شرح الموطأ - 529 - كتاب البيْعة: باب ما جاء فِي الْبَيْعَةِ، وكتاب الكلام
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ، وكتاب البيْعة: باب ما جاء فِي الْبَيْعَةِ، وكتاب الكلام: باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلاَمِ.
فجر الثلاثاء 22 شعبان 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهِبَتِهِ
2832- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ".
2833- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ تَجُوسُ النَّاسَ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ.
كتاب البيْعة: باب مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ
2834- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ".
2835- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ بَايَعْنَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِيَ، وَلاَ نَقْتُلَ أَوْلاَدَنَا، وَلاَ نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلاَ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ". قَالَتْ: فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنِّي لاَ أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِئَةِ امْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثْلِ قَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ".
2836- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّى أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَأُقِرُّ لَكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فِيمَا اسْتَطَعْتُ.
كتاب الكلام: باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلاَمِ
2837- حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا".
2838- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ".
2839- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ".
3840- وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَقِيَ خِنْزِيراً بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ: انْفُذْ بِسَلاَمٍ. فَقِيلَ لَهُ: تَقُولُ هَذَا لِخِنْزِيرٍ؟ فَقَالَ عِيسَى: إنِّي أَخَافُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانِى النُّطْقَ بِالسُّوءِ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمِنا بشريعته العظيمة، وبيانها على لسان عبده ورسوله سيِّدنا مُحمَّد ذي المراتب الفخيمة، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدك المُصطفى سيِّدنا مُحمِّد وعلى آله وأصحابه، وعلى مَن والاه فيك وأحبَّه ومشى في طُرُقِه القويمة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أهل الدرجات العُلا والمراتب العظيمة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المُقربين وعلى جميع عبادك الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
وبعدُ،
فيُحدِّثُنا الإمام مالك -عليه رضوان الله- عمَّا ورد في عدد من الآداب، ويتكلم عن المملوك، وقد سبق الكلام في أوّل هذا الكتاب، ويأتي الآن بما يتعلّق بمراعاة الهيئات والحالة التي يكون عليها كل الناس، من أمير ومأمور، ومن مَلِك ومملوك، ومن صغير وكبير؛ وفي هذا بيان الأسس فيما يَتَزَيَّا الناس وفيما يلبسون وفيما يتزينون به، وحدود ذلك ومقاديره.
وذلك أن ما يتعلق باللباس والزينة له آثار تتعلق باعتقادات، وتتعلّق بمبادئ، وتتعلق بسلوكيات ومعاملات في الحياة، فلم تُهمِل الشرائع شأن ترتيب الألبسة والزينة ووضع كل شيءٍ في موضعه، وما الذي يجوز؟ ومتى يجوز؟ وكيف يكون؟ فلم تترك شرائع الله تعالى العباد هَمَلًا في مثل ذلك؛ يدخل به عليهم إبليس وجنده ليلعبوا بهم من باب اللباس ومن باب الزينة، ومنهم مَن يَفصِل ذلك في أذهانهم وعقولهم عن الدين أصلًا! وأنه لا دخل للدين في شأن هذا، وأنه مجرد أهوية واستحسانات على غير أسس، وذلك كذب ودجل، بل رتبت الشريعة كل ما يتعلق باللباس وبالزينة، وأباحت وحرَّمت وندبت وأوجبت فيما يتعلق بذلك.
فمنه ما يتعلّق بالزينة المشروعة للرجال وللنساء عند كل مسجد (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31].
- وكان من الواجب المفروض على الرجال في ذلك واللباس عند الصلاة، ستر العورة ما بين السُّرَّة والركبة.
- والواجب على المرأة، ستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين.
ثم بعد ذلك لهم في التزيُّن والتعطُّر والتطيُّب من أجل الصلاة مراتب ودرجات. ومن ذلك ما جاء في الصلاة بالرداء أو الصلاة بالعِمامة، أو الصلاة في القميص والجُبَّة إلى غير ذلك ممّا جاء عن رسول الله ﷺ. ثم نُدِبَ التطيُّب لأجل الجُمعة على وجه الخصوص، ولكل اجتماعات المؤمنين، وللصلوات على وجه العموم. كما نُدِب التطيُّب والتزيُّن لأجل الذكر ولأجل المناجاة لله جلَّ جلاله. ومن هنا كان يحرص أخيار الأُمة على إحسان هيئتهم وعلى تطيُّبهم وتعطُّرهم وتزيُّنهم في جوف الليل وفي السَّحَر؛ لأجل الله -جلّ جلاله- ولأجل المناجاة ولأجل الذكر.
وقد أسلفنا أن قلنا ينبغي للمؤمن أن لا يفعل شيئًا من شؤون الزينة إلا وله فيها نيّات حسنة، من كل ما يتعلق بالنظافة واللباس، فلا يقص ظُفُرًا، ولا يَقُص شاربًا، ولا يتطيّب ولا يغتسل في أي وقت من الأوقات إلا وله نية؛ أن يكون ذلك لصلاة أو لذكر أو لقراءة أو لحضور مجامع المسلمين. حتى من الفقهاء من جعل سُنيّة الغسل في كل جمع على خير، كل اجتماع على خير يُسَن الاغتسال له، كما يُغتسل للجمعة، وغُسل الجمعة من آكد الأغسال.
إذًا، فحركة الحياة مضبوطة بنظام الحق -جلّ جلاله- وشريعته لا مجال فيها أن يلعب بها شيطان ولا اتباع الشيطان من الإنس والجن، ويعملون للناس الموضات والأزياء الخليعات والملابس الجاهزة كما يسمونها ويتحكمون فيها، بل يعدون أسلحة لهدم قِيَم ولِهدم مُثُل ولهدم أخلاق، ولتغيير هويات المجتمعات وما إلى ذلك من الأسواء والشرور، وكل هذا من ضعف الفقه في الدين، وتصديق الأعداد الكبيرة من المسلمين بما يقوله عدوّهم؛ إبليس وجنده واتّباعهم لهم، فينبغي للمؤمن أن يعلم ذلك.
ومن ذلك ما تحدَّث عنه أيضًا الإمام مالك في هذا الباب؛ من أن المملوكات اللاتي لهن مهمات في القيام بالخدمة لأسيادهن وأثر في المجتمع، يبعدن عن أصناف الزينة وعن أصناف ما يُلفت النظر، ويَكُن في حال مباشرتهن للأعمال في المجتمع، بعيدات عن كل ما يلفت النظر ويثير الشهوة من قريب وبعيد. ولذلك جاء إنكار سيِّدنا عُمَر على الجارية التي رآها تحلَّت بحلية الحرائر وهي تمشي فأنكر ذلك، عليه الرضوان.
وابتدأ بحديث المملوك الذي يؤدي حقَّ الله الذي فرضه عليه ومن أجل الله يُحسِن أداء حقوق مواليه وسيِّده الذي يملكه؛ أن الحق يُعد لهذا الإنسان في هذا الحال الذي سلكه في حياته، مضاعفة الأجر وتكثير الحسنات وأنه يُعطى أجره مرتين، كما قال ﷺ: "الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ"؛ نصح لسيِّده بأمانته، وحُسن قيامه بخدمته، ورعايته لحقّه، وكتمه لسرِّه، وذبِّه عنه وعن عرضه، وما إلى غير ذلك من معاني النصح "إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ"، فالنصيحة كلمة جامعة؛ يعني حيازة الحظ للمنصوح له، إرادة صلاح حاله، تخليصه من الخلل، وتصفيته من الغشّ إلى غير ذلك. وهكذا شأن النُّصح الذي قال عنه ﷺ: "الدين النّصِيحَة". وكانوا يقولون: نَصَحْتُ العسل إذا صفيته. فنَصَحَ الشيء إذا خَلَص. وكذلك يقولون على الإبرة في الخياطة إنها مِنْصَحَة؛ يعني تَجَمَع وتَلُم الإبرة، تخيّط، وكذلك النَّاصح؛ يلمُّ شعث أخيه كما تلُمُّ المِنْصَحَة الثوب، فهي كلمة جامعة.
"نَصَحَ لِسَيِّدِهِ"، "وعلى النصح لكل مسلم"، لمَّا بايع ﷺ فقال: فما رأيت أحدا أبلاه الله ما أبلاني في هذا، وقد وفيت فيما مضى وأرجو الوفاء فيما بقي من عمري، "على النُّصح لكل مسلم"، فامتلأ بتتّبع مصالح المسلمين ومساعدتهم بكل ما يقدر، وبعدما أن بايعه رسول الله ﷺ على ذلك.
قال: "وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ" -تبارك وتعالى- فهو يقوم بحق العبادة لله، ومن أجل الله يَنصَحُ لسيِّده "فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ". يُضّاعف له الثواب، ويُضَاعف له الأجر. حتى أن من المملوكين من يدخل الجنة فيكون في درجة فوق مالكه في الدُّنيا، فإذا نظر من كان يملكه إلى درجات عُلا يقول: لمَن هذا؟ يُقول: لفلان، يقول: يا رب! هذا فلان كان مملوك لي، كان عبدي، فيقول الرحمن: إنما جزيته بعمله. عمل أحسن منك، بيني وبينه ورفع فتضاعف أجره وصار فوق. وهكذا.. قال: "فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ". فالمملوك الموصوف بهذا الوصف لِمَا يتحمّله من مشقة الرِّق، ويُحسِن في أداء الواجب ثم يرعى حقوق الله تعالى في العبادة؛ يعظم له الأجر، ويُضاعَف له الثواب عند الله تبارك وتعالى. وتقدَّم معنا حديث: "مَن أعتق جاريةً وتزوّجها كان له أجران"؛ أجر العتق وأجر التزوّج؛ والقصد أن كسب الناس للفضل عند الله له طرق وأبواب كثيرة.
وقد جاء في أحاديث متعددة مَن الذي يُضاعف لهم الأجر، ومَن يؤتى أجره مرتين، حتى جمع السيوطي منها نيِّف وثلاثين، ونظمها في أبيات، الذين يؤتون أجرهم مرتين، يقول:
وجمعٌ أتى فيما رويناه أنهم *** يُثنّى لهم أجرٌ حَوَوه مُحَقّقا
فأزواج خير الخلق …. ***.........................
فأزواج خير الخلق في نص القرآن: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) [الأحزاب:31].
فأزواج خير الخلق أوّلهم، ومَن *** على زوجها أو للقريب تصدّقا
- الصدقة على الزوج والقريب صدقة وصِلة؛ لها أجر مرتين.
- والمجتهد إذا أصاب في اجتهاده له أجران.
- وكذلك إعادة الوضوء، تثنيته.
- وكذلك مَن كان من أهل الكتاب مؤمنًا بالكتاب الذي أُنزِل على موسى أو على عيسى ثم آمن بالنبي مُحمَّد ﷺ وهو نصٌّ في القرآن الكريم.
- وكذلك هذا الذي ورد في الحديث العبد الذي يؤدي حق الله وحق سيِّده.
- وكذلك مَن سَنّ خيرًا.
- وكذلك مُعيد الصلاة.
- وكذلك مَن كان جبانًا ويحمل نفسه على الجهاد ويدخل فيكون عليه مشقّة.
- كذلك شهيد البحر؛ له أجران الذي يُستشهد في البحر.
- وكذلك طالب العلم المدرك لتحصيل العلم ونفع الأُمة.
- وإسباغ الوضوء على المكاره كذلك.
- ومَن دنا من خطيب الجمعة واستمع إلى الخطبة.
- وما جاء في الإمام المؤذن، أن يؤذن ويؤم.
- والعامل في الخير في وقت الهرج ووقت الشر.
كلهم ممَن يضاعف لهم الأجور إلى غير ذلك ممَّن جاءوا في الحديث. وذكر السيوطي منهم نيّف وثلاثين يؤتون أجرهم مرتين، تُضاعف لهم الأجور. قال ربنا: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) [البقرة:261]، فالله يضاعف لنا أجورنا، ويثيبنا من فضله ما هو أهله.
وذكر عن سيِّدنا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إنكاره على تلك الجارية، أمة كانت لعبد الله بن عُمَر -ابنه-، "رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ"، ففارقت ما يليق بها من البُعد عن الزينة لأنها داخلة في المجتمع، وماشية في الطرق بين الرجال لقضاء الحاجات، فينبغي أن تتحلَّى بما يُعين ويُساعد على نقاء المجتمع ونزاهته وصفائه، لا أن تكون سببًا للشر ولا أيضًا لإساءة الظنِّ بالحرائر، فتظهر كأنها متبرجة وهي حرّة؛ فلهذا جاء الأمر ببُعدهن.
وإن كان على وجه العموم، لا يجوز للمرأة أن تستعطر إذا كانت تمر بالرجال الأجانب، ولا يجوز أن تُبدي زينتها كذلك للرجال الأجانب. فمَن كانت من الإماء اللاتي يقمن بالعمل، وكما كان حال كثير من المسلمين يقوم أعداد من نساء مجتمعهم بمِهن وحِرف، ومنها في الزراعة ومنها غير ذلك من الأعمال، فيكُنَّ على هيئات بعيدات عن أن يُلفتن النظر، ولا يكن فيهنّ متبرجة ولا متزينة، ولا لابسة لباس ملفت للنظر، بل يلبسن من اللباس تصرف الأنظار عنهنّ ويقمن بهذه المهنة. فلو تزيَّنت إحداهن لكانت مأثومة، ولكانت خارجة عن الأمر لأن مقصود ما فرض الله تعالى من الحجاب الصيانة للمجتمعات عمَّا يدعوهم إلى إبليس وأنفسهم من السوء والشر ومخالفة أمر الله -تبارك وتعالى- وهتك الأعراض والقيم. فهذا هو المقصود من هذا الشرع الشريف، فينبغي أن يُراعى.
وحينئذ مَن احتاجت إلى شيء من التردّد للقيام بالمهن، فلا تكون على تزيّن ولا على إثارة، وهذا الذي يسعى إليه إبليس وجنده اليوم ثم يضعون له لافتات: عمل المرأة، حرية المرأة، إنصاف المرأة، حقوق المرأة… والقصد أن تتبرّج المرأة، أن تَفتِن المرأة، أن تُفسد في المجتمع المرأة، أن تخالف ربها المرأة، أن تتحدى القِيَم المرأة، أن تخرج عن المُثُل المرأة؛ هذا معناه لكن يأتون به بصور أخرى وبمسمّيات أخرى، وهو معناه هذا.
وإلا فالمرأة وقيامها بالأعمال والمهن في الشرائع كلها، وفي عهد نبيِّنا وعهودنا وعهود من قبلنا، قائمات بمهماتهن وقائمات بِحِرَفهنّ وعاملات لكن ما يريدون هذا.. يريدون: تبرج المرأة، إفساد المرأة، أن تُستخدم استخدامًا حسنًا لإبليس في جلب إلى الشر، في هتك الأعراض، هذا المقصود -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فهي الفتنة التي أشار إليها ﷺ، وأشار لنا في حديث مسلم: "نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ ، رؤوسِهن مثلُ أسنمةِ البختِ"، وأشار إلينا في حديث الطبراني الذي جاء بسندٍ حسن: "وثيابٌ تظهر يلبسهنّ نساء كاسيات عاريات؛ ثياب تظهر… يتكلم عن الموضات هذه، يتكلم عن الاستحسانات الواقعة بعده، فما أنصحه من نبي بيّن وفصّل ﷺ، وما أغفل كثير من أُمته وأتباعه عمّا قال، وعمّا بيَّن، وعمّا فصّل، وعمّا علَّم، وعمّا حذَّر، وعمّا أنذر، وعمّا أرشد فكأنه لم يبيّن ﷺ، وويلٌ لهم من إعراضهم وغفلتهم عن كلام رسول الله! (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63]. وهل من فتنةٍ تُشتكى في الأرض إلا وأساسها مخالفة هدي هذا النبي؟ في أرض المسلمين وأرض الكفار. كلّ فتنة ومصيبة أساسها مخالفة هذا النبي، شيء مشى على هديْه وقعت فيه فتنة؟ ولا شيء، كل الفتن ما وقعت إلا من مخالفة هدي رسول الله ﷺ وبلاغه عن الله.
يقول: "فَدَخَلَ" سيِّدنا عُمَر -رضي الله عنه- "عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيكِ -عبد الله- تَجُوسُ النَّاسَ"، قال: (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ) [الإسراء:5]، تَجُوسُ النَّاسَ، تجوس؛ يعني: تمشي بينهم ذهاب ورجعة، "وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ"؛ تزيّت بزيّ الحرائر، مختمرة بشكل الحرائر كأنها من الحرائر، "وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ." رضي الله تعالى عنه، فخاف أن يكون فتح باب فتنة، قال: أتتشبهين بالحرائر؟
باب مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ
ثم ذكر البيعة؛ ويُراد بها العهد على الطاعة، وإن كان البيعة تتناول معان:
- منها المبايعة على الطاعة.
- ومنها الصفقة من صفقات البيع.
- ومنها أنواع المعاقدات
ولكن يُراد بها هنا العهد على الطاعة.
أن المبايع يُعاهد أميره على أن يُسلِّم له النظر في أمر نفسه، وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك. كما جاء: "وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه"؛ يعني: لا نمشي وراء مُرادات الأنفس ورغباتها في التسلّط والإمارة، هذا معناه. لا نستسلم لأنفسنا فيما تطلب من الإمارة، ومَن تأمّر على الناس فشأنه، ومسؤولية عليه بينه وبين الله تبارك وتعالى.
يقول: "إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ علَى الإمارَةِ، وسَتَكُونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَةِ"، بل رأيناها ندامة وقعت عليهم في الدُّنيا قبل يوم القيامة، وهم عادهم في الدُّنيا وقعت لهم مشاكل، وذا سقط، وذا هرب، وذا حاكموه، وذا حبسوه، وذا ما عاد قدر يدخل بلاده، وكله من أجل الإمارة. عادهم في الدُّنيا وقد هم مبهذلين! والندامة كذلك لهم في الآخرة -والعياذ بالله تعالى- عِشْ لك عيشة طيبة وامشِ في حياتك، قدامك الحساب والموقف وقدامك لقاء الرب أيش تريد بالخربطة على نفسك؟ أين تروح؟ لا إله إلا الله… لكنها فتن!
وهكذا استفاض عنه ﷺ أن الناس كانوا يبايعونه:
- تارة على الهجرة
- تارة على الجهاد
- تارة على إقامة أركان الإسلام
- تارة على الثبات والقرار في المعركة
- تارة على التمسك بالسُّنة واجتناب البدعة
- وتارة على الحرص على الطاعات
- تارة على ألّا يسأل غير الله شيء
- تارة على المحبة، يبايعه على المحبة
وهكذا؛ تعددت البيعات وذكر القرآن منها ما ذكر من الأنواع الرفيعة، وقال: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح:18]، ثم رفع شأن المبايعة لنبيّه إلى أعلى الذُّرى وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح:10]؛ فهي التزام وعهد خاص.
ومنه ما عاهدنا الله عليه في عالم الأرواح، وكانت بيننا وبين الرَّحمن خالقنا بيعة ألّا نعبد سواه، (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي) [يس:60-61]، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172]، فكان هذا بيعة وعهد بين الخلق وبين ربهم. وكان الأنبياء المُرسلون في بعثاتهم يُجدِّدون هذا العهد بين الله وبين عباده، حتى خُتموا بالنبي مُحمَّد ﷺ.
ومنه ما هو قائم أيضًا في الأُمة سواء من جهة الأمراء والخلفاء أو من جهة المُسلّكين وأهل المعرفة، فيأخذون العهود والبيعات على السائرين إلى الله تعالى في أن يستقيموا على السُّنة، وأن يلتزموا بطاعات وعبادات، وأن يتباعدوا عن أنواع من المحرّمات والمكروهات والقواطع عن الله -تبارك وتعالى- وبقيت هذه البيعة في المؤمنين والعهد في المؤمنين على هذا الوجه، وهذا يدخل في تجديد العهد الذي بينهم وبين الرَّحمن جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.
يقول: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ". من رِفقه وشفقته على الأُمة صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وجاء في الحديث عند البُخاري، عن سيِّدنا عُبادة بن الصامت يقول: "بَايَعْنَا رَسولَ اللهِ ﷺ علَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وأن نقوم -أو: نقول- بالحَقِّ أَيْنَما كنّا، ولا نخاف في الله لومة لائم" صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، فكان يبايعهم أمثال هذه البيعات. قال: "يَقُولُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" لكمال شفقته ورأفته، "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ". يلقّن أحدهم إذا بايعه على السمع والطاعة، يقول له: فيما استطعت، يقول له قل: فيما استطعت.. ما أشفقه وأحرصه على أمته ﷺ ولأن مخالفته شديدة عند الله تبارك وتعالى. وهكذا يقول سيّـدنا جرير بن عبد الله كما جاء في البُخاري: بايعته ﷺ على السمع والطاعة، قال فلقنّني: "فيما استطعت"، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
ويقول الحق في ذكر بيعة النساء: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) إلى آخر الآية [الممتحنة:12]. وذكر: "عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ بَايَعْنَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ"؛ مجموعة من النساء بايعنه على الإسلام في المدينة كانت بعد الحُديبية. تقول أميمة: أتيت النَّبي ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: ألّا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني إلى آخره، (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ). وقال لهن: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ"، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِيَ، وَلاَ نَقْتُلَ أَوْلاَدَنَا" الأمور المشتهرة بينهم في الجاهلية. وكان من جراءة هند وهي في أول عهدها بالإسلام وقرب عهدها بالجاهلية، وسطوة نفسها التي كانت عليها، لمَّا بايعهن ﷺ بعد فتح مكة، ألّا يقتلن أولادهن، فقالت: أنت قتلت آباءهم توصينا بأبنائهم؟! ضحك رسول الله ﷺ، وما قتل منهم إلا مَن قاتلوه، ومَن آذوه، ومَن صبر عليهم وعلى أذاهم، ومَن بلّغهم بلاغ بعد بلاغ، ومَن تابعوه إلى محل مهاجرته بالقتال، ما قتل منهم إلا مَن جاء يقاتله ﷺ، ولكن جراءة قرب عهدها بالجاهلية، وما كان من رسول الله ﷺ إلا أن تبسّم فقط. "وَلاَ نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ"؛ يعني: كذب يُبهِت سامعه أو يدهشه "نَفْتَرِيهِ"؛ نختلقه "بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا"؛ يعني: من قِبل أنفسنا، معظم الأفعال تقع بالأيدي والأرجل، "وَلاَ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ". اللَّهم صل عليه وعلى آله.
"قَالَتْ: فَقُلْنَ" يا رسول الله: "اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لاَ أُصَافِحُ النِّسَاءَ"؛ لأنهن اعتدن وعرفن من الرجال أنهم لما يبايعونه، يمدون أيديهم ويمسكوا بيده الشريفة ﷺ. فأخبرهنّ أن بيعته للنساء ليست بمصافحة، فإنه الأطهر الأنقى، عليه الصَّلاة والسَّلام، فقال: "إنِّي لاَ أُصَافِحُ النِّسَاءَ"؛ يعني: لا أباشر أيديهن بيدي. وهكذا، جاء في البُخاري: باب بيعة النِّساء، ومنه أورد الحديث: "كان النَّبي ﷺ يبايع النِّساء بالكلام". و ما مسّت يده يد امرأة لا تحلّ له، "ما مسَّ رسول الله ﷺ بيده امرأة قطُّ إلا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطته، قال: اذهبي فقد بايعتك"، خلاص، يأخذ عليها العهد، بايعتك على ذلك، خلاص انصرفي. وإن في بعض كتب السيرة أنه مدَّ لبعضهن رداءه الشريف، فأمسكن به. قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة وفَرَغ من بيعة الرجال وهو على الصفا، أتته النِّساء يبايعهن، وعُمَر بن الخطاب أسفل منه يُبلغهن عنه، قال: وهند بنت عُتبة مُتنقبة، منكرة مع النساء خوفًا من رسول الله ﷺ أن يعرفها، لِمَا صنعت بحمزة يوم أُحُد، إلى غير ذلك مما كان منها.
"إِنَّمَا قَوْلِي لِمِئَةِ امْرَأَةٍ"، أو أكثر "كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ"، يعني "مِثْلِ قَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ"؛ لا احتياج فيه إلى المصافحة، ولا تخصيص كل امرأة بالمبايعة وحدها وحدها، إنما كلام واحد لكُن كلُّكن تبايعنني على ذلك كلامًا، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. وفي هذا مسلكه الكريم وهديه القويم، ثبِّتنا على دربه يا رب.
وذكر المبايعة بالكتابة من سيِّدنا "عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ" لمَّا "كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّى أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَأُقِرُّ لَكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فِيمَا اسْتَطَعْتُ". وهو داخل فيها: يكون أمراء تعرفون منهم وتُنكِرون، قالوا: ما تأمر؟ قال: عليكم بالسمع والطاعة، وعلى هذا مضى ابن عُمَر وأمثاله ونظرائه من الصحابة، وتجنبوا إحداث الفتن والفوضى، وقد أنكروا من الأمراء ما أنكروا بعد ذهاب الخلافة الراشدة.
باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلاَمِ
وذكر لنا في باب الكلام التحذير من التكفير، وقال: "مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا"؛ أي: رجع بها "أَحَدُهُمَا"؛ إن كان صدق هذا كافر وإلا فالكفر واقع على قائله والعياذ بالله تبارك وتعالى. ولهذا تعرف خطر تكفير المؤمنين؛ مَن كفّر واحد من المؤمنين يعود الكفر عليه، فإذا كفّر اثنين رجع كفرين عنده، فإذا كفّر ثلاثة! وإذا كفر عشرة، إذا كفر مئة، إذا قال الناس من ستمائة سنة كفار مشركين ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! إنّا لله، على عددهم كُفر، وهذا بعضهم فسَّر قوله في نجد: "وفيها تسعة أعشار الكفر"؛ قالوا: إن فيها من يُكَفِّر الأُمة على القرون، وكله يرجع عليه الكفر بعد ذلك! "فيها تسعة أعشار الكفر" -والعياذ بالله تبارك وتعالى- مصائب كبيرة! والحديث أيضًا عند البخاري، إذا قال لأخيه: يا كافر، واحدة من اثنتين: صِدْق كافر عند الله وإلا الكفر عليه، وكل رمي بفسق أو كفر لمَن ليس كذلك يرجع على الرامي، وهكذا والعياذ بالله تعالى. وقال فيما رأينا في أزمنتنا ممَن يقرأ القرآن ويجوِّده حتى إذا بدت بهجته تظهر عليه، خرج يرمي هذا، يذهب إلى جاره يرميه بالكفر، قال: يكفّر جاره، يكفّرهذا وذاك، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! حتى قالوا لرسول الله ﷺ: مَن أحق بالكفر يا رسول الله الرامي أم المرمي؟ قال: بل الرامي، هو ذا الرامي هو الأحق بالكفر والعياذ بالله تبارك وتعالى. فهذا خطر كبير في نسبة الفسق والكفر إلى المؤمنين.. فكيف إذا نُسِب إلى الأصفياء أو الأولياء أو إلى الصحابة أو أخيار آل البيت الطاهر! كان هذا من أكبر الكبائر. وفي الصحيحين يقول: "إن كان كما قال وإلا حارَ عليه"؛ أي: رجع عليه، أعوذ بالله من غضب الله.
وهكذا فيمَن يتبجحون بأن الناس هلكوا وضلّوا وفسقوا، يُزَكَّون بذلك أنفسهم، ويترفَّعون على خلق الله، ويحتقرون مَن سواهم، هؤلاء -والعياذ بالله- من أهل الشر، بخلاف الذي يؤلِّم قلبه انحراف المسلمين وغفلة المسلمين، ويبكي على ذلك، وهو متواضع خاشع، هذا لا دخل له في الحديث.. لكن الثاني، يقول: "إذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ". هو ذا أكبر هالك، هو هذا الذي يقول، الناس خلاص… وإنا لله وإنا إليه راجعون!.
وهكذا إلى أن صارت مثل النُّكات والغرائب من الناس؛ يجلس الرجل مع صاحبه في مدينة من المدن يقول له: الأُمة تغيَّرت كلها وفسدت وخالفوا الدين، ما بقي إلا أهل بلدنا هذه فقط! قال له الثاني: صح! قال له: اسمع وأهل مدينتا بعضهم قد خالفوا ما بقي إلا أهل مسجدنا والحارة هذه، قال له: صح كلامك، نحن على الدين صحيح! قال: اسمع حتى أهل حارتنا بعضهم ما هم طيبين، دخل فيهم شيء.. قال: صح! قال: مسجدنا هذا فقط، نحن محافظين، قال له: صح. قال: اسمع حتى أهل مسجدنا في بعضهم شيء، ما بقي إلا أنا وأنت والإمام! الإمام هذا ونحن مضبوطين على الدين، قال: صح كلامك، أنا وأنت والإمام، قال: أقول لك الصدق الإمام قليل فيه شيء، بعض أشياء عنده، باقي أنا وأنت فقط، قال: صح. قال: تريد الحقيقة؟ حتى أنت فيك شيء، ما بقي إلا أنا، لا حول ولا قوة إلا بالله!! وعن اعتقاد يقولها، يعتقد ذلك.
"إذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ"؛ هذا أهلك واحد، وأبعد واحد عن الله وعن رسوله الذي يدّعي هلاك خلق الله -تبارك وتعالى- ولا يعرف حسن ظن بأحد، ولا يعرف قدر شهادة ألّا إله إلا الله، ولا قدر السُّنة، ولا قدر العمل بالطاعة، ولا عاد يعرف شيء، خلّى الناس كلهم هلكوا وهو وحده الناجي! بسم الله الرحمن الرحيم، من أين جاء هذا؟ ما هذه المصيبة التي حلّت عليه؟! فهكذا يُبيّن لنا يقول: "إذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ"، وقد جاء أيضًا في صحيح مسلم، "هَلَكَ النَّاسُ"؛ يعني: يقولها على سبيل الاحتقار لهم وعلى سبيل العتب عليهم، لا عنده حُرقة، ولا ألم، ولا تواضع، ولا خشوع، ولا إرادة رحمة بالخلق، فهذا أهلك واحد والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فمَن كان يَزرِي بالناس ويحتقرهم؛ فهو أهلَك الخلق؛ أبعدهم عن الله -جل جلاله وتعالى في عُلاه- خلاف المُتَحزِّن عليهم، الشفيق الحريص، الذي يحكي ما حصل من تقهقر، ومن إضاعة لأمر الله، ومن إهمال للدين وهو يشفق على نفسه وعليهم، ويرى نفسه من أقل خلق الله، هذا متقرّب إلى الله بحزنه وهمّه وغمّه، وهكذا.
وهكذا جاء عن الإمام مالك قال:
- إذا قال ذلك تَحَزّنًا لما يرى في الناس؛ يعني: في أمر دينهم، فلا أرَ به بأسًا.
- وإذا قال عُجُبًا بنفسه وتصاغرًا للناس فهو المكروه الذي نُهيَ عنه.
و"لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ" فالدهر إذا أُريد به الزمن، لا يعمل شيء، لا يقدِّم ولا يؤخر، "يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ"؛ يعني: مُسيِّر الدهر ومُرَتِّب ما فيه، وجاعله ظرفًا للأحداث التي يُحدثها بحكمته -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه- "فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ". كذلك هذا فيمَن يرى أو يعتقد أن للدهر تأثير أو للزمن تأثير، هذا ممنوع. وأمّا من يعرف أن ظرفًا من الظروف فلا إشكال في مثل ذلك، ويُنسب حال أهل الزمن إلى الزمن، ويُقال: زمان سوء، زمان شر، زمان كذا، ويراد بأهله وما يفعلون فيه، وإلا فالزمان هو الزمان نفسه.
وذكر لنا أن سيِّدنا عيسى بن مريم -عليه السلام- في ضبطه للسانه وهو روح الله وكلمته ونبيّه، كان يمشي في الطريق، فلقيَ خنزير اعترضه في الطريق، فوقف سيِّدنا عيسى "فَقَالَ لَهُ: انْفُذْ بِسَلاَمٍ."؛ امشِ بسلام؛ يعني: امضِ سالمًا، وهو كلام رقيق يقوله لخنزير، "فَقِيلَ لَهُ: تَقُولُ هَذَا"؛ القول الطيب اللين "لِخِنْزِيرٍ؟" نجس العين، "فَقَالَ عِيسَى: إنِّي أَخَافُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانِى النُّطْقَ بِالسُّوءِ." ما تنطق لساني إلا بالخير، فهذا هو الضبط.
وهذا يجيء لأخيه، يقول الكلام القبيح. ويجيء لأبيه، يقول الكلام القبيح. ويجيء لجاره، يقول الكلام القبيح… ما رضوا بِغِلَظِ القول حتى للخنزير، وحتى للكلب. وكان سيِّدنا أويس القرني إذا جاء يلتقط شيئًا من الكسر من المزبلة، ينظفها ويأكل بعضها ويتصدّق ببعضها، وقد يجيء كلب ينبح، يقول له: يا كلب، أنت ممّا يليك وأنا ممّا يليني، خذ من الذي عندك وأنا من الذي عندي، فإن أنا جزت على الصراط فأنا خيرٌ منك، وإن لم أجز على الصراط فأنت خيرٌ منّي. مَن؟ سيِّد التابعين، أويس القرني -رضي الله عنه- المنصوص على ولايته ومكانته عند الله في حديث رسول الله ﷺ. أو هذا التفكير مبالغة؟ أو فعل الصوفية ذا؟ خارج عن…هذا فكر وعقل أهل السيّادة في الأُمة، المشهود لهم بلسان صاحب النُّبوة، هذا طريقهم وهذا تفكيرهم رضي الله عنهم.
الله يرزقنا الأدب، ويرفعنا عَلِي الرُّتَب، ويدفع عنا العطب، ويكون لنا في الدُّنيا وفي المُنقلب، ويكشف عنَّا جميع الكُرَب.
وفي بيعته مرة جاءوا وهم صغار؛ عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر، صغار وهم في السبع سنين، قالوا: يا رسول الله نبايعك، تبسَّم، ومدَّ يده إليهم، وبايعهم ﷺ. وكان سيِّدنا أبو بكر يبايع على العمل بكتاب الله والسُّنة، ثم طاعة الأمير. وتسمَّع إليه وهو يُلقّن هذا بعض الشباب، ثم جاء إليه وابتدأه وقال: أبايعك على كتاب الله وسُنّة رسوله ثم الطاعة للأمير، تشوَّف إليه، وكأنه أعجبه الكلام الذي يبايع الناس عليه ابتدأ به هذا الشاب وهو قد سمعه منه. وهكذا لم يزالوا -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- على التحرِّي، ولا يجعلون لهم طاعة إلا فيما وافق شريعة الله ومنهج رسوله ﷺ. ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، جل جلاله.
الله يكرمنا وإياكم بصدق الإقبال، ويُصلح لنا جميع الأحوال، ويدفع عنا البلايا والآفات، ويُصلح الظواهر والخفيات، ويُبلغنا فوق الأمنيات، ويُثبِّتنا أكمل الثبات.
العجيب اختلاف الأئمة عندنا في مصافحة المحارم..
- المحارم تجوز مصافحتهم عند الجمهور، جمهور العلماء.
- أما الأجانب لا كلام فيهم، وإن ادّعى مَن ادّعى، وقال مَن قال..
- ولكن قول عند الحنابلة: حتى مصافحة المحارم لهم فيه كراهة.
والمسألة دائرة على العُرْف الحَسَن، والذوق الحَسَن، والأدب الحَسَن، ما في ذلك إشكال، وكل ما جاوز فيه حد الأدب، ورعاية حرمة التقوى فله حكمه، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة:220]، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة:235].
الله يجعلنا من الذين سبقت لهم منه الحُسنى وختم لهم بها، ويضاعف لنا الخير والبركة في خاتمة شهرنا شعبان، وبلغنا جميعًا رمضان جميعه، ويجعلنا من خواص أهله، وخواص أهل أيامه ولياليه جميعها، وخواص أهل نفحاته جميعها، وخواص أهل تجلّياته في رمضان جميعها، ولا يحرمنا بركة ليلة القدر ولا بركة كل ليلة من ليالي رمضان، ولا يحرمنا بركة يوم القدر ولا كل يوم من أيام رمضان، ويجعلنا من الظافرين بخيرات ساعاته ولحظاته كلها، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، ويعجّل بالفرج لأُمّة حبيبه مُحمَّد، ودَفْع الكرب والشدائد والبلايا عنهم وتحويل أحوالهم إلى أحسن الأحوال، بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
22 شَعبان 1444