شرح الموطأ - 528 - باب ما يُؤمر به من الكلام في السَّفَر، باب ما جاء في الوحدة في السَّفَر، وباب مَا يؤمر به من العمل في السَّفَر

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ فِي السَّفَرِ، وباب مَا جَاءَ فِي الْوِحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وباب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي السَّفَرِ، وباب الأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ.

فجر الإثنين 21 شعبان 1444هـ.

باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ فِي السَّفَرِ

2822 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ يَقُولُ: "بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَمِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ". 

2823 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ ".

باب مَا جَاءَ فِي الْوِحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

2824 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ". 

2825 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَإِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ". 

2826 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا". 

باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي السَّفَرِ

2827 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ يَرْفَعُهُ: "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيَرْضَى بِهِ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لاَ يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ، فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ، فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا، وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لاَ تُطْوَى بِالنَّهَارِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ". 

2828 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ، عَنْ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ، وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ". 

باب الأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ

2829 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ". 

2830 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ، فَإِذَا وَجَدَ عَبْداً فِي عَمَلٍ لاَ يُطِيقُهُ، وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ. 

2831 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: لاَ تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا، وَلاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ، وَعِفُّوا إِذْ أَعَفَّكُمُ اللَّهُ، وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بالشريعة الغرّاء وبيانها على لسان خير الورى، سيدنا محمد من رفع الله له ذكرًا وقدرًا، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأهل بيته الذين نالوا به طُهرًا، وعلى أصحابه ومن سار في مسارهم وجرى بمجراهم خير مجرى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف والمجد أعلى الذُرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكة الله المقرّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

ويذكر لنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تعالى- أبواب تتعلق بالسفر والإقامة، وما يتعلّق أيضًا بالمعاملة مع المماليك وبين المسلمين.

ويذكر لنا في هذا الحديث: "باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ فِي السَّفَرِ"؛ وذلك أن السفر محلُّ إجابةٍ لمن يسافر في الخير وفي الحلال، ففيه ينبغي الإكثار من الدعاء، وهناك كما جاءنا في السنة المطهرة أدعية لمختلف أحوال الإنسان في يومه وليلته وما يعرض له من الشؤون، ومنها: 

  • السفر والإقامة
  • وفي كل خروجٍ وفي كل دخول
  • وفي كل نوم وفي كل يقظة
  • وفي كل أكل وفي كل شرب
  • وعند الرعد وعند البرق وعند المطر
  • وعند الطعام وعند الشراب

وإلى غير ذلك..

شرع لنا ﷺ أذكارًا، وشرع لنا أدعية، لنبقى على صلةٍ بالرحمن مستجلبين الخيرات ومستدفعين الآفات والشرور وكل محذور في البطون وفي الظهور، فينبغي للمؤمن أن لا يحرم نفسه من هذه الوُصلَة ومن الاستمساك بهذا الحبل المتين في بقاء ذكره لرب العالمين، وصلة قلبه به وطرح شؤونه عليه.

ويأتي للسفر الأحكام: 

  • فيكون السفر واجبًا.
    • ويكون فرض عين: كما هو الحال لمن استطاع الحج إلى بيت الله -تبارك وتعالى- من المؤمنين،  ولأجل طلب العلم الواجب.
    • وقد يكون فرض كفاية: كالسفر للجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى-، أو لإنقاذ أحد المسلمين في شيء من النوازل أو الورطات.
  • وقد يكون السفر مباحًا ومندوبًا: وهو الذي لا يُضيّع به واجبًا ولا مهمًّا، ويفعل ويعمل فيه أو يقصد به خيرًا من الخيرات المحمودة في الشرع؛ فيكون هذا السفر مسنون ومندوب.. 
    • إما لطلب علم مسنون غير العلم الواجب 
    • وإما لزيارة النبي ﷺ 
    • أو لزيارة أحدٍ من الصالحين 
    • وإما لأمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر 
    • أو تعليم أو دعوة إلى الله تبارك وتعالى؛ وذلك من أفضل الأسفار مهما خلصت فيه النية؛ فهو من أسفار النبيين -صلوات الله وسلامه عليهم- يسافرون ليبلغوا شرع الله ودين الله، وليربطوا الخلق بربهم جلّ جلاله وتعالى في علاه.
  • وقد يكون السفر مباحًا: إذا خلا عن قصد فعل الخيرات وكان في دائرة المباحات، لا يخرج عنها إلى مكروهات ولا إلى محرّمات.
  • فإذا أراد السفر لفعل مكروه أو قصد أي مكروه من المكروه؛ فالسفر مكروه.
  • وإذا نوى السفر لأجل إيذاء أحد من المسلمين، أو لأجل مقاتلة بين مسلمين على غير حق، أو لأجل فعل معصية من شرب خمرٍ وغيره، فإنّ السفر في حد ذاته حرام.

