كشف الغمة 395- فصل في الأسماء والكنى -1-
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 395- فصل في الأسماء والكنى
صباح الأحد 29 رجب الأصب 1447هـ.
يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:
- ارتباط الصحابة بالنبي ورجوعهم إليه في أمورهم
- ربط أطفال الصحابة بالنبي من الصغر
- شرح حديث: سموا السقط
- قصص ممن تكلموا في المهد (11 طفل)
- إحسان تسمية المواليد والابتعاد عن أسامي بعيدين عن الله
- تأثير الاسم على المسمى
- من ينادى في القيامة بآبائهم؟
- التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين
- التسمية بأسماء الملائكة
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل في الأسماء والكني
"قال أنس -رضي الله عنه-: "كانت الأنصار يرسلون أولادهم بتمرات أول ما يولدون إلى رسول الله ﷺ فيمضغها ويحنكهم ويتفل بريقه في فيهم ويسميهم"، وكان ﷺ يقول: "سموا السِّقط يثقل الله تعالى به في ميزانكم فإنه يأتي يوم القيامة ويقول: أي ربِّ أضاعوني فلم يسموني"، وجاء رجل من أهل اليمامة بصبي يوم ولد ملفوفًا في خرقة إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام من أنا؟ قال: أنت رسول الله قال: صدقت بارك الله فيك"، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شبَّ وكبر.
وتكلم في المهد أحد عشر طفلاً: محمد ﷺ، وإبراهيم الخليل، وموسى بن عمران، وعيسى ابن مريم، ومبرئ جريج، وشاهد يوسف، وطفل صاحب الأخدود، والطفل الذي مرّ عليه بالأمَة التي قيل فيها بأنها زانية، وطفل ماشطة فرعون، ومبارك اليمامة عليهم كلهم السلام .
وكان ﷺ يقول: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم"، وسيأتي في باب الخصائص أن هذه الأمة تدعى يوم القيامة بأمهاتهم ستراً لهم، فما هنا في حق من يتشرف بذكر أبيه.
وكان ﷺ يقول: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم"، وكان ﷺ يقول: "تسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة"، وكان ﷺ إذا لم يحفظ اسم الرجل قال له: يا ابن عبد الله".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرِمنا بحسن البيان على لسان خير إنسان، سيد الأكوان، من أُنزل عليه القرآن، محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه في كل حين وآن، وعلى آله وأهل بيته المطهرين عن الأدران، وأصحابه الغُّرِّ الأعيان، ومن والاهم واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل العرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، الحي القيوم الرحمن.
وبعد،،
فيذكر الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفصل ما يتعلق بالأسماء والكنى، وما ينبغي أن يُختار من الأسماء، وسيذكر في فصلٍ بعده تغيير الاسم إلى اسم حسن إذا لم يكن حسناً، وذلك من هديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: عن أنس -رضي الله عنه-: "كانت الأنصار يرسلون أولادهم بتمرات أول ما يولدون إلى رسول الله ﷺ فيمضغها ويحنكهم ويتفل بريقه في فِيهم ويسميهم" صلى الله عليه وبارك عليه وعلى آله.
ومن المعلوم كما جاء في روايات أُخَر شدة ارتباط الأنصار والمهاجرين بسيدنا المصطفى محمد، ورجوعهم في أمورهم القليلة والكثيرة والصغيرة والكبيرة إليه ﷺ، في أنفسهم وفي أهاليهم وفي أولادهم، وتوجُّه قلوبهم إلى مودته ومحبته وتعظيمه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وقد صح في روايات مجيء الأطفال إليه وحملهم أهلهم، حتى أن بعضهم ليولد في الليل فيقول أبو الطفل لأم الطفل: لا ترضعيه ولا تطعميه شيئاً حتى آخذه في الفجر إلى رسول الله ﷺ فيحنكه؛ فيكون أول ما يلج في جوف ابني ريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم كانوا يحضرونهم من وقت إلى وقت إليه ﷺ وهم صغار، فيستلمهم منهم ويجلسهم على رجله الكريمة عليه الصلاة والسلام، ثم كانوا إذا بدأوا يمشون ويتحركون ويميِّزون، يقولوا لهم في الصباح إذا صلوا الفجر معهم وجلسوا إلى الإشراق، يقولوا لهم: اتبعوا رسول الله ﷺ، ادخلوا معه البيت، فإذا وجدتم ماءً في الإناء الذي يتوضأ منه فاشربوا. وكانوا يدخلون خلفه ﷺ؛ لكونهم أطفالاً ما يحتاجون استئذان، ويعملون ما يوصيهُ به آباؤهم.
ثم كانوا يرسلون بعض الماء من ديارهم مع صبيانهم إلى رسول الله ﷺ ليضع يده فيه فيشرب منه تلك الأسرة وأهل ذاك البيت طيلة اليوم. وكانوا يأتونه قال سيدنا أنس -في بيان خلقه-: إنهم ليأتون بالماء البارد في شدة البردِ فلا يردهم، ويضع يده في الماء صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. وهكذا كانت حياة الصحابة بين يدي نبيهم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
يقول: "وكان ﷺ يقول: "سمُّوا السِّقط يثقل الله تعالى به في ميزانكم فإنه يأتي يوم القيامة"؛ لأن السقط إذا احتسبته أمه واحتسبه أبوه يؤجرون على ذلك، "إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَى الجَنَّةِ". قال: "يثقل الله تعالى به في ميزانكم فإنه يأتي يوم القيامة ويقول: أي ربِّ أضاعوني فلم يسمُّوني" كما يهمل الكثير؛ تُسقِط زوجته قبل تمام الأشهر فيخرج سِقط لم يكمل بعد ولم تنفخ فيه الروح، فيقبرونه ولا يسمونه، فنهى عن إهمال التسمية، وينبغي أن يُسمَّى السِّقط وإن خرج ميتًا، ويكون له اسم يُدعى به يوم القيامة.
"وجاء رجل من أهل اليمامة بصبي يوم ولد -في يوم ولادته- ملفوفاً في خرقة إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام" -يُكلَّم الطفل هذا في يوم ولادته- من أنا؟ قال: أنت رسول الله -تكلم الطفل هذا الغلام- قال: أنت رسول الله قال: صدقت بارك الله فيك"، وسكت ولا عاد تكلم، إلا لما كبر تكلم مثل الأطفال بعدين؛ لكن في ذاك اليوم تكلم وأجاب زين الوجود صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، قال: "ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شبَّ وكبر"، وهكذا أوردها ابن الأثير في أُسد الغابة في معرفة الصحابة؛ وهذا الصحابي من اليمامة وكانوا يحتاجون إلى تثبيت الإيمان، فكلم النبي ﷺ هذا الطفل أمام والده، فنطق وقال: "أنت رسول الله"، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله. انظر للأرواح تعرفه، وتعرف رسالته ونبوته من قبل أن يميز أصحابها ويدركون؛ فالأرواح تعرف من هذا، صلوات ربي وسلامه عليه، بل تعرفه حتى النباتات والجمادات صلوات ربي وسلامه عليه وآله، فضلاً عن الحيوانات. فالله يعرفنا من قدرِ رسوله ومكانته نصيباً وافراً؛ فإنه ما يحيط بقدره إلا ربه.
وإنما المؤمنون على قدر معرفتهم بالله وإيمانهم بالله يعرفون من فضله وقدره ﷺ، وأعلمهم بذلك:
- الأنبياء: فالأنبياء أعلم الخلق بسيد الخلق ﷺ.
- ثم الصديقون: وأولاهم بذلك من عايَشَه من صحابته وأهل بيته الطاهرين؛ هؤلاء أولى بالمعرفة به.
ومع ذلك فقد جاء عن سيدنا أويس القرني، قال لساداتنا عمر وعلي: ما عرفتما من رسول الله إلا الظل، قالوا: أي والله ما عرفنا منه إلا ظله ﷺ. وهم أعرَفُ الأمة برسول الله ﷺ وبقدره ومكانه، صلوات ربي وسلامه عليه.
لذا يقول ابن مشيش في دعائه: وعرِّفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل، وأكرع بها من موارد الفضل، اللهم صل عليه وعلى آله.
قال: "وتكلم في المهد أحد عشر طفلاً" أي: ممن ذكروا في السُّنة التي حُفظت إلينا، وقد يتكلم غيرهم ما هناك حصر، ولكن هؤلاء من جملة من حُفظ لأنهم تكلموا في المهد وذكرتهم السُّنة المشرفة والقرآن الكريم.
سيدنا محمد ﷺ: تكلم في مهده، وفي طفولته، بل جاء في السيرة أنه كان يكلم أمه آمنة وهو في بطنها، وكانت إذا خَلَت وحدها يؤنسها ويكلمها من البطن صلوات ربي وسلامه عليه.
وهكذا ثم أيضاً حصل في الأمة من تكلم في المهد، ونادر ما حصل أيضا تكلم في البطن من خيار الأمة وصلحائها كما هو في تاريخنا وفي مرويات ثقاتنا عن قروننا التي مضت.
يقول: "وتكلم في المهد أحد عشر طفلاً:
- محمد ﷺ.
- وإبراهيم الخليل -على نبينا وعليهم افضل الصلاة والسلام-.
- وموسى بن عمران.
- وعيسى ابن مريم.
وهذا في القرآن: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)؛ وأنتِ من أسرة طيبة، ماينبغي تزلين وتخطئين وتخرجين عن الطريق؟ ما الذي أصابكِ؟ (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) -صلّح خطبة كاملة وهو في المهد- (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا *) خطبة كاملة! (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)[مريم:27-33] خطبة كاملة! فعلموا أنها طاهرة نقيَّة وأن الله وهبها هذا الولد من دون أب، سبحان الله!
- ومبرِّئ جريج:
الذي برأ جُريج وهو الطفل الذي قال له جريج: من أبوك؟ قال: الراعي. وذلك أن المرأة مكَّنت الراعي من نفسها فحملت، فلما ولدت قالوا: من أين جئت به وأنت غير متزوجة؟ قالت لهم: من جريج؛ تكذب على جريج عابد في صومعة، وكانت جاءت إليه تعرضت له فلم يلتفت إليها، فذهبت إلى الراعي فحملت، فلما قالت: جريج؛ جاءوا هدموا الصومعة حقه؛ أرسل الملك اليهم قال: انظروا هذا الكذاب الذي يريد نفسه عابد يعمل مصائب، اهدموا صومعته، فهدموا الصومعة. قال: ما لكم؟ قالوا: تعال.. الملك يدعوك هناك، قال: ما المسألة؟ فلما مرَّ رأى مجموعة من النساء المؤمسات المحبوسات عنده فتبسم؛ لأنه تذكر دعوة أمه،التي هي السبب الذي جاء به إلى المكان هذا. كان يصلي -كما روى الإمام البخاري -في الأدب المفرد- قال: كان يصلي فنادته أمه فقال: "يا رب صلاتي أو أمي، واستمر في الصلاة. فلما كرّرت النداء ولم يجبها، قالت: لا أماتك الله حتى يريك وجوه المومسات؛ فلما رآهم مع الدخول ذكر الدعوة حق أمه وتبسّم، قال: هو هذا الذي جاء بنا إلى هنا. فلما دخل عند الملك قال: أنت تزعم أنك عابد وتزني؟ قال: معاذ الله. قال: هذه المرأة قالت، قال: أين الطفل؟ قال: جاءوا بالطفل. قال: من أبوك؟ قال: الراعي، فكأنهم اهتزوا، ولما تكلّم الطفل وقاموا يتمسحون به. قال: فأقبلوا يتمسحون بي، وقالوا: أنبني صومعتك من ذهب أو من فضة؟ -ففي هذا مسلك التمسّح أنه هدي الأمم السابقين أتباع أنبيائهم كلهم يتمسحون-، قال فأقبلوا عليه يتمسحون به، هكذا روى الإمام البخاري في الأدب المفرد، وإذًا الصوفية هؤلاء قديمين ولا كيف! الأنبياء وأتباعهم على هذا المنهج كلهم، قالوا: أنبني صومعتك من ذهب أو نبني صومعتك من فضة؟ قال: لا، ردوها كما كانت. فردُّوها كما كانت لأنه مختلي فيها يعبد الله -سبحانه وتعالى-. هذا الطفل مبرئ جريج -برأ سيدنا جريج-.
- "وشاهد يوسف":
طفل، (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا)، فتكلّم الطفل فكان آية كلام الطفل وذكره العلامة عاده وقال: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *)، معناه هو الذي جاء إلى عندها وقدّت قميصه، (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ)، معناه هرب منها وهي اللي جاءت من وراه وقدّت قميصه، (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا) -خلاص اسكت ولا عاد تتكلم- (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)[يوسف:26-29]. هذا شاهد سيدنا يوسف.
- "وطفل صاحب الأخدود":
(النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ)، لما جمعهم الملك من أجل الذي كان اصطفاه كاتب، وآمن بالله -تبارك وتعالى-، وكان غلام عنده يمر على بعض الرّهبان من النصارى، فعلمه الإيمان بالله تعالى، قال له: لا تخبر عني، لإنهلأنه سيقتلونه. فجاء خبر للملك أن الغلام هذا حقك ما يؤمن بك، ما يؤمن إلا بالله، دعاه، قال: اتخذت لك إلهاً غيري؟ قال: ربي وربك الله. قال: ها.. تأمل عليه، قال: لأعذبنك، قال: افعل ما شئت، فأمر أن يُحمل إلى الجبال البعيدة ويُرمى، فجاء الجنود وحملوه، لما وصلوا إلى الجبل سقطوا هم، أسقطهم الله ورجع هذا الغلام إلى عند الملك. قال: ها ما فعل أصاحبك؟ قال: أسقطهم الله وخلصني. فأرسل جماعة آخرين، قال: ادخلوا به في البحر، فإذا كنتم في غبة البحر فارموه، فمشوا به، فلما كانوا في غبة البحر أرادوا يحملونه يرمونه، فسقطوا هم، ورجع على الساعي وجاء لعند الملك. قال: ها ما فعل أصحابك؟" قال: أغرقهم الله في البحر، لا حول ولا قوة إلا بالله. حبسه، قالوا له: "هذا بيفسد عليك المملكة، كيف تتخلص منه؟ رموه بالسهام ما يصيبه ويرجع السهم على من رماه. قال: ماذا نعمل؟ قال: أنا أدلك، إذا تريد تقتلني؟ قال: نعم. قال: لا تستطيع ذلك إلا أن تجمع أهل البلد وتوجه القوس إليّ وتقول: بسم الله رب الغلام، فتصيبني. أما إذا لم تقل هذا لا تقدر. فرأى أنه ما له حيلة، فأمر بجمع أهل البلد، اجتمعوا في نجران، كانوا هم، اجتمعوا، ورفعوه وأخذ يرمي ما يصيبه السهم، فقال: بسم الله ربّ الغلام، فأصاب. فصاح الناس: آمنا بالله ربّ الغلام، وإذ المملكة كلها حقه رجعت إلى الإيمان بالله بسبب هذا الغلام الطيّب الصالح. وهو أراد أن يسمعونه هكذا، وأراد جمعهم مشان يعرفوا الإيمانن. قال: لا بد تكفروا بهذا وتؤمنون بي. قالوا: أبداً، آمنا بالله ربّ الغلام. فأمر بالأخدود، حُفرت أخاديد في الأرض وأوقدت النار، وأمر وقال: كل من لم يؤمن بي وآمن بالله ارموه في النار، فصاروا يرمونهم، فجاءت واحدة مرأة معها طفل، أرادوا أن يرموها، فكأنها أدركتها الشفقة على طفلها، تقاعست، فكلّمها فقال: قعي يا أماه، فإنك على الحق، وإن نار الدنيا أهون من نار الآخرة. الأحسن أن تدخلي، فتكلّم وهو طفل، لا إله إلا الله. فأنزل الله فيهم: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [البروج:4-9].
- "والطفل الذي مُرّ عليه بالأمَة":
وذلك أنه كانت -كما ذكر لنا ﷺ- امرأة ترضع صبيها طفلاً، فمُرّ بأمة يضربونها ويقولون: سرقتِ، زنيتِ، فعلتِ.. فرأت حالتها فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها. ففك الثدي وقال: اللهم اجعلني مثلها. فمرّو برجل له شامة معه جنود وحرس، قالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، ففك الثدي قال: اللهم لا تجعلني مثله. قالت: ها! مرّ صاحب الشارة والعلامة وقلت لا، ومروا بهذه اللي يقولون لها سرقتِ وزنيتِ وتقول: اجعلني مثلها! مالك؟! رجعت تكلمه لما رأته يتكلم، قال: يا أماه ذاك من الجبارين، وما أحب أن أكون من الجبّارين، فمأواهم جهنم. وهذه طاهرة عند الله، يقولون: سرقتِ وما سرقت، يقولون زنيتِ وما زنت، فأنا أحب أكون مثلها طاهرة. سبحان الله، هكذا حدّثنا ﷺ. وفي حديث القرآن وحديث ﷺ تثبيت لأولي الألباب ولعقول البشر، أن لا يغتروا بالحسيات والماديات ويقفوا عندها، ويعلمون أن القدرة قدرة المكوّن الفاطر الخالق، وإن جعل سنته لا يتكلم الأطفال فيمكن يتكلمون، وإن جعل سنته لا تتكلم الشجر يمكن تتكلم، فإن القدرة قدرته والأمر أمره.
فهذه حقيقة من حقائق الإيمان يعمل إبليس وجنده على زحزحة الناس عن هذا الوعي والصراط المستقيم، ولا يصدقون إلا بالمحسوسات التي جُعلت في الكون بأمر رب الكون نظاماً وعادة، وهذا من جملة الغرور ليتوصلوا به إلى التكذيب بالغيب والعياذ بالله تعالى وإلا حدثنا الله ورسوله عن هذه الآيات والمعجزات.
- "وطفل ماشطة فرعون":
تمشط بنات فرعون، ماشطة فرعون يعني: مستأجرها فرعون لِتمشط بناته. فبينما كانت تمشط واحدة من بنات فرعون -بنات فرعون من غير آسيا، آسيا ما كان يقربها- فسقط المشط، قالت: بسم الله. قالت لها: من هذا الله؟ أبي! قالت: الله خالقي وخالق أبيك وخالقك. قالت: ألك إله غير أبي؟! قالت: الله ربي وربك ورب أبيك ورب الخلق كلهم، قالت: سأقول لأبي. فأخبرت أباها فرعون، دعاها قال: تؤمنين بإله غيري؟ قالت: ربي وربك الله الذي خلقنا. قال: ارجعي عن هذا وأنا ربكم الأعلى. فأبت، قالت: افعل ما شئت. فأمر بقدر، وجاءوا بالقدر ملؤوه زيتاً وأغلوه وأشعلوا النار، فكان يفور. قال: ترجعي وإلا نضعك في هذا القدر؟ قالت: افعل ما شئت، ما أرجع، ربي الله سبحانه وتعالى، لكن لي طلب. قال: قولي. قالت: إذا غليتنا في الزيت ومتنا، اجمع عظامي وعظام أولادي وحطنا في مكان واحد. قال: لك ذلك، فرموا بولدها الأول وانخلع مباشرة من غلي الزيت، رموا بالثاني، وجاءوا يرمونها ومعها طفل ترضعه، فكأنها تقاعست بسبب رقتها ورحمتها على الطفل، ففك الثدي وقال: قعي يا أماه فإنك على الحق. هذا طفل ماشطة بنات فرعون، -عليها رضوان الله-.
وهذه رفع الله قدرها حتى أن الحبيب ﷺ ليلة الإسراء والمعراج أشمّه الله تعالى مكانتها لديه، فشمَّ رائحة طيبة، قال: "ما هذه يا جبريل؟ زكية الرائحة". قال له: "رائحة ماشطة بنات فرعون". وذكر له قصتها، فأنبأه الله تعالى بخبر شأنها إشارة إلى مكانتها عند الرحمن، وما حصلت عند النبي ﷺ. وإلا كثير من اللي ماتوا من أهل الجنة ولهم روائح، لكن ما أشمه الله إلا رائحة ماشطة بنات فرعون، لما كان من بذلها لروحها وقتل أولادها أمامها، وقتل طفلها وهي حاملته ترضعه، فنالت القدر عند الله -تبارك وتعالى-، -عليها رضوان الله-.
- "ومبارك اليمامة".
-عليهم كلهم السلام ورحمة الله وبركاته-، وجمعنا الله بهم في جناته.
قال: "وكان ﷺ يقول: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم"، وهذا التوجيه النبوي الشريف ينبغي أن تنتبه منه الأمّة، ويختارون من الأسماء -كما يأتي معنا- أسماء الأنبياء وأسماء الصالحين. أما البلاهة يقول: أردنا اسم جديد، حديث جدة وحدثة.. من أجل ماذا؟ لترضي من؟ لأجل موضة، بعدها يجي اسم فاجر أو كافر أو زنديق، أو بعيد عن الله لا يصلي ولا يدعو، ويسمي ولده باسمه، تريد بركته أو ماذا؟ أو تحشر في زمرته أنت وولدك هذا؟ بلادة وبلاهة وغباوة وطمس للهوية وللذات، ولم يعد له هوية ولا ذات ولا ديانة. ما هي إلا تبع السقطة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فاختار اسم نبي، اسم ولي، اسم صالح، اسم عارف، سمّوه باسمه، ولكل من اسمه نصيب.
ولهذا قالوا في تأثير الاسم أحيانًا يؤثر، أحيانًا في كثير من الأحيان يؤثر الاسم بنية صاحبه، فقالوا: كاد المُسَمّي أن يخلق -كأنه يخلق المسمى- لأنه يتأثر المسمى بالاسم غالباً، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وسيأتي في باب الخصائص أن هذه الأمة تدعى يوم القيامة بأمهاتهم ستراً لهم، فما هنا في حق من يتشرف بذكر أبيه.
قال: "تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء"، كيف تدعون بأسمائكم وأسماء آبائكم؟ "وسيأتي في باب الخصائص أن هذه الأمة تدعى يوم القيامة بأمهاتهم" يا فلان ابن فلانة؟ لماذا؟ سترٌ من الله؛ لأن فيهم من لم يأت من أبيه وخانت أمه فيه، فما عاد يفضحهم، ويأمر الملائكة تناديهم بأسماء أمهاتهم، يقول: يا فلان ابن فلانة، هذا يقين أمه. قالوا: "هذا كيف يقول بأسماء آبائكم؟. قال الإمام الشعراني: محمول على من كان من الآباء من يُتشرف بذكره، من الأخيار والصالحين، فيذكرونه يقولون ابن فلان ابن فلان. ولكن عموم الأمة بعد ذلك يذكرونهم بأسماء أمهاتهم، يا فلان ابن فلانة. وأما الذين لهم آباء ذوي مكانة عند الله وشرف، يذكرون آباءهم لأنهم يتشرفون بذكر آبائهم.
قال: "فما هنا في حق من يتشرف بذكر أبيه"، يعني: هذه الرواية "تدعون بأسمائكم وأسماء آبائكم" قال: محمول على هذا، ما هو كل الأمة يدعون بأسماء آبائهم.
قال: "وكان ﷺ يقول: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم"، وكان ﷺ يقول: "تسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة"، قال: أخرجه البيهقي في الشعب، والبخاري في التاريخ الكبير.
وكثير من الأعجام يحبون أسماء الملائكة، ويسمون جبريل وميكائيل وإسرافيل، ولكن الحبيب سالم الشاطري قال: ما أحد يسمي عزرائيل، ورضوان ومالك كثير يسمون بأسمائهم.
قال: "وكان ﷺ إذا لم يحفظ اسم الرجل قال له: يا ابن عبد الله"، الله أعلم.
رزقنا الله الاستقامة وأتحفنا بالكرامة، وجعلنا ممن ينادى بالشرف في يوم القيامة، وأعاذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وبارك لنا في خاتمة شهر رجب، وبارك لنا في شعبان وإقباله ومجيئه وهلاله ولياليه وأيامه، وجعلنا من خواص أهله، وبلغنا جميعاً رمضان، وجعلنا من خواص أهله لديه، ودفع عنا الآفات، وأصلح أحوال المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جميع الجهات، وختم لنا بأكمل حسن الخاتمات في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
04 رَمضان 1447