كشف الغمة - 438-  كتاب الطب: فرع: في ما كان يرقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وباب الطيرة والفال والشؤم والعدوى والطاعون

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 438-  كتاب الطب: فرع: في ما كان يرقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وباب الطيرة والفال والشؤم والعدوى والطاعون

صباح الثلاثاء 16 ذو الحجة 1447هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  ترك التطير وكراهة التشاؤم
  •  هدي النبي في "الفأل الحسن"
  •  ماذا نقول عند وقوع مكروه أو السرور بالنعم؟
  •  دعاء لدفع خواطر التشاؤم: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت"
  •  حديث "الطيرة شرك"
  •  قواعد التخلص من عوارض "الحسد والطيرة وسوء الظن"
  •  فقه حديث "لا عدوى ولا صَفَر ولا غول ولا هامة" 
  •  سر قوله: فمن أعدى الأول؟
  •  علة النهي عن تحديد النظر إلى المجذومين
  •  شرح حديث: "الشؤم في ثلاث"
  •  كمال الأدب في نسبة النقص والأمراض والشرور

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

 فرع: فيما كان يرقى به رسول الله ﷺ ويأمر به 

 

"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه رقى من الحمى ومن الأوجاع كلها: بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم من كل عرق نعّار، ومن شر حر النار"، وكان رسول الله ﷺ إذا اشتكى إليه إنسان شيئًا، أو كان به جرح أو قرحة يقول بريقه ثم قال به في التراب تربة أرضنا، وفي رواية: ثم قال بأصبعه هكذا ووضع الراوي سبّابته بالأرض ثم رفعها: "بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا بإذن ربنا"، وكان ﷺ إذا أتى مريضًا أو أُتي به إليه يقول: "أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا". "قال شيخنا -رضي الله عنه- مراده ﷺ بقوله لا شفاء إلا شفاؤك بعد استعمال الدواء المشروع: هذا هو اللائق بمقامه ﷺ وفي رواية: "امسح الباس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت".

"وكان ﷺ يتعوذ كثيرًا ويقول: "أعوذ بالله من الجان ومن عين الإنسان"، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما. ومرض النبي ﷺ مرة فجاءه جبريل -عليه السلام- فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم. فقال: "بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد، بسم الله أرقيك والله يشفيك". وقال عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه-: "شكيت إلى رسول الله ﷺ وجعًا في جسدي فقال ﷺ: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاث مرات، ثم قل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي"، فلم أزل آمر بها أهلي وغير أهلي والله سبحانه وتعالى أعلم". 

 

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مُكرِمنا بالبيان على لسان عبده المختار المصطفى من عدنان، مَن أنزل عليه القرآن سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله المطهرين عن الأدران، وصحبه الغُرِّ الأعيان، ومن والاهم فيه واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم في كل لمحة وحين وآن.

 

وبعد،

فيذكر الشيخ عليه رحمة الله -تبارك وتعالى- ما أُثِر عن النبي ﷺ من الرُّقى التي كان يرقي بها ويعلِّمها أصحابه  ﷺ. 

"قال ابن عباس -رضي الله عنهما: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه رقى من الحمى ومن الأوجاع كلها"

ففيه أنَّ الرُّقية كانت منتشرة بينهم وسائدة ومعروفة في أوساط الصحابة بتعليم النبي ﷺ، وتقدَّم معنا أن الرُّقى شرطها:

  • أن تكون بآيات من كتاب الله وبأسماء.
  • وبدعاء معروف واضح ليس فيه أمر مبهم ولا شيء من رُقى الجاهلية، وبذلك جاءت السُّنَّة الكريمة، فتُحمَل جميع ما جاء من النهي عن الرُّقى على رُقى الجاهلية وما لا يُعرف معناه. 

وأما هذه فقد وردت عنه ﷺ وكان يعلِّمها الصحابة مثل: "بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم من كل عرق نعّار، ومن شر حر النار"، فهذا أحد الأدعية التي كان يدعو بها ﷺ، ويعلِّمها الصحابة الكرام رضي الله تبارك وتعالى عنهم.
قالوا: والنعّار أي: مُصَوِّت مرتفع يخرج منه الدم يفور فوران، "من كل شيء عِرق نعّار"، وتُروى بألفاظ قريبة من ذلك، "ومن شر حر النار".

 

"كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى إليه إنسان شيئًا، أو كان به جرح أو قرحة يقول بريقه -يعني: يضع ريقه على إصبعه السبّابة- ثم قال به في التراب -فيضع الإصبع على تربة الأرض- ثم قال به في التراب تربة أرضنا، وفي رواية: ثم قال بأصبعه هكذا ووضع الراوي سبّابته بالأرض ثم رفعها: "بسم الله -يضع الريق من فمه على الأصبع السبّابة ثم يضعه على التراب ويرفعها- بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يَشْفَى سقيمنا بإذن ربنا".
ويُروى: يُشْفَى، ويُروى: يَشْفِي سقيمَنا، ويُروى: يَشْفَى سقيمُنا؛ لأنها إذا أُخِذَت أنها من الثلاثي -شَفَى- فيكون يَشْفِي، ويَشْفَى السقيمُ بمعنى يُعافى، أما يُشْفَى تأتي من المربع إذا كان أَشْفَى، وأَشْفَى بمعنى أورد الهلكة أو هلك، فيتغير المعنى، فتكون: "يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا" -جلَّ جلاله-.

وفيه الإشارة إلى خصائص في الرِّيق وخصائص في التربة تؤثر على الجروح ونحوها وتكون سببًا للعافية، فيجمع بين الرِّيق والتربة، ويقول: "بسم الله، تربة أرضنا -التي نعيش فيها-، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا"، -جلَّ جلاله-.

 

"وكان ﷺ إذا أتى مريضًا أو أُتي به إليه يقول: "أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا". وفي رواية: ولا ألمًا. 
"يقول: قال شيخنا -رضي الله عنه- مراده ﷺ بقوله لا شفاء إلا شفاؤك بعد استعمال الدواء المشروع: هذا هو اللائق بمقامه ﷺ وفي رواية: "امسح الباس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت"؛ ففيه استعمال الأسباب مع عدم الاعتماد على شيء منها واللجوء إلى مُسَبِّب الأسباب ورب الأرباب سبحانه وتعالى.

 

"وكان ﷺ يتعوذ كثيرًا ويقول: "أعوذ بالله من الجان ومن عين الإنسان"؛ فإنه تحصل إصابات بواسطة الجان من عين وغيرها، ومن عين الإنسان كذلك، وقد تقدّم معنا كلامه  عن العين وأنها حق، "تُورِدُ الجمل القِدْر والرجل القبر"، "وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ"، ولكن كل شيء تحت قدر الله جلَّ جلاله. 

"وكان ﷺ يتعوذ كثيرًا ويقول: "أعوذ بالله من الجان ومن عين الإنسان"، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما"؛ أي: كثيرًا ما كان يعوذ بقراءة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).

 

قال: "ومرض النبي ﷺ مرة فجاءه جبريل -عليه السلام- فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم. فقال: "بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد، بسم الله أرقيك والله يشفيك"؛ فهذا أيضًا أحد الرُّقى الواردة، وفي لفظ: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، بسم الله أرقيك والله يشفيك".

 

"وقال عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه-: "شكيت إلى رسول الله ﷺ وجعًا في جسدي فقال ﷺ: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاث مرات -بسم الله بسم الله بسم الله-، ثم قل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، -وفي رواية: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر-، "قال: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغير أهلي والله سبحانه وتعالى أعلم". 

فكان من الرُّقى المأثورة عنه عليه الصلاة والسلام: "ضع يدك على الموضع الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا، ثم قل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"، وفي هذه الرواية: "أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"، سبع مرات، تكرير ذلك لأي وجع من الأوجاع نافع ومفيد.

وقد جاء في تحصيناته لسيدنا الحسن والحسين: "حصنتك بالحي القيوم الذي لا يموت أبدًا، ودفعت عنكم السوء بألف ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم".
وكذلك جاء في التعويذات النبوية: "أُعِيذُكَ بكلمات الله التامة مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ"، وإذا عَوَّذَ نفسه يقول: "أعوذُ بكلمات الله التامة مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ"، وإذا عَوَّذَ غيره يقول: "أُعِيذُكَ بكلمات الله التامة مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ".

 

باب في الطِّيَرَة والفأل والشؤم والعدوى والطاعون

 

"كان بريدة -رضي الله عنه- يقول: كان رسول الله ﷺ لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه، وكان إذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤي كراهية ذلك في وجهه، وكان إذا رأى ما يسرُّه قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"، وإذا رأى ما يكرهه قال: "الحمد لله على كل حال".

 

وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: سمع رسول الله ﷺ مرة كلمة فأعجبته فقال: أخذنا فألك من فيك، وكان ﷺ يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع يا راشد يا نجيح، وكان عروة بن عامر -رضي الله عنه- يقول: ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا تؤذي الطيرة مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوّة إلا بك".

 

وكان ﷺ يقول: "الطيرة شرك وما منا أحد إلا يتشاءم ولكن الله يذهبه بالتوكل". وكان ﷺ يقول: "لا عدوى ولا صفر ولا غول ولا هامة فمن أعدى الأول". وكان ﷺ يقول: "لا تحدوا النظر إلى المجذومين". وكان ﷺ يقول: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: كلمة طيبة". وكان ﷺ يقول: "إنما الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار"، وفي رواية: "في الرَّبْع والخادم والفرس".
 وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: لم يقل رسول الله ﷺ الطيرة في الفرس والمرأة والدار، إنما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك. قال شيخنا -رضي الله عنه-: ولا يحتاج الأمر إلى تأويل بل نقول من الأدب نسبة الشؤم إلى ما ذكر أدبًا مع الله -تعالى- كما صرح به القرآن العظيم في نحو قوله عن الخليل -عليه السلام-: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء:80]، فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله -تعالى-؛ لكون المرض تكرهه النفوس، والله أعلم.

 

يقول: "باب في الطِّيَرَة والفأل والشؤم والعدوى والطاعون". فيتكلم عن التطيُّر والشؤم فكان يكرهه ، "كان رسول الله ﷺ لا يتطير من شيء". ويقول: "إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ"، فإن النفوس تتطير من بعض الأشياء؛ أي: تتشاءم بها وترى أنها مُشيرة إلى عاقبة سيئة، قال فلا تبالي بمثل هذا، "إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ"، امضِ فيما أنت فيه، وإنما كان يعجبه الفأل الحسن.

"وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه". ولما رأى في رؤيا أنه أُتي له برُطَب من رُطَب طاب قال : فأوَّلتُ ذلك أن ديننا قد طاب وأن الله مَكَّنَ لنا في أرضنا وأن ديننا قد طاب؛ لما أُتي برُطب من رُطب طاب في الرؤيا، وهكذا يسمع الكلمة الطيبة فيؤمِّل بها ويرجو من الله رجاءً حسنًا.

"وكان إذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها ورئي بشر ذلك في وجهه". حتى كان أَمرَ الصحابة وهم متوجهون إلى الغزوة إلى الشام، عيَِّن لهم اسم قرية بعيدة عن مؤتة، بجانب مؤتة ثانية، فكان الذي بعدين يدلهم أوصلهم إلى هذه البقعة ووقعت فيها المعركة معركة مُؤْتَة، وكان قد دلهم على اسم قرية اسمها حَسَن، وما كان الصحابة يعرفون القرى هناك، وانتحى بهم الأمر إلى أن استقروا في مؤتة وكانت فيها المعركة.

 

قال: "وكان إذا رأى ما يسرُّه قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"، وفيه إلى أن الأمر جارٍ بأمر الله، وأن تمام هذا الأمر الصالح والوصول إلى غايته مرهون بإرادة الله وقدرته. 

 

"وإذا رأى ما يكرهه قال: "الحمد لله على كل حال". فهو المستحق للحمد على مختلف الأحوال ما ساء منها وما سرّ وما مرّ منها وما حلا، ولذلك قالوا: الحمد لله على كل حالٍ مُرٍّ وحالِ ماضٍ وحالٍ؛ فلله الحمد على جميع الأحوال والشؤون في الظهور وفي البطون.

 

"وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: سمع رسول الله ﷺ مرة كلمة فأعجبته فقال: أخذنا فألك من فيك، وكان ﷺ يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع يا راشد يا نجيح -وفي رواية: يا رجيح-، وكان عروة بن عامر -رضي الله عنه- يقول: ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا تؤذي الطيرة مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوّة إلا بك". فإنه لا يكون لشيء استقلال بأمر قط غير الله -تبارك وتعالى-.

