شرح الموطأ - 532 - باب ما جاء في تَرِكَة النَّبِيِّ ﷺ، وباب ما جاء في صِفَة جَهَنَّم، وباب التَّرْغِيبِ في الصَّدَقَة
للاستماع إلى الدرس
Audio Stream
Audio Stream
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب ما جاء في تَرِكَة النَّبِيِّ ﷺ، كتاب صفة جهنم: باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ، كتاب الصدقة والعلم ودعوة المظلوم: باب التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ.
فجر الأحد 27 شعبان 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ
2863- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوفِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ".
2864- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دَنَانِيرَ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ".
باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ
2865- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ، جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءاً".
2866- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَتُرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ، لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ. وَالْقَارُ الزِّفْتُ.
باب التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ
2867- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ طَيِّباً، كَانَ إِنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، يُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ".
2868- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
2869- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَعْطُوا السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ".
2870- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ الأَشْهَلِيِّ الأَنْصَاري، عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لاَ تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً".
2871- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ مِسْكِيناً سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلاَّ رَغِيفٌ، فَقَالَتْ لِمَوْلاَةٍ لَهَا: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَتْ: لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، قَالَتْ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ، أَوْ إِنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِى لَنَا، شَاةً وَكَفَنَهَا، فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: كُلِي مِنْ هَذَا، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ.
2872- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مِسْكِيناً اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ، فَقَالَتْ لإِنْسَانٍ خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْجَبُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَتَعْجَبُ؟ كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ؟
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمِنا برسالة خاتم النبيين، وشَرَح الصدور لها للمُقبلين والمتوجهين، وجعلها السبب الأقوى لنيل رضوانه الأكبر ومرافقة المُرسلين. اللَّهم صلّ وسلِّم وبارك وكرّم على مَن بيّنت لنا به الشريعة، وأدخلت مَن انقاد إليه إلى حصونها المنيعة، سيِّدنا مُحمَّد صاحب الدرجات العليّة الرفيعة والجاهات السنيّة الوسيعة، وعلى آله وأصحابه ومَن سار على دربه فأضحى تَبَيعه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أهل المراتب العليّة الرفيعة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المُقرّبين وجميع عبادك الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
وبعدُ،
فيذكر لنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في خواتيم كتابه الموطأ كثيرًا من مسائل الآداب والاعتقاد والعلم. وذكر في هذا الباب مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ. والتركة؛ ما خلَّفه الميت من مال أو حق، وقد خُصَّ الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم في قول جماهير أهل السُّنة أنهم بالنسبة للأموال والمتاع وشؤون الدُّنيا لا يُورَثون، وأنهم ما خلَّفوا من ذلك يتولاه مَن بعدهم في صرفه حيث كانوا يصرفون، وفي عيلتِه مَن يعولون، ويبقى صدقة بعد ذلك لأُمتهم، فكذلك سيِّد المُرسلين نبينا مُحمَّد ﷺ.
وذكر أنه خطر ببال بعض أُمهات المؤمنين أن يبعثن إلى أبي بكر الصديق، ويرسلن إليه عثمان بن عفان -رضي الله عنهم- ليعطيهن الثُّمُن مما ترك رسول الله ﷺ من المال تركة لهن. فلمَّا عَزمن على ذلك، ذكرتهن السيِّدة عائشة -عليها رضوان الله- بقوله ﷺ: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ". كما جاء في الرواية: "إنّا معاشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركنا صدقة".
واختلفوا هل يرِثونهم هم من أقاربهم أم لا؟ والذي عليه الجمهور أنه نعم، يمكن أن يرثونهم ممَن مات من قرابتهم ولكن لا يرِثهم مَن بعدهم فيما يتعلّق بالمال، وبهذا المعنى الخاص في قسمة الأموال. وأما مواريث جميع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من أماناتهم في هديهم ومسلكهم، فهي موروثة لمَن يأتي بعدهم، كما قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل:16]. وقال عن سيِّدنا زكريا -عليه السَّلام-: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) [مريم:5-6]. ومن جملة ذلك ما يورَث في القيام بما خلَّفوا من المال في صرفه حيث كانوا يصرفون، وإعالة مَن يعولون.
هذا الإرث والمواريث الكبرى العظمى من أمانة التقوى، وأمانة الهدي النَّبوي، وأمانة الشريعة والإسلام والدين، وكرامة العلم والمعارف، فنِعم ذلك الإرث الغالي الثمين، والذي خُصَّ منه -بالنسبة لنبينا- سيِّدنا علي بن أبي طالب بأوفره وأكثره وأجزله، وقال في ذلك: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها". فكانت تلك المواريث العظيمة والتي لم تزل متنقلّة ومتوزِعة في أهل الاستعداد والتّؤهل والتهيؤ من أهل بيته وصحابته والتابعين فتابعيهم بإحسان على مَمر القرون.
وكان أبرز ما يورَث به الأنبياء، العلم النافع والعلم بالله وصفاته وأحكامه وشرائعه -جل جلاله- وأخباره وأخبار رسله وملائكته واليوم الآخر وما إلى ذلك. فهذا النوع من العلم من أشرف ما يورَث عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. و "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم"؛ أي لم يورثوا دينارًا ودرهمًا ليملِكه أحد بحكم الشرائع في توريث القرابة منهم، وما تركوه من درهم ودينار، فما الإرث فيه ملك أحد من قراباتهم ولا أهل الإرث فيهم ولكن إرثه بأن يقوم القائم الأمين عليه من قرابتهم أو من غير قرابتهم ليؤدون فيه حق الله تعالى صدقةً للمؤمنين، يراعون فيه نفقة ذويهم وقرابتهم قبل غيرهم، ويسلكون المسلك الذي كانوا ينفقون فيه في حياتهم، صلوات الله وسلامه عليهم.
وهكذا، قالوا باحتمال أن السيِّدة عائشة سمعت الحديث من رسول الله ﷺ كما سمعه أبوها وغيره، واحتمال أن تكون سمعته من أبيها، فعلمت به فأرشَدت بقية أمهات المؤمنين أنه لا سبيل لأخذ شيء من التركة، وأن ما خلّفه ﷺ من السهم في فدك وغيره إنما يصرف في المصالح التي كان يصرفه فيها ﷺ في حياته. وتلك المصارف هي التي صرف إليها أبو بكر ثم عُمَر، وفي بعض المدة سلمها لصرفها في نفس تلك المصارف لسيِّدنا العباس بن عبد المطلب وسيِّدنا علي بن أبي طالب، ثم أرجعها إليه، ثم لم تزل تُصرف في تلك المصارف في عهد سيِّدنا عثمان، ثم تولى سيِّدنا علي إمارة المؤمنين ولم يصرفها إلا في تلك المصارف التي صرفها مَن قَبله من عهده ﷺ إلى من بعده، صرفها في تلك المصارف ولم يسلك بها مسلكًا آخر ولم يستنَّ بها سنة أخرى، كرَّم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه.
وهكذا أورد لنا هذا الحديث، ثم حديث "لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دَنَانِيرَ". لا يقتسم ورثتي؛ أي ممَن يكون لهم جهة الإرث من أزواجه أمهات المؤمنين، وابنته الزهراء، فلم يبقَ من ولده إلا هي فيه عند وفاته ﷺ وعصَبَتُه بعد ذلك من مثل عمه العباس -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، فهؤلاء ورثته. قال: "مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي"؛ أي: المراد به عامله الذي يخلفه من بعده يقوم بالمهمة، "مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ". أي ذلك المتروك صدقة، ولمَّا أن أزواجه اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كان لا بُدَّ لهنَّ من القوت، فكان فيما تركه ﷺ لهنَّ نفقة جزاء ما كنَّ آثرن الله ورسوله والدار الآخرة.
باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ
وذكر لنا الخبر عن جهنم، أجارنا الله منها وحرسنا منها، وجعلنا من الذين سبقت لهم منه الحسنى، وختم لهم بها، فهم عنها -عن النار- مبعدون، (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ) [الأنبياء: 102]. وقد جاء على القرآن ولسان رسول الله ﷺ أخبارًا عن الجنة وعن النار، وما أعدّ الله للطائعين المؤمنين والعُصاة الكُفار. جعلنا الله من أهل طاعته والوارثين للفردوس الأعلى في جنته، اللَّهم آمين.
قال: "نَارُ بَنِي آدَمَ"؛ أي: النار التي جعلها الله لنا في هذه الأرض، وقال عنها: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ) بل أنت يا رب، لك الحمد (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:71-73] تذكركم بنار الآخرة. قال: هذه نار بني آدم التي يوقدون إياها، وفي لفظ مسلم: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم، جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". يريد حرّها، جزء من سبعين جزءًا من حر نار جهنم. أجارنا الله من النار، اللَّهم أجرنا من النار. لكل جزء من هذه السبعين مثل حر هذه النار، فكيف تكون مجتمعة؟ وقالوا له في بعض الروايات كما عنده، "فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً". هذه تحرّق وتؤذي وتؤلم، ولا تخلي لحم ولا عظم ولا شحم وتُنهيه، "إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً". لا تُستطاع، وتحرِّق أجزاء ابن آدم كله ولا يبقى شيء. قَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا"؛ يعني نار جهنم، فُضِّلت على هذه النار في حرّها وألمها وشدتها، "بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءاً". إنما هذا جزء من سبعين جزء من نار جهنم، باقي تسعة وستون مثله في الحرارة والإيلام مخزون ومودوع في نار جهنم. اللَّهم أجرنا من النار.
وأرشدنا أن نقول بعد صلاة الصُّبح وبعد صلاة المغرب سبع مرات: "اللَّهم أجرني من النار". ووعدنا أن مَن قالها بعد الصُّبح قبل أن يتكلم، فمات من يومه أجاره الله من النار. ومَن قالها بعد المغرب، فمات من ليلته أجاره الله تعالى من النار. (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].
وهكذا يقول سيِّدنا الإمام الغزالي: نار الدُّنيا، لا تناسب نار جهنم لكن لما كان أشدّ عذاب في الدُّنيا عذاب هذه النار، عُرِّف عذاب جهنم بها، وإلا فالفرق كبير!.. وهيهات.. لو وجد أهل الجحيم الذين أُدخلوا النار في الآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لو وجدوا مثل هذه النار لخاضوها هربًا مما هم فيه. وجاء في بعض الآثار أنه لو أُخرج أحد منهم بعد أن يُصلى بشدة حر نار جهنم إلى حر نار الدُّنيا لقال: ما أبردها! لقال: ما أبردها! قالوا: حتى ولَناموا فيها، بعدما يقاسون أشد حرارة وأشد عذابًا. اللَّهم أجرنا من النار وأهلينا وأولادنا وذوينا وقراباتنا والمسلمين، برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
ويروى أنه لما أراد الله خلق نار الدُّنيا لبني آدم لحاجتهم، أمر جبريل أن يأخذ شرارة من نار جهنم ثم يغمسها في البحار سبع مرات ثم جعلها أصل ما يوقد من النار في ظهر الأرض وفي هذه الدُّنيا. وجاء في رواية: وضُرِبَت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد. اللَّهم أجرنا من النار. وهكذا يقول سبحانه وتعالى: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) [البقرة:175]؛ ما يقدرون عليها ولكن يعرِّضون أنفسهم لها بكلام خبيث، بنظر خبيث، بفعل خبيث، ما يساوي شيء، وبمقابل ملك حقير زائل يعرضون أنفسهم لهذا الحريق وهذه النار. اللَّهم إنا نعوذ بك من نار جهنم وحرها وعذابها وعقاربها وحيّاتها وما جعلت فيها. اللَّهم اجعلنا من الذين سبقت لهم منك الحسنى فهم عنها مبعدون.
باب التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ
ثم ذكر لنا الصدقة والترغيب فيها، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ طَيِّباً" ومَن يأخذ الشبهات ويقول إنه تصدق، نقول: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. يقول: "وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ طَيِّباً"، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:10]. والطيب الحلال الذي يراد به وجه الله -تبارك وتعالى- لا يقبل الله صدقة بالحرام ولا بالشبهات، وإن كان الواجب على مَن اكتسب مال حرام ثم لم يقدر أن يؤديه لأصحابه ولم يعثر عليهم، يجب عليه أن يجعله في شيء من المصالح العامة ومنها الصدقة على الفقراء والمساكين، ما هو على وجه التصدق أنه من ماله ولكن على وجه حفظ المال الضائع فقط وردّه وليبرئ ذمته، لا ليكتسب الثواب بالصدقة. ما يكتسب الثواب بالصدقة إلا ليبرئ ذمته من العذاب والمؤاخذة على ما أخذ من المال من غير حِله إذا لم يستطع أن يرده إلى مالكه، فيصرفه في مصلحة عامة، لا لينال ثواب الصدقة ولكن ليبرئ ذمته من إثم المال هذا وأخذه.
قال: "إِنَّمَا يَضَعُهَا"؛ أي: المُتصدق "فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ"؛ يعني: في عنايته ورعايته وقبوله. فهذا المعنى أنها تقع عند الله بمنزلة قبل أن يفرح بها الفقير والمحتاج وتقع عليه، إذا خرجت من الحلال، يُقصَد بها وجه الله؛ تقع عند الله تعالى بمنزلة تُذخر لهذا المُتصدق قبل أن تقع في يد المسكين، وقبل أن يفرح بها ذلك المسكين. "إِنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، يُرَبِّيهَا" له؛ يعني: يُنمي له ثوابها وخيرها وجزاءها "كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ"؛ المُهر من أولاد الفرس، أولاد الخيل، "كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ"، قال: الفصيل ولد الناقة، والفلو ولد الفرس، "حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ". فجاء في رواية: "حتى تكون التمرة كجبل أحد" من تربية الله لها وتنميته لها. وهذا فضل من الله تعالى على مَن يتصدّق من أجله. (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:274]، ويتضاعف أجر الصدقة في رمضان، لياليه وأيامه إلى ألف ضعف.
ويقول سيِّدنا أنس بن مالك: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ" وكان قد تزوج أمه "أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ"؛ بئر فيها مزرعة كبيرة فيها نخيل ممتاز كثير، اسمها بَيْرُحَاء. وجاء في بعض الروايات بريحاء ولكن أشهرها بَيْرُحَاء. وهذه من جملة أموال سيِّدنا أبي طلحة رضي الله تعالى عنه. قال: "وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ" فهي داخل الآن وسط المسجد، مستقبلة المسجد بالحدود التي كانت في حياته ﷺ. "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ" فيها بعض الآبار حلوة الماء ويشرب من مائها ﷺ. "قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ)"؛ لن تبلغوا حقيقة البر وكماله "(حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92]"؛ حتى تنفقوا مما تحبون؛ أي بعض ما تحبون من المال والجاه وغيره. "قَامَ أَبُو طَلْحَةَ" وكانوا يتفاعلون مع وحي الله وما ينزل على رسوله ﷺ، ويطبقونه، ورسوله ﷺ علَّمهم، كانوا عمليين. "قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ". وفي رواية: أُشهدك أني تصدقت ببَيْرُحَاء لله تبارك وتعالى، فاستشهِد يا رسول الله، أني جعلت بَيْرُحَاء صدقة.
"أَرْجُو بِرَّهَا" وخيرها "وَذُخْرَهَا" نتيجتها المؤخرة المدّخرة "عِنْدَ اللَّهِ" تعالى، "فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ."؛ تصرّف فيها على نظرك وترتيبك، واصرفها حيث أردت، هي صدقة لله، ضعها حيث تشاء. في رواية: "حيث أراك الله". "قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَخْ"؛ يعني: أمر حسن جميل يقال عند الثناء على الأمر والرضا به. "بَخْ"، ويقال: " بَخٍ"، ويقال: "بَخٍ بَخٍ" أو " بَخٍ بَخْ"، إذا جاء بها مرتين، "بَخٍ بَخْ" وتسكَّن فيها الخاء، فهو من "هل" و "بل" في التسكين، أو تكون مكسورة منونة "بَخٍ بَخٍ"، فهي كلمة تقال عند تقدير شيء والفرح به والإشارة إلى تميزه وحسنه وجماله.
"بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ"؛ أي: ربحت بهذا المال أرباحًا عظيمة ونلت به ثوابًا كبيرًا ومنزلة جليلة "ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ". وجاء في رواية، "رائح"؛ أي يروح عليك ثوابه، فما قدمته لآخرتك فرائح عليك؛ أي: راجع إليك مدخور لك ثوابه. "وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهِ" أنك تريدني أن أصرفها حيث أردتُ، "وَإِنِّي أَرَى -يقول ﷺ- أَنْ تَجْعَلَهَا"؛ مالَك هذا والأرض بَيْرُحَاء "فِي الأَقْرَبِينَ" أقرب الناس منك من المسلمين، أعطهم إياه. "فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ". كان منهم حسان بن ثابت وأُبيُّ بن كعب، وأخيه أوابن أخيه، فكانوا هم الأقارب، فقسّمها -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-. قال: فجعلها حدائق بين حسان بن ثابت وأُبيِّ بن كعب وبعض أقاربه الآخرين.
ثم ذكر أن للسائل حق ما لم تدل القرائن على كذبه أو خداعه أو صرفه للأمر في غير مرضاة الله. "وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"؛ يعني ما تردّه وإن كان على حالة تدل على الغنى، معه فرس يركبه وعاده يسأل، لماذا يسأل! يقول: لولا حاجته للسؤال ما بذل وجهه، حتى تدل قرينة على كذبه أو على تكثره أو على صرفه المال في غير محله، فحينئذ يكون له حكمه، وإلا فالأصل أن السائل له حق.
"وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"؛ أي ولو ظهر بمظهر الغِنى. حتى قال عيسى بن مريم -عليه السلام- كما أخرجه الإمام أحمد في الزهد، يقول: إن للسائل حقًا وإن أتاك على فرس مطوق بالفضة. ثم جاء أيضًا في الحديث أنه ينبغي أن لا يُرد السائل ولو بأي شيء يسير، فإن لم يجد فبالكلمة الطيبة، وخصوصًا أول سائل يسأل في النهار، وإن الله قد يرسل ملائكة في صورة سائلين يختبر عباده، وأن التبكير بالصدقة يكون حرزًا وحصنًا مانعًا من بلاء ذلك اليوم. "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة".
وهكذا قالوا لبعض العلماء الأخيار كان في سيئون يخرج آخر الليل إلى المسجد ويؤكد على أهله مُدّ من الطعام يكون في الرف أو نصف مُدّ، يقول لهم: إذا طلع الفجر فأخرجوه. ويخرجونه أول ما يطلع الفجر وهو في المسجد، ليكون حصنًا من البلاء حتى جاؤوه يومًا بعد صلاة الصُّبح وهو جالس يعمر الوقت إلى الإشراق في المسجد، فقالوا: إن ابنك سقط وكسِرت رجله، قال: ما أخرجتم الصدقة؟ قالوا: نسينا اليوم، عادنا ما خرّجناها، قال: خلاص فهذا هو جزاؤكم، وأنا الآن أكمل أورادي، وسآتي في وقتي، والولد إن شاء الله ربي يجبر كسره خرّجوا الصدقة، أخرجوا الصدقة، ورجع بعد ذلك.
يقول ﷺ بعد ذلك لا تحقروا شيء من المعروف ولو قل واجعل من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق. ويقول: "يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لاَ تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ" أن تهدي "لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً". ما هو فقط كراع بل ومحروق.. فهذا التصدق بما يتيسر وإن قلَّ فإن الله يجزي على الذرات التي فيه، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة:7].
وذكر أن عَائِشَةَ أم المؤمنين -رضي الله عنها- وقف على بابها مسكين "سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلاَّ رَغِيفٌ، فَقَالَتْ لِمَوْلاَةٍ لَهَا: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ." هذا الرغيف الذي معها لتفطر عليه، أعطوه هذا السائل. "فَقَالَتْ" لها الخادمة: "لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ." ما عندك شيء في البيت إلا هذا "فَقَالَتْ: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، قَالَتْ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا" ما عندها فطور "أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ، أَوْ" قالت: "إِنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِى لَنَا" في الماضي، ولا سبق أن أهدى لهم، في تلك الليلة حرّك الله قلبه ببركة صدقة السيِّدة عائشة لما آثرت بكل الذي معها في البيت وهي صائمة، أخرجته، وما بقي عندها فطور ولا عشاء، فحرك الله قلب هذا الذي ما كان يهدي لنا شيئًا، فأهدى لنا "شَاةً وَكَفَنَهَا"؛ يعني: كانت ملفوفة بالرغيف؛ يعني: ما يغطيها من الرغفان والخبز، فشاة وخبز فوقها كامل جاء. قالت: "فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: كُلِي مِنْ هَذَا هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ." الذي قلتِ عنه: لمَ تخرجينه وليس معكِ شيء تفطرين عليه؟ شوفي هذا، شوفي ربكِ جاب هذا. كلي من هذا، هذا خير من قرصك -رضي الله عنها- وهذه تربية النبي ﷺ.
قالت: "مِسْكِيناً اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ، فَقَالَتْ لإِنْسَانٍ خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا"؛ حبة من العنب "فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْجَبُ"، أعطيه حبة واحدة عنب؛ أي شيء تقع له؟ "فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَتَعْجَبُ؟ كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ؟" ربك قال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، كم ذرات فيها هذه؟ كل واحدة منها، كل ذرة منها، فيكافئنا الله عليها ويجازينا عليها.
وجاء في رواية، أنه سألها سائل فأمرت له بتمرة، فقال: يا أم المؤمنين، إنكم لتتصدقون بالتمرة؟ قلت: نعم والله إن الخلق كثير ولا يشبعه إلا الله، أوليس فيها مثاقيل ذرٍّ كثيرة؟ وجاء عن سيِّدنا أنس فيما أخرجه الزجاجي في أماليه، قال: إن سائل أتى النبي ﷺ فأعطاه تمرة. قال السائل: نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة! فقال النَّبي ﷺ: "أما علمت أن فيها مثاقيل ذرٍّ كثيرة؟". وفي رواية عند البيهقي: أتى النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- سائل فأعطاه تمرة، فقال الرجل: سبحان الله نبي من الانبياء يتصدق بتمرة، فقال النَّبي ﷺ: "أما علمت أنّ فيها مثاقيل ذرٍّ كثيرة؟" فأتاه آخر، فسأله، فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي، لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أزال أرجو بركتها أبدًا، فأمر النَّبي ﷺ بمعروف، وما لبث الرجل أن فتح الله عليه أبواب، استغنى وصار من أغنياء الناس لأنه عظَّم التمرة التي أخذها من رسول الله ﷺ. ذاك الأول استقلها وعاش فقيرًا بعد طول عمره، قال نبي يتصدق بتمرة!. وهذا الثاني لما جاءته تمرة قال: من يد رسول الله! أهلًا وسهلًا يا مرحبا، ما تفارقني هذه التمرة، هذه بركة مني طول عمري، أخذها يتبرك بها، فما فتئ أن ففتح الله عليه باب الرزق وصار من أغنياء الناس وأغناه الله تعالى لأنه عظَّم التمرة التي جاءته من زين الوجود ﷺ.
وقد أوحى الله تعالى إلى سيِّدنا داود: يا داود، إذا سقت إليك حبة مسوسة، حبة، حبة طعام مسوسة، فاعلم أني ذكرتك بها، فاشكرني عليها. قل: ممَن جاءت هذه؟ أنا أرسلتها إليك، ذكرتك، فاشكرني أني ذكرتك وأرسلت إليك، وإن كانت حبة مسوسة ولكني ذكرتك بها فاشكرني عليها. لا إله إلا الله… وهكذا، وهذه جاءت من يد رسول الله ﷺ، الله يرزقنا الأدب ويوفقنا للصدقات ويجعلنا من أهل الخيرات.
وقد بُعث لسيِّدتنا عائشة بعشرة آلاف، فجعلتها في أكياس، فرقتها. بعدها قالت لها الخادمة، كانت صائمة والخادمة جاءت قدمت لها تمرًا وقالت لها: لو أنك حين قسمتِ اليوم الدراهم، تركت لنا درهمًا أو درهمين نشتري لك لحمًا تفطرين عليه؟ قالت لها: لو ذكرتيني من أول لكنت تركت درهمًا أو درهمين. ما ذكرتيني خلاص.. فرقت العشرة الآلاف كلها، والفطور ما عاد شيء عندها لكنها تربية زين الوجود ﷺ، وكل امرئٍ في ظل صدقته يوم القيامة.
اللَّهم املأ قلوبنا بالإيمان واليقين، واجعلنا في الهُداة المُهتدين، ورقِّنا أعلى مراتب الصدق والتمكين في متابعة حبيبك الأمين، واجعل لنا بصدق متابعته حظًا وافرًا من نظرتك في أول ليلة من رمضان لأُمته، وأدخلنا في دائرته، واحشرنا في زمرته، وحنّن روحه علينا، وعطِّف قلبه علينا، وأكرمنا وأسعدنا بمرافقته الكريمة، واجعلنا من أهل القُرب التام منه، وتولنا به حيثما كنا وأينما كنا في الحس والمعنى، وأصلح أحوال أُمته، فرج كروبهم، وادفع البلاء عنهم، واجمع شملهم على ما تحب في عافيه بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
تاريخ النشر الهجري
27 شَعبان 1444
تاريخ النشر الميلادي
19 مارس 2023
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(163)
(616)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(339)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(9)
(4)
(24)
(394)