شرح الموطأ - 527 - من باب ما يُتَّقَى من الشُّؤم، إلى باب ما جاء في قَتْل الحَيَّات
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب مَا يُتَّقَى مِنَ الشُّؤْمِ، وباب مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ، وباب مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ، وباب مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ، و باب مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ.
فجر الأحد 20 شعبان 1444هـ.
باب مَا يُتَّقَى مِنَ الشُّؤْمِ
2809 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ". يَعْنِي الشُّؤْمَ.
2810 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ".
2811 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا، وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ، وَالْمَالُ وَافِرٌ، فَقَلَّ الْعَدَدُ، وَذَهَبَ الْمَالُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "دَعُوهَا ذَمِيمَةً".
باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ
2812 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَقْحَةٍ تُحْلَبُ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟". فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا اسْمُكَ؟" فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مُرَّةُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْلِسْ". ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟". فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا اسْمُكَ؟". فَقَالَ: حَرْبٌ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْلِسْ". ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟". فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا اسْمُكَ". فَقَالَ: يَعِيشُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "احْلُبْ".
2813 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: جَمْرَةُ. فَقَالَ: ابْنُ مَنْ؟ فَقَالَ: ابْنُ شِهَابٍ. قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ. قَالَ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ النَّارِ. قَالَ: بِأَيِّهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظًى. قَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا. قَالَ: فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضى الله عنه.
باب مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ
2814 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
2815 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ، فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ".
2816 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ الأَنْصَاري أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ: "اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ". يَعْنِي رَقِيقَكَ.
باب مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ
2817 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: "هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
2818 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الأَحْبَارِ: لاَ تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ، وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ، وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ.
باب مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ
2819 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أبِي لُبَابَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ.
2820 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَائِبَةَ مَوْلاَةٍ لِعَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ، إِلاَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ، وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ.
2821 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَيْفِي مَوْلَى ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكاً تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا حَيَّةٌ، فَقُمْتُ لأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إلِيَّ أَبُو سَعِيدٍ أَنِ اجْلِسْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَبَيْنَا هُوَ بِهِ إِذْ أَتَاهُ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْداً، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "خُذْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ بَنِي قُرَيْظَةَ". فَانْطَلَقَ الْفَتَى إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعُنَهَا، وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ: لاَ تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِكَ. فَدَخَلَ، فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ، فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا، فَنَصَبَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتِ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ، وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتاً، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتاً، الْفَتَى أَمِ الْحَيَّةُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ، أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئاً فَآذِنُوهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ".
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمنا بشريعته، وبيانها على لسان خير بريته، سيدنا محمد عبد الله وصفوته، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته، وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، نقوة الرحمن تعالى من خليقته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر لنا الإمام مالك -عليه رحمة الله- هذه الأبواب، في معاني من الآداب، عن سيد الأحباب، فذكر لنا ما يتعلق بالتشاؤم والتفاؤل.
- والتشاؤم يحمل توقع الشر وسوء الظن.
- والتفاؤل يحمل توقع الخير وحسن الظن.
وكان ﷺ يعجبه الفأل الحسن، ويكره التشاؤم والتطيّر. وهكذا تكون الأشياء بحسب إرادة الله -تبارك وتعالى- لأهلها مباركة أو مشؤومة.
- فإذا كانت مباركة أدركوا خيرها ومنافعها وفوائدها وطيب ثمرها وخير ما تؤدي إليه، وتوصل إليه، ويتسبب بها فيه من الخير.
- وإن كانت مشؤومةً حُرموا خيرها وبركتها، ووقعت لهم أضرارها وآفاتها وأسواءها، ولم يصلوا إلى المراد منها.
فنسأل الله أن يبارك لنا في أعمالنا وأعمارنا ونياتنا ومقاصِدنا، ويبارك لنا في الإسلام والمسلمين، والإيمان والمؤمنين، والإحسان والمحسنين، ويبارك لنا في جميع ما أعطانا وما أنعم به علينا.
ثم إن الشارع ﷺ جاءنا بنفي كل العقائد الباطلة التي كان يعتقدها أهل الجاهلية من وجود التأثير لشيءٍ غير الله -سبحانه وتعالى- فلا يكون شيءٌ مستقلًّا بتأثير لا قليل ولا كثير، ولا صغير ولا كبير، وهكذا جاء معتقد أهل السنة أن الماء لا يروي إلا بإذن الله، وأن الطعام لا يشبع إلا بإذن الله، وأن السكين لا يقطع إلا بإذن الله، وأن النار لا تحرق إلا بإذن الله، وإن كان الله -تعالى- رتّب هذه الأسباب لهذه، ولكن الفعل له وحده، والخلق له وحده (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54].
ثم إنه أمرنا بعد ذلك بحسن الظن، وكان يعجب نبينا الفأل الحسن، ونهانا عن التشاؤم والتطيّر. إذًا فقد يكون الشيء مشؤومًا على الإنسان بإرادة الله -تعالى- وبقدرته، لا بفعل ذلك الشيء، وذكر ﷺ هذه الأشياء التي قد يصحبها الشؤم كما قد تصحبها البركة، من الفرس والمرأة والمسكن؛ فتكون بعض الأفراس ومثلها أنواع المركوبات مباركةً على أهلها، وينتفعون بها ويصِلون بها إلى خيراتٍ كثيرة، وتكون بعض الأفراس شؤمًا، وبعض المراكب كذلك شؤمًا على أربابها وأصحابها، أي: يجعل الله فيها لمناسبةٍ ما سوءًا عليهم أو شرًا عليهم أو منع خير لغير ذلك مما يرتبه هو -سبحانه وتعالى-، لا أن الفرس والمركوب يُحدث شيئًا من ذلك.
يقول: "إِنْ كَانَ"؛ يعني الشؤم في شيء "فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ"، كيف؟ يعني يقول: أن هذه الثلاثة الأشياء أقرب ما يكون للإنسان بأن تكون مباركةً عليه أو مشؤومة، ومن شؤم الفرس جماحها. وكذلك ما يتعلّق بالمرأة بالنسبة للرجل، وكذلك الرجل بالنسبة للمرأة، فقد يكون بعض الرجال مباركًا على زوجته وسببًا لمجيء الخير إليها، وسببًا لدفع الآفات عنها، وقد يكون مشؤومًا، كذلك المرأة تكون للزوج إما مباركة؛ تكون سببًا لمنافع ومصالح وفوائد وخيراتٍ كثيرة، وإما تكون مشؤومة؛ توقعه في معصية أو زلة أو قطيعة رحم أو عقوق والدين أو غير ذلك من الشؤم الذي قد يلحق المرأة أو يفقد البركة في ماله أو في رزقه أو شيء من ذلك..
وليس من فعّالٍ إلا الله، ولكنه من باب ربطه سبحانه الأسباب بالمسببات، وقد يجعل هذه المرأة مشؤومة على فلان، ولكنها مباركة على فلان، وهكذا؛ فالتصرف له جلّ جلاله إلا أنه يحصل مثل هذا. "فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ"، فبعض المساكن مباركة على أهلها، وهكذا ويكون من بركة المسكن سعته ومجيء الضيوف إليه، وتردّد الأخيار إليه، وصلة الرحم فيه، وقربه من مسجدٍ ونحوه، كله من البركة في المسكن، ويكون بعض المساكن مشؤومة، لا يقوم فيها بِر ولا إحسان ولا إكرام ضيف ولا يُتلى فيها القرآن، وليست بقريبة من أماكن الخير ومن المساجد واجتماعات الذكر والعلم وما إلى ذلك.
فهكذا أن تصحب البركة أو الشؤم الإنسان في شيءٍ؛ فهذه أقربها وأغلبها إلى ظهور الأثر من البركة أو الشؤم فيها:
- الفرس.
- والمرأة.
- والمسكن.
في الحديث الثاني: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ"؛ والحديث أيضًا في الصحيحين وغيرهما.
- فمنها:
- أن تكون غير صالحة فتسوء زوجها
- أو تحمل لسانها عليه
- ومن شؤم المرأة سوء خلقها
- أيضًا عقم رحمها.
- ومن علامات بركتها:
- أن تكون خفيفة المؤونة خفيفة المهر، فأبركهنّ أيسرهن مؤونة وأخفهنّ مهورًا.
وإذا ذُهب إلى التغالي في المهر؛ فهو مفتاح للشؤم، لأن تكون المرأة مشؤومة على زوجها، وألا يبارك له فيها ولا يبارك لها فيه، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ومن الشؤم في ذلك أن يكون بزواجه بها:
اختلاط رجال بنساء أجانب أو عقد كلمات بذيئة في الأغاني وما إلى ذلك، فهذا مظهر الشؤم، وأن تكون هذه المرأة سبب سوء لهذا الإنسان ويكون زواجه كذلك، وإنما تُطلب البركة بطاعة الله -تبارك وتعالى- موافقة سنّة النبي المبارك ﷺ معدن البركة وأصلها وأساسها -صلوات ربي وسلامه عليه- وهكذا.
ومن الشؤم في الدار:
- أن تكون ضيقة قليلة المرافق.
- وأن يكون لها جيران سوء يُسيئون إليه أو يعلمون أولاده الشر
إلى غير ذلك، هذا من الشؤم في المسكن، وهكذا… نسأل الله البركة لنا في مساكننا وفي مراكبنا وفي أهلينا وفي جميع ما أعطانا وأنعم به علينا يا أكرم الأكرمين.
ثم ذكر لنا أيضًا الحديث عمّن شكوا حالهم لما انتقلوا إلى دار، وذكر في هذه الرواية: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا،"؛ وفيه أن الدار مؤنثة في اللغة، البيت مذكر، والدار مؤنث، "دَارٌ سَكَنَّاهَا، وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ"؛ يعني: عددنا كثير، "وَالْمَالُ وَافِرٌ،"؛ فلمّا سكنّاها وحللنا فيها "فَقَلَّ الْعَدَدُ، وَذَهَبَ الْمَالُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعُوهَا" اتركوها هذه الدار المذكورة هكذا "ذَمِيمَةً"؛ حال كونها ذميمة، أي: جعل الله لكم فيها سوءًا ولم يبارك لكم فيها فاذهبوا عنها.
جاء في الرواية في الحديث عند أبي داود عن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله إنّا كنّا في دارٍ كثير فيها عددنا وكثير فيها أموالنا فتحوّلنا إلى دار أخرى فقلّ فيها عددنا وقلّت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ: ذروها ذميمة.
وجاء أيضًا في رواية يقول فروة بن مسيك: قلت يا رسول الله: أرضٌ عندنا يقال لها أرض أبين وهي أرض ريفنا وميرتنا وإنها وبئة أو قال: وباؤها شديد، فقال: "دعها عنك فإن من القرف التلف"، وكذلك يقيم المؤمن الميزان:
- فلا يستسلم لحديث النفس ولا كل ما نَفَرت منه نفسه.
- ولا يتهاون بما كان من نزول الطمأنينة والسكينة وفرح، وخصوصًا في نفوس وقلوب الصالحين والأخيار، فإنهم لا يفرحون بشيء ويأنسون به إلا وفيه خير ومصلحة، ولا تنفر نفوسهم من شيء إلا وفيه سوء.
وهكذا، فلا يبقى أضحوكة للشيطان يسترسل في حديث نفسه، ولا يهمل ما كان من علامات واضحات صحيحات، أو كان من فألٍ حَسَن يأخذ به.
باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ
ثم ذكر لنا حديث: "مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ"، فإن الأسماء أيضًا منها ما هو حَسَن وطيّب، ونية المسمّي قد يجعلها الله سببًا للتأثير على المسمّى:
- فإذا سمّاه باسم صالح، أو باسم عارفٍ موفّق سَرَت إليه سراية من ذلك.
- وإذا سمّاه باسم شرير أو فاسد أو جبار أو مؤذي أو فاسق.. فتسري سرايته إليه.
لذا قالوا: سمّوه باسمه وكلٌّ له من اسمه نصيب! ومن هنا جاء الأمر بتحسين الأسماء، وأن الناس يُدعون بها يوم القيامة، يدعون بأسمائهم، فينبغي اختيار الاسم الحسن، ومن أحسنه:
- أسماء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
- ثمّ ما سمى به الأنبياء أولادهم وأصحابهم، فهذا من خير ما يُسمى به.
- وجاءنا في الحديث " أنّ من خير الأسماء ما عُبّد وما حُمّد"؛
- "ما عُبِّد" أي: نُسب بالعبدية إلى الله أو إلى اسمٍ من أسماء الله: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد المؤمن، عبد المهيمن، أي اسم من أسماء الله تبارك وتعالى.
- "وما حُمّد"؛ كان فيه الحمد: محمد، أحمد، حامد، محمود، وحمّاد، وأمثال ذلك، فهذه من خيار الأسماء.
وكره بعضهم ما يُتفاءل بنفيه، قال: أفيكم مفلح؟ يقولون: لا، أفيكم رشيد؟ يقولون: لا، وما إلى ذلك، ولكن الأمر فيه سعة.
ويأتي في اختيار الأسماء، ما كان من هدي نبينا ﷺ، إنه إذا رأى اسما سيئًا غيّره، قَلَبه، وهكذا، وكانت ابنة لسيدنا عمر يقال لها: عاصية، قال ﷺ: سمِّها جميلة، سمّاها جميلة، بدّل الاسم من عاصية إلى جميلة، ﷺ.
وفي الحديث: عنه عند أبي داود يقول: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسِنوا أسمائكم". وكذلك قال: سيدنا سعيد بن المسيب:" إن جدّه اسمه حَزَن كان، قَدِم على النبي ﷺ، قال: ما اسمك؟ قال: اسمي حَزَن، أو حَزِنٌ يعني: صعب، قال: بل أنت سهل"، ولكن ما وُفّق الرجل لأخذ كلام النبي ﷺ، قال: ما أنا بمغيّر اسمًا سمّانيه أبي، فكان ابن المسيب يقول: ما زالت فينا الحزونة بعد، استمرت في الأسرة كلها، لأنه ما قبل الخير من النبي ﷺ. وهكذا غيّر ﷺ عددًا من الأسماء، وسمّاها بأسماء حَسَنة.
ويقول: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلَقْحَة"؛ الناقة ذات اللبن يسمونها لقحة، "تُحْلَبُ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟"؛ من يحلب لنا هذه الناقة، "فَقَامَ رَجُلٌ"؛ من المجلس تقدم ليحْلُبُ، "فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا اسْمُكَ ؟"؛ اسمك من؟ "فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مُرَّةُ"؛ والمُر ضد الحلو هذا، "فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اجْلِسْ"؛ يعني: لا تحلبها أنت، "ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟"؛ يعني يقوم رجل آخر يحلبها، قام رجل، "فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: حَرْبٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْلِسْ"؛ ما أحب أنهم هؤلاء بهذه الأسماء يحلبون، "قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟" فَقَامَ رَجُلٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا اسْمُكَ؟" قَالَ: يَعِيشُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "احْلُبْ"؛ احلب هات اللبن، احلب لنا هذه الناقة، وهذا من أخذه الفأل الحسن ﷺ.
وهكذا جاء في رواية ابن وهب: أنه قال عمر: "لا أدري أقول أم أسكت؟ قال النبي ﷺ: قل، قال: كيف نهيتنا عن الطيرة؟!. قال رسول الله ﷺ: ما تطيّرت ولكن آثرت الاسم الحسن" ﷺ. إنما التطيّر كان اعتقاد الجاهلية أنه يؤثر، هذا غير موجود.
وذكر لنا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- جاء له رجل فسأله سيدنا عمر عن اسمه، "مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ : جَمْرَةُ"؛ جَمْرَةُ! بسم الله الرحمن الرحيم.. "فَقَالَ عمر: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ"؛ شِهَابٍ أيضًا نار ساطعة، بسم الله الرحمن الرحيم!! "قَالَ له: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ"؛ قبيلته من الحرقة، "قَالَ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ النَّارِ، قَالَ: بأيها؟"؛ بأي الأماكن؟ "قَالَ: بِذَاتِ لَظًى، قَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا"؛ رُح وشوف حريق في داركم هناك، راح حصّل النار تشب في الدار، الأسماء حقه كلها حق نار، قال: رُح الحق بيتك احترق، راح حصل نار شابّه في بيته طفّوها هناك، -لا إله إلا الله- "أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا؛ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضى الله عنه." قال: فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا، لا إله إلا الله… في رواية قال: "أن الرجل رجع إلى أهله فوجد النار قد أحاطت بهم".
- وكذلك جمهور العلماء على أن التسمية باسم الملائكة جائزة.
- وكرهها بعض أهل العلم، وعند الإمام مالك، كجبريل وميكائيل واسرافيل ونحوها.
باب مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ
ويقول في الحجامة: "احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ"؛ وعلى هذا؛ جمهور أهل العلم على أنه يجوز أن تُتخذ الحجامة حرفة، ويعطى الأجر عليها، "فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ"؛ يعني: أجرة لِحجامته، "وَأَمَرَ أَهْلَهُ"؛ أهل الحجّام، "أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ"؛ يعني: ما يقرّره السيد على المملوك حقه، يؤدي إليه كل يوم كم، أمره ينقصون؛ يأخذون منه قليل ويخلون له.
وفي رواية قال للحجام: "كم خراجك قال: صاعان" قال: فوضع عنه صاعًا"، ويقول: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ"؛ فيه إثبات فائدة الحجامة في تخفيف هذا الدم، الذي يتبالغ بالإنسان أو يكثر، وأن يبدله الله بدمٍ أصفى منه وأطيب، فإذا كثر الدم على الإنسان وبالغ به، سبّب عدد من الأمراض؛ فلهذا جاء الأمر بالحجامة.
وجاء بعض المعظّمين لعقولهم واكتشافاتهم ينكرون فائدة الحجامة، ثم أوقعهم الواقع في شؤونهم، إلى أنها مفيدة ومهمة، وصاروا يعملون لها أماكن في مستشفياتهم المتقدمة، قل لهم: يا مغرورين بعقولكم، حبيب رب العالمين بيّن وهو أعلم وأخبر، متى خُلقتوا ومتى جئتم أنتم؟ ومتى جاءت اكتشافاتكم؟ الله ورسوله أعلم بالمصالح، وأعلم بالمنافع والفوائد الظاهرة والباطنة، (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]، وفي الحديث أيضًا: "إنّ أمثل ما تداويتم به الحجامة" جاء عند النسائي وغيره.
قَالَ: "إِنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ"، ويروى أيضًا: "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَا مَرَرْتُ عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ". وكان ﷺ بعد أن أصابه أثر السمّ من الشاه في خيبر يحجم كل سنة ﷺ ، وفي ذلك أيضًا تخفيف أثر السم وانتشاره في دم الإنسان.
وذكر أيضًا أن أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ابْنِ مُحَيِّصَةَ "أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ"؛ يعني: في أخذها أو أكلها، لأن غلامه أبو طيبة كان حجّام، وقد جعل عليه خراج وضريبة، يقول يجيب له كل يوم، ما شغله إلا الحجامة، ويجيب له منها شيء كل يوم، من كسبه من الحجامة، ما أحبّ النبي ﷺ أخذ الاكتساب من الحجامة، "فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ"؛ يعني: يرخّص له في أكلها، "حَتَّى قَالَ: اعْلِفْهُ"؛ يعني: هذا الذي يأتي به أجر الحجام، "نُضَّاحَكَ"؛ الجمل الذي يسقي الماء عليه، "يَعْنِي رَقِيقَكَ"؛ يعني: أطعِمه رَقِيقَكَ وتنزّه أنت عن أكل أجرة الحجامة، فهي من المكروهات وإن لم تكن حرام، وهي جائزة، ولكن ليست من المكاسب المحبوبة والمحمودة أو الطيبة، فأكلها مباح، ولكن يتنزّه عنه أرباب النور والورع والاحتياط، فما يحبّون كسب الحجّام، وإنما خبَثها من قبيل دناءة مخرجها، وفهمت في الحديث أنه احتجم وأعطى الحجّام أجرته ﷺ.
باب مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ
"باب مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ"، ما كان مشرق المدينة المنورة، فيأتي نجد الحجاز ويأتي نجد العراق، كله يأتي في شرق المدينة المنورة. باب مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِق"، في تراجم البخاري يقول: "باب قول النبي ﷺ الفتنة قِبل المشرق" و "رأس الكفرِ نحو المشرق". جاء في حديث
يقول: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ"؛ ﷺ في رواية يقول: "قام إلى جنب المنبر"، أشار إلى المشرق وقام على المنبر، وقال وهو مستقبل المشرق: "هَا"؛ ها يعني: مقدمة للكلام، "إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا"؛ وكان من مظاهر تلك الفتنة ما ظهر من مسيلمة الكذاب، وتعصّب جماعة من أصحابه له، وتصديقهم كذبه في دعوى النبوة، إلى غير ذلك من أنواع الفتن. "إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ"؛ وفي رواية عند مسلم: "قرنا"؛ اثنين، "قرنا الشيطان"؛ أشار إلى أنها مواطن يظهر فيها مخالفات لأمر الشريعة، ومناقضات للهدي والمسلك وسبب شر وفتنة وفساد، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وذكر: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الأَحْبَارِ: لاَ تَخْرُجْ إِلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ، وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ، وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ"؛ العضال: الذي يُعيي الأطباء.
باب مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ
وذكر قتل الحيات، والحيات منها ما يتصوّر الجن بصورتها، فيصير في صورة حية، كما جاء في هذا الحديث، يقول: "باب مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ" فهي من التي تُقتل حتى ولو في الحرم، ولكن مع ذلك هي أنواع، وهي في المدينة على وجه الخصوص، وقيل: في أي مكان إذا ظهرت في شيء من البيوت، ينبغي أن تُؤْذَن، لأنه قد يكون جان بصورة الحية، أن تُؤْذَن إن عُدتِ بهذه الصورة قتلناك، تؤذن ثلاث مرات أو ثلاثة أيام، فإن عادت قتلوها.
- وقيل: هذا الإذن مخصوص بالمدينة المنورة.
- وقيل: هو عام.
ذكر لنا: "عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أبِي لُبَابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ"؛ أي: التي تظهر في البيوت، أي: في المدينة المنورة، وهذا غير التي تظهر في الشارع وفي الأماكن الأخرى، فلا تُنذر الحيّات في صحارى ونحوها، ولكن التي في البيوت، حيّات البيوت، وبعضهم خصّصه ببيوت المدينة المنورة.
ثم ذكر لنا حديث عائشة: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ"؛ وهو الحيّة أكحل العين يُقال له: الجان، "الَّتِي فِي الْبُيُوتِ، إِلاَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ"؛ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ: نوع من الحيّات، الأصل الطُّفْيَتَيْنِ الخوص المقلة، شبّه به الخطين الذين على ظهر الحية، شبهه به، وأن هذا جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان، وهذه حيّة خبيثة، يكون خطان إما أبيضان أو أسودان على ظهرها، "فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ"؛ أي: يسلبان بصر الناظر إليهما، لا إله إلا الله!.. يلتمسان النظر، يعني: تقصد باللسع والنهش بصر الإنسان، والأصح في هذا أنها يَخْطِفَانِه ويطمسانه بمجرد نظرهما إليه، بخاصية جعلها الله في بصرهما تؤثر على بصر الإنسان. "وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ"؛ يعني: يسقطان الحمل الذي في بطن المرأة إذا رأتها، إذا نظرت الحامل إليها أسقطت الحمل.
يقول بعد ذلك: عن أبي سعيد الخدري قال: دخل عليه هشام بن زهرة وجده يصلي، قال: "فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكاً" يعني: خشخشة، "تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا حَيَّةٌ فَقُمْتُ لأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إلِيَّ أَبُو سَعِيدٍ أَنِ اجْلِسْ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ فَقُلْتُ: نَعَمْ"؛ يعني: غرفة، "قَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَبَيْنَا هُوَ بِهِ"؛ أيام الخندق، "أَتَاهُ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُهُ"؛ يرجع إلى أهله، "فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْداً، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: خُذْ عَلَيْكَ سِلاَحَكَ"؛ وظاهر ما في رواية مسلم أنه كل يوم يجيء يستأذن، ويذهب إلى عند أهله ويرجع، وقال ﷺ ذلك الكلام في ذاك اليوم خاصة، خذ السلاح معك، "فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ بَنِي قُرَيْظَةَ"، "فَانْطَلَقَ الْفَتَى إِلَى أَهْلِهِ"؛ ومعه السلاح، "فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ"؛ يعني: الداخلية والخارجية، وبين المصراعين، فأخذته الغيرة، وقال: الذي يُظَهِّر المرأة هذه؟ فظنّ السوء، فأهوى الفتى إليها بالرمح بيطعنها، أدركته غيرة، "فَقَالَتْ: لاَ تَعْجَلْ"؛ لا تستعجل "حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِكَ"؛ شوف إيشفي البيت، "فَدَخَلَ، فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ"؛ يعني: ملتوية مرتمية، "عَلَى فِرَاشِهِ، فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ"؛ يعني: غَرَز فيها رمحه، "ثُمَّ خَرَجَ بِهَا، فَنَصَبَهُ"؛ يعني: الرمح، "فِي الدَّار"؛ أهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فَرَكَزَه في الدار، "فَاضْطَرَبَتِ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْح"؛ أي: صائلة على الفتى، "وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتاً"، وجاء في بعض الروايات: والمرأة أيضا توفيت، "فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتاً، الْفَتَى أَمِ الْحَيَّةُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَال: استغفروا لصاحبكم، إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قد أَسْلَمُوا، فإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئاً فَآذِنُوهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ"؛ يعني: كافر، وقال لهم: اذهبوا فادفِنوا صاحبكم. لا إله إلا الله..
وقد يكون من عمّار البيوت من الجان "إنّ لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا فحرّجوا عليه ثلاثًا، فإذا أُنذر ثلاثًا وعاد فقُـِتل فلا يستطيع أن يصيب من قتله بشيء".
وبالنسبة لهذه الحيّات ما يكفي الإنذار فيها مرة، لا بد من ثلاث مرات إن ظهرت ثلاث مرات ولو في يوم واحد، بعد ظهور الثالث يقتلها، وقيل لا بد من ثلاث أيام، ويسأل الله الإنسان خير المسكن وخير المركوب وخير الأهل ويستدفع بالله الشر فلا طريق له إلا ذلك.
نسأل الله أن يرزقنا المتابعة لحبيبه محمد ﷺ، وأن يحمينا به من الآفات والأسواء والشرور وكل محذور، وينظمنا في سلك الصالحين من عباده المقربين، ويُعيذنا من كل سوء أحاط به علمه في الدارين، ويصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، ويرقّينا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين، ويجمعنا بحبيبه الأمين، ويبارك لنا في خاتمة شعبان، وفي رمضان ويبلغنا إياه، ويجعلنا من خواصّ أهله ظاهرًا وباطنًا في لطف وعافية إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
20 شَعبان 1444