شرح الموطأ - 525 - باب ما جاء في الصُّوَرِ والتَّمَاثِيل، وباب ما جاء في أَكْلِ الضَّبِّ

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، باب ما جاء في الصُّوَرِ والتَّمَاثِيل، وباب ما جاء في أَكْلِ الضَّبِّ.

فجر الأربعاء 16 شعبان 1444هـ.

باب مَا جَاءَ فِي الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ

2794 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِالله بْنِ أبِي طَلْحَةَ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى الشِّفَاءِ أَخْبَرَهُ، قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الله بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَلَى أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ نَعُودُهُ، فَقَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ: "أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ". شَكَّ إِسْحَاقُ، لاَ يَدْرِى أَيَّتَهُمَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ.

2795 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِالله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أبِي طَلْحَةَ الأَنْصَاري يَعُودُهُ، قَالَ: فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَاناً فَنَزَعَ نَمَطاً مِنْ تَحْتِهِ، فَقَالَ لَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ قَالَ: لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ فِيهَا رَسُولُ الله ﷺ مَا قَدْ عَلِمْتَ. فَقَالَ سَهْلٌ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ﷺ: "إِلاَّ مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ". قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي.

2796 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ الله ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَتُوبُ فَقَالَإِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "فَمَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟". قَالَتِ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا.  رَسُولُ الله ﷺ: "إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ".

باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ

2797 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِالله بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَإِذَا ضِبَابٌ فِيهَا بَيْضٌ، وَمَعَهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ: "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟". فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ. فَقَالَ لِعَبْدِالله بْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: "كُلاَ". فَقَالاَ: أَوَلاَ تَأْكُلُ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ: "إنِّي تَحْضُرُنِي مِنَ الله حَاضِرَةٌ". قَالَتْ مَيْمُونَةُ: أَنَسْقِيكَ يَا رَسُولَ الله مِنْ لَبَنٍ عِنْدَنَا ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ". فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ: "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟". فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "أَرَأَيْتِكِ جَارِيَتَكِ الَّتِي كُنْتِ اسْتَأْمَرْتِينِي فِي عِتْقِهَا، أَعْطِيهَا أُخْتَكِ، وَصِلِي بِهَا رَحِمَكِ، تَرْعَى عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكِ".

2798 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ. فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ الله. فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ الله ؟ فَقَالَ: "لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ". قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ.

2799 - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِالله بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِالله بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً نَادَى رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "لَسْتُ بِآكِلِهِ، وَلاَ بِمُحَرِّمِهِ".

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكرمنا بشريعته وبيانِها على لسان خير بريته، عبده المصطفى سيدنا محمدٍ خيرة الرحمن وصفوته، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خزائن مِنن الله تعالى ورحمته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يحدثنا الإمام مالك عليه -رضوان الله تعالى- عن شأن الصُّور والتماثيل، وما لحق ذلك من الأبواب. والتماثيل: جمع تمثال، وهو ما صُورَ به الحيوانُ على مثالِه وعلى مُشابهته وشكله. فذكر لنا هذه الأحاديث في التصوير، وفي  اتخاذ التماثيل كذلك.

وبعد ذلك اختلفوا هل حكمُها في الشرائع السابقة نفسُ الحكم في الشرع المطهر؟ أو كانت مباحةً؟ لقوله تعالى في سيدنا النبي سليمان: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا)[سبأ:13] في ما سخره الله لسليمان بن داود، فيُحتمل أن تكون التماثيل التي يعملونها تماثيلَ لأبنية ولأشجار، وليست لذات روح، وهذا لا إشكالَ حتى في شريعة النبي محمد ﷺ، لا إشكال في تصويرها. 

  • تصوير ما ليس ذا روحٍ من النباتات ومن الجمادات، من تصوير جبال، أو بحار، أو أبنية، أو أشجار وما إلى ذلك، فهذا جائز.
  •  ولكن تصوير ذي الروح وهو: ما كان حيوانًا من إنسان وحيوان، فإنه يقال للمصوّرين أحيوا ما خلقتم.

 فأما نحتُ ذلك من حجرٍ أو خشب أو غيره فذلك محرم، بل كما قال الإمام النووي عليه رحمة والله تبارك وتعالى: أنه حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر، لِما تُوعِد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، ما كان من حيوان.

واختُلف بعد ذلك فيما لم يكن مجسّمًا في التصوير والاتخاذ، والمرجَّح عند الجمهور: أن التصوير أيضًا وإن كان رسمًا باليد من غير حجم ولا تجسيم، فإنه حرام، واختلفوا في اتخاذِه بعد ذلك، هل يجوز أو لا يجوز؟ واختلفوا هل يختص تحريمه إذا كان كاملًا؟ أما إذا كان على هيئةٍ لا يمكن الحياة بها، يجوز استعماله أو لا؟ وذلك لما جاء في رواية الإمام مالك، وعند الإمام مسلم "إِلاَّ مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ".

ثم أن وجود هذه الصور للحيوانات ما كان منها مجسمًا فمانعٌ لدخول ملائكة الرحمة للبيت الذي فيه، أي الغرفة التي فيها هذه التصاوير، فلا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ ولا كلب. 

  • فأما ما كان مجسمًا فبالاتفاق. 
  • وما كان غير ذلك وهو كامل، ففيه أيضا الخلاف.

ثم أن اتخاذ هذه الصور وإن كان التصوير الآن بالآلات التي حدثت، وهو أشبهُ بحبس الظلّ، فلا يعاني بيده رسمَ الشكل، ولكن يُسلط العدسة أو يوجهها، فتحبسُ ظلّ ذلك الإنسان أو المصوَّرات، فهذا محل النظر، واختلاف المجتهدين من أئمة الدين.

 ثم بعد ذلك  اتخاذُ أو رفعُ أو مشاهدة ما كان منها يتعلق بالمحبة، أو الولاء، أو الإكبار، أو التعظيم؛ ما كان لغير المؤمنين الأتقياء فحرام، من صور الكفار والفجار، واللاعبين الفساق، والمصارعين الفساق، وما إلى ذلك، رفعُها وتعليقها إكرامًا أو احترامًا، أو انبهارًا أو عجبًا حرام، لا يجوز، لأن فيها تعظيمُ ما حقَّر الله سبحانه وتعالى.

 فإن كانت صور مؤمنين وأخيار: 

  • فإن كانت غيرَ كاملة، يعني ما ليس جسدًا كاملًا يحيا بمثله، فيترجح القولُ بالإباحة في ذلك. 
  • وكذلك إذا كان كاملًا، استدلالًا عند بعض المجتهدين بقوله ﷺ:  "إِلاَّ مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ". ومثل هذا الذي في الورق.

 وبعد ذلك هناك استئناسٌ لبعضهم؛ بأن هذا ظل أولئك مهما كانوا صالحين أو أخيار، وأن ظل الصالحين كبقية أثارهم، يُستدفَع به السوء والشر، ويُستنزَل به الرحمة والخير، كما قال ﷺ في ظل سيدنا عمر: "إن الشيطان ليفرَق من ظل عمر"، وهذا ظلٌ لأولئك، فإن كان أحدُهم ممن يفِرّ منه الشيطان، يفر من ظله، فيفرّ من صورته، لأنها ظلٌ له حُبِسَ كذلك.

وكذلك ما كان من التصاوير لإثارة الشهوات المحرمة، فاتخاذها والنظر لها محرم باتفاق فقهاء الشريعة المطهرة، وكان يقول فقهاء الشافعية: لو ابتُلي بنظر الشهوة ولو إلى جدار لحرّمنا عليه نظر ذلك الجدار! فإن إثارة الشهوة محرمٌ بشريعة الله تبارك وتعالى.

إذًا؛ فلهذه التصاوير شؤون وأحوال، ومنها ما قد يُحتضَر بعضُ الناس في شيء من الغرف، فإذا فيها صورُ فساقٍ أو فجار، أو فيها تماثيل، لم تحضر ملائكة الرحمة، وتمتلئ غرفتُه بالشياطين، فيوشك أن يموت على حالة سيئة، وأن لا يذكر الشهادة، وأن يموت على سوء الخاتمة والعياذ الله تبارك وتعالى! فلا ينبغي أن يُترَك في المكان الذي فيه المُحتَضر، صورةً ولا كلب ولا امرأة مكشوفة الرأس، لأن ذلك من موانع حضور الملائكة، وإذا امتنعت الملائكة من أي مكان، امتلأ بالشياطين؛ أقبلت إليه الشياطين، فإنما يصعب على الشياطين حضورٌ حيث تجتمع وتكثر الملائكة، فإن ذلك يصعب عليهم الحضور فيه، وأما إذا خلا عن الملائكة والأخيار، فإن الشياطين تتمكن من ذلك المكان وتتكاثر فيه، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وهكذا لما فيه من المُضاهاة لخلق الله جل جلاله وتعالى في علاه. 

  • فأما إن كان تصوير شجرٍ، ورحال الإبل وغير ذلك، مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. 
  • وكذلك اتخاذ الصورة التي فيها صورة حيوان إن كان معلقاً على حائط أو ثوب ملبوس، أو عمامة ونحوها،  مما لا يُعد مُمتهنًا فهو أيضًا حرام. 
  • وإن كان في بساطٍ يُداس، ومخدة ووسادة ونحوها مُمتهن، فليس بحرام. 

ولكن اختلفوا هل يمنع دخول ملائكة الرحمة أم لا؟ هكذا ويقرب أقوال جماهير العلماء من السلف والخلف على هذه الأقوال، وبينهم اختلاف في مسائل.ويُحكى عن بعض السلف يقول: لا بأس بالتي ليس لها ظل، يعني غيرَ المُجسمة، ما كانت رقمًا في ثوب ونحوه، وهكذا استثنى جماعةٌ ما كان رقمًا في ثوب أمتُهن أو لا.

وأورد لنا حديث: "رَافِعَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى الشِّفَاءِ أَخْبَرَهُ، قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الله بْنُ أبِي طَلْحَةَ"؛ عبد الله بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري،  ولد في عهد النبي ﷺ في أيام غزوة حنين، كانت أمّه حاملًا به يوم حنين، وجاء أن أم سليم لما ولَدتْه قالت يا أنس: اذهب به إلى النبي ﷺ فليُحنّكه، يقول سيدنا أنس: فكان أولُ شيء دخل جوفه ريقُه ﷺ، حنكه بتمرة فجعل يتلمّظ، فقال النبي ﷺ: "حب الأنصار التمر"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

ويقول دخلوا "عَلَى أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ نَعُودُهُ"، في مرضه، "فَقَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ: "أَنَّ الْمَلاَئِكَة" والمراد: الملائكة الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، "لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ". أما ملائكة الموت يدخلون أيّ مكان، وأما كذلك الحفَظة يدخلون أي مكان، ولكن ملائكة الرحمة ما يدخلون في هذه الأماكن. "لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ. شَكَّ إِسْحَاقُ، لاَ يَدْرِى أَيَّتَهُمَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ".، قال تماثيل أو قال تصاوير، والتصاوير أعمُّ من التماثيل؛

  • فإن التمثال ما نُحِت. 
  • والتصاوير يشمل المنحوت وغيره. 

فلا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة، وكذلك الجُنب والحائض لا ينبغي أن يَحضروا عند خروج روح إنسان، عند احتضار المحتضر، بل نحرص على ما يَجلب أرواحَ الملائكة والأرواح الطاهرة من الطِيب، والرائحةِ الحسنة، ومن القراءة للقرآن، وينبغي أن يُقرأ عند المحتضر سورة يس، اقرأوا على موتاكم سورة يس، يقول ﷺ، وكذلك سورة الرعد، فإنهما مما يُسهل الله بقراءتهما خروج روح الإنسان، كما يُسنُّ تلقينه لا إله إلا الله.

يقول عن عبد الله بن عتبة، قال: "أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أبِي طَلْحَةَ الأَنْصَاري يَعُودُهُ، قَالَ : فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ"، رضي الله تعالى عنه، الأنصاري البدري، وجاء الحديث أيضًا في صحيح البخاري وغيره. يقول: "فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَاناً فَنَزَعَ" فأمره بالنزع نزع "نَمَطاً مِنْ تَحْتِهِ"، هذا نوع من البساط له خمائل رقيقة، يقال له نمط، فنزعه من تحته، "فَقَالَ لَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟" قَالَ ابو طلحة: "لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ فِيهَا في التصاوير رَسُولُ الله ﷺ مَا قَدْ عَلِمْتَ". يعني معلومٌ لك ما ذكر النبيُ ﷺ في شأن التصاوير، "فَقَالَ سَهْلٌ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ﷺ: "إِلاَّ مَا كَانَ رَقْماً" يعني نقشاّ "فِي ثَوْبٍ". "قَالَ -أبو طلحة-: بَلَى"  استثنى النبي هذا، "وَلَكِنَّهُ" أي: تجنب الصور مطلقًا حتى هذا "أَطْيَبُ لِنَفْسِي". كرهت الصور كلها وتركتُها، "أَطْيَبُ لِنَفْسِي". لبعده عن الحرام.

وجاءنا في الحديث أنه ﷺ أنكر تصاوير كانت في سَترٍ على الباب، فقطّعوها وجعلوها وسائد فجلس عليها، قال: فيُحتمل أن يكون عند تقطيعها تمزّقت تلك الصور، ولم يبقَ صورة كاملة فيها، ويُحتمل أن يكون لما كانت مرفوعةً كان فيها شيءٌ من تكريم الصور، والناس حديثي عهدٍ بالجاهلية، وكانوا يكرمون الأصنام، فلما امتُهنت وجُعلت متكئًا، لم يُبال بذلك.

يقول "عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً"، وجمعها: نمارق، يعني: وسائد، وسادة: نمرقة، قال تعالى: (وَنَمَاْرِقُ مَصْفُوْفَةٌ)  في الجنة وسائد، زرابي: فرش مبثوثة، ولو أحدًا أخرج من فرش الجنة مقدار أربع أصابع، لم تقم له الدنيا بما فيها، لا في نفاسته ولا في رائحته ولا في ليونته، لا إله إلا الله!... اللهم أدخلنا جنتك. يقول: "اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً"؛ أي: وسادة "فِيهَا تَصَاوِيرُ"، ويقال: نَمرقة ونُمرقة ونِمرقة، "فِيهَا تَصَاوِيرُ"، تماثيل حيوان، "فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ الله ﷺ  قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ"، الحجرة الشريفة، وجعل يتغير وجهه ﷺ،  حتى ترجم له البخاري: باب من لم يدخل بيتًا فيه صورة، وقد أبيح تركُ الدعوة إذا كان في منزل الداعي للوليمة صور. ولما دخل ﷺ الكعبة، رأى فيها صورَ سيدنا إبراهيم وإسماعيل، صوروهما يستقسمان بالأزلام، فقال ﷺ: قاتلَهم الله! إنهم لم يعلموا أنهما لم يستقسما قط. 

قال "فَعَرَفَتْ" عائشة "فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ" لهذه الصور، "وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَتُوبُ إِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟"؛ أي: ما اطلعت بعد ُعلى ذنب، فما الذي غيّر وجهك؟  "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "فَمَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟". يعني: ما شأنها؟ "قَالَتِ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا"؛ أي: تتوسدها، تجعلها لك وسادة، لا إله إلا الله..  "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ"، فقيل: أراد بالذين يصوّرون الأصنام، وقيل عمومُ التصاوير، "يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ"؛ يعني: ما صوًَرتم، فما يقدرون ينفخون فيه الروح، "من صوّرَ صورةً في الدنيا كُلِّف يوم القيامة أن ينفخَ فيها الروحَ وليس بنافخ" يقول ﷺ، هكذا جاء في الصحيحين وغيرهم، "من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ"، في رواية قال: "فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخٍ أبدًا" كيف يقدر ينفخ فيها الروح!...

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج:73]. ما معنى هذا؟ معنى هذا خطير، معناه:

  • إما أنه إذا كان مُصرًّا على هذا الفعل؛ يموت على سوء الخاتمة، فإنه لايقدر أن ينفخ فيه الروح، مادام يُكلف، كيف يتخلص من العذاب؟ معناه يخلد في النار مع الكفار، والعياذ بالله تعالى.  
  • وإن كان أو يكون معناه مدةً، يُتَحدى بنفخ الروح إذا مات و في قلبه إيمان، ثم يُنقل إلى الجنة.

"ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ"، لكونها معصية، فاحشة فيها مضاهاةُ خلق الله تبارك وتعالى، وبعضُها في صورة ما يُعبد من دون الله جل جلاله، فعوقب متخذُها بحرمانه دخول الملائكة بيته، وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبريكها عليه وهكذا، ودفعِها لأذى الشياطين، كله يُحْرَمه بسبب اتخاذه لهذه الصور، لأنه تشبهٌ بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم ويعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك، ولما جعلتْها مرةً السيدة عائشة وسائدَ جلس عليها، وقد كان يُؤتى ببعض الدنانير أو الدراهم وفيها الصور، ولم يكن يبالي بذلك ﷺ، ولكن إذا كانت على هيئتها مرتفعةً غير مُمتهنة، فهذا هو سبب الامتناع. 

 

باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ

 

يقول: "باب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ"؛ وهذا حيوان بريٌّ كبير القد، يقال له الضَّب، يعيش كثيرًا هذا، عشرات بل يمتد لفوق المائة من السنين قد يعيش، ويتلَّون ألوان بِحرِّ الشمس. وهذا الضَّب من الحيوانات التي يجوز أكلها، وكره أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد أكل الضب لكراهة النبي ﷺ له، لكنه أقر أكلَه على سيدنا خالد وغيرِه، أكلوه وهو ﷺ ينظر، ولكن أخذ أبو حنيفة بما رُوي أنه ﷺ نهى عن الضب، .فيما أخرجه أبو داود بسند حسن.

جاء أيضا في رواية أبي داود أنه يقول بعض أصحابه: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب، وأنهم طبخوا منها، وقال ﷺ: "إن أمةً من بني إسرائيل مُسخت دوابًا في الأرض، فأخشى أن تكون هذه، فأكفِئوها".

يقول: "دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ"، أم المؤمنين "فَإِذَا ضِبَابٌ فِيهَا بَيْضٌ"، ضِباب: جمع ضب، "وَمَعَهُ" ﷺ "عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ" عبدالله بن عباس هذه خالته، وهي أيضًا خالة خالد بن الوليد، "فَقَالَ: لميمونة "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟". فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ"، أختها. "فَقَالَ لِعَبْدِالله بْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ:" "كُلاَ". يعني: كلا أنتم من هذا الضب، أما هو ﷺ ما يأكله، "فَقَالاَ: أَوَلاَ تَأْكُلُ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله" فَقَالَ: "إنِّي تَحْضُرُنِي مِنَ الله حَاضِرَةٌ"؛ يعني: من الملائكة الذين نناجيهم ونكلمهم،  وكأنه كان فيه ريحُ ثوم و غيره، أو لِلحم الضب ريحٌ كريهة فتركه لذلك، فإما معه رائحةٌ كريهة، إما بصل او ثوم طبخوه به، أو في رائحته شيء، فترك ذلك. 

"قَالَتْ مَيْمُونَةُ: أَنَسْقِيكَ يَا رَسُولَ الله مِنْ لَبَنٍ عِنْدَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ"، لما شرب قال: من أين لكم هذا اللبن من أين جاء؟ "فَقَالَتْ:  أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ" فصارت أهدت إليها عدة أشياء، جاء في بعض الروايات أيضا سألها عن أقِطٍ وسَمن  كان عندها، وكلُّه جاء هديةً من هزيلة هذه، وكان ﷺ يحب الكرم، ويحب أهل الكرم، فلذلك تكلم معها. "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: أَرَأَيْتِكِ جَارِيَتَكِ" وكانت عندها جارية، "الَّتِي كُنْتِ اسْتَأْمَرْتِينِي فِي عِتْقِهَا"، سألتيني عن عتقها "أَعْطِيهَا أُخْتَكِ"، أعطيها هُزيلة، تهدي لك أشياءَ كثيرة، أَعطيها لها، "وَصِلِي بِهَا رَحِمَكِ، تَرْعَى"؛ يعني: الجارية "عَلَيْهَا"، على أختك، ترعى لها مواشيَها، "فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكِ". .من عتقها، بدل ما تعتقينها، أعطيها مساعدة لأختك، فهذا أفضل و "خَيْرٌ لَكِ"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

في رواية قال: "كان أعظم لأجرك"، لما فيه من صلة الرحم، ولما فيه من أن هذه الأخت عرف فيها ﷺ وصفَ السخاء والكرم والتفقد، فأحب أن تُكافأ، وأن يكون لها ما يساعدها على هذه الخصال الحميدة.

وهكذا أورد في الحديث: "عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ"؛ فهي خالتهما، خالة خالد، وخالة عبد الله بن عباس،"فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ"؛ يعني: مشوي، كما قال تعالى في العِجل الذي قدّمه سيدنا إبراهيم للملائكة الذين جاءوا: (جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيْذٍ)[هود:69]؛ أي: مشوي "فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ" الشريفة ليأخذه، "فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ:" هؤلاء من النسوة الحضور أخبروا رسول الله ما قدمتنّ له! "أَخْبِرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ" قالت قولوا له أيش هو هذا، أخبروه ﷺ بما يريد أن يأكل منه، "فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ الله" قالوا كأن المرأة هذه التي قالت أخبروه ﷺ، أرادت أن غيرَها يخبره، ولكن لما تأخروا قالت: "هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ الله، فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ الله ؟" فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي"؛ لم يكن عندنا معروفًا ولا معتاد طبخه واكلُه، "فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"؛ يعني: أكره أكله، فتركه النبي ﷺ  كالمتقذر له. "قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ"؛ مقرًّا له على جواز ذلك، ﷺ.

 لمّا قيل له إنه لحمُ ضبٍ كفّ يده، وقال هذا لحم لم آكله قط، جاء في بعض الروايات أكل الفضل بن عباس وخالد بن وليد وامرأة كانت معهم، قالت ميمونة: أنا لا آكل طعامًا لم يأكله رسول الله ﷺ، قالت: أنا الطعام الذي لا تحبه ما أحبه خلاص، وإن كان حلال، ولكني لن آكل شيء أنت ما تأكله، ﷺ.

 وذكر: "عَنْ عَبْدِالله بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً نَادَى رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟"؛ يعني: أنه يؤكل أو لا ؟ "فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "لَسْتُ بِآكِلِهِ، وَلاَ بِمُحَرِّمِهِ"؛ أنا بنفسي ما آكله، ما تميل نفسي إليه، ولكن لا أحرّمه على أمتي، جاء في رواية: "لا آكلُه ولا أنهى عنه، ولا أُحِلُه ولا أُحرمُه".

رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، ومتابعة سيد المكرمين في كل قصد ونية وفعل وإرادة وحركة وسكون، وجعلنا ممن سبقت لهم منه الحسنى وختم لهم بها في عافية، وأصلح شؤوننا الظاهرة والخافية، فرّج كروب أمة المصطفى أجمعين، ويجعلنا في خيرهم لهم وأنفعهم لهم وأبركهم عليهم، ونفعنا بالمسلمين عامة وبخاصّتهم خاصة، بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

16 شَعبان 1444

تاريخ النشر الميلادي

08 مارس 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام