه، وأن لا يجتزئ بشيء من الأُدُم عنه أبدًا فهذا مكروه، فإن له ضراوة: عادة تدعو إليه يشق تركها لمن ألِفها، لا إله إلا الله.
قال: يُحتَمَل قوله هذا لجابر في وقت كان فيه شدة عَمَّت الناس، فقال له عمر: إذا ما يوجد إلا عند القليل، فأنت اصبر وخَلَّك حتى يتوفر ويكون متناول أيدي أهل بلدك ومجتمعك شاركهم فيه، كَهَدْيه سيدنا عمر، وكان ما يأكل السمن في وقت حاجة الناس إليه -وقت قلته- قلة وجوده بين الناس؛ إلا حتى يتوفر. "وكان عمر -رضي الله عنه- إذا بلغه أن الناس محتاجون إلى سمن أو غيره" من الأطعمة قلَّ عليهم وصار فيه أزمة عندهم -كما يقولون-، يتركه ما يتناوله حتى يعمَّ الناس ويتسع الناس فيه، هذا مسلكه سيدنا عمر.
قال: "إذا بلغه أن الناس محتاجون إلى سمن أو غيره لم يأكل منه حتى يتسع الحال على الناس".
وهكذا أرشده إلى ملاحظة الأصل الذي هم عليه والتربية التي خلَّفها فيهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأما مجرد تناول الطيبات فإذهاب الذين كفروا طيباتهم في الحياة الدنيا فهو:
- استعجالهم على الملاذ بأخذ المحرمات منها والمكروهات مكذِّبين بالدار الآخرة؛ وكان بإمكانهم في الدنيا أن يُحَصِّلوا من الإيمان والعمل الصالح ما ينالون به الدرجات العُلا في الجنة، فتركوا ذلك.
فكان لإذهابهم طيباتهم في الدنيا:
- تضييعهم وإضاعتهم أسباب النعيم الكبير.
- انهماكهم في الشهوات الحقيرة المحرمة، وعدم التفاتهم إلى نهي الله ورسله -صلوات الله وسلامه عليهم-.
فهذا معنى إذهابهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأحقاف:20]، والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ وعلى هذا يأتي أيضًا ما كان من ضحكهم على المؤمنين وعلى الصالحين من خلق الله، وضحكهم في حال تناولهم للمعاصي وإيذائهم للغير وظلمهم للخلق ويضحكون، ويُدَوِّرون لأنفسهم الضحك من الهموم التي فيهم، ويحبون الذي يُضَحِّكهم؛ هذا شأن الغافلين وأنواع من الكافرين في الدنيا، فبهذا قيل لهم: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة:82]، مع أن المؤمنين يضحكون، ولكن ما يضحكون استهزاءً بأحد، ولا عند ظلم أحد، ولا عند فعل المعصية، ما يضحكون، ما يضحكون عند هذا.
ويقول الله أيضًا في عتابه لهم هؤلاء المنحرفين:
- (وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) -يعني: من المؤمنين تضحكون- (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) [المؤمنون:110-111].
- ولهذا قال: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ) -يقهقهون ويضحكون- (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) [المطففين:29-32].
(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) وضحكهم من الكفار في الآخرة:
- تحسرهم عليهم.
- وعلى ما فوَّتوا على أنفسهم.
- واستغرابهم كيف ضَيَّعوا عقولهم وارتضَوا لأنفسهم أن يصيروا إلى هذا المصير بتكذيبهم للأنبياء!، وكيف كانوا مغرورين! فاستغرابهم من ذلك ماهو ضحك عليهم:
- (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) [المطففين:34-35].
- وكما قال سيدنا نوح لقومه: (قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود:38].
أنتم تضحكون وتسخرون منا، نحن متحملين بشأنكم ومستغربين في حالكم وعقلكم! يعرض الله عليكم النجاة والفوز والفلاح وتأوون إلى الشرك والكفر وتكذِّبون وتُعرِّضون أنفسكم للعذاب في الدنيا والآخرة!،
(فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) لكن سخرية سيدنا نوح ما هو مجرد تشفٍّ ولا احتقار:
- يسخر منهم استغراب في عقل كيف يرضون لأنفسهم! كيف أضاعوا عقولهم! وما اهتدوا لما يوجب عزتهم في الدنيا والآخرة وسعادتهم في الدنيا والآخرة، بهذا المعنى.
- (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا) [الأحقاف:20]، بمحرماتها والركون إليها، ومع ذلك فما يحصل لهم في الدنيا مع انهماكهم في هذه اللذائذ إلا أحوال تعب باطني وضيق في الصدر وعدم انشراح وعدم طمأنينة، هذا يلازمهم في الدنيا؛ فما في الدنيا حقيقة طيبات إلا عند الصالحين.
ما عيش صافي هني إلا مع أهل القلوب
طلب الراحة في الدنيا محال *** وأرى الأُنس بها عين النَّكال
مُحال: أي بالدنيا نفسها.
فاز بالراحة من يتركها *** راحة الدنيا مع أهل الكمال
انظر أهل الكمال أولى بصدقهم مع الله مرتاحين، ما تيسر لهم من أي شيء، لا هَم، لا حَزن، لا غَم، لا كِبِر، لا غطرسة، لا كِبر، لا حزن، لا تبرُّم، مبسوطين في كل الأحوال، فإن حصَّلوا قليلًا وإن حصَّلوا كثيرًا، وقت اليسر، وقت العسر، في حال جميل مع الجليل -جل جلاله-.
*** راحة الدنيا مع أهل الكمال.
"إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيرًا له"، قال: "وليس ذلك إلا للمؤمن"، غير المؤمن ما يحصِّل هذا، فصورة الطيبات هي للكفار والفجار، "أولئك قوم عُجِّلَت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا"، وأما حقيقة الطيبات لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا للصالحين والمؤمنين، هم لهم الطيبات الحقيقية، الله أكبر.
وتقول السيدة عائشة -رضي الله عنها- فيما جاء عند أبي داود وابن ماجه والنسائي في السنن الكبرى، تقول: "لما أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله ﷺ فلم أقبل عليها بشيء، -تعطيني أكل ما شيء يظهر سمن فيها، نحيفة، كان فيها نحف- حتى أطعمتني القثاء بالرطب" يشبه الخيار، نوع من الخضرة يشبه الخيار، قِثَّاء، مع الرطب، قالت: لما أطعمتني قِثَّاء مع الرطب سمنت، وفيه أن الأجسام تختلف في قابليَّتها وطبيعتها بما تسمن وبما يِلل سمنه.
يقول: "وتقدم قوله ﷺ: "المرق أحد اللحمين فأكثروا من المرقة، فمن لم يجد لحمًا أصاب مرقًا"، وفي الحديث يقول: "إذا اشترَى أحدُكم لحمًا فليكثِر مرقتَه، فإن لم يجِدْ لحمًا أصابَ مرقَه وهو أحدُ اللَّحمَينِ"، وفيه من خصائص اللحم وطعمه ما يكفي تغذية جسم الإنسان؛ يكفيه الغذاء، فقال أحد اللحمين؛ تأكل لحمًا مباشرة أو المرق حق اللحم؛ وهكذا جاء في سنن الترمذي وعند الحاكم في المستدرك يقول: "إذا اشترَى أحدُكم لحمًا فليكثِر مرقتَه، فإن لم يجِدْ لحمًا أصابَ مرقَه وهو أحدُ اللَّحمَينِ"؛ في الرواية الأخرى: "فَلْيُكْثِرْ مَرَقَتَهُ وَلْيُهْدِ لجيرانه، مَنْ لم يَجِدْ لحمًا أصاب مرقًا"، ينزل منه اللحم في المرق بالغليان، قوت يحصل به الغذاء فالخصائص والفوائد التي في اللحم موجودة في المرق.
"ويقول: "أثردوا ولو بالماء"، يعني: اجعلوا إدامًا لأكلكم وقوتكم ولو بالماء، ما شيء.. ماء، "ونعم الإدام الخل"، لا شيء حتى خل وجدت، عبِّر قوتك بالماء؛ ﷺ.
"أثردوا ولو بالماء"، يعني: فُتُّوا الخبز في المرق، أصل الثريد هذا؛ من شأن سهولة المساغ وتيسير التناول ومزيد اللذة، والثريد أحد اللحمين، ولو بماء، مبالغة في تأكيد طلبه، والمراد: ولو مرقًا يقرب من الماء أو إسَاغته بالماء؛ قالوا: أول مَن ثرد: إبراهيم الخليل -عليه السلام-، كما يقال.
ثَرَدْتُ الخبز أَثْرِدتهُ أي: تَفُتُّهُ، تَبُلُّهُ بمرق؛ وأُطلِق في العرف لفظ الثَّريد على أي خبز يُودَم بلحم، أي نوع من أنواع الخبز يكون إدامه اللحم فهو ثريد، وهو من الطعام المفضل عندهم.
"وكان ﷺ يقول: "اللحم بالبر مرقة الأنبياء".
هذا جاء في الجامع الكبير عند السيوطي ذكره عن ابن النجار عن جعفر الصادق بن محمد الباقر، يقول: قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: "اللحم بالبر مرقة الأنبياء"، أي: يستعمله الأنبياء من وقت لوقت، فكان أكل اللحم ومرقه من سنن الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم، وفيه رد على الفرق الذين منعوا أكل اللحم أو قالوا أنه ظلم للحيوان أو بالغوا في تركه، وأما في المواظبة فورد أنه: مَن أدام على اللحم أربعين يومًا -ما يقطعه ولا يوم واحد- قسا قلبه، صار سَبُع هذا، ما يترك اللحم ولا يوم واحد، أربعين يومًا متوالية.
يقول: وكان ﷺ يقول: "شكا نبي من الأنبياء إلى ربه -عز وجل- ما يجد من الضعف -أي: في قوة الجسد- فأمره بأكل البيض". وهو واحد من الأطعمة التي تورث القوة في الجسد، وهذا أخرجه البيهقي في شعب الإيمان يقول: عن ابن عمر عن النبي ﷺ: "أن نبيًا من الأنبياء شكا إلى الله -عز وجل- الضعف فأمره بأكل البيض"، وجعل الله في بيض الحيوان أثرًا من القوة؛ لأنه يتكون منه الحيوان، الحيوان يتكون من البيض هذا، ففيه مما يجعل الله -سبحانه وتعالى- من المواد ما يعود على الأجساد بالقوة والعافية والصحة، والأمر أمر الله تعالى وكلها أسباب، وهو المُكَوِّن الخالق، ويقوي من يشاء ويضعف من يشاء.
وهذا أيضًا حديث سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- يقول: "أتيت النبي ﷺ بجفنة مملوءة مخًا، فقال: ما هذا؟ فقلت: والذي بعثك بالحق لقد نحرت أربعين ذات كبد فأحببت أن أشبعك من المخ، فأكل ﷺ منه ودعا لي بخير"، حديث أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق، هنا قال المعلق: لم أجده، عند ابن عساكر يقول سعد بن عبادة: "أنه أتى النبي ﷺ بصحفة أو جفنة مملوءة مُخًا، فقال: يا أبا ثابت ما هذا؟ قال: والذى بعثك بالحق لقد نحرت أو ذبحت أربعين ذات كبد فأحببت أن أشبعك من المخ قال فأكل النبى ﷺ ودعا له بخير"؛ في هذه الرواية إثبات أكله ﷺ للمخ.
ولما جاء أحد العلماء من العمودي عند سيدنا أبي بكر العدني بن عبد الله العيدروس في عدن، وأراد أن يكرمه فقال لهم: ماذا يحب من خصال الشاة؟ قالوا: يحب القلب، فأمر بذبح ثلاثين رأسًا وجُمعت له القلوب، فلما قُدِّمَت إليه جعل يقول في نفسه: ما هذا الإسراف! يعني: اعتاد قلب واحد، قلبين، ثلاثين قلبًا! فالتفت إليه سيدنا أبو بكر العدني يقول له: أكرَمنا العلم وقالوا إسراف! إسراف لو سنرميه، كُلْ ما شِئت منه، والباقي الناس محتاجون إليه. ما أحد سيذهب ويحمله ليرميه! فأين الإسراف؟ إلا إكرام لك من أجل العلم، قال: عُدُّوا الدَّرَج الذي صعد عليه، قالوا ثلاثين درجة. قالوا: اذبحوا ثلاثين رأسًا، فذبحوا له. وقال له: أين تذهب؟ قال له: أخرج إلى حضرموت، قال: لو جئت إلى تريم تجد أخي حسين أكرم مني، قال له: كيف يكون أكرم من هذا؟! فتعجب! فلما وصل إلى تريم قال: أين حسين بن عبد الله العيدروس؟ قالوا: إنسان فقير، قال: أريد عنده، فذهب عنده، جاءه بوقت الغداء، وأحضر له قرص من الخبز، قسمه نصفين، وفنجان قهوة فوقه فقط، حال عجيب! يمكن ليس مستعد الآن، بعدها في العشاء..، جاء العشاء، أحضر له قرصًا ثانيًا وقسمه نصفين وأعطاه نصفه مع القهوة! ضحك، قال له: ما لك؟! قال: بتعجب، أخوك جئنا عنده في عدن وعمل كذا كذا، قال أخي حسين أكرم مني، قال: صدق، قال: كيف؟ قال: انظر هذا اليوم الذي أملكه كله من الطعام، هذان القرصان ما شيء غيرهما، أعطيتك النصف، ما شيء عندي غير هذا، ما أملك شيئًا ثانيًا، وأخوي عنده كل يوم ما شاء الله! تجيئه كل يوم مئات من الغنم ومن غيرها، فما أعطاك لا نصف ولا ربع، فأنا أكرم منه، -عليهم رضوان الله-.
وهكذا يقول سيدنا سعد، قال: رأى النبي ﷺ يجلس أيامًا، وتمر عليه شهرين ما يوقد النار في بيته ﷺ، قال: أنا أطعمه المخ، قام ذبح أربعين رأسًا وجمَّع المِخَاخ حَقَّها وجابها للرسول ﷺ "ما هذا يا أبا ثابت؟ قال: "والذي بعثك بالحق لقد نحرتُ أربعين ذات كبد فأحببت أن أشبعك من المخ"، قال أدعك تطعم المخ سواء وتشبع منه مرة واحدة في يوم، قال: "فأكل ﷺ منه ودعا لي بخير" -رضي الله عنه-.
يقول: "أتيت النبي ﷺ بجفنة مملوءة مخًا، فقال: ما هذا؟ فقلت: والذي بعثك بالحق لقد نحرت أربعين ذات كبد فأحببت أن أشبعك من المخ، فأكل ﷺ منه ودعا لي بخير"
الله يرزقنا الاستقامة، وقال الله في مسلك عباد الرحمن في شؤون الإنفاق: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) [الفرقان:67].
رزقنا الله الاقتداء والاهتداء، وتولانا فيما خفي وفيما بدا، وجعلنا من الهداة المهتدين، وأكرمنا بما هو أهله في كل شأن وحال وحين، ورزقنا الصحة في تقوى، وطول أعمار في حسن أعمال، وأرزاقًا واسعة بلا عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، وألهمنا الرشد في كل حركة وسكون وأثبتنا فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 شوّال 1447