 

"وكان ﷺ يقول: "الطيرة شرك -أي: إذا اقترن بها اعتقاد التأثير المستقل لشيء غير الله -تعالى-، وما منا أحد إلا يتشاءم ولكن الله يذهبه بالتوكل"

"إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ"، لأنه قال: "ثلاثٌ لا يَنجو -يخلو- مِنهنَّ أحدٌ الظنُّ والطيرةُ والحسدُ وسأحدثُكمْ بالمخرجِ مِنْ ذلكَ" وفي رواية: "ثلاث لم تسلم منها هذه الأمة الحسد والظن والطيرة ألا أنبئكم بالمخرج منها إذا ظننت فلا تحقق -لا تصدق الظن ولا تحكم به حتى تخلص من شرّ الظن وسوء الظن- وإذا حسدت فلا تبغ -لا تتكلم ولا تدعُ ولا تنفذ ما استثقله قلبك من كراهة النعمة على المسلم- وإذا تطيرت فامض  -ولا تبالي بالطِّيَرَة ولا تتشاءم-.

 

قال: وكان ﷺ يقول: "لا عدوى -أي لا يُعْدِي شيء مستقلًا من دون أمر الله تعالى- ولا صفر -لا يؤثر صَفَر فيه شيء ولا يُتشاءم من صَفَر- ولا غول ولا هامة -ما كانوا يعتقدونه من آثار الجان أو آثار بعض الحيوانات ومنها الهامة تندب الموتى وما إلى ذلك- قال: ولا غول ولا هامة فمن أعدى الأول"؛ لما قالوا: إننا نرى الجمل أجرب يصحب الجمال فتجرب، قال: "فمن أعدى الأول"، أي الكل بأمر الله -تبارك وتعالى-، لا استقلال لشيء.

 

"وكان ﷺ يقول: "لا تحدوا النظر إلى المجذومين"؛ لأمرين: 

  1. لئلا يكون بتركيزكم النظر إليهم شيء من تحسيسهم بالضر الذي فيهم والنقص الذي عليهم.
  2. ثم تسري إليكم من ذلك سراية؛ لأنه أيضًا للنظر أسرار وتأثيرات، وكذلك قد يصحب ذلك شيء من الشماتة فتصاب بما أصيب به، والعياذ بالله، "لا تحدوا النظر إلى المجذومين".

 

"وكان ﷺ يقول: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: كلمة طيبة" -يسمعها رجل-، وكان ﷺ يقول: "إنما الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار"، وفي رواية: "في الربع والخادم والفرس". وتقول السيدة عائشة: إنه ما قال الطِّيَرَة فيها، إنما ذكر أن الناس في الجاهلية يتشاءمون بهذه الأشياء ويتطيرون بها.

"قال شيخنا -رضي الله عنه-: ولا يحتاج الأمر إلى تأويل بل نقول من الأدب نسبة الشؤم إلى ما ذكر أدبًا مع الله -تعالى- كما صرح به القرآن العظيم في نحو قوله عن الخليل -عليه السلام-: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء:80]، فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله -تعالى-؛ لكون المرض تكرهه النفوس".

وهذا من باب الأدب أيضًا في الألفاظ واختيارها كما نرى سيدنا الخضر مع سيدنا موسى -عليه السلام- لما يذكر له تأويل ما كان منه، يقول له: 

  • (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) نَسَبَ الإرادة لنفسه؛ لأن فيها عيبًا، (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) [الكهف:79-80]. 
  • (فَأَرَادَ رَبُّكَ) [الكهف:82]، لما كان الأمر خيرًا واضحًا نسبه إلى ربه ما قال أردتُ: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف:82]. 
  • وقال عن قتل النفس: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)[الكهف:79-80]، (فَخَشِينَا) و(فَأَرَدْنَا). 
  • ولما كان الخير واضحًا خالصًا قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا). الكهف:79-82] ويقول : "والشر ليس إليك".

 

فلله الحمد على كل حال، ونسأله الشفاء والعافية من جميع الأمراض والعلل والأسقام، وأن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وحولنا وقوتنا في سبيله ما أحيانا، وأن يشفي مرضانا ويعافي مبتلانا، وأن يصلح ظواهرنا وخفايانا ويختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.

 

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

17 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

02 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام