شرح الموطأ - 520 - كتاب السَّلاَم: باب العَمَل في السَّلام

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب السَّلاَمِ، باب العَمَل في السَّلام.

فجر الأربعاء 2 شعبان 1444هـ.

باب الْعَمَلِ فِي السَّلاَمِ

2779 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ".

2780 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئاً مَعَ ذَلِكَ أَيْضاً. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ. فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلاَمَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ.

2781 - قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلاَ أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلاَ أُحِبُّ ذَلِكَ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مكرمنا برسوله وبيانه عن الحق، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن به صدّق، وفي ولائه واتّباعه صَدَق، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين جعلهم الله بفضله الأعظم أحق، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يذكر لنا الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الباب: كتاب السلام، الذي هو شعار المسلمين عند لقائهم لبعضهم البعض، يشابهون به تحية أهل الجنة لبعضهم البعض: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار)[الرعد:23-24]، وقصر الشارع المؤمنين بهذه التحية بينهم البين، فإن لكل قوم وأمة وطائفة تحايا يتحايون بها، فقصر التحية للمسلمين في السلام، وقال: عنها الحق -جل جلاله-: (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) [النساء:86]. 

والسلام مصدر سلَّم؛ أي: ألقى السلام، وله معاني: السلامة والأمن والتحية، وقد سميت الجنة بدار السلام لأنها دار الأمن من جميع الآفات والعاهات والأسقام وحتى من الموت، يأمن من فيها حتى من الموت، فهي دار السلام على الحقيقة، اللهم أحلّنا برحمتك دارك دار السلام. 

فما يحيي به المؤمنون بعضهم البعض، فهو التحية التي شابهوا بها تحية أهل الجنة. 

  • قال: (فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) [ النور:61]. 
  • وقال سبحانه وتعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [الأحزاب:44]. 
  • وقال تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا)[الواقعة:25-26]. 
  • وقال تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) [يس:58] جل جلاله وتعالى في علاه. 

فيعيش أهل الإيمان والإسلام في الدنيا على مشابهةٍ لأهل الجنة في كثير من أمورهم وشؤونهم وأحوالهم، ومنها هذه التحية. 

  • والأصل في اللغة: الدعاء بالحياة يُقال له تحية. 
  • وفي معنى التحيات لله :أي البقاء والدوام. 
  • ومن معانيه كذلك الملك ،التحيات لله التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله.. 
  • والتحية أعم من السلام؛ تشمل السلام والتقبيل والمصافحة والمعاناة كله يدخل في التحية. 

وذكر لنا هذا الحديث فيمن يبدأ بالسلام؛ أي إذا تلاقى في الطريق أفراد أو جماعات من المسلمين، إذا تلاقوا في الطريق، أما إن كانوا جالسين فإن الوارد هو الذي عليه أن يبدأ بالسلام سواءً كانوا قليلًا أو كثيرًا، صغيرًا أو كبيرًا، الوارد أو الداخل هو الذي يبدأ بالسلام، ولكن إذا تلاقوا في الطريق فجاء فيه هذا الترتيب الذي سمعناه في الحديث، وقد جاء أيضا في الصحيحين.

"يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي"، والقليل على الكثير والصغير على الكبير، يعني: الأولى والأحق، فالأفضل للصغير أن يبدأ بالسلام على الكبير، والأفضل للقليل أن يبدأوا بالسلام على الكثير إذا مشوا  ثلاثة أربعة ولقوا جمع منهم عشرة عشرين، ينبغي  للأقل أن يبدأوا بالسلام على الأكثر، كذلك من إذا تلاقوا في الطريق واحد راكب وواحد ماشي، ينبغي للراكب أن يبدأ بالسلام على الماشي، كل هذا للأحقية والأفضلية، وإلاَّ لو بدأ بالسلام الكبير أو الكثير أو الماشي على الراكب فجائز باتفاق، وثوابه أكثر هذا الذي بدأ، الذي يبدأ بالسلام ثوابه أكثر. 

وعلى القول عند عامة الفقهاء أن ابتداء السلام سنة، فهم أيضا مجمعون على أنه أفضل من الرد وإن كان الرد واجبًا! وإن كانت القاعدة في غالب الأمور أن ثواب الفرض يفوق ثواب النفل بسبعين ضعفًا، وأن الفرض والواجب أفضل من النفل إلا في مسائل منها هذا: 

  • ابتداء السلام وردّه؛ ابتداؤه سُنّة وردّه واجب، والابتداء أفضل بالاتفاق. 
  • كمثل المعسر الذي عليه الدَّيْن إنظاره واجب، وإبراؤه سُنة، وإبراؤه أفضل من إنظاره بالاتفاق، أن إذا أبرأه سامحه أفضل هو سُنّة، وأما إنظاره (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)[البقرة:280] واجب. 

 وهكذا، فإذا تلاقى الاثنان أو الجماعة في الطريق فهذا الأولى والأفضل في إلقاء السلام، يقول الأئمة الأربعة:

  •  أن الابتداء بالسلام سُنّة. 
  • في قولٍ عند رواية عن الإمام أحمد، وقول مقابل مشهور عند المالكية أنه واجب، إذا التقى المسلمين واجب يسلم بعضهم على بعض، لأنه من حق المسلم الذي ورد في الحديث حق المسلم، فعدّوه من الواجبات.
  •  والمعتمد في المذاهب الأربعة أن الابتداء بالسلام سُنّة على الكفاية إذا كان الواصلون والمسلّمون جماعة.

 فهو كما قال صاحب الزُبد: 

ومنه مسنونٌ على الكفاية *** كالبدء بالسلام من جماعة

فإذا  الداخلون أو من لقوا غيرهم في الطريق جماعة أكثر من واحد؛ فابتداء السلام:

  • سُنّة كفاية، إذا قام بها الواحد سقط الطلب عن الباقيين

 وردُّ السلام:

  • فرض كفاية، إذا كان المُسلَّم عليهم أكثر من واحد.
  • أما إن كان المُسلَّم عليهم واحد تعيَّن عليه يصير فرض واجب؛ فرض عين عليه أن يرد السلام.

وإذا سلّم الداخلون كلهم كان أفضل، وإذا رد المُسلَّم عليهم كلهم هو أفضل، ولكن إذا اقتصروا على بعضهم في إلقاء السلام سقطت السنة عن الباقين ولكن الثواب للذي ابتدأ، وإذا ردَّ واحد من المُسلَّم عليهم سقط الإثم عن الباقين ولكن الثواب للذي رد، فلهذا فالأفضل أن يسلم الجميع وأن يرد السلام الجميع (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) على الأقل. 

وهكذا وفي هذا الخلق الكريم، أخبرنا ﷺ عن نفسه الكريمة، وأنه قد كان -كما ذكر عنه أصحابه- يبتدئ من لقيه بالسلام، أصغر منه، أكبر منه، أقل منه، أكثر منه، هو الذي