(535)
(387)
(610)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 379- كتاب الحج والعمرة (26) رمي الجمار
صباح السبت 8 جمادى الثانية 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان ﷺ يرمي كل جمرة بسبع حصياتٍ، يكبّر مع كل حصاةٍ ويقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً". قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ولما قدَّم النبي ﷺ ضعفة أهله، قال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". فرمى ناس منهم قبل الفجر، وجماعةٌ مع الفجر، فأقرّهم النبي ﷺ على ذلك.
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه مالنا في رمي الجمار؟ فقال رسول اللّٰه ﷺ: تجد بذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه"، وفي رواية: "فقال للسائل قال الله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُم مِن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 17]".
قال أنس -رضي الله عنه-: وكان ﷺ يخبرنا ويقول: "لمّا أتى إبراهيم خليل الله إلى المناسك، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصياتٍ حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصياتٍ حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصياتٍ حتى ساخ في الأرض". وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "الشيطانَ ترجمون، وملةَ أبيكم إبراهيمَ تتبعون". وكان أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- يقول: قلنا يا رسول الله، هذه الجمار التي تُرمى كل سنة، فنحسب أنها تنقص، فقال: "ما تُقبِّل منها رُفِع، ولولا ذلك لرأيتموها مثل الجبال". ولذلك كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "لولا أن كل ما تُقبِّل من الجمار يُرفع لكانت أعظم من ثبير". وكان ﷺ إذا علمهم رمي الجمار يضع على إصبعيه السبابتين ثم يقول: "بحصى الخذف هكذا".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان عبده وحبيبه وصفوته خير بريته، سيدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته وعلى أهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل قرب الله ومحبته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويواصل الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ذكر ما ورد فيما يتعلق بالرمي والحلق وما إلى ذلك من أفعال الحج.
"ويقول: وكان ﷺ يرمي كل جمرة بسبع حصياتٍ، يكبّر مع كل حصاةٍ ويقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً". قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولما قدَّم النبي ﷺ ضعفة أهله، قال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس". فرمى ناس منهم قبل الفجر، وجماعةٌ مع الفجر، فأقرّهم النبي ﷺ على ذلك.
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه مالنا في رمي الجمار؟ فقال رسول اللّٰه ﷺ: تجد بذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه"، وفي رواية: "فقال للسائل قال الله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُم مِن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 17]". والمعنى: أنه في عبوديتكم للحق وامتثالكم لأمره خبأ لكم خيراً كبيراً ونعيماً عظيماً وجزاءً موفوراً يليق بجوده وكرمه -سبحانه وتعالى-.
رزقنا الله العبودية المَحْضَة الخالصة له وحسن الامتثال لأمره.
"قال أنس -رضي الله عنه-: وكان ﷺ يخبرنا ويقول: "لمّا أتى إبراهيم خليل الله إلى المناسك" في الأيام التي أُمر أن يذبح ولده سيدنا إسماعيل، "عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصياتٍ حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصياتٍ حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصياتٍ حتى ساخ في الأرض"، فبقيت بعد ذلك سنة الرمي في هذه المواطن والأماكن تذكرةً لإبراهيم الخليل، وتجديداً لوفائنا بعهد الله أن لا نطيع عدوه وأن لا نخضع له، وأن نردّ كل ما يلقيه إلينا من وسواس ومن دعوة إلى الشر.
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "الشيطانَ ترجمون، -أي: بامتثالكم لأمر الله تخزون عدو الله- وملةَ أبيكم إبراهيمَ تتبعون". مقتدين بالخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.
"وكان أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- يقول: قلنا يا رسول الله، هذه الجمار التي تُرمى كل سنة، فنحسب أنها تنقص، فقال: "ما تُقبِّل منها رُفِع، ولولا ذلك لرأيتموها مثل الجبال"؛ في كل سنة كم يرمون من الناس، كم يرمون، ولكنها تُرفع -يُرفع المقبول منها- في الوقت الذي لم يكن أحد يرفع فيه شيئاً من الجمار المرمية، والآن بدأوا يستعملون رفعها ونقلها، فينقلون ما ينقلون منها، ولا يزال يُرفع المقبول. جعلنا الله في المقبولين، إنه أكرم الأكرمين.
قال: "ولذلك كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "لولا أن كل ما تُقبِّل من الجمار يُرفع لكانت أعظم من ثبير". وكان ﷺ إذا علمهم رمي الجمار يضع على إصبعيه السبابتين ثم يقول: "بحصى الخذف هكذا"؛ وإنما يعلمهم ويبيّن لهم المقدار والحجم. وما يكون الرمي إلا باليد اليمنى بالكف كله ويرفع كفه رفعاً بيناً؛ ولكن من أجل أن يبيِّن لهم المقدار والحجم جمع سبابتيه وقال: "حصى الخذف" إذ كانوا يرمون بعض الطير وغيره بهذا الخذف، وهو أن يجعل الحصاة بين السبابتين ويرمي بها فتصيب الطير ونحوه.
"نَهَى النبيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ، وقالَ: إنَّه لا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، ولَا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وإنَّه يَفْقَأُ العَيْنَ -يصيب العين يفقؤها- ويَكْسِرُ السِّنَّ"؛ فنهى عن الخذف، ولكن شبه المقدار والحجم للجمار بمقدار "حصى الخذف".
مقدار الحصى:
فيكون المقدار مقدار الفولة، فهذا هو السنة والأولى فيما يتعلق بالرمي.
حكم رمي الجمار:
قالوا: أليست الجمرة، يعني: بمعنى الحجر الذي يُرمى، الشاخص الذي بُني فوقه، ومدوا الآن الطابق الثاني والطابق الثالث أليس هو؟
الحجرة تحت في الأرض، ولكن كل ما اجتمع عليها من الحصى فهو المرمى الذي يُرمى فيه.
شرط الرمي:
ترتيب الرمي:
فإذًا له أحكام، رمي الجمار الثلاث:
فهو واجب من واجبات الحج، كما ثبت بالسنة وأجمع عليه الأئمة.
حتى ما يروى عن الزهري أنه ركن وليس بواجب، فهو مما يخالف الإجماع فيه فلا يؤخذ به. فهو واجب من الواجبات المتعلقة بالحج؛ رمي الجمار الثلاثة أيام التشريق ورمي جمرة العقبة يوم النحر.
الرمي من المحرم أو من سبق إحرامه:
ماذا يكون المرمي؟
حجم الحجر:
رمي الحجار متفرق والذكر عند الرمي:
ولابد أن تقع هذه الحصاة في الجمرة التي يجتمع فيها الحصى، سمعتم؟ وهو كذلك عند الأئمة الثلاثة. وسمعتم توسَّع الحنفية أنه لو رمى ووقعت قريبة من الجمرة يكفيه. وقال الجمهور: لابد أن تقع في المرمى نفسه، المرمى فوق الحصى المتراكم.
وقبل أن يكسروا الجبل كانت جمرة العقبة تُرمى من وجه واحد بحيث لا تُرمى من الخلف. فلما وسعوه وأبعدوا الجبل صاروا يَرمونها من الجهات الأربع.
حكم الترتيب في الرمي:
أول وقت الرمي:
لكل وقت حُكْم:
متى ينتهي وقت الرمي؟
أخذ الحنفية برواية: "لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا". وما جاء أنه لما قدم ضعفة أهله قال: "لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس"، ولكن بعد ذلك كمال الحديث تبين ما قال الأئمة الآخرون من أنهم رموا قبل، فأقرّهم ﷺ.
إذًا فوقت رمي جمرة العقبة:
يستمر عند الحنفية إلى فجر اليوم الثاني.
وعند المالكية إلى غروب الشمس في ذاك اليوم فقط.
وعند الشافعية والحنابلة يستمر إلى آخر يوم من أيام التشريق، وكذلك رمي كل يوم يدخل وقته من الزوال ويستمر إلى آخر يوم من أيام التشريق.
وفي قول عند الحنفية لمن أراد أن ينفر النفر الأول، أن يرمي اليوم الثاني قبل الزوال، يرمي قبل الزوال وينفر بعد الزوال؛ إذا أراد أن ينفر النفر الأول. وفي هذا أيضًا سعة للناس، خاصة الذين يريدون النفر الأول. لما شددوا عليهم في بعض السنين على المعتمد بالمذاهب الثلاثة أنه لا يدخل إلا بالزوال، فيحبسون الناس ويَتجمعون؛ فإذا جاء وقت الزوال فتحوا ووقعت زحمة شديدة وتدافع وموت وما إلى ذلك؛ وفي أقوال الشريعة سعة.
من سنن الرمي:
قَبلنا الله من حجاج بيته ومُعتمريه وزائري بيته والعاملين بالخيرات والمجاهدين في سبيله شرق الأرض وغربها، ودفع عنا وعنهم البلايا والرزايا في الظواهر والخفايا، وحققنا بحقائق الإنابة إليه والخشية منه والتوفيق لمرضاته، ودفع عنا جميع الشرور، وحمانا في البطون والظهور، وختم لنا بأكمل الحسنى، وهو راضْ عنا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
10 جمادى الآخر 1447