كشف الغمة - 408- كتاب الأطعمة (02) فرع فيما جاء في النهي عن أكل الثوم وإباحته
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 408- فرع فيما جاء في النهي عن أكل الثوم وإباحته
صباح الثلاثاء 19 شوال 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- أحكام الأطعمة ذات الروائح الكريهة
- توضيح حكم كراهة أكل الثوم والبصل
- قصة أبي أيوب الأنصاري مع النبي ﷺ وتقديمه طعام فيه ثوم
- علة امتناع النبي ﷺ عن أكل الثوم (مناجاة الملائكة)
- مراعاة الشرع للذوق بعدم إيذاء المسلمين بالروائح
- أحكام أكل البقول ومنع حضور الجماعة والجمعة
- قصة إخراج رجل من المسجد بسبب رائحة الثوم
- نصيحة عمر بن الخطاب في طبخ الثوم والبصل
- ترتيب النظام الرباني في أدق تفاصيل حياة المؤمن
- مشاهدة الملائكة ومصافحتهم
- تنبيه على أذية "الدخان" والتبغ وتأثيرها على الجلساء والمساجد
نص الدرس المكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبد الوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: فيما جاء في النهي عن أكل الثوم وإباحته
"قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ ينهى عن أكل الثوم والبصل ويقول: "من أكلهما فليمتهما طبخًا، ولا يقرب المسجد حتى يذهب ريحه منه"، وفي رواية: "إلا من عذر"، وفي رواية: "من أكل من هذه الخضراوات البصل والثوم والكراث والفجل فلا يقرَبن مساجدنا إلا من عُذِر"، ووجد ﷺ ريح هذه المذكورات من رجل فأمر به فأخرج إلى البقيع فقال بعض الناس حرُمت حرُمت، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إنه ليس تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها فأخاف أن أوذي صاحبي يعني الملك"، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: قال لي رسول الله ﷺ: "يا علي كل الثوم نيئًا فلولا أن الملك يأتيني لأكلته"، وفي رواية: "كل الثوم نيئًا فإن في أكله شفاء من سبعين داء"، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا ببيان السبيل وإيضاحه على يد خير هاد ودليل، عبده المصطفى محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من اتبعهم في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم ومن سلك سبيلهم، وعلى جميع الملائكة المقربين وعباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الفرع ما يُكره أكله أو إبقاء رائحته من الطعام الذي يحمل رائحة كريهة.
"قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ ينهى عن أكل الثوم والبصل ويقول: "من أكلهما فليمتهما طبخًا، ولا يقرب المسجد حتى يذهب ريحه منه"، وفي رواية: "إلا من عذر"، وفي رواية: "من أكل من هذه الخضراوات البصل والثوم والكراث والفجل فلا يقرَبن مساجدنا إلا من عذر".
ففيه بيان عدد من الشؤون:
- الشأن الأول: في حكم أكله في ذاته.
- والثاني: في حق من أراد أن يدخل المسجد.
- ثم ما يقاس بهم إذا أراد أن يحضر جمعًا للمسلمين ويقابل عددًا من المسلمين.
فما حكم ذلك الأكل؟ وهل تزول الكراهة إذا طُبِخ فأُميت طبخًا؟ أي: ذهب أثره.
والأحاديث والسنة تدل على أنه حلال ليس بحرام؛ ولكنه يُكره، إنما يَحْرُم على من أراد أن يُسقط عن نفسه جمعة أو نحوها فيستعمله متعمدًا؛ لئلا يحضر ويكون منهيًا عن الحضور.
فإذا لم يحصل له شيء من الأسباب التي تُحَرِّمه فهو في حد ذاته من جملة الحلال، وذلك ما جاء أن سيدنا أبا أيوب الأنصاري -عليه رضوان الله تعالى- لما أكرمه الله بنزول سيدنا رسول الله ﷺ في منزله وبيته -وإن كان يُذكر عن ذلك البيت أنه أصلًا كان في الأصل بيتًا له ﷺ، وذلك أنه بُني قبل مائة سنة؛ لأجل أن ينزل فيه النبي الذي يُبعث ويهاجر إلى هذه البلدة، ومرت السنين فتوارثوه فوصل إلى عند أبي أيوب الأنصاري، فنزل فيه ﷺ بأمر الله تعالى وتقديره؛ فكان يُقدِّم له الطعام في العشاء قال: ثم نتبادر أنا وأم أيوب إلى مكان أصابعه ﷺ؛ -ليتبركوا به- قال: فردَّ إلينا الطعام ليلة ليس عليه أثر أصابعه، -ما أكل منه- قال: فخفتُ، قلتُ: يا رسول الله ﷺ لم تأكل عشاءنا الليلة؟ قال: "إني وجدت فيه من هذا الثوم وإني أناجي مَن لا تناجون، فكلوه أنتم"؛ فهذا دليل على أنه مباح وحلال، ولكن في حقه ﷺ مكروه، وهو مُنزَّه عن المكروهات معصوم منها، وفي حق غيره كذلك إلا لمن يتناوله لحاجة مثل التداوي ونحو ذلك، فإنه يجوز تناوله وتذهب الكراهة عنه، ولكن إذا وجد ما يُزيل الرائحة سريعًا فليستعمله لئلا يؤذي الملائكة؛ لأن "المَلائِكةَ تَتَأذَّى ممَّا يَتَأذَّى منه بَنو آدَمَ".
وفي هذا أيضًا بيان أن الشرع لاحظ الأدب وعدم إيذاء المسلمين ولو بالرائحة التي تبقى في الفم من أثر، فكيف بأذيتهم بغير ذلك؟! ما يجوز لك تؤذي مسلمًا بمجرد وجود رائحة كريهة في فمك تقرب منه، ممنوع وحرام، فكيف بأذية أخرى تؤذي بها أي مسلم؟! لا إله إلا الله! فالأمر عظيم والمنهج قويم.
فالفقهاء قالوا: إنه لو فرضنا إنسانًا وقع في أكل شيء من هذا وحضر وقت الجماعة، نُهي أن يحضر الجماعة؛ بل ولو كان وقت الجمعة كذلك، "مَن أكَلَ البَصَلَ والثُّومَ والكُرَّاثَ فلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنا؛ فإنَّ المَلائِكةَ تَتَأذَّى ممَّا يَتَأذَّى منه بَنو آدَمَ"، كما جاء في صحيح الإمام مسلم -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
كذلك من لم يرد الذهاب إلى المسجد، وقال: ومن وجد ما يزيل الرائحة سريعًا فلا يُكره له أكله، ويزيل الرائحة بعد أكله مباشرة.
- وهكذا يقول ابن قدامة من الحنابلة: يكره أكل البصل والثوم والكرات والفجل وكل ذي رائحة كريهة من أجل رائحته، سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد.
- ويقول الدسوقي من المالكية: أكله خارج المسجد في غير الجمعة فمكروه إن لم يرد الذهاب للمسجد، وإن أراد الذهاب للمسجد حرام؛ لأنه يؤذي الناس.
- وهكذا يقول القليوبي من الشافعية: وأكلها مكروه في حقه -عليه الصلاة والسلام- على الراجح، وكذا في حقنا ولو في غير المسجد.
- يقول ابن حجر وشيخ الإسلام زكريا: لا يُكره أكلها لمن قدر على إزالة ريحها ولا لمن لم يُرد الاجتماع مع الناس، ويَحرُم أكلها بقصد إسقاط واجب كالجمعة، وإذا أكلها وجب عليه السعي في إزالة ريحها.
- وقال الشبراملسي: يقول إنه ينبغي أن يكون محل الكراهة ما لم يحتج لأكله كفقد ما يأتدم به أو توقان نفسه إليه.
وعليه حمل قوله: "كُلْهُ فإني أناجي من لا تناجي" ﷺ، يقصد به حضور الملائكة عنده وكلامهم معه ﷺ، مع أن أصل تناول هذه البقول حلال باتفاق، ولكن من أجل الرائحة تترتب هذه الأحكام.
قال: "ووجد ﷺ ريح هذه المذكورات من رجل فأمر به فأخرج إلى البقيع -أي: من المسجد- فقال بعض الناس حرُمت حرُمت، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إنه ليس تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها فأخاف أن أوذي صاحبي يعني الملك". يقول: أيضًا في صحيح مسلم هذا الحديث، وهو عند ابن خزيمة.
"كان علي -رضي الله عنه- يقول: قال لي رسول الله ﷺ: "يا علي كل الثوم نيئًا فلولا أن الملك يأتيني لأكلته".
وفيه التصريح بحلِّه وإباحته، وأنه يُرتقب منه أو يُراد منه شيء من الفوائد الصحية الجسدية، فأكلُه على مثل هذا الحال ينبغي أن لا يُكره، كما قالوا فيمن يجد ما يزيل به رائحته.
وكذلك قال: "وفي رواية: "كل الثوم نيئًا فإن في أكله شفاء من سبعين داء".
وهو الآن يُعالجون به من بعض الأدواء، ولكن من كان يستعمله لأجل العلاج؛ بل كما سمعنا فيما ذكر بعض الفقهاء أنه إذا كان ما وجد إدام غيره، أو كانت تتوق نفسه إليه، أنه لا يُكره له أكله، ولكن ينبغي أن يسعى في إزالة رائحته سريعًا، وكذلك جاء عن سيدنا عمر بن الخطاب يقول: إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين -قصده ذكر الثوم والبصل أي: نيًّا- وقال: ما أراهما إلا خبيثين: فمن أكلهما فليمتهما طبخًا.
ففي هذا أيضًا بيان عظمة الشريعة وسعتها لشأن المسلم والمؤمن في دقيق أحواله كلها، فهو نظام جامع شامل بالغ، يرتب لك أكلك وشربك ووقتك ونومك وقيامك ولُبسك وأخذك وعطاؤك وبيعك وشراؤك، نظام رباني شامل كامل عظيم ما يجوز أن يُقدَّم عليه غيره وسواه.
ثم أيضًا فيه ربط المؤمنين بالملائكة واستشعارهم، فإن الإيمان بهم واجب من أركان الإيمان، ولكن وجود استشعارهم والإحساس بهم والتلفت إلى معاني حضورهم من خصال الكمال في الإيمان، وكان سيدنا عثمان يضع رداءه إذا أراد دخول الخلاء ويقول: "هاهنا فاقعدا أكرمكما الله"، يخاطب رقيبًا وعتيدًا، وكان في الصحابة من يخاطب الملائكة ويكلمهم كسيدنا عمران بن حصين -عليه رضوان الله ورزقنا الله به العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة- وحتى يأمر في بعض الأحيان أهله ومن حوله أن يتركوه وحده في الخلوة ولا يدخلوا عليه، ويناجيهم ويكلمهم.
وقال ﷺ في أن الإنسان إذا بلغ رتبة من الصفاء والطهارة ودوام الحضور مع الله أنه يشاهد الملائكة ويكلمهم ويصافحهم، فقال: "لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، -حتى في الطرق والشوارع ما هو في الخلوات حقكم- ولكن ساعة فساعة".
ما يثبت على هذا ويقوم به إلا نوادر من المؤمنين، وشأن الأنبياء كثيري المشاهدة للملائكة والخطاب معهم، فبهذا أُمروا في حقهم أن يتجنبوا كل ذي رائحة كريهة وكل ما يؤذي الملائكة.
وجعل الله تعالى في طبيعة الملائكة مع أنهم أجسام نورانية ما هي من تراب ولا من نار، من نور خالصة، ومع ذلك قال في أذواقهم يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم، فما هو في الفطرة السليمة عند بني آدم كريه ومؤذٍ فهو عند الملائكة كذلك، وذلك أن الخالق واحد، ولم يجعل الآدمي خليًا عن الروح، ولم يجعله جسمًا مجردًا من عالم المُلك والشهادة، ولكن جعل فيه من عالم الروح والملكوت والغيب -سبحانه وتعالى- ما به يقوم ذوقه ويدرك به كثيرًا من الأمور والشؤون.
فإذا كان هكذا فمن باب أولى ما يتعاطاه الناس من دخان وتنباك وغيره، ثم يؤذون الجلساء، فهو أشد من الثوم عاد الثوم حلال باتفاق وإن كان مكروهًا، وأما هذا فمختلف في تحريمه، وقال بتحريمه جماعة من أهل العلم فهو في حد ذاته مختلف في تحريمه، وأما بإيذاء الجليس به فحرام من غير شك، يؤذي به جليسه يجيئه وفمه ملآن بالرائحة ذه الخبيثة، ويصقع خلق الله يكسر رؤوسهم بحقه ذا، وربما دخل المسجد ولا يبالي فيقع في الإثم ويقع في الحرام، فينبغي أن يتجنب مثل هذا ويكون على بصيرة في مسلكه في هذه الحياة.
رزقنا الله الاستقامة، واتباع إمام أهل الإمامة وزعيم أهل الزعامة وشهم أهل الشهامة وكريم أهل الكرامة، سيد الوجود محمد ﷺ الشفيع الأعظم يوم القيامة، اللهم ارزقنا حسن متابعته، وخلِّقنا بأخلاقه، وأدِّبنا بآدابه، وسِرْ بنا في دربه، واسقنا من شُربه، واحشرنا في زمرته برحمتك.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
19 شوّال 1447