شرح الموطأ - 531 - كتاب الكلام: باب ما جاء في مُناجَاة اثنَيْن دون واحد، باب ما جاء في الصدق والكذب، إلى باب القول إذا سمعْتَ الرَّعد
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الكلام: باب مَا جَاءَ فِي مُنَاجَاةِ اثْنَيْنِ دُونَ وَاحِدٍ، وباب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وباب مَا جَاءَ فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ، وباب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْعَامَّةِ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وباب مَا جَاءَ فِي التُّقَى، وباب الْقَوْلِ إِذَا سَمِعْتَ الرَّعْدَ.
فجر السبت 26 شعبان 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي مُنَاجَاةِ اثْنَيْنِ دُونَ وَاحِدٍ
2849 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ، حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ: اسْتَأْخِرَا شَيْئاً، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ".
2850 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ ثَلاَثَةٌ فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ".
باب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
2851 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ "لاَ خَيْرَ فِي الْكَذِبِ". فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ".
2852 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَكَذَبَ وَفَجَرَ.
2853 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟ يُرِيدُونَ الْفَضْلَ. فَقَالَ لُقْمَانُ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِينِي.
2854 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ، وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ، فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
2855 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ". فَقِيلَ لَهُ : أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ فَقَالَ: "نَعَمْ". فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّاباً؟ فَقَالَ: "لاَ".
باب مَا جَاءَ فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ
2856 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثاً، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثاً، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ".
2857 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ".
باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْعَامَّةِ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ
2858 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ".
2859 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لاَ يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَاراً اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ.
باب مَا جَاءَ فِي التُّقَى
2860 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطاً، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ وَبَيْنِى وَبَيْنَهُ جِدَارٌ، وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ، وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ.
2861 - قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا يَعْجَبُونَ بِالْقَوْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ، إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى عَمَلِهِ، وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى قَوْلِهِ.
باب الْقَوْلِ إِذَا سَمِعْتَ الرَّعْدَ
2862 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيدٌ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغرَّاء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيِّدنا محمدٍ صلى الله وسلَّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن والاهم في الله واتبعهم سرًّا وجهرا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، المرتقين في الفضل أعلى الذُرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر لنا الإمام مالك في خواتيم كتابه الموطأ أنواعًا من الآداب التي علّمها سيّد الأحباب، من أُنزل عليه الكتاب سيدنا محمد ﷺ، ويتحدّث من جملة آداب الكلام والمناجاة بين الناس، أي: المخاطبة بينهم، كما أشار إليها القرآن بقوله: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114].
وكذلك جاء في جوامع آداب المناجاة آيات في سورة المجادلة في قول: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) [المجادلة:7] إلى ما بعدها من الآيات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ) [المجادلة:9]، إلى آخر ما ذكر سبحانه.
وذكر النبي ﷺ في هذا الحديث من الآداب أن لا يُسِرّ واحدٌ سرًّا في أذن أخيه مع وجود ثالث؛ فإن ذلك يُحزنه أو يكون مدعاةً لأن يتوقع الشر والسوء والظن، وأنهما يتآمران عليه في شيء أو يتكلمان عن شيء من الحطّ في شأنه أو من الاحتقار له، أو غير ذلك من الوساوس التي يوسوس بها الشيطان للإنسان، فعلّمنا ﷺ أن نبتعد عن مثل تلك المثارات وتلك المواضع المثيرة للحَزَن أو سوء الظن.
وقال: "لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ"، وفي معنى التناجي أيضًا: ما كان من الكلام بلغةٍ لا يعرفها الثالث، فيتكلّمان بلغةٍ لا يعرف ما يقولون، فيُوسوس له الشيطان أنهم عليك يتكلمون أو يكيدون لك كيد أو يرتبوا لك مكيدة إلى غير ذلك مما جاء، فعُلِمَ أن لقرائن الأحوال في هذه الشؤون أثر، وحين كان التناجي بين اثنين أو المخاطبة سرًّا أو بلغةٍ لا يفهمها الثالث:
- حيث كان مدعاةً لسوء الظن والحَزَن فهي ممنوعة.
- وحيث سلمت من ذلك بشيءٍ من الأحوال بأن يعلم صديقه وصاحبه أو لا يعلم تلك اللغة، أنه يتحدث معه للاستفسار عن أمر يهمّهما، أو شأنٍ يخدمهما وما إلى ذلك، فلا إشكال في ذلك.
والأصل في هذا الأدب ما جاء عنه ﷺ يقول هذا سيدنا عبد الله بن عمر للعمل بالعلم، وهكذا وجب على كل من عَلِم شيئًا أن يعمل به ويطبقه، فلما قد سمع النبي ﷺ يقول: "لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ"، جاءه واحد يريد أن يُسارّه، يناجيه، يكلّمه بكلام خاص بينه وبينه، ولا يسمع عبد الله بن عمر أحد غيري، يقول عبد الله بن دينار كان هو وحده، وهذا الرجل الذي جاء يريد يناجيه فلما أراد أن يناجيه قال له: اصبر، "دَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ"، فصاروا اثنين، كنا أربعة صار "فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ: اسْتَأْخِرَا شَيْئاً" هذا يكلمنا، وأذِن له يتكلم، فما رضي أن يفتح له في الكلام ويسارّه، وهذا ثالث حاضر، "لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ"، فلما جاء بالرابع أمر الاثنين أن يتأخرا وقال أنت تكلم الآن بما معك، لم يعد هناك إشكال، "فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ" يتخاطبان ويتكلمان "دُونَ وَاحِدٍ" وَيتركاه، جاء في رواية: "وَيتركاه" فإن ذلك يحزنه ويشقّ عليه، وما إلى ذلك، "فإن ذلك" يعني: تركه منفردًا "يُحزنه" يوقعه في الحَزَن، يُقال: حَزَنَه وأحزَنَه، ويشقّ عليه؛ يكون شاقًّا عليه، صعبًا عليه، مؤلمًا له، وقد يوقع الرعب في قلبه، وفيه مخالفة لما توجبه الصحبة من الألفة والأنس، وما إلى ذلك.
- فالمراد بالتناجي هنا أي في السر.
- ومثل السر إن كان بلغةٍ لا يفهمها الثالث.
وأورد لنا الرواية الأخرى أيضًا عن "بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ ثَلاَثَةٌ فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ" دون الثالث، ومن المعلوم أن إدخال الحَزَن على المؤمن حرام لا يجوز، فعلى ذلك قال من قال بحرمة ذلك، أن يتناجى اثنان دون الثالث. وعلمت ما يكتنفه من قرائن الأحوال واختلاف الشأن من وقت إلى وقت، ومن مكان إلى مكان، ومن إنسان إلى إنسان، فينبغي مراعاة ما أشار إليه ﷺ وأن يكون على بال المتحدث والمتكلم، ومن هنا جاء الخلاف بين الأئمة هل هذا النهي للتحريم أو للتنزيه؟ هل هو مكروه أو هو حرام؟
- ومن غير شك أنه إذا كان فيه إضرارٌ أو إحزانٌ أو إثارة رعبٍ فهو حرام.
- إذا سَلِمَ من ذلك فهو محل النظر ما بين الكراهة والتحريم.
وكذلك أيضًا هل يختصّ بالسفر أو بالإقامة؟
ما عليه الجمهور: أن ذلك لا يختصّ بسفرٍ أو حال إقامة؛ فإن العلّة واحدة في السفر وفي الإقامة لأنه جاء في رواية: إذا كنت بالصحراء أو إذا كنت مسافرًا لا يتناجى اثنان دون الثالث. ومن غير شك أنهم إذا كانوا في سفر وفي مثل ما أشارت الرواية إلى صحراء أن مدعاة الرعب والخوف تكون أكثر.
باب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
قال: باب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، اللهمّ اجعلنا من الصادقين.
وأورد حديث: "أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟" يعني: يجوز أكذب عليها؟ "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ لاَ خَيْرَ فِي الْكَذِبِ" وإنما أباح ما كان حافظًا للمودّة بين الزوجين ممّا لا يترتب عليه إنباءٌ بكذبٍ محضٍ لا دخل له في الألفة بينهما، أو يترتب عليه أي ضررٍ آخر، إذا سلم من ذلك؛ فبمقدار ما يؤّلف بينهما ويحفظ الحرمة بينهما، فذلك أولى من الإصلاح بين المتخاصمين، وهو الذي جاء في الحديث فيما يحدّث به الرجل امرأته، يعني: من شؤون ما يقوّي أُلفتهما، ولا يكون فيه افتراء على آخر، ولا إضرار بآخر ولا شيء من الآفات الأخَر، ولا يفيد إلا أن يَأدم بينهما أو يؤلّف بينهما فقط أو يزيدهم ألفة.
وكذلك الموضع الثاني في الإصلاح بين الاثنين؛ أيضًا ليس بأي شيء يكذب، لا يجوز يكذب بأي شيء، يكذب بما يُقرّب بينهما ويبعد الشقّة والخلاف بينهما فقط، ومَثَله كأن يقول له إنّ فلان نَدِم، وقال كذا وكذا، يأتي له كلام طيّب عنه هو ما قاله حتى يرق الثاني ويقبل الصلح، فمثل ذلك فقط، زيادة على ذلك لا يجوز ولو في الإصلاح بين الناس.
والأغرب أن بعض الغافلين والجُهّال من العامة يفسّرون الكذب في الإصلاح جائز؛ يفسر الإصلاح بمصلحة إذا له مصلحة يكذب!! هذا لعب بالدين هذا ولعب بالشريعة المطهرة، لا، الإصلاح بين المتخاصمين.
والموضع الثالث: الكذب في الحرب لخِدعة المقاتلين هذا ما فيه إشكال؛ يجوز لأجل الضرورة والحاجة.
ويقول: "فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ"، أعِدها: أعطيها الوعد وأقول لها أي أفعل كذا وكذا وآتي لكم بثياب كذا وأفعل كذا، "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ"، لا حرج ما دمت ناوي أن تحضر ذلك إن تيسّر فتطيّب الخاطر بأنّك ستحضر وتأتي بكذا، فما عليك في ذلك شيء.
وجاء عند أبي داود فيما يتعلق بالوعد، يقول عبدالله بن عامر: "دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعدٌ في بيتنا، قالت: تعال أعطيك، قال رسول الله ﷺ: ما أردتِ أن تُعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال رسول الله ﷺ: أما أنّكِ لو لم تعطِه شيئًا كُتِبت عليكِ كذبة"، تقول تعال أعطيك بعد ذلك ما نيّتك تعطيه شيء إلّا بغيته يجي فقط، قال: تُعدّ عليك كذبة. لا إله إلا الله..
وذكر لنا: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ:" وهو أيضًا قد ورَد مرفوعًا عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ"؛ يعني: الزموه وداوموا عليه ولا تخرجوا عنه، "فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ"، الاسم الجامع للخيرات يُقال: البر، اسمٌ جامع للخيرات كلها، "فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ"، يعني: يوسّع لك فعل الخير ونية الخير، وإرادة الخير وما إلى ذلك.
"وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ"؛ الأعمال الصالحة والطاعات توصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى، (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [المطففين:22]. وجاء أيضًا في الصحيحين زيادة: "وما يَزالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرّى الصِّدْقَ حتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا". لا إله إلا الله…
"وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ"؛ يعني: احذروه، وامتنعوا عنه وابتعدوا منه، "فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ"، يهدي إلى الفجور: مخالفة الشريعة والدين والحق، مخالفة الحق سبحانه وتعالى، فكما أن البر اسم جامع للخيرات، فالفجُور اسم جامع للشرور، كل شر وسوء يُقال له فجور، أصل الفُجُر: الشقّ، الفجور: شقُّ ستر الديانة، فهو اسمٌ جامعٌ لكل شر، (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)؛ أي: يذهب في فجوره قدمًا قدمًا؛ يمشي على الفجور (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) [القيامة:5].
"وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ"، ذنب بعد ذنب نار وراءه، فما يُدخل الناس النار إلا الذنوب والمعاصي والسيئات، "فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ" يوسّع مجالك في الشرّ وفي المعاصي -والعياذ بالله تعالى- وإنّ الكذب يسوّد الوجه في الدنيا والآخرة.
"أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَكَذَبَ وَفَجَرَ" يعني: الِبر مما يؤكَّد به الصدق ويوصف بهما الفعل الواحد، والكذب والفجور لمّا كان معناهما واحد، يُقال: كَذَب وفَجَر.
يقول: أنه سُئل سيدنا لقمان الحكيم عليه الرضوان: "مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟" يعني: من الفضل والمرتبة القصوى والدرجة الرفيعة، "فَقَالَ لُقْمَانُ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِينِي"، أي فمن لزم الصدق في الحديث، وابتعد عن الكذب، وأحسن أداء الأمانة، وترك ما لا يعنيه، فإنّ الله يرفعه، وإن شأنه يعتلي ويعظُم قدره.
يقول: "قِيلَ لِلُقْمَانَ" لقمان الحكيم، قيل إنه حبشي وقيل أنه نوبي، وأكثر العلماء على أنّه رجل صالح أُوتيَ الحكمة، (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) [لقمان:12]. وسمّى الله في القرآن سورة باسمه، اسمها: سورة لقمان، وقيل:
- أنّه كان نبي.
- والجمهور على أنه كان من الحكماء الأخيار ولم يكن بنبيّ.
- وقيل أنه كان في عصر داود على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.
- جاء في رواية عند الإمام أحمَدْ عن ابن عبّاس يقول: "كان لقمان عبدًا حبشيًا نجّارًا".
- وجاء في رواية الطبراني أيضًا: "اتخذوا السودان؛ فإنّ ثلاثة منهم سادات أهل الجنة" من؟ قال: لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن.
يقول ثلاث أشياء رفع الله بها قدري: "صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِينِي." ما لا يهّمني، ويتوجّه فيه خطاب عليّ، وفي الحديث: "من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعْنيه".
ويقول أيضًا: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ"، يعني: مرة بعد أخرى "وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ" كذبة بعد كذبة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فيغلب الظلام على قلبه، إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. وهذا من ألوان الكفر والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وفي الخبر يقول ﷺ: "إن المؤمنَ إذا أذنبَ نُكِتَتْ نكتةٌ سوداءُ في قلبِهِ فإن تابَ واستغفرَ صُقِلَ قلبُهُ وإن لم يتبْ زادَتْ حتى تعلوَ قلبَهُ، فذلك" الران "الذي ذكر الله عز وجل: (كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين:14]" اللهمّ أجرنا من النار ومن الظلمة ومن العذاب ومن الذنوب الموجبة للطرد والعذاب ولاسوِداد القلب.
يقول: "فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ" أي: يُحكم له بذلك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وفي الخبر: "حتى يُكتب عند الله كذّابًا"، "وإنَّ الرَّجُلَ ليكذِبُ ويتحَرّى الكَذِبَ حتى يُكتَبَ عند الله كَذّابًا".
ثُمّ ذكر أنه سُئِلَ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه: "أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً؟" قد يكون بعض المؤمنين يَغلُبَه جُبن، "فَقَالَ: "نَعَمْ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً؟" قد يكون بعض المؤمنين "فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّاباً؟ فَقَالَ: "لاَ". "مؤمن كذاب؟ قال: لا، ما يكون مؤمن كذاب، وتلا قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النحل:105]
فشدّد في شأن الكذب ﷺ وحذّر منه، وقد جاءت عدد من الروايات أن الكذب مُجانِب للإيمان، "إيّاكُم والكذِبَ، فإنَّ الكذب مُجانِبٌ للإيمانِ" لا إله إلا الله. روى هذا الإمام أحمد بن شيبة موقوفًا على سيدنا أبي بكر، وجاء عند ابن عدي مرفوعًا عن النبي ﷺ يقول: "إياكم والكذب فإنّ الكذب مُجانبٌ للإيمان".
وفي روايات أخرى أنه سُئِل عن معاصي أُخَر هل تصدر من المؤمن؟ قال قد يكون ويتوب، فقيل له أيكذب المؤمن؟ قال: لا، نفى الكذب واستشهد بالآية ﷺ (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) [النحل:105]. فما أخطر الكذب، وما أقبح الكذب، وما أبعد أصحابه عن التحقق بحقائق الإيمان. لا إله إلا الله…
باب مَا جَاءَ فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ
وذكر ما يرضى الله لنا من الخصال وما يسخط، فذكر لنا أنه يرضى أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، رزقنا الله ذلك، "وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً"؛ فلا تستجِيبون لدواعِي التفرّق والتمزق والتخالف بينكم البين، "وَأَنْ تَنَاصَحُوا" أي: يتحرّى كلٌّ فعل وقول ما فيه صلاح للآخر، "وَأَنْ تُنَاصَحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ" يعني: لا تُظهرون غير ما تُبطنون، ولا تُصلّحون مؤامرات في السر، وترتّبوا ثورات بينكم البين، من ولّاه أمركم خلاص، "أفلا نناجزهم؟ قال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، فما تأمرنا؟ قال: أعطَوهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم" وهكذا قاله ﷺ وهو الأمين على النصح، الأعلم بأحوال أمّته وما يطرأ عليهم في مراحل حياتهم وتوالي أَجيالهم، ﷺ.
هذا ممّا يحبّه الله لكم "أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، وَأَنْ تُنَاصَحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ"، ثلاثة أخرى: "قِيلَ وَقَالَ" كثرة الكلام، والخوض فيما لا يعني "قِيلَ وَقَالَ" كما هو حال كثير من الناس، قال الله يسخط هذا يكره هذا، ما هذه البلبلة هذه؟ لماذا كثرة الكلام فيما لا يعني؟ يكره الله ذلك، ويسخط على أصحابه. "وَإِضَاعَةَ الْمَالِ" صرفه في غير محله، ما كان من إسرافٍ وما كان من مباهاة، وما كان من ألعاب، فتُصرف فيها أموال طائلة بلا فائدة ولا عائدة تعود، يُكره إضاعة المال. لا إله إلا الله..
- فما كان من إنفاقه في الوجوه المذمومة فهو ممنوعٌ لا شك.
- وما كان مُنفَق في المباحات فينقسم إلى:
- ما يكون على وجه يليق بحال المنفِق وبقدر ماله لا يخرج إلى حدّ السَرَف، وما يليق بحاله عُرفًا، إمّا لدفع مفسدة فيدخل في هذه الدائرة.
- وما لا يكون في شيء من هذه المنافع والمصالح فَالإنفاق سَرَف فيه.
"وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ" من قِبَل ذوي الحاجات ومن يُباح لهم السؤال، ما يحب منهم كثرة السؤال سبحانه وتعالى وقال في وصف من أثنى عليهم من عباده، (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) [البقرة:273].
ثم ذكر لنا الحديث: "مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ" لا ينصف ولا يصدق ولا ينصح ولا يُعطي كل واحدٍ ما يستحقّه من النصيحة؛ ولكن يراضي هذا ويراضي هذا، ويداهن هذا ويجيء لهَذا بوجه وهذا بوجه ثاني، وعند هؤلاء كذا، وعند هؤلاء كذا، وهذا ما وصف الله به المنافقين -والعياذ بالله تعالى-: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة:14]، (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ) [البقرة:76] إلى غير ذلك.
"مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ"؛ يعني: أحد الفريقين "بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ" آخر، وهذا يُبَيِّن واجب الحذر من ممالأة أحد على ظلم أو على طغيان أو على مخالفة ويصحح له حاله، فلا أقلّ من أن يُعرض ويسكت، وأمّا أن يُمالئ هذا ويُمالئ هذا ويقول لهذا أنّه معه، ويقول لهذا إنّه معه؛ فهذا ما لا يجوز. لا إله إلا الله.
"لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينًا"، "إن شرّ النَّاسِ عند الله يوم القيامة ذو الوجهين".
باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْعَامَّةِ بِعَمَلِ الْخَاصَّة
ويُذكَر أنه قد ينزل بطائفة من الأمة عذاب في وقت من الأوقات أو في مكان من الأماكن بسبب كثرة الشرور، والمخالفة للشرع، والإهمال لأمر الله فيهم، وإن كان بينهم صالحون فإن البلاء يعمّ، -والعياذ بالله تعالى- (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال:25].
وذكر: "أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أم المؤمنين سألت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟"؛ أي: ينزل علينا عذاب، يعذبّنا الله ويحصل ضرر عام على طائفة وقوم وجماعة وفي بينهم صالحين؟ فتوقّعت لمّا قرأت: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) [الأنفال:33] أن ذلك يشمل كل الأحوال وكل الصالحين.
يقول: لا..
- شأنه أولًا: ﷺ فوق كل شأن.
- وثانيًا: إذا كان وجود صالحين مغمور بين كثرة الجرأة على الله تعالى وإظهار الشر فإنّه ينزل البلاء والعياذ بالله تبارك وتعالى.
"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" يمكن أن يحصل مثل ذلك إذا كثر الخبث. لا إله إلا الله…
جاء في البخاري: "أنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ، ومأْجُوجَ مِثْلُ هذا، وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ، وبِالَّتي تَلِيها فَقالَتْ زَيْنَبُ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفينا الصّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ".
قالت زينب: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث". لا إله إلا الله… في رواية قالت: "استيقظ ﷺ محمّرًا وجهه يقول: ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب.." إلى آخره. فلمّا استيقظ دخل على زينب فرأته بهذه الحالة، فقالت له: أنهلك وفينا الصالحون؟
وذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه يقول: "كَانَ يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لاَ يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَاراً اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ." وأن الذنوب والمعاصي ما دامت مستترة لا يتجاهر بها أصحابها فلا تضرّ إلا أصحابها، ولكن إذا أظهَروها وتبجّحوا بها ولم يُنكّر عليهم؛ عمّ العذاب الجميع والعياذ بالله تعالى.
باب مَا جَاءَ فِي التُّقَى
ثُمَّ ذكر محاسبة سيدنا عُمَر لنفسه أيام ولايته ومخاطبته لها، وكذلك كان الصالحون. وقد تقدّم معنا دخول سيدنا عُمَر على سيدنا أبوبكر وهو يمسك بلسانه محاسبًا لنفسه معاتبًا لها. وهذا يذكره عن سيدنا عُمَر لنفسه، يقول أنس بن مالك: لمّا تولّى سيدنا عمر الإمارة قال: "خَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطاً، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ وَبَيْنِى وَبَيْنَهُ جِدَارٌ، وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ" داخل وأنا خارجه، يخاطب نفسه سيدنا عمر: "عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ، وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ" ياعمر، يخاطب نفسه بنفسه يقول: ما تغترّ إنّك أمير وأنهم ولّوك، انتبه لنفسك يا بن الخطاب، شوف إذا ما اتّقيته بيقع لك عذابٌ من عنده ما تطيقه. ويخاطب نفسه بنفسه، ويعاتب نفسه بنفسه خوفًا من الله جلَّ جلاله.
ولمّا دخل الحائط سمعته يقول وهو داخل: "عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ"، هل تفتخر بذلك وترى نفسك أين؟! انتبه! "وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ" شوف أمامك حساب ومحاسب قوي قادر مهيمن جبّار ما تقدر تغالطه في شيء، أحسن لك انتبه لنفسك. هكذا يخاطب نفسه بنفسه رضي الله عنه، خلا بنفسه واعتقد أن أحدًا لا يسمعه، "عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ"، يحذّر نفسه من أن تميل الى الإمارة أو تفتخر بها، "وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ". وكان يقول: "لو أنّ بغلَةً عثرت على الفرات بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها لِمَ لم أسوّي لها الطريق"، تحمّل حمول كبير.
وذكر قول الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ: "أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا يَعْجَبُونَ بِالْقَوْلِ" يعني: ما يكون القول محطّ نظرهم ولا يتسابقون إلى تحسين القول، كانوا عمّال يتسابقون إلى العمل، يعملون ويعملون لا يبلبلون ويتكلمون كثير، قال: ما كنّا أدركنا الناس هكذا بعد تربية رسول الله ﷺ، كانوا يتسابقون إلى العمل لا يكثرون الكلام، لكن يعملون وينفّذون ويقلّلون الكلام ويُحسنون العمل.
باب الْقَوْلِ إِذَا سَمِعْتَ الرَّعْدَ
وهكذا، ذكر عند سماع الرعد؛ الهيبة.. يقول: "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ" وهذا مما يُسنّ عند سماع الرعد أن يقال: "سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ" جلّ جلاله. وهكذا جاء عنه ﷺ أنه كان إذا سمع الرعد قال: "سبحان من سبّح الرعد بحمده"، وإذا هبّت ريح أو سمع صوت الرعد تغيّر لونه ﷺ حتى عُرف ذلك في وجهه ثم يقول للرعد: "سبحان من سبّحت له"، وهكذا كانوا يخافون ويهابون الحقّ جلّ جلاله وتعالى في علاه.
ويقول سيدنا عبد الله بن الزبير: "إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيدٌ". لا اله الا الله… "إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيدٌ." للدلالة على خوف الملائكة منه سبحانه وتعالى مع عصمتهم، (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) [الرعد:12]
وفيه أن من يقول هذا عند الرعد والصواعق أنه لا تصيبه صاعِقة، "سبحان من سبّح الرعدُ بحمده والملائكة من خيفته"، حتى قال ابن عباس: من قال هذا عند الصواعق ثم أصابه شيء فعليّ ديته. يعني: أنّه ما يصيبه شيء إذا قال هذا عند الصواعق والرعد. "سبحان من سبّح الرعدُ بحمده والملائكة من خيفته"، لا اله الا الله…
وجاء في رواية الإمام أحمد والحاكم: "عن النبي ﷺ قال: قال ربّكم لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولم أُسمعِهم صوت الرعد" يعني: يبلغ لطفي بهم الى حدود لا يتوقعونها إذا أطاعوني، ولا يحصل عليهم النكد ولا التعب إلا في ذنوب تصدر منهم ومعاصيهم. لا اله الا الله..
كما جاء أيضًا عند الإمام أحمد وعند البخاري في الأدب المفرد وعند الترمذي والنسائي وغيرهم يقول: "كان ﷺ إذا سمع صوت الصواعق والرعد قال: اللهمّ لا تقتلنا بغضبك ولا تُهلِكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" لا اله الا الله…
"إذا سمعتم الرعد فسبّحوا" سبحان من سبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير. ذكر ابن عباس هذا، يقول: أخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس: "من سمع صوت الرعد فقال سبحان من سبّح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيءٍ قدير فإن أصابته صاعقةٌ فعليّ ديته"، وهكذا سيدنا محمد الباقر كان يقول: الصاعقة تُصيب المؤمن والكافر ولا تصيب ذاكر الله؛ الذاكر ما تصيبه الصاعقة، تصيب المؤمن والكافر ولا تصيب ذاكر الله. لا إله إلا الله…
وجاء: بينما سليمان بن داود عليهما السلام يمشي مع أبَويه، وهو غلام في أول عمره، إذ سَمِعَ صوت الرعد فخرّ فَلِصِقَ بفخذ أبيه، فقال: يا بنيّ هذا صوت مقدّمات رحمته، يعني يأتي قبل المطر غالبًا، فكيف لو سمعت صوت مقدّمات غضبه؟ هذا صوت يجيء قبل المطر وقبل الرحمة، وكيف لو تسمع ما يجيء قبل الغضب والعياذ بالله تبارك وتعالى.
اللهم احفظنا واحرسنا، وبارك لنا وتولّنا وانظمنا في سلك محبوبيك في عافية، والطف بنا وبالأمّة فيما تجري به المقادير، بِسِرّ الفاتحة إلى حضرة النَّبي محمد ﷺ.
26 شَعبان 1444