شرح الموطأ - 526 - باب ما جاء في أمر الكِلاب، والغَنَم، وباب ما جاء في الفأْرة تقع في السَّمْن والبَدْء بالأكل قبل الصلاة
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب ما جاء في أمر الكِلاب، وباب ما جاء في أمر الغَنَم، وباب مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالْبَدْءِ بِالأَكْلِ قَبْلَ الصَّلاَةِ.
فجر السبت 19 شعبان 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْكِلاَبِ
2800 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أبِي زُهَيْرٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ، وَهُوَ يُحَدِّثُ نَاسًا مَعَهُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". قَالَ: أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ؟ فَقَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ.
2801 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ".
2802 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ.
باب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ
2803 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيْلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ".
2804 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ".
2805 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لاَ يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ، وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ".
2806 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ نَبِيٍِ إِلَّا قَدْ رَعَى غَنَمًا"، قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "وَأَنَا".
باب مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالْبَدْءِ بِالأَكْلِ قَبْلَ الصَّلاَةِ
2807 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَلاَ يَعْجَلُ عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ.
2808 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِا لله بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ؟ فَقَالَ: "انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ".
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمِنا بالشريعة، وبيانها على لسان عبده محمّد ذي المراتب الرفيعة، صلّى الله وسلّم وبارك وكَرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين، سادات أهلِ قُرب الله تعالى وحزبه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يذكر لنا الإمام مالك في هذه الأبواب أحكامًا متعلّقة بأنواعٍ من الحيوانات، وبعض أحكام الطهارة، فذكر لنا بابًا في أمر الكلاب، ثمّ في أمر الغنم أحاديث..
- فأمّا الكلاب فإنّ اقتناءها محرّم في الشريعة لغير غرض صحيح. والغرض الصحيح:
- ما بُيِّنَ من الصيد بها
- ومن الحراسة؛ حراسة الماشية
- أو لأجل حماية الزرع كذلك
فلهذه الأمور أو الحاجات يجوز اتّخاذ الكلب. أمّا اتخاذه من غير هذه فهو محرّم عند جمهور العلماء، ويترتّب عليه نقص الأجر لمن يتّخذه.
- مكروه عند المالكيّة، وما رأوا أنّ قوله: ينقص من أجره كلّ يوم قيراط، دليلٌ على التحريم، ولكن جعلوه للكراهة.
- قال جمهور أهل العلم: إنّه دليل على الحُرمة، وأنّه لا يجوز لأحد أن يقتنيَ كلبًا ولا أن يتَخذه، إلَّا لغرض صحيح من هذه الأغراض فأجازه.
وهكذا يقول الشافعيّة الكلاب ثلاثة:
- الكلب المحترم الذي يُعَدُّ لصيد أو لحراسة؛ فهذا لا يجوز قتله.
- والثاني: الكلب الذي يَعقِر ويضرّ؛ فهذا باتّفاق الفقهاء يُقتل ولو في الحرم؛ الكلب العقور يُقتل ولو في الحرم كما جاء في نصوص الأحاديث.
- وأمّا الثالث: فهو الكلب الذي ليس فيه منفعة لصيد ولا لحراسة، ولكن أيضًا ليس فيه مَضرَّة؛ لا يعقِر أحدًا ولا يؤذي أحدًا، وقد يُسمّى كلب السوق؛ فهذا اعتمد الشافعيّة أنّه لا يجوز قتله -تعمُّدُه بالقتل- لأنّه لا ضرر منه، وإنّما شرَع الحقُّ للإنسان قتلَ ما يضرّ من الحيوان وما يؤذيه وما يوقع به التعب والإضرار.
فذكر حديث: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا"؛ يعني: لا يحفظ له الزرع؛ ليس بحارسٍ له يحرس زرعه، "وَلَا ضَرْعًا"؛ يعني: يحرس ماشيته، يحرس الضرع يعني يحرس الماشية؛ يحرس حيواناته من الغنم ونحوها، قال: "نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ" وفي لفظ: "من أجر عمله"، "كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ"؛ والقيراط قد فُسِّر في الحديث بأنّه كجَبَلِ أُحُد، يعني: ينقص عليه أجرٌ كبير بسبب اتّخاذ الكلب.
أمّا إطعامه أو سَقيُه من دون أن يتّخذه ويتبنَّاه فهذا جائز، و"في كلّ كبدٍ رطبةٍ أجر"، وغفر الله تعالى لمن رَثَى كلبًا؛ كان عطشانًا فأخرج له الماء من البئر؛ فغفر الله له -سبحانه وتعالى- برحمته لذلك الكلب.
إذًا؛ فالكلب العقور وهو الذي يضرّ ويفتِك؛ يأكل الحيوانات ثمّ ينهش ويبخش ابن آدم، هذا كلب عقور يُشرَع قتله ولو في الحرَم.
فأورد لنا: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". قَالَ: أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ؟ فَقَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ."، والحديث أيضًا جاءنا في الصحيحين وغيرهما.
إذًا؛ يحرم اقتناء الكلب بغير حاجة كما هو عند الشافعيّة والجمهور. ذكرنا قول المالكيّة في الكراهة أنّه يُكره، واختلفوا بسبب نقصان الأجر وفي الحكمة من ذلك:
- لامتناع الملائكة من دخول البيت.
- أو يلحق المارّين من الأذى بسبب ترويع الكلب
- ٠أو أنّه عقوبة له لاتّخاذ شيء نهى عنه الشارع.
- أو لأنّه قد يلِغُ في شيء من مائه ونحوه ثمّ يتنجّس ولا يغسلونه.
إلى غير ذلك ممّا ترقّبوه من الحِكَم، والنصّ صريح، والأصل أنّه لا يُتعلّل أو لا يُحاط بالحكمة في أمر الشرع، وإنما قد يُستأنس بتأمّل بعضِ الحِكَم.
وأورد لنا حديث ابن عمر: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا"؛ يعني: مُعلَّمًا للصيد معتادًا له، هذا الكلب الضاري يعني كلب مُعلَّم أُعِدّ لأجل الاصطياد، "أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ" يعني يحرس الماشية، "نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ". ففي الرواية السابقة قيراط، وهذه الرواية فيها أنه ينقص قيراطان كلّ يوم من أجره، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
- وقال بعضهم: إنّه إن اتّخذها في المدينة ينقص قيراطان. وفي غيرها ينقص قيراط،
- وبعضهم جعل أنّ نقص القيراطين لمن يتّخذه في أماكن يتجمّع فيها الناس مثل المُدن والقُرى، وأنّ القيراط الواحد يكون لأهل البادية.
وعلى كلّ حال ورد نقص الأجر لمن يتّخذ الكلب، في رواية قيراط وفي رواية قيراطان.
ثمّ ذكر أنّه ﷺ أمر بقتل الكلاب، وجاء في صحيح مسلم: "إلَّا كلب صيد أو ماشية"، وجاء في حديث سيّدنا جابر -رضي الله عنه- أنّه أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتّى أنّ المرأة تقدَمُ من البادية بكلبها فنقتله، ثمّ نهى ﷺ عن قتلها وقال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النُقطَتين، فإنّه شيطان". وهكذا عند الحنابلة أنّ الأسود هو الذي يُقتل من الكلب غير العقور، وأجمعوا على قتل الكلب العقور.
وهكذا علمت الاختلاف فيما لا ضرر فيه:
- فقال الحنابلة: إنّه إذا لم يكن أسودًا فلا يُقتل.
- ولم يفرّق الشافعيّة بين الأسود وغيره.
باب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ
ثمّ تكلّم عن الغنم، وذكرَ الحديث: "رَأْسُ الْكُفْرِ"؛ يعني: بدؤه أو شدّته أو معظمه، "نَحْوَ الْمَشْرِقِ"؛ مشرق المدينة المنوّرة، المُراد به: في نواحي نجد حيث الاعتناء بالإبل هناك. "وَالْفَخْرُ وَالْخُيْلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ"، وأخذ بعضهم من قوله "قِبَل المشرق" إشارة إلى شدّة كفر المجوس؛ لأنّ مملكتهم كانت من جهة المشرق بالنسبة للمدينة، وكانوا في غاية القوّة والتكبّر حتّى مُزِّق مُلكهم بعد أن مَزّق كسرى كتاب النبيّ ﷺ.
وفي لفظ: الفتن قِبَل المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، والفدّادين؛ يعني: الإعجاب بالنفس، احتقار الغير يكثر في هؤلاء، إلّا من خرج منهم عن ذلك الوصف وشذّ فلَهُ حُكمه.
قال: "أَهْلِ الْوَبَرِ"؛
- يعبّرون عن أهل الحضَر بأهل المَدَر.
- وعن البادية بأهل الوبر.
قال: "وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ"، والحديث الذي أورده الإمام مالك هذا أيضًا وارد في الصحيحين وغيرهما، "وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ"، وقيل: إنّه أراد بأهل الغنم؛ أهل اليَمَن، المراد به أهل تهامة في الحجاز وفي اليمن فإنّهم أصحاب الغنم، والإبِل كانت في ربيعة ومُضَر.
وجاء في حديث أمّ هانئ عند ابن ماجه: يقول ﷺ لها: "اتّخذي الغنم فإنّ فيها بركة". قال: وقد رعى الأنبياء والصالحون الغنم، والمراد أكثر أهل الغنم، غالبًا، وأمّا من شذّ من أهل الغنم وتكبّر وصار صاحب خيلاء فحكمه حكم أولئك؛ فالأمر دائر على الوصف وعلى الحال الذي يكون عليه أصحابه، وإنّما الغالب في الفدّادين، وأرباب الوبر، وأهل الإبل الكبرياء والخُيَلاء، والغالب في أهل الغنم السكينة والتواضع، ويشذّ من يشذّ من هؤلاء ومن هؤلاء.
ثمّ ذكر ما يحصل في أمّته في أماكن كثيرة وأوقات قد مرّت وجاءت على الأمّة، أنّه تنتشر في محلّ التجمّعات الكبيرة من المدُن أنواع من الفتن؛ في الدين، في الفِكر، في الخُلُق، في التصوّرات، في الاعتقادات، ويسلَم منها أرباب الجِبال والمحلَّات البعيدة والبادية، ما يصيبهم شيء من هذه الفتن والمِحَن؛ فجاء الحديث: "يُوشِكُ"؛ يعني: يقرُبُ، "أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ"، جاء في رواية: شُعَبَ الجبال، معنى شعف: جمع شَعفة وهي كما شعَفَ الجبال، يعني رؤوسها، قصده؛ رؤوس الجبال، "يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ" يكون المرعى فيها والماء غالبًا، "وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ"؛ أي: المطر، "يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ"، والبلبلة الكبيرة فيما يتعلّق بكثير من الفلسفة والأفكار ما هي حوله، والإغراء أيضًا بالأنواع من الشهوات المحرّمة ما هي حوله، وهو بعيد هناك، والإغراء أيضًا الحاصل في المدن بين تطاول بعضهم على بعض، وبُغض بعضهم لبعض ما هو حول هذا.. البدويّ هو وغنمه هناك لا يحقد على أحد، ولا يتقاتل مع أحد، ولا تجيء له أفكار معوجّة شيء من شرق وشيء من غرب وشيء من كذا… فيكون هذا حاله أجمل، وأفضل وأقرب له إلى الله سبحانه وتعالى. وحصل هذا في كثير من الأماكن وفي كثير من الأزمنة عندما انتشرت أنواع الفتن في الحضَر وفي المدن، وسَلِمَ منها أولئك.
ثمّ ذكر أنّه لا يجوز أن يحلِب الإنسان غنمَ الغير ولا إبله إلَّا بإذنه، وأورد الحديث الذي هو أيضًا في الصحيحين: "لاَ يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ"، يكون على وجه العموم أو على وجه الخصوص، فإذا اشتهر وانتشر في شيء من الأماكن إباحة ذلك للناس، كما يحصل في بعض العرب والأماكن، تكثر عندهم الإبل وغيرها ويبيحونها لمن أراد أن يحلُب منها..
- فإذا اشتهر ذلك وعُرِف؛ فقد أذِنَ صاحبُ الماشية، وإلَّا فلا.
- فإن لم يحصُل الإذن، ولم يكن ذلك هو العرف السائد بينهم في تلك المنطقة فلا يجوز.
"أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ" يعني غُرفَتُه، "فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟"؛ يُؤخَذ من الطعام الذي في خزانته، قال وهذا مثلها، "وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ" حقّهم اللبن وسط الضروع حقّ المواشي، تريده أين يكوّنها؟ ما تتكوّن إلَّا هنا في محلّها. فمثله مثل الذي أدخل طعامه إلى وسط الغرفة وأقفل عليها، يجيء واحد يأخذها!.. ممنوع، وهذا مثله، قال: "وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ".
وروى لنا بعد ذلك أنّه ﷺ قال: "مَا مِنْ نَبِيٍِ إِلَّا قَدْ رَعَى غَنَمًا"؛ ففي رعيها: تدريب النفس، وتواضعها، وتمرينها على الصبر وتحمّل العَناء؛ تهيِئةً لهم لرعاية الأُمَم بعد رعاية الغنم؛ ليكونوا على سبيل التعليم والتدريب في رعاية أممهم، وليأخذوا حظّهم من التواضع.. واحدة تروح كذا، وواحدة تروح كذا وهكذا... لا بُدّ تصبر لهذه وتجيء لهذه وترتّب.. فهكذا شأن رعي الغنم.
وجاء في الحديث أيضًا عند النسائيّ يقول: افتخر أهل الإبل وأهل الغنم، فقال ﷺ: "بُعِث موسى وهو راعي غنم (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ)، ثماني سنوات وهو يرعى الأغنام، بل عشر، (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) [القصص:27] فأتمّ العشر سيّدنا موسى، (فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ) ما هو ثمان؛ عشر، كمّل عشر سنوات يرعى الغنم وراح وجاءته البعثة، (فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) [القصص:29]، قال: "بُعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنمًا لأهلي بأجياد" ﷺ.
"قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَأَنَا"؛ أي: قد رعيت الغنم. فرعى في فترة أو في وقت من الأوقات لأجل مساعدة عمّه أبي طالب على قراريط، رعاها لأهل مكّة، ثمّ رعى بعد ذلك غنم أهله وجماعته في أجِياد، في جانب مكَّة ﷺ لمساعدة ذوي الرحم من دون أُجرة، وأوّلًا رعاها بالأجرة؛ قراريط أهل مكة، يساعد بها عمّه، كان فقير وعنده أولاد كثير، فيأخذ الأجرة ويعطيها عمّه من أجل أن يُطعم أولاده، ﷺ.
باب مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالْبَدْءِ بِالأَكْلِ قَبْلَ الصَّلاَةِ
ذكر حُكم الفأرة تقع في السَّمن، والسمن غير مائع؛ أي: متجمّد.
- وإذا كان أيّ نجاسة وقعت على جامد من سَمن ونحوه، فتُحمَل النجاسة وما ماسَّها من ذلك، تُحمل وتُرفع والباقي طاهر، بخلاف إذا كان مائعًا.
- فإن كان مائعًا:
- فما ليس له نفس سائلة من الصغير يُعفى عنه.
- وما كانت له نفس سائلة مثل الفأرة، يتنجّس بها السائل من أنواع الزيوت، ومن أنواع السمن وما إلى ذلك.
يقول: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ"، إمّا العِشاء أو المغرب، قال: "فَلاَ يَعْجَلُ عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ"؛ يعني: يفرغ "مِنْهُ"، لِما سمعه من النبيّ ﷺ: "إذا وُضِع عَشاء أحدكم وأُقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشَاء، ولا يعجل حتّى يفرغ منه"، فيكون على جوع أو على توَقَانٍ للطعام، فإذا تركه وقام يصلّي اشتغل بالُه وقلَّ خشوعه وحضوره، فأمره أن يأخذ ما يُبعد عنه نهمةَ الطعام والتوَقَان إليه ثمّ يقوم إلى الصلاة.
يقول: "عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ؟"؛ أي: الجامد، فقال: "انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ"؛ فقط ما مسّته، هذا الذي حولها -ما حول تلك الفأرة- "فَاطْرَحُوهُ" أي: الفأرة وما حولها ارموا به؛ لأنّه صار نَجِسًا، وأخذ بذلك جمهور أهل العلم.
وهكذا فيما جاءنا ومرّ معنا من وجوب الاستئذان في اللبن أو مثله الثَّمر من البستان، ما يجوز لأحد أن يأتي لبستان واحد يأخذ منه، إلّا إذا اصطلح أهل مكان على مثل التمر ونحوه أنّه يأخذ منه صاحبه من دون أن يصطحب معه شيء، فعلى حسب العرف والإذن في ذلك، وما عدا ذلك فلا يجوز؛ فلا يحلّ لبن الماشية ولا أن يأكل من ثمر بستان إلّا:
- بإذن صاحبها
- أو علِمَ طيب نفسه
- أو كان مضطرًّا يخاف الهلاك والموت فيأخذ مقدار ما يسدّ رمَقَه هذا نعم، ما عدا ذلك لا.
ويقول: "لاَ يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ" غرفته "فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ، وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ"، كما قرأنا في الموطّأ وهو عند البخاري ومسلم كذلك.
فنهى أن يأخذ مسلم من مال مسلم شيئًا إلّا بإذنه، ودخل في عموم قوله: من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق أدخله الله النار، قال له: يا رسول الله، ولو كان يسيرًا، قال ﷺ: ولو قضيب أراك! حتّى قضيب من الأراك يستحِلّه ويأخذه من غير حقّ يكون سببًا لدخوله النار.
ويقول الحنابلة -وأيضًا قول عند المالكيّة-: أنّه إن يشرب من الماشية أو يأخذ من الثمر المُدَلَّى الذي لا يعرِف منع صاحبه من أخذه، مقدار شيء يأكله، من دون أن يدّخر شيء ولا يحمل معه شيء، أجازوا ذلك واستأنسوا برواية، جاءت: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِلَّا فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ". وكذلك ما جاء عن سيّدنا أبي سعيد يروي عنه ﷺ: "إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ، فَنَادِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَإِنْ أَجَابَكَ، وَإِلَّا فَاشْرَبْ فِي غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ"، فأخذ به الحنابلة في جواز أخذ ذلك. قال الجمهور: لا يجوز.
نسأل الرحمن أن يملأنا بالإيمان واليقين، ويرزقنا نصيبًا من الورع، ويرفعنا مراتب القرب مع من رفع، ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، ويجعلنا ممّن لحبيبه اتّبع وبه اقتدى في جميع الشأن في السِرّ والإعلان، حتّى يكرمنا بمرافقته في أعلى الجنان، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب، وأن يبارك لنا في خاتمة شعبان ويبلّغنا رمضان، ويعيننا على الصيام والقيام، ويحفظنا من الآثام، ويرضّينا باليسير من المنام، ويرفعنا أعلى مراتب قربه والدنوّ إليه والفهم عنه في عافية، وإلى حضرة النبيّ محمد ﷺ.
19 شَعبان 1444