فتأتي الأحكام الخمسة للسفر فيكون السفر بحسبها.

وهكذا، يُعلم من هذا الحكم في السفر معنى الحديث الشريف: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.."، وأنّ المراد في الحديث ذكر فضل المساجد الثلاثة على ما سواها، لا تخصيص السفر إليها ومنعه من السفر إلى ما سواها، فالسفر إلى ما سواها قد يكون واجبًا، وقد يكون مسنونًا ومندوبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا، بحسب ما يعتريه من هذه الأحكام.

ومنها أسفاره ﷺ في جميع غزواته السبع والعشرين، وسرايا أصحابه السبع والأربعين؛ كلها لغير المساجد الثلاثة، جميع السرايا والغزوات لغير المساجد الثلاثة، ليس منها ما هو للمساجد الثلاثة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومنها ما هو معلوم من أسفار أصحابه في حياته ومن أسفارهم الكثيرة بعد وفاته -صغارًا وكبارًا- إلى مختلف المقاصد وإلى مختلف النواحي، فلا يتعرّض لشيء من هذه الأسفار حكم الكراهة إلا إذا أراد فعل مكروه، ولا حكم المُحرّم إلا إذا أراد أن يفعل بهذا السفر محرّمًا، وما خلا عن ذلك فيدخل تحت حكمه.

ثم أنه جاءت لنا آدابٌ وسننٌ في السفر، ومنها خير ما يودّع به بيته: ركعتان يركعهما فهي سنة السفر للمسافر؛ فالصلاة لأجل السفر -سُنّة السفر- ينبغي أن تكون في البيت أفضل، ويكون آخر ما يخلّفه في بيته ركعتين يركعهما في البيت، بخلاف صلاة سنة القدوم من السفر.. في المسجد أفضل، ويجوز أن تكون في البيت، ولكن في المسجد أفضل إذا قدم من السفر، كما كان يفعله ﷺ إذا قدم من سفرٍ قَصَد المسجد فصلّى ثمّ كلّم من عنده ومن يتعرّض له من أصحابه ثم انصرف إلى بيت فاطمة، ويكون بالنسبة للبيوت في أسفاره: آخر عهده بالبيوت بيت فاطمة، وأول بيت يدخله عندما يرجع من السفر: بيت فاطمة ابنته بضعته البتول رضي الله عنها.

وهكذا، وهي التي رأته في بعض أسفاره، جاء وعليه أثر الإرهاق من السفر والغبار، فلمّا رأته دمعت عيناها، دخل عليها فدمعت عيناها، فقال لها: ما يبكيكِ؟ قالت: جئت يا رسول الله وعليك أثر السفر والغبار والإرهاق، قال: إيه يا فاطمة، إن أباك بُعثَ بأمرٍ عظيم، والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر ولا حجر، إلا ودخله دين أبيك، بذلّ ذليل أو عزّ عزيز. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وينبغي أن: 

  • يجدّد التوبة عند سفره. 
  • وأن يردّ المظالم لأهلها. 
  • وأن يستودع أهله وقرابته وصلحاء بلده وأهل مكانه، وأن يطلب منهم الدعاء. 

وكلٌّ منهم عند وداع الآخر يأتي بما ورد، فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.. إلى غير ذلك، ولمّا جاءه بعض أصحابه يريد السفر، قالوا للنبي ﷺ: زوّدني، قال: زوّدك الله التقوى، قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسّر لك الخير حيثما كنت، فكان من الأدعية التي يدعى بها.

قال: "باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ فِي السَّفَرِ"، والسفر مظنّة إجابة الدعاء، وسُمّي سَفَر؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال، يسفر عن أخلاق الناس، فينبغي للمؤمن أن ينتبه من حُسن خلقه في السفر، لأن السفر مدعاة للضجر من طول طريقٍ أو من عناءٍ أومن تعبٍ ينالهم، فينبغي أن يكون حريصًا على حسن الخلق، وعلى نفع رفقته وصحبته ومن معه في السفر، وأن يتحمّل منهم ما يصدر منهم، بسبب ضجرٍ، أو بسبب إرهاقٍ وتعب، فهذا هو الشرف والعز للمسافر.

ثم يقول: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ"؛ وقيل: أن الركاب يكون من الحديد والخشب، والغرز لا يكون إلا من الجلد، وقيل: هما مترادفان، والقصد: إذا ركب دابته، "وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ يَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ"؛ ومن المعلوم ابتداؤه باسم الله في مختلف أحواله ﷺ، وابتداؤه كذلك بعض دعائه بذكر الله تعالى، ويستفتح بالتسمية، وكذلك خروجه ودخوله وأكله وشربه لا يفارقه اسم الله.

 "بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ"؛ يعني: المصاحب "فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ"؛ أنت تخلفنا في أهلنا وأولادنا، ولما ذكر هذا الدعاء سيدنا علي، قال: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، ولا يجمعهما غيرك، لا أحد غيرك يكون في السفر صاحب وخليفة في الأهل، إما يتخلف في الأهل، و إما يمشي! أما أنت خليفة في الأهل وصاحب في السفر كلها منه! لا إله إلا الله.. (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد:4] جلّ جلاله.

"وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ"؛ تحفظهم وترعاهم وتيسّر أمرهم، وهكذا جاء في رواية: "اللهمّ أصحِبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا".

"اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ ازْوِ"؛ بمعنى: اطوِ "لَنَا الأَرْضَ"؛ يعني: تقرُب علينا مسافتها ويتيسّر لنا العبور عليها، "وَهَوِّنْ"؛ يعني: يسّر وخفّف "عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ"؛ يعني: ما ينازل المسافر من مشقّة وعناء وتعب وأشكال كل وعثاء السفر، ما يكون فيه من شدة ومشقة..

"وَمِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ"؛ والكآبة: تغيّر النفس بالانكسار من شدّة هم وحزن، يعني: من تغيّر النفس من شدة الهم، يعني: يعود غير مقضي الحاجة أو مصابًا في مال أو غرض، "كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ"؛ المَرْجَع: فلا يرجع إلا وقد حصل المقصود من سفره، ويرجع آمنًا مطمئنًا معافى، فيعوذ بالله "مِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ"؛ أي: المرجع، "وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ"؛ كل ما يسوء النظر إليه "فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ"؛ فلا يرى إلا ما يسر قلبه. لا إله إلا الله..

"ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا رَدَفه مَلَك"، قال: "ولا يخلو بشِعرٍ و نحوه"؛ إذا راح يسافر يفتح الأغاني هذه! ولا بسملة ولا أذكار.. قال: "ولا يخلو بشعر ونحوه إلا ردفه شيطان"؛ يكون صاحبه الشيطان في طريقه، فتجد كلامه كلام الشياطين، ونظرته نظرة الشياطين وأخلاقه كما أخلاق الشياطين.. لأنهم أصحابه! ولو ذكر الله وحمده لكان رفيقه المَلَك، فتجد كلامه  يشبه كلام الملائكة، ونظراته تشبه نظرات الملائكة، وأخلاقه تشبه أخلاق الملائكة، لأنه كلٌّ من صاحبه، المرء من جليسه؛ إن كان صاحبه مَلَكً يشبه الملائكة، وإن كان صاحبه شيطان يشبه الشياطين والعياذ بالله تعالى. وهكذا ينبغي، يقول: "ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا ردفه ملك ولا يخلو بشعره ونحوه إلا ردفه شيطان" لا إله إلا الله! 

وجاء أيضًا أنه ﷺ قال: "أتحب يا جبير إذا خرجت في سفر، أن تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادًا؟ قلت: نعم بأبي أنت وأمي، قال: فاقرأ هذه السور الخمس: قل يا أيها الكافرون، إذا جاء نصر الله، قل هو الله أحد، قل أعوذ برَبِّ الفَلَق، وَقل أعوذ  برَبِّ النَّاسِ، وافتتح كل سورة: ببسم الله الرحمن الرحيم، واختم قراءتك بها".

اقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون]، بسم الله الرحمن الرحيم.

بسم الله الرحمن الرحيم (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر]، بسم الله الرحمن الرحيم.

بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص]، بسم الله الرحمن الرحيم.

بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) [الفلق]، بسم الله الرحمن الرحيم.

بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس]، بسم الله الرحمن الرحيم.

قال له: "واختم قراءتك بها"، "افتتح كل سورة: ببسم الله الرحمن الرحيم، واختم قراءتك بها"، قال جبير: وكنت غنيًا كثير المال، فكنت أخرج في سفر فأكون أبذّهم هيئة وأقلّهم زادًا، فما زلت منذ علمنيهنّ رسول الله أو تعلمتهنّ من رسول ﷺ وقرأت بهنّ؛ فأكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زادًا حتى أرجع من سفري، هكذا في رواية أبي يعلى عن جبير بن مطعم -رضي الله تعالى عنه- علّمه ﷺ ذلك.

فربطَنا ﷺ في أحوالنا بالذكر والقرآن والصلة بالرحمن، فجزاه الله من معلّمٍ ومرشدٍ ومربٍّ ومزكٍّ خيرًا.

وذكر: "عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ"؛ فإذا وصل إلى أي مكان أراد أن ينزل، فإنه يقول هذا: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، -وفي رواية ثلاثًا- فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ"، والحديث أيضًا كما هو عند مالك في صحيح الإمام مسلم 

"مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً"؛ يعني: حط في مكان، "فَلْيَقُلْ" -للندب في ذلك- "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ"؛ من المخلوقات، لا من هوام ولا من عقارب ولا من غيره ولا سلطان سوء في مكانه هذا، "حَتَّى يَرْتَحِلَ"؛ من هذا المنزل، فتعوّذه مدة إقامته يكونوا حارسًا وحافظًا له من الشرور، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فليقل ذلك بنيّةٍ وقوة يقين وصدقٍ مع رب العالمين، وذلك أنه في الجاهلية كانوا يتعوّذون بالجن، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) [الجن:6]؛ وإذا جاؤوا في منزل، ينزلون في الطريق، وفي السفر يخافون ويقولون: نعوذ بسيد هذا الوادي! يعني: يعنون كبير الجن منهم، يقولون هكذا، علّمنا نقول: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ"؛ هكذا علمنا ﷺ.

 

باب مَا جَاءَ فِي الْوِحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ 

 

ونهانا عن الوحدة في السفر؛ أن يسافر الرجل وحده، والمرأة وحدها من باب أولى، فلا يسافرون إلا رفقة، قال: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ"؛ الراكب الواحد يسافر وحده من مكان لمكان ويرتحل في الأراضي شَيْطَانٌ؛ يعني: بعيد عن الخير في الأنس والرفق، لا إله إلا الله! والأصل: شطون، والشطون أصله: البُعد، وهكذا جاء عن سيدنا عمر، قال في رجل سافر وحده، قال: أرأيتم إن مات مَن أسأل عنه؟.

"وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ"؛ كذلك اثنان وحدهم يسافران في سفر لا أحد فيه إلا هم! يدخلان صحاري و سباسب لا أحد إلا هم وحدهم الاثنين!.

"وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ"؛ يعني: جماعة، ويد الله مع الجماعة، فالركب هذا اسم من أسماء الجموع، مثل: نفر ورهط.

وقال بعضهم أن الراكب شيطان: أنه حكمه حكم الشيطان وفعله فعل الشيطان في انفراده عن الإنس، وتركه الجماعة، وكذلك الاثنان، أما الثلاثة فركبٌ وجمع خرجوا من حكم الشيطان إلى حكم الاجتماع. وقيل: أي: سفره وحده يحمله عليه الشيطان، أو أنه أشبه الشيطان في فعله؛ لأن الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، والاثنان إذا مات واحد منهم الثاني يتعب؛ ما له من معين عليه، وإذا مرض واحد منهم كذلك، فلو كانا اثنان واحد سيذهب ويترك المريض وحده، كيف هذا! يأتي له بالدواء، ولكن إذا كانوا ثلاثة: واحد يبقى عند المريض، وواحد يأتي بالدواء، وما إلى ذلك من الفوائد، فهو مُرشدنا إلى مصالح الدين والدنيا ﷺ.

ويقول: "الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ"؛ يعني: يكثر طمعه فيهم ويتسلّط عليهم ويوسوس عليهم أكثر، "فَإِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ"؛ ينقص جهده معهم ويخاف منهم إذا كانوا ثلاثة، فهو أقدر على الواحد وعلى الاثنين ممّا إذا كانوا ركب، "لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم، ما سارَ راكبٌ بليلٍ وحده"؛ هكذا جاء في البخاري وعند أهل السنن، لا إله إلا الله.

يقول عن ابن عمر -رضي الله عنه-: أنه سافر مرة فمرّ بقبر جاهلي، فخرج منه رجل يتأجج نارًا في عنقه سلسلة، قال: ومعي إداوة من ماء، قال: يا عبد الله اسقني، فقلت: عرّفني! -يعني: من أنت؟- فخرج على إثره رجل من القبر، قال: يا عبد الله لا تسقِه فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة فاجتذبه بها وأدخله القبر، قال: ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر، فسمعت منه صوتًا يقول: بول وما بول، شن وما شن، قلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان زوجًا لي وكان لا يتقي من البول، وأقول له: ويحك إن الجمل إذا بال تفاجّ فيأبى، فهو ينادي من يوم مات: بول وما بول، قلت: ما الشن؟ عاده يقول: شن! أسمعه يقول: بول وشن، قالت: جاء رجل عطشان فقال: اسقني؛ فقال: دونك الشن، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتًا، فهو ينادي: شن وما شن.. يُعذَّب على ما كان منه، لا إله إلا الله… فلما قَدِمتُ على النبي ﷺ أخبرته، فنهى أن يسافر الرجل وحده، وهذا جاء بسند ضعيف.

وأيضًا جاء عن ابن عمر ذكره في مجمع الزوائد يقول: بينما أنا أسير في جنبات بدرٍ، إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة، فناداني: يا عبدالله اسقني، فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعاية العرب؛ العرب يقولون لأي إنسان: يا عبد الله، فخرج رجل آخر يقول: لا تسقه، وجاء في هذه الرواية قال: ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة -والعياذ بالله تعالى- جاء في رواية الطبراني في الأوسط.

ثم يقول عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"؛ يعني: لا يجوز لها ولا يَحِل أن تسافر مسيرة يوم وليلة، "إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا"، أو زوج كما جاء في الروايات الأخرى، فإما يكون معها زوج أو يكون معها محرم من الرجال.

  • وهكذا قال الشافعية: إلا إذا كان لفريضة حج أو عمرة: فيجوز أن تكون مع رفقة من النساء، يعني: جماعة من النساء مهما أمنت. 
  • وكذلك قال المالكية: في كل سفر واجب، يجوز أن تسافر مع رفقة من النساء. 
  • ولم يرَ ذلك الحنفية والحنابلة قالوا: لا تسافر حتى الحج، إذا لم تجد زوجًا يسافر معها، ولا محرمًا يسافر معها، فهي غير مستطيعة، فلا حجّ عليها، فلا تسافر، ولو لحجٍّ مفروض عندهم.

وهكذا، وجاء في بعض الروايات: لا تسافر فوق ثلاثة أيام فصاعدًا..، وعدَّ هنا يوم وليلة، وبعضهم يحتمله على اختلاف الأحوال ووجود الأمن وغيره، وبعضهم يأخذ بالأقل، فإنّ الأكثر يندرج فيه.

"إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا"؛ أحد محارمها، وكذلك الزوج، أو المحرم بنسب أو رضاع  أو مصاهرة، وكره الإمام مالك سفرها مع ابن زوجها، يعني: ربيبها.

 

باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي السَّفَرِ 

 

ثم يذكر الأعمال في السفر، يقول: "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ"؛ -لا إله إلا هو- أي: يحب من عباده أن يرفقوا ببعضهم البعض، "وَيَرْضَى بِهِ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ"؛ أي: يعين فاعله بمعونةٍ من عنده لأنه يرفق بالعباد، "مَا لاَ يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ"، كما جاء في الحديث: "يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يُعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه" وهكذا، جاء عن عددٍ من الصحابة.

وجاء عن السيدة عائشة في رواية أبي داود، قالت: قد كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التلاع، وإنه أراد البداوة مرة، فأرسل إليّ ناقة محرمة من إبل الصدقة، فقال: "يا عائشة ارفقي، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نُزع من شيء قط إلا شانه".

يقول ﷺ: "فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ"؛ جمع عجماء وهي: البهيمة التي لا تتكلم، "فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا" جمع منزل، يعني: المواضع التي أُعتيد النزول فيها، ما تواصلوا السير عليها مسافات طويلة، في الوقت الذي تعتاد الراحة والنزول فيه، أنزلوها وأريحوها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وجاء في رواية: "فأعطوها حظها من المنازل، ولا تكونوا عليها شياطين"؛ أن تركبونها ركوب الشياطين، "فَإِنْ كَانَتِ الأَرْضُ جَدْبَةً"؛ يعني: لا كلأ فيها، "فَانْجُوا عَلَيْهَا"؛ يعني: أسرعوا، "بِنِقْيِهَا"؛ أن يسرعوا السير، "فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا"؛ يعني بلحمها و شحمها، لا تبطؤون عليها فتضعف وترق، امشوا عليها.

"فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا"؛ أي: شحمها، لأنكم إن أبطأتم عليها في الأرض الجدبة؛ هزلت وذهب شحمها. "إذا سافَرْتُمْ في الخِصْبِ، فأعْطُوا الإبِلَ حَظَّها مِنَ الأرْضِ، وإذا سافَرْتُمْ في السَّنَةِ" -يعني: في الجدب، "فأسْرِعُوا عليها السَّيْرَ، وإذا عَرَّسْتُمْ باللَّيلِ، فاجْتَنِبُوا الطَّريقَ؛ فإنَّها مَأْوَى الهَوامِّ باللَّيلِ."، "إذا سافَرْتُمْ في الخِصْبِ، فأعْطُوا الإبِلَ حَظَّها مِنَ الأرْضِ، وإذا سافَرْتُمْ في السَّنَةِ، فَبادِرُوا بها نِقْيَها" يعني: شحمها، امشوا بسرعة لأجل تصلون إلى الأرض الخصبة، "وإذا عَرَّسْتُمْ، فاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فإنَّها طُرُقُ الدَّوابِّ، ومَأْوَى الهَوامِّ باللَّيْلِ".

قال: "وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لاَ تُطْوَى بِالنَّهَارِ"، نعم.. "عليكم بالدُّلْجةِ فإنَّ الأرضَ تُطوى بالليلِ".

"وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ"؛ يعني: المبيت والنزول في الليل يقال له: تعريس، المبيت في الليل؛ يعني: لا تنزلوا في الليل في الطريق وتنامون فيها، لئلا تجيء حيوانات أو هوام، أو أحد ما يراكم.. انتحوا من الطريق ناحية، وارتفعوا في مكان غير الممر الذي يمر فيه الناس والدواب.

"وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ"؛ إذا عرّستم فاجتنبوا الطريق، "فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ"؛ دواب الأرض من السباع وغيرها، "وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ"؛ أي: محل ترددها ونزولها، في لفظ: "مأوى الهوام"؛ لأن دواب الأرض من ذوات السموم والسباع وغيرها يمشي في الطريق لسهولتها، وكي يلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، فإذا ناموا في الطريق ربما مرّ بهم ما يؤذيهم، فينبغي أن يتباعدوا عن الطريق.

يقول: "عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ"؛ جزءٌ من العذاب، لما فيه من المشقة والتعب ومقاساة الحر والبرد، وقلة الماء والزاد في بعض الأوقات وبعض الأماكن، ولمّا سُئل إمام الحرمين: لِمَ كان السفر قطعة من العذاب؟ قال: لأن فيه فرقة الأحباب.

فقال ﷺ: "يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ"؛ يعني: السفر "نَوْمَهُ، وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"؛ ما يعتاد من ذلك، ويشتغل فيه عن صلاته وصيامه.

قال: "فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ"؛ يعني: حاجته "مِنْ وَجْهِهِ"؛ أي: من مقصده وحصّل الغرض، خلاص لا يبقى في السفر إذا قضى أحدكم وطره من سفره، إذا فرغ أحدكم من حاجته "فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ"، سواء، في رواية: "فليعجل الكرّة" أي: الرجعة إلى أهله، وفي رواية: "فليعجل الرحلة إلى أهله فإنه أعظم لأجره"، قال في رواية "وليتّخذ لأهله هدية، وإن لم يجد إلا حجرًا فلينقله في مِخْلَاته".

  • "لو يعلم الناس ما لمسافرٍ لأصبحوا على الظهر سفرا". 
  • إن الله لينظر إلى الغريب في كل يومٍ مرتين. سافروا تغنموا.
  • وفي رواية: "سافروا تُرزقوا".
  •  "سافروا تصحّوا"، كما جاء: "صوموا تصحّوا".

 

باب الأَمْرِ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ 

 

وأمرنا بالرفق بالمملوك، قال: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ"؛ وهكذا شرع الحقوق لكلٍّ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وقال: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ"، القرى المجتمعة حوالي المدينة يقال لها: العوالي، كل يوم سبتٍ، وكان ﷺ يخرج إلى مسجد قباء وهو من جهة العوالي، يخرج إلى مسجد قباء كل سبت ﷺ، وقال: "كان ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا"، "فَإِذَا وَجَدَ عَبْداً فِي عَمَلٍ لاَ يُطِيقُهُ، وَضَعَ عَنْهُ"؛ يعني وضع عن الغلام، "مِنْهُ"؛ أي: من العمل، يعني: نقص من العمل، يأمر مولاه، يقول له: لا تكلّفه هذا، اجعله يعمل كذا فقط، لا تكلّفوهم إلا ما يطيقون، تنفيذًا لوصية الأمين المأمون ﷺ.

وكان يخطب سيدنا عثمان فقال: "لاَ تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ"؛ يعني: التي لا تقدر على الكسب، فلا تكلّفوها؛ "فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ -والعياذ بالله- بِفَرْجِهَا"؛ وجاءت لكم بالمال الحرام، ومن معاني قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [النور:33]؛ تقول لها: هاتي لي كذا كل يوم… لا إله إلا الله.

"وَلاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ"؛ الذي لا يطيق الكسب، "فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ، وَعِفُّوا"؛ كونوا على عفاف؛ تنزّهوا واستغنوا عن تكليف الأمة والصغير، يقول: "إِذْ أَعَفَّكُمُ اللَّهُ"؛ والأصل فيها: "عفّوا تعفّ نساؤكم" يعفّكم الله تبارك وتعالى.

"وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا"؛ أي: حلّ وجازَ، وخلا عن الشبهة هذا معنى طاب، (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) [المؤمنون:51]، والله أعلم.

رزَقنا الله الاتباع لنبيّه والتخلّق بأخلاقه والتأدّب بآدابه، وسار بنا في دربه وسقانا من شُربه، وجعلنَا في حزبه وحشرنا في زمرته، ورزقنا المتابعة له ظاهرًا وباطنًا في عافية وسلامة وكمال استقامة، وختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنّا، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

21 شَعبان 1444

تاريخ النشر الميلادي

13 مارس 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام