كشف الغمة -140- كتاب الصلاة (32) شروط صحة الصلاة - الطهارة عن الحدث والنجاسة ( 4 )

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كتاب الصلاة (32) شروط صحة الصلاة - الطهارة عن الحدث والنجاسة ( 4 )

صباح الإثنين 2 شعبان 1445هـ 

نص الدرس مكتوب:

"فرع: وكان ﷺ يصلي في الملاءة أو الكساء عليه بعضها وعلى بعض نسائه بعضها وهي حائض، وكان ﷺ يصلي على البساط وعلى الحصير وعلى الفروة المدبوغة وعلى الخمرة من الخوص وغيره وربما كانوا ينضحون له الحصير بالماء إذا اسود من طول المكث فيصلي عليه، ورأى عمر -رضي الله عنه- رجلاً يصلي على حصير فقال: الحصباء أعفر. 

وكان عبد الله بن عامر -رضي الله عنه- يقول: رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يصلي ويسجد على عبقري وهي البسط التي فيها نقوش نسبة إلى بلاد يقال لها عبقر، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول: ما أبالي لو صليت على خمس طنافس، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي في النعل والخف، ويقول: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم".

 

وكان ﷺ يقول: "الأرض كلها مسجدٌ وطهور فأيما رجل أدركته الصلاة فإن معه مسجدُهُ وطهوره"، وفي رواية: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام"، وفي رواية: "جُعِلَتْ لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً"، وكان ﷺ يقول: "نهاني جبريل -عليه الصلاة والسلام- أن أصلي في المقبرة أو المزبلة أو المجزرة أو قارعة الطريق أو فوق ظهر الكعبة أو بين القبور"، وكان ﷺ يقول: "صلوا في مرابض الغنم فإنها مباركة، ولا تصلوا في أعطان الإبل"، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: إنما كان ﷺ يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد. 

 

وكان ﷺ ينهى عن الصلاة في مواضع الخسف والعذاب كأرض بابل ومدائن قوم لوط، وكان ﷺ يقول: "إذا سُقِيَ الحائط الذي يلقي فيه العذرة والنتن ثلاث مرات بالماء فصلِّ فيه"، وكان ﷺ يحب الصلاة في الحيطان، يعني: البساتين، وكان ﷺ يقول: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً فإن الله تعالى جاعل في بيت أحدكم من صلاته خيراً"، وفي رواية: "فلا تتخذوا بيوتكم قبوراً صلوا فيها"، يعني لا تتخذوها كالقبور في ترك الصلاة فيها، قال أنس -رضي الله عنه-: "ورأيت رسول الله ﷺ صلى ركعتين في الكعبة بين العمودين اليمانيين عن يسار الداخل ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين"، والله أعلم

آللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ،  كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن 

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته عبده وصفوته سيدنا مُحمَّد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته وأهل مودته ومحبته ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة الله من خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 وبعد؛ فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- فيما يتعلق باللباس في الصلاة وبمكان الصلاة وما يصلى عليه، فقال: "فرع: وكان ﷺ يصلي في الملاءة أو الكساء عليه بعضها وعلى بعض نسائه بعضها وهي حائض".

ومن المعلوم في شرعنا المصون أن المرأة الحائض ليست بنجس، وأنه يُؤكل معها ويُشرب معها إلى غير ذلك، وقد كان يبالغ جماعة من اليهود فلا يدخلون غرفة فيها حائض، ولا يأكلون مع حائض، ولا يشربون مع حائض، فنهى ﷺ عن ذلك، وإنما نهى عن إتيان الزوجة الحائض وأمر بشد الإزار، وحرَّمَ ما بين السرة والركبة، كما تقدم معنا بعض التفصيل في ذلك لأقوال العلماء والمجمع عليه أيضًا ما قال الحق تعالى: (وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِیضِۖ قُلۡ هُوَ أَذࣰى فَٱعۡتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ فِی ٱلۡمَحِیضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ یَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَیۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلتَّوَّ ٰ⁠بِینَ وَیُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِینَ)[البقرة:222] جل جلاله وتعالى في علاه.

فعندئذ لما رأى بعض الصحابة حرصه  على مخالفة اليهود في تعنتهم هذا؛ جاوَزَ هو والحدَّ فقال: أفلا نجامعهن يارسول الله فتغير وجهه رسول الله  ونهى عن ذلك، فالممنوع الاستمتاع بالحائض بما بين السرة والركبة، وما عدا ذلك فهي مثل غيرها كما أن الجنب كذلك لا يكون نجس البدن، وإنما يكون عليه حدث بأمر اعتباري معنوي يحرم به عليه قراءة القرآن والمكث في المسجد وما حرم أيضًا على المحدث الحدث الأصغر، وليس أحد منهم بنجس في بدنه ولا في ثوبه وما إلى ذلك.

"وكان ﷺ يصلي على البساط" ما يبسط "وعلى الحصير" وهو الغالب وهو ما يتخذ من خوص النخل "وعلى الفروة" أي: الجلد؛ جلد الضأن ونحوها "المدبوغة وعلى الخُمْرَةِ من الخوص" وهو مصلى ينسج من الخوص الذي هو ورق أعواد النخل؛ هذا هو الخوص "وربما كان ينضحون له الحصير بالماء إذا سود من طول المكث فيصلي عليه ﷺ.." مبينا بذلك بعده  عن التنطع وعن المبالغة؛ وكثيرًا ما صلى على الطين وكان أكثر صلاته في مسجده الشريف على الطين، وقال عن ليلة القدر: "إن أُريت أني أسجد صبيحتها على ماء وطين" ولما جاء المطر وتخلل سقف مسجده وأرضية المسجد تراب، أصاب الماء التراب فسجد على الماء والطين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فالأمر فيه سعة يصلي على الخُمْرَةِ، ويصلي على البساط، ويصلي على الفروة، ويصلي على الطين، وليس في ذلك من حرج، وكل ما كان أقرب إلى التواضع والخضوع لله فذلك أولى.

ويكتشف الآن الأطباء فائدة السجود على الطين؛ وأنها من أقوى الأدوية لإخراج الفائض من الكهرباء في جسد الإنسان إلى غير ذلك، ولكن الأصل في هذه الأمور متابعة بدر البدور ﷺ فهو الأعلم والأعرف وهو مؤتمن الخالق الفاطر البديع المصور جل جلاله الذي هو أعلم بخلقه وتكوينهم وتركيبهم وحسهم ومعناهم وظاهرهم وباطنهم -جل جلاله وتعالى في علاه-؛ فلا أحسن لأجسادهم ولا أرواحهم ولا حسهم ولا معناهم من أفعال مُحمَّد ﷺ؛ ومسلكه وحركاته وسكناته وطعامه وشرابه ولباسه هو خير ما يكون لهذا الإنسان بجميع تكوينه جسدًا وروحًا وعقلًا وذهنًا ونفسًا، الأحسن لهذا الإنسان ما قام به وعليه سيد بني آدم سيد الأكوان حبيب الرحمن مُحمَّد المرسل من قبل الخالق ﷺ.

"ورأى عمر -رضي الله عنه- رجلاً يصلي على حصير فقال: الحصباء أعفر". الحصباء والسجود عليها يعفر الجبهة والأنف أكثر ومشيرًا إلى التواضع؛ وكأنه رأى من هذا تمسكا بالحصير وأن لا يصلي إلا عليه، فلفت نظره إلى أنك خذ نصيبك من وضع الجبهة على الحصباء وعلى التراب، فقال له: "الحصباء أعفر" أحسن وأكثر تعفيرا لوجهك من هذا الحصير الذي أنت عليه فيكون أكبر تواضعًا، فيكون أرفع لقدرك وأحسن لمنزلتك عند ربك جل جلاله.

"وكان عبد الله بن عامر -رضي الله عنه- يقول: رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يصلي ويسجد على عبقري وهي البسط التي فيها نقوش نسبة إلى بلاد يقال لها: عبقر". لذلك قال: عبقري نسبة إلى تلك البلد، صلى الله على سيدنا مُحمَّد وعلى آله وأصحابه، اللهم صل على سيدنا مُحمَّد وثبتنا على دربه برحمتك يا أرحم الراحمين وَجُودِكَ يَا أَجْوَدَ الْأَجْوَدِينَ. 

وجاء عن ميمونة: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى وعليه مُرطٌ وعلى بعضِ أزواجِه منه وهي حائضٌ وهو يُصلِّي وهو عليه"، يصلي وهو مرتدي به  ولابس له وطرفه على أم المؤمنين، وتقول أيضًا ميمونة: "كانَ رَسولُ اللَّهِ  يُصَلِّي وأَنَا حِذَاءَهُ، وأَنَا حَائِضٌ، ورُبَّما أصَابَنِي ثَوْبُهُ إذَا سَجَدَ، قالَتْ: وكانَ يُصَلِّي علَى الخُمْرَةِ"، كما جاء في صحيح البخاري، وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا، يقول سيدنا أنس:"فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثم ينضح ، ثم يؤمًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقوم خلفه ، وكان بساطهم من جريد النخل" كما جاء في صحيح مسلم. يقول أيضًا سيدنا أنس بن مالك: أنَّ جدَّتَهُ مُلَيْكةَ دعَت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لطعامٍ صنعتهُ ، فأَكَلَ منهُ ، ثمَّ قالَ : "قوموا فلنصلِّ بِكُم ، قالَ أنسٌ: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لَنا قَد اسودَّ مِن طولِ ما لُبِسَ ، فنَضحتُهُ بالماءِ ، فقامَ عليهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وصفَفتُ عليهِ أَنا ، واليَتيمُ وراءَهُ ، والعَجوزُ من ورائنا ، فصلَّى بنا رَكْعتينِ ، ثمَّ انصرفَ ﷺ". لتحل البركة في منزلهم ولتتحذ العجوز هذا المكان الذي صلى فيه  من بعده مُصلّى تصلي فيه فيكون أبرك لها وأقرب للقبول عند ربها ﷺ.

بل قد صرح له بعض أصحابه أنه لما كَبُرَ وعَجُزَ وبَعُدَ عن المسجد يريد أن يأتي إلى بيته رسول الله فيصلي في مكان يتخذه من بعده مصلى، فقبِلَ ذلك  وجاء، وقال: "أين تريد أن نصلي لك"، وعيَّن له موضع فقام صلى فيه ﷺ، وفيه أيضًا أنه كثيرًا ما يصلون معه جماعة في مثل الضحى وغيره من دون الفرائض ومن جملة النوافل وفي الأمر سعة. 

كذلك جاء عن سيدنا أنس والحديث في البخاري يقول: "قال رجلٌ مِن الأنصارِ، وكان -رجلًا- ضخمًا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي لا أستطيعُ الصَّلاةَ معك فلو أتَيْتَ منزلي فصلَّيْتَ فيه فأقتديَ بك فصنَع الرَّجلُ له طعامًا ودعاه إلى بيتِه فبسَط له طرْفَ حصيرٍ لهم فصلَّى عليه ركعتينِ قال: فقال فلانُ بنُ الجارودِ لأنسٍ: أكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي الضُّحى ؟ قال: ما رأَيْتُه صلَّاها غيرَ ذلك اليومِ" وغيره شاهده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

"وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول: ما أبالي لو صليت على خمس طنافس" وهي شبه الوسائد توضع وتفرش، "وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي في النعل والخف، ويقول: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" ومعلومة متصورة الصلاة في الخف وفي النعل تُحْمَلُ على ما إذا عَلِمَ طهارته، وكان في حالةٍ لائقة بذلك. وكان اليهود يستندون إلى أنَّ الله لما أراد أن يناجي موسى عليه السلام وأنْ يكلمه أمره بخلع النعال (فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى﴾ [طه: 12] فلا تزال الآية تثبت أن من مظاهر الإجلال والتعظيم لشؤون مخصوصة أن تخلع النعال لذلك، مع البيان أيضا في السنة أنه يمكن الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة؛ وإذا كان يمكن أيضًا وإذا كان يمكن أن يلوي ويعطف أصابع القدمين حتى يتم السجود على سبعة أعظُم، كما قال ﷺ وما لم يكن كذلك فلا تصح الصلاة فيه على خلاف بين أهل العلم، ومن المعلوم أن الغالب أمره وحالهُ ﷺ أنه ما يصلي إلا حافيا عليه الصلاة والسلام.

ثم ذكر لنا حديث: وكان ﷺ يقول: "الأرض كلها مسجدٌ وطهور فأيما رجل أدركته الصلاة فإن معه مسجدُهُ وطهوره"، وفي رواية: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام" هو أي مكان مخصص للغُسل، وفي رواية: "جُعِلَتْ لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً"، وكان ﷺ يقول: "نهاني جبريل -عليه الصلاة والسلام- أن أصلي في المقبرة أو المزبلة أو المجزرة أو قارعة الطريق أو فوق ظهر الكعبة أو بين القبور"، يقول: ما عثر عليه بهذا اللفظ.

وكان ﷺ يقول: "صلوا في مرابض الغنم فإنها مباركة، ولا تصلوا في أعطان الإبل"، بعد ذلك قد يكونوا أيضا في الملاءة وغيرها شيء من التصاوير فما ينبغي أن يكون أمام المصلي أيضًا شيء من الصور ولا في لبسه، فيقول: فيكره أن تكون التصاوير أمامه، لأجل أن يبعد عن التشبه بعبدة الأصنام.

 

إذا كان فيه شيء من التصاوير في البساط وإلا في الثوب: 

فيقول الحنفية: يكره للمصلي أن يصلي في ثوب فيه تماثيل، فيكره لبس ثوب فيه تماثيل أو يكون ذلك فوق رأسه أو بيده أو بحذائه أو عن يمينه أو محل سجوده تمثال، فهذا كله مكروه، واختلفوا إذا كان تحت قدمه أو محل جلوسه أنه لا يسجد عليها وليست محل إكرام واحترام فقيل لا يكره ذلك. 

يقول الشافعيةيكره للمصلي أن يلبس ثوبًا فيه تصوير أو يصلي إليه أو عليه سواء.

 ثم أنه ذكر لنا الصلاة في المقبرة : 

يقول الحنفية: تكره الصلاة في المقبرة وعليه الثوري والأوزاعي قالوا:

  • لأنها مظنّ النجاسة.
  • ولأجل البعد عن التشبه باليهود.

 قال الحنفية: إلا إذا كان في المقبرة موضع أُعِدَّ للصلاة ليس فيه قبر ولا نجاسة فلا بأس بذلك. 

يقول المالكية: تجوز الصلاة بأي مقبرة كانت عامرة أو دارسة منبوشة أم لا للمسلمين أو لكفار تجوز الصلاة ما رأوا باسًا في الصلاة في المقبرة.

 قال الشافعيةإن كانت منبوشة فما تصح الصلاة فيها لأن ترابها مختلط بصديد الموتى؛ وإلا أن يفرش بساط نحو يحول بينه وبين النجاسة؛ وان كانت غير منبوشة فلا يضر الصلاة فيها.

قال الحنابلةما تصح صلاة في مقبرة؛ ما يضر قبر أوقبرين لانه ما يعد مقبرة؛ لكن اذا مجموعة ثلاثة فأكثر قبور وصارت محل مقبرة فكرهوا الصلاة في المقبرة، وقالوا بعدم صحتها هذا كلام أهل الفقه فيما يتعلق بالصلاة في المقبرة.

ومن المعلوم أن القبور الثلاثة لما أدخلوها في المسجد الشريف صار الناس يصلون أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها بلا إنكار لأحد من عهد بقي فيه بعض الصحابة وبقي فيه سادة التابعين ومن بعدهم ومضوا على ذلك، ولما وسعوا المسجد، ولما أمر الأمير بتكسير الحجر الشريفة وبكى الناس كثير يوم تكسير الحجر في عهد الحسن البصري، ويقول: وددت أنهم تركوها، ويرى الناس كيف عاشوا، قال:كنت أدخلها فأمد يدي فتنال السقف وعاش فيها ، وقالوا: فلم تُرا المدينة أكثر بكاءً بعد يوم وفاته من يوم كسرت الحجر لا إله إلا الله 

إذا كان الجنازة بيصلي عليها في المقبرة؟

 يقولون لا بأس بذلك وهو أيضًا رواية عن الإمام أحمد، وكذلك مذهب الحنفية، وفي قولٍ يكره ففي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد. 

ومن المعلوم أنه صلى على بعض الموتى وفي قبورهم جاء إلى وسط المقبرة وصلى على ذلك الميت ﷺ، فلا إشكال في من أراد أن يصلي على ميت قد قُبِر أن يقوم على قبره فيصلي عليه كما صحّ عنه ﷺ.

كذلك الحمّام أي: المكان أو الموضع المعد للغسل، لما فيه من الشغل بغير الصلاة، أو لأنه مكان قد تكشف فيه العورات أويغفل فيه، فلا يستحب ذلك ولكن لا يحرم ولا تبطل الصلاة إذا صلى في الحمام من دون ما يلامس نجاسة، لقوله ﷺ "جعلت لي الأرض مسجدًا".

وفي رواية عند الحنابلة كما قالوا في المقبرة: أن الحمام والمقبرة سواء عندهم ما تصح الصلاة فيه، ما تصح فيها الصلاة.

وأما من كان حُبسَ في حمام وغير ذلك فيجب عليه أن يصلي باتفاق مايجوز يؤخر الصلاة عن وقتها.

"وكان أنس -رضي الله عنه- يقول : إنما كان ﷺ يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد"..

كذلك المزبلة إذا كان فيها النجاسة فالصلاة لا تصح فيها. 

وإذا لم تكن بها نجاسة:

  • وإن صحت الصلاة عند الحنفية والشافعيّة مع الكراهة.
  • ولم يذكر الكراهة المالكية إذا ظن أو جزم بالطهارة المكان الذي صلى فيه فلا شيء عليه.
  • والرواية أيضًا عن الإمام أحمد كما يروى في المقبرة فسوّى بين المقبرة والمزبلة والحمّام في الرواية عنه ماتصح الصلاة فيه وفي الرواية الثانية القول بالكراهة.

إذًا: هناك أماكن تكره الصلاة فيها كما أشار في الحديث.

يقول: "وكان ﷺ ينهى عن الصلاة في مواضع الخسف والعذاب"، الأماكن التي جرى عليها خسف أحد من الناس أو نزل بها العذاب كأرض بابل ومدائن قوم لوط.

وكان ﷺ يقول: "إذا سُقِيَ الحائط الذي يلقي فيه العذرة والنتن ثلاث مرات بالماء فصل فيه" يعني: صار طاهرًا.

"وكان ﷺ يحب الصلاة في الحيطان يعني البساتين،"، ويحب صلاة النافلة في البيوت، "وكان ﷺ يقول : "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً فإن الله تعالى جاعل في بيت أحدكم من صلاته خيراً"، لما بنى الإمام عبد الله بن عمر بن يحيى بيته جعل الصلاة في كل غرفة من غرف البيت، قرأ ختمة وهو قائم في الصلاة في كل غرفة، وفي كل درجة من درج البيت قرأ في الصلاة ختمة فتنور البيت، "البيت الذي يُقرأ فيه القرآن يتراءى إلى أهل السماء كما تتراءى النجوم إلى أهل الأرض"، الآن كثير من المسلمين من يوم بنى بيته ما حد ختم ختمة لا في غرفة ولا في غرفتين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هجروا القرآن والعلم والسنن، فالله يحيي ما مات ويرد ما فات على المؤمنين المؤمنات.

فأما أماكن الذين ظلموا أنفسهم وأهلكهم الله فتكره الصلاة فيها ولقوله ﷺ: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون أن يصيبكم مثل ما أصابهم"، ولما مر على محل هلاك قوم ثمود في طريقه إلى تبوك تَقَنَّعَ بردائه وأسرع المشي حتى قطع المسافة، المكان الذي نزل عليهم العذاب فيه، ثم وجد الصحابة قد استقوا من بئر وعجنوا، فقال لهم: لا تستقوا من بئر القوم هؤلاء هناك بئر النبي صالح استقوا من تلك البئر، قالوا: إنا يا رسول الله قد استقينا؟ قال: أريقوه، قالوا: وعجنا عجين، قال: أطعموه الدواب، أعطوه الدواب واستقوا من بئر النبي صالح واستقوا من البئر الثانية، تحرزًا من أماكن الغضب ويكره الوضوء من مائها، لا إله إلا الله.

يقول الحنفية والشافعية والرواية عند الحنابلة: أنه تكره الصلاة مع الصحة في مثل الطريق والحمام والمزبلة والمجزرة والكنيسة وعطن الإبل والمقبرة وهكذا، مع ما جاء أن "النبي  نهى عن أن يصلى في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق في الحمام في معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" -في السطح- جاء في رواية الترمذي وقال إسناده ليس بالقوي وهكذا.

جاء أيضًا: الصلاة في الصحراء وأن الصلاة في الصحراء بخمسين صلاة وأنه إذا صلى المؤمن في الصحراء من دون أذان ولا إقامة صلى معه ملكاه، فإذا أذن وأقام صلى خلفه أمثال الجبال من الملائكة، وفي رواية "صفان من الملائكة" إذا صلى بأذان وإقامة، ولذا كان يغنم كثير من الصالحين في أثناء السفر إذا مر بالصحراء  وحضره وقت الصلاة يخرج فيؤذن ويقيم فيصلي في الصحراء لأنه ورد في ثوابها أحاديث مخصوصة؛ حتى قال: "بخمسين صلاة الصلاة في الفلاة"، حتى اختلفوا في الانفراد في الفلاة والجماعة في العمران أيهما أفضل؟.

 يقول:"فلا تتخذوا بيوتكم قبوراً صلوا فيها ، يعني لا تتخذوها كالقبور في ترك الصلاة فيها"، فإن أكثر الأموات ما يؤذن لهم الصلاة في قبورهم إلا من اختصَّ الله -تبارك وتعالى- كمثل الأنبياء وخواص من الناس، وبقية القبور ما فيها أي نوع من العبادة، قد طويت صحائفهم وانتهى ولكن يؤذن الله لمن يشاء، والحديث صحيح "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون"، "ومررت على موسى يوم أسري بي وهو قائم يصلي في قبره" ولما دفنوا ثابت البناني وسقط على أحدهم بعض كيس له فيه نقود رجع فتح فوجده يصلي، فسأله أن يأخذ النقود ورده عليه، ورجع إلى عند أخته ما كان يصنع أخوك، وقالت: لماذا تسأل عنه؟ قال: له أحب أن أعرف عمله، قالت: لا؛ ما هذا السؤال! لمَ تسأل عنه؟ فلما اخبرها قالت: أما إذا قلت ذلك فإني سمعته منذ خمسين سنة يتهجد في هذا المكان ويقول في دعائه "اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطنيها في قبري" فما كان الله ليرد دعائه قالت: خمسين سنة وكل ليلة يدعو أن الله.. فأعطاه الله ذلك لا إله إلا الله لأنسه بالصلاة وما وجد فيها من اللذة قال أردت في قبري أن أصلي لك، الله لا إله إلا الله.

 

قال: "ورأيت رسول الله ﷺ صلى ركعتين في الكعبة بين العمودين اليمانيين"،عندما يدخل من باب الكعبة إلى الأمام فيواجهه الجدار الغربي للكعبة الذي يقابل الباب ويكون هناك بين عمودين كانا قائمين بين "العمودين اليمانيين عن يسار الداخل ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتي ففيه الصلاة في جوف الكعبة، ولما طلبت السيدة عائشة أن تصلي في الكعبة ما أحب لها أن تزاحم الرجال ولا أحب أن يمنع الرجال من أجل أم المؤمنين فقال لها: "ادخلي الحجر صلي في الحجر فإنه من الكعبة"، وقصرت بقريش النفقة فتركوه فصلي هناك فإنه من الكعبة، أمرها أن تصلي في الحجر ونحو ست أذرع من الحجر هي من عين الكعبة قصرت النفقة بقريش فقصَّروها. 

رزقنا الله الإقتداء والإهتداء بحبيبه محمد  وثبتنا على دربه، وجعلنا في الهداة المهتدين الشاربين من شربه ووقانا به الأسواء وصلاح في السر والنجوى.

 

الفاتحة

إلى حضرة النبي محمد اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

04 شَعبان 1445

تاريخ النشر الميلادي

13 فبراير 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام