شرح الموطأ - 530 - كتاب الكلام: من باب ما يُؤْمَر به من التَّحفُّظ في الكلام، إلى باب ما جاء فيما يُخَاف من اللِّسَان
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الكلام: باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ التَّحَفُّظِ فِي الْكَلاَمِ، باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، باب مَا جَاءَ فِي الْغِيْبَةِ، باب مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنَ اللِّسَانِ.
فجر الأربعاء 23 شعبان 1444هـ.
باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ التَّحَفُّظِ فِي الْكَلاَمِ
2841- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلَمِةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ".
2842- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلَمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ.
باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ
2843- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ رَجُلاَنِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً". أَوْ قَالَ: "إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ".
2844- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ، وَلاَ تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلاَءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ.
2845- وَحَدَّثَنِي مَالِكُ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُرْسِلُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَتَقُولُ: أَلاَ تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ.
باب مَا جَاءَ فِي الْغِيْبَةِ
2846- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ، أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبَ الْمَخْزُومِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الْغِيبَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا قُلْتَ بَاطِلاً، فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ".
باب مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنَ اللِّسَانِ.
2847- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ تُخْبِرْنَا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لاَ تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: لاَ تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضاً، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَأَسْكَتَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ".
2848- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَهْ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمِنا بشريعته ودينه وبيانه على لسان عبده وحبيبه وأمينه، سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله المطهرين وأصحابه الواعين لكريم تبيينه، وعلى مَن والاه في الله واتّبعه بإحسان في ظاهر الأمر وبطونه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات الورى فهم لكل تابعٍ لهم أشرف حصونه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المُقربين وجميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.
يحدثنا الإمام مالك عمّا يتعلّق بهذا اللسان، العضو الذي شأنه كبير على الإنسان المكلّف، تترتب عليه شؤون كثيرة كبيرة خطيرة في الدُّنيا والآخرة؛ صلاحًا وفسادًا، خيرًا وشرًّا، حسنًا وسوءًا، نفعًا وضرًّا، اعتلاء وانخفاضًا، رضوانًا وسخطًا.. كم يترتب على هذا العضو! قطعة صغيرة شؤونها خطيرة، وهو صغير جِرمه كبيرٌ جُرمه، كما أنه كبير خيره وحسناته ونوره ومثوبته، إذا اتقى الله فيه الإنسان ونطق بما يحب منه النطق به جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.
ولذا جاءنا عن سيِّدنا معاذ أنه لما قال له النَّبي: "ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأمسك بلسانه، وقال: كفّ عليك هذا، فقلت: يا رسول الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم".
وذكر لنا الحديث في خطر الكلام، وقد كان يقول بعض العارفين: ما رأيت تقوى إنسان في لسانه إلا رأيت أثر ذلك على جميع أعضائه وسلوكه. وجاءنا في الحديث أنه: ما من يوم نصبح إلا والأعضاء كلها تنادي اللسان وتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا. وكثير من الفتن والآفات والحروب ما كان سببها إلا اللسان، وكلمات تصدر من ذا ومن ذاك قد تؤدي إلى مثل تلك البلايا.
وأورد لنا حديث بلال بن الحارث المزني -رضي الله تعالى عنه- وهو الذي جاء بعد وفاته ﷺ في أيام قحط مُستسقيًا برسول الله، وأكبّ على قبره الشريف يقبّله، ويقول: يا رسول الله استسق لأمّتك فإنهم قد هلكوا. فرأى النَّبي ﷺ في منامه في أيام خلافة سيِّدنا عُمَر، قال: ائت عُمَر وقل له استسق بالناس وأخبره أنهم يُسقَون، وقل له الكيْس الكيْس. فلما جاء بلال بن الحارث لسيِّدنا عُمَر وأخبره الرؤيا بكى، وقال: اللَّهم لا آلوا جهدًا فيما استطعت، ودعا إلى الاستسقاء واستسقوا وسقى الله النَّاس. وبلال بن الحارث بمرأى الصحابة يقصد قبره ﷺ ويُقبّله ويقول: يا رسول الله استسقِ لأُمتك فإنهم قد هلكوا. ولمّا اشتكوا مرّة القحط وإبطاء المطر، قالت السيِّدة عائشة: انظروا كوّة في سقف الحجرة فوق القبر، فافتحوها حتى لا يكون بين القبر وبين السماء حجاب، ففتحوها يستسقون بذلك فسقاهم الله. حتى لمّا عُملت بعد ذلك القُبة فوق سقف الحُجرة الشريفة، جُعلت كوّة فوق الكوّة التي في سقف الحُجرة، فلمّا بُنيت الثانية هذه القبة الموجودة جُعلت أيضًا في أعلاها كوّة وفتحة، تُرى في الصورة الآن مثلها لكن مغطاة، تُقابل الفتحة التي تحتها في القُبة السابقة، وتقابل الفتحة السابقة الفتحة التي فوق قبره الشريف في سقف الحُجرة المشرفة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
"بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ"، ففي بعض الكلام رضوان الله، في بعض الكلام سخط الله، فكم فرق؟ وكم فرق بين كلمة وكلمة، ما أعظم ذلك! "لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ"؛ أي: ممّا يَرضى الله -تبارك وتعالى- به:
- من ذكره وذكر رسوله
- ومن نصيحة عباده
- ومن الذبّ عن عرض المؤمن
- ومن التوجيه إلى الخير
- ومن إدخال السرور على قلب مسلم
إلى غير ذلك من الكلمات المَرضية عند الله، فيُصادف أن ينطق بكلمة "مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ" به هذه الكلمة "مَا بَلَغَتْ" تبلغ هذا المقدار من الثواب ومن الأجر ومن الرضوان ومن الفضل ومن الإحسان وهي كلمة! ما يحسب في باله أنها تكون هكذا.. ما هي النتيجة التي تكون للكلمة؟ قال: "يَكْتُبُ اللَّهُ -تعالى- لَهُ بِهَا"؛ أي: بتلك الكلمة "رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ" الله أكبر! فيدخل في الرضوان حتى يلقى الله وهو راضٍ عنه، الله أكبر!. بكلمة طيبة قالها. فتحرّى الكلمات الطيبات، لعلّك تصادف واحدة يرضى بها عنك رب الأرض والسماوات، ويكتب لك بها رضوانه إلى يوم الممات ويوم اللقاء.
"وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلَمِةِ" واحدة قليلة "مِنْ سَخَطِ اللَّهِ" مما يبغض الله سبحانه وتعالى:
- من كذب
- من غيبة
- من احتقار مسلم
- من استهزاء بالغير
- من إيقاع فتن بين الناس
لا حول ولا قوة إلا بالله! كلمة.. "مِنْ سَخَطِ اللَّهِ"؛ ما يسخط الله "مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ" من طرد، وغضب، وعقاب، وإثم، وحجاب، وعذاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى- تكون من نتيجة هذه الكلمة "يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ"؛ غضبه عليه "إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ" فيلقى الله وهو عليه غضبان -والعياذ بالله تبارك وتعالى- بالكلمة التي قالها، نعوذ بالله من غضب الله سبحانه وتعالى.
وكان يقول ابن عُيينة في مثال لذلك، يقول: كلمة حق يقولها عند سلطان جائر هذا من رضوان الله تعالى، يردّه بها عن ظلم، يحمي بها نفوس تزهق، ونحو ذلك، قال: هذا مثال كلمة من رضوان الله. قال: والثاني نفسها، كلمة عند السلطان يجرّه بها إلى ظلم أو يزيّن له بها شرّ، يصير بلاء على الأُمة بسبب الكلمة التي قالها هذا عند السلطان، فهذا من جملة الأمثلة لهذه الكلمة. كان سيِّدنا بلال بن الحارث هذا، راوي هذا الحديث، يقول: لقد منعني هذا الحديث من كلام كثير. لقد منعني هذا الحديث من كلام كثير. لا إله إلا الله… وهكذا كان علقمة من بعد يقول: كم من كلام منعني إياه حديث بلال بن الحارث. ما تكلمت به ولا نطقت بكثير من الكلام، خفت وتجنّبت أن يكون فيه غضب الله؛ فتركت كلام كثير بسبب هذا الحديث. وهكذا التفاعل مع بلاغ زين الوجود خاتم الرسائل ﷺ. أما مسلم يسمع كلام نبيّه وكأنه ما سمع، فأين إيمانه؟ وأين صِلته برسول الله ﷺ وتصديقه بما جاء به عن الله؟ فهل يمنعنا هذا الحديث وقد سمعناه من كلام في خلال يومنا وليلتنا وبقية أعمارنا؟
يقول أبو هُرَيْرَةَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ" -والعياذ بالله تعالى- "يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ". في رواية: "سبعين خريفًا"، إنّا لله وإنّا إليه راجعون! بكلمة يسقط بها من أعلى إلى أسفل، هذا معنى الهويّ. "إنَّ الرجلَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا في النار" كما جاء في رواية الترمذي عنه نفسه أبو هريرة. وجاء أيضًا، "يهوي بها أبعد ممّا بين المشرق والمغرب". لا حول ولا قوة إلا بالله! "وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلَمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ". في رواية: "في الجنة درجات" يرفعه الله بها درجات، بكلمة طيبة قالها فتحرّى في كلامك، يقول:
احذر لسانك أيها الإنسان *** لا يلدغنّك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الشُّجعان
"كُف عليك هذا" كما قال سيِّد المُرسلين. وقال لنا: "كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله وما والاه".
باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ
وأورد لنا الحديث الآخر في البيان، قَالَ: "قَدِمَ رَجُلاَنِ" يقال لهما: الزبرقان بن بدر وعَمرو بن الأهتم، قدموا على النَّبي ﷺ، كما جاء في رواية البيهقي في الدلائل: جلس إلى النَّبي الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعَمرو بن الأهتم، يقال له: ابن الأهيم وقيس بن عاصم فخر الزبرقان، قال: يا رسول الله! أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ منهم بحقوقهم، فقال عَمرو: إنه لشديد المعارضة مانعٌ لجانبه مطاع في أذنيه، قال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال! عاده يعلم في صفات أحسن ولكن ما منعه أن يتكلم إلا الحسد، قال عمرو: أنا أحسدك! والله يا رسول الله أنه للئيم الخال حديث المال أحمق الوالد مضيّع في العشيرة، والله يا رسول الله صدقت في الأولى وما كذبت في الآخرة ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما وجدت. فَقَال رسول اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً" صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. يقول: "مِنَ الْمَشْرِقِ"؛ أي: المدينة المنورة، جهة نجد "فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا" حسن خطابه، "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً". أَوْ قَالَ: "إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ"."، وهذا يحتمل مدحه للبيان ويحتمل ذمّه له، ولذا أورده الإمام مالك فيما يُكره من الكلام.
- فإذا كان على وجه التقعُّر والتفاصح والتفاخر.. كان مذمومًا.
- وإذا كان على وجه بيان الأمر وإحقاق الحق والتقريب إلى الخير وتوضيح المعنى فيكون محمودًا.
ولهذا يمدحون من الكلام ما راق وأثّر في سامعه التأثير الإيجابي، ويقولون: إنه السحر الحلال. قال: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً". أَوْ قَالَ: "إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ""؛ أي يفعل التأثير في سامعه مثل كما يؤثر على الناس السحر، فينقله من حالة إلى حالة، ينقله من حالة إعراض إلى حالة إقبال، ومن حالة كره إلى حالة محبة، ومن حالة شك إلى حالة يقين، بسبب كلام سمعه حَسَن. وكذلك الكلام السيء ينقله من اليقين للشك، ومن الإقبال إلى الإدبار، ومن حسن الظن إلى سوء الظن، الكلام الخبيث هكذا يفعل بأصحابه.
والحق ضرب لنا المثل للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة في قرآنه، وقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) فأفضلها، لا إله إلا الله. (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم:24-27] اللَّهم ثبّتنا بالقول الثابت. وكما قال الخطابي: يطلق البيان على ما تقع به الإبانة؛ عن المراد بأي وجه كان، ويُطلق على ما داخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، هذا الذي يُشبَّه بالسحر؛ إذا خلب القلوب وغلب على النفس حتى يحوّل الشيء عن حقيقته، وهذا إذا انصرف إلى الحق يُمدح، وإذا انصرف إلى الباطل يُذم.
يقول عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عليه وعلى نبينا الصَّلاة والسَّلام-: "لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ. لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ"؛ فما تنفع فيها الموعظة ولا تؤثر إذا قسيت. إن أبعد الناس عن الله القلب القاسي، وإن أبعد قلوب الناس من ربنا الرَّحمن قلب قاسي. "فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ" -تبارك وتعالى-. وتبيّن بهذا أن القرب والبعد من الله لا يتعلّق بمسافة ولا بمكان ولكن أحوال وأذواق ووجد، يجده الإنسان يقرب به أو يبعد عن الله تعالى. اللَّهم صلّ على سيِّدنا مُحمَّد وآله.
وقد جاء هذا الكلام عن سيِّدنا رسول الله ﷺ أيضًا، فيما رواه الترمذي، عن ابن عُمَر عن النَّبي ﷺ قال: "لا تُكثرِ الكلامَ بغير ذكرِ اللهِ فإن كثرةَ الكلامِ بغير ذكر اللهِ قسوةٌ للقلبِ، وإن أبعد النَّاس من الله القلب القاسي". تعلم بذلك خطر الاسترسال في الكلام بغير ذكر الله، ويقعد مع صاحبه ساعة أو ساعتين أو ثلاث، ولا ذكر من قريب ولا من بعيد، وتعلم بذلك خطر بعض ما يُبث في وسائل التواصل بعيد عن ذكر الله -تبارك وتعالى- ويقعد عليه النصف ساعة والساعة إلا ربع، والساعة، وساعة وربع، وساعة ونصف وساعتين، أعوذ بالله! كيف لا يقسو قلبه؟ ويقسو ويقسو ويقسو حتى يصير أشد من الحجارة، (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) [البقرة:74]. وكيف يريد أن يذوق حلاوة الصلاة أو الذكر أو العبادة وهو بهذا القلب القاسي؟! اللَّهم نوّر قلوبنا وطهرها.
يقول سيِّدنا عيسى: "وَلاَ تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ"؛ ترونها "كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ"؛ يعني: لا ينبغي للعبد أن ينظر في عيوب غيره لأنه لا هو الذي يثيب على حَسَنها، ولا الذي يعاقب على سيئها، ولا هو يُثاب على حسن خلق الناس الآخرين، ولا يُعاقب على سوء خلق الآخرين، وإنما يُثاب على حسن خلقه هو، ويُعاقب على سوء خلقه وعمله هو، فأما أعمال الناس ما عليك منها! لما تكلموا على بعض الجبابرة والمؤذين للناس قال لهم العارف: إن أصغر ذنب لك، أشد عليك من أكبر ذنب للحجاج. انظر إلى أصغر ذنب لك، أصعب عليك من أكبر ذنوب الحجاج، لن تؤاخذ بها ولن تخاطب بها، تخاطب بحقك أنت انتبه لنفسك! خلّص نفسك من الذنوب، وذاك ذنوبه أكبرها وكلها لن تخاطب على شيء منها ولكن أصغر ذنب من ذنوبك أصعب عليك في المُقاساة من أكبر ذنوب ذاك! فلن تُخاطب بشيء من ذنوبه، فانتبه أنت من ذنوبك!
"وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ" لا إله إلا الله! تخشون السيِّد أن يغضب عليكم أو يعاقبكم. ويقول ﷺ لأبي ذر في وصية له: ليُحجزك عن النَّاس ما تعلم من نفسك. يقول سيِّدنا عيسى: "فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى"؛ يعني: بعضهم مبتلى وبعضهم معافى "مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلاَءِ" بذنوب وغيرها، انظروا إليهم وارجوا الله أن يتوب عليهم "وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ." اللَّهم عافنا من بلائك، والطف بنا في قضائك، وارزقنا شكر نعمائك، واستعملنا في طاعتك ورضائك برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
ولهذا لا يُعيّر أحدٌ أحدًا بذنب إلا لم يمت حتى يُبتلى به؛ أي يفعله لأن التعيير تكبّر وغطرسة، ولو ابتُليت بما ابتلي به لكنت مثله، فأحمد الله الذي عافاك. وأُرشدنا إلى أن من رأى مبتلى ببليّة ظاهرة أو باطنة فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضّلني على كثير ممّن خلق تفضيلًا؛ لم يُصبِه الله بتلك البليّة، صرف الله عنه تلك البليّة، ولا يختبره بها لأنه خضع وخشع وعرف أن الأمر له مُعرّض لأن يُبتلى بمثل ذلك.
وذكر لنا حديث عَائِشَةَ أم المؤمنين "كَانَتْ تُرْسِلُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَتَقُولُ: أَلاَ تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ."؛ يعني: ناموا خلّوا الكلام في الليل وكثرته، خلّوا الملائكة يرتاحون شوية، قاعدين يكتبون يكتبون، وقاعدين تملون عليهم صحيفة بعد صحيفة، خفّفوا شوية "أَلاَ تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ."؛ الحفظة الذين يكتبون كلامكم خلّوهم يرتاحون، ناموا ولا تكثروا الكلام. بعد العشاء، ترسل إليهم تقول: خلاص أريحوا الكُتاب، خلوا الكتاب يرتاحون، اسكتوا خلوا الحديث الزائد بينكم البين -رضي الله عنها- تربية مُحمَّد ﷺ.
باب مَا جَاءَ فِي الْغِيْبَةِ
"باب مَا جَاءَ فِي الْغِيْبَةِ"؛ وهي من الذنوب التي استشرت بين الناس وألِفوها فكأنها ليست بذنب وهي خطيرة! يقول رجل لـ "رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الْغِيبَةُ؟" التي حرّمها الله علينا، وقال: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) [الحجرات:12]. "مَا الْغِيبَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؟" هذا الذي قلته فيه هو فيه "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا قُلْتَ بَاطِلاً، فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ". أنا أُكلمك إذا كان الأمر واقع فيه قلته وذكرته أنت فهو الغيبة، أمّا ليس واقع فيه قال: هذا بهتان! إن كان فيه ما تذكره فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه.
وهكذا لمّا قالت مرة السيِّدة عائشة: يا رسول الله أن امرأة دخلت عليّ ما أجملها وأحسنها لولا أن بها قِصَر، فقال: "اغتبتيها يا عائشة". وجاء في رواية أيضًا قال لها: "لقد قلتِ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته"؛ ذكرك لقِصر فلانة. وكذلك جاء في رواية عنها، قالت: مرّت امرأة طويلة الذيل، فقلت: يا رسول الله إنها لطويلة الذيل، فقال النَّبي ﷺ: الفظي، فلفظت بضعة لحم، قطعة لحم خرجت مني،! لا إله إلا الله…
فهي ذكرك أخاك المسلم بما يكره وإذا كنت صادقًا فهو الغيبة. بل جاء الحديث في إثم مَن قال كلمة على أخيه ليست فيه وهو يعلم أنها ليست فيه لكي يشينه بها، مَن قال على أخيه كلمة ليشينه بها ليست فيه؛ حُبِسَ في ردغة الخبال؛ عصارة أهل النار، قيح وصديد، يُحبس فيه حتى يأتي بنفاذ ما قال، قلت في فلان كذا، هل هي فيه؟ إذا ما هي فيه محلّك في العذاب إلى أن تأتي بنفاذ ما قلت، ما يقدر يأتي بنفاذ ما قال؛ فمعناه إنه إمّا يموت على سوء الخاتمة ويُخلّد في النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى- أو يُبَكت تبكيت الشديد ويناله العذاب الشديد حتى يتداركه الله جلّ جلاله.
وهكذا وجب مراعاة الكلام عن الناس والحذر من غيبة أحد. قالوا:
- إنما يكون عند التظلّم عند الحاكم؛ يجوز أن يقول فلان عمل لي كذا أو يذكر شيء ممّا ظلمه فيه أو آذاه.
- أو عند الاستفتاء لأجل الحكم.
- أو للتعريف بشخص ما يعرف إلا بالأعرج أو الأعمش أو ما إلى ذلك.
- والمجاهر الذي يتجاهر بفسقه، وذكره الذي يتجاهر به.
- أو لتغيير المنكر.
فهذه المواضع التي يجوز فيها الذكر الغيبة، وما عدا ذلك فلا يجوز.
باب مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنَ اللِّسَانِ
ثم يقول "فِيمَا يُخَافُ مِنَ اللِّسَانِ": "مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ"؛ يعني: دخل الجنة. اللَّهم اجعلنا من أهل جنتك. "مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ"؛ حفظه من "شَرَّ اثْنَيْنِ". "فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ تُخْبِرْنَا." في نسخ: "ألا تخبرنا؟" على رواية: "لاَ تُخْبِرْنَا."؛ يعني يرى ما يصلون إليه وينتهون إليه في فكرهم ثم يقرّهم عليه أو لا. وفي اللفظ الآخر: "ألا تخبرنا". "فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لاَ تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: لاَ تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضاً، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، فَأَسْكَتَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ." ما جئنا على شيء، ولا عرفنا، ولن نعرفها إلا من النَّبي اسكت !... "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ"؛ لسانه وفمه، سواء ما يتكلم به أو ما يدخل فمه من الطعام، "مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ". فرجه. "مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ" أكّد لهم، ذلك أنه من اتقى الله في ذلك؛ يعني: الفم والفرج، فقد دخل الجنَّة. ولما سُئل ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس النار، قال: الأجوفان؛ الفم والفرج. فسُئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: تقوى الله وحُسن الخلق.
وتعجّب سيِّدنا عُمَر من سيِّدنا أبوبكر الصدّيق يمد لسانه وهو في خلوته وحده، "دَخَلَ عَلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ"؛ أي: في أيام خلافة سيِّدنا أبوبكر "وَهُوَ"؛ يعني: الصديق "يَجْبِذُ لِسَانَهُ" كالمُعاتب له والمذكّر نفسه بما يصدر منه من كلام، "فَقَالَ لَهُ سيِّدنا عُمَرُ: مَهْ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ." ما الذي تفعل؟! "فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا"؛ يعني: اللسان "أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ".
- إمّا معناه عند كثير من أهل العلم يقولون: أوقعني في أن أتكلم بما لا ينبغي، فقال بعضهم: إما بما لا يعنيني أو بما أوردني المهالك.
- ولكن قال آخرون: أنه كان يخاف من أن يفشي من الكلام في معارفه التي آتاه الله تعالى ما لا يستوعبه من يسمعه منه.
فكان يعاتب نفسه على مثل ذلك، ويقول: "أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ"؛ يعني: أذكر من صنوف المعارف وجواهر الكلام للناس ما لا يستوعبونه ويفهمونه ويقولونه. هذا الذي "أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ".
سَلَك الله بنا مسالك الصَّالحين من عباده أهل محبته ووداده، ووقانا الأسواء والأدواء، ورزقنا تقواه في ألسنتنا وفي جميع أعضائنا، وجعل نور تقواه في قلوبنا يشرق ويزداد أبدًا، وفّر حظنا من سِرّ الصوم لرمضان الذي شرعه للتقوى، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]، اللَّهم اجعلنا من أهل تقواك، وزِدنا من نوالك وعطاياك وهِباتك وهداياك، اختم لنا شعبان بخير، وأقبِل علينا رمضان بالسعادة والتوفيق والصلاح والقُرب منك، والدنوّ إليك، والأدب معك، والإخلاص لوجهك، واستعمل ألسنتنا بالقرآن، وكثرة ذكرك، استعمل ألسنتنا بالصلاة على نبيك مُحمَّد ﷺ، واستعملها فيما يُقرّب إليك من الكلمات التي ترضيك، اجعلنا ننطق بما فيه رضاك، وزدنا من رضوانك الأكبر ما أنت أهله يا أكرم الأكرمين، وأعذنا واحفظنا واحرسنا من كلمة تسودّ بها الوجوه يوم القيامة، ومن كلمة نُخزى بها يوم الطامة، واجعلنا محروسين بحراستك من كل ما يُوجب الحسرة والندامة، وأصلح شؤوننا والمسلمين أجمعين، بِسِرّ الفاتحة إلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
23 شَعبان 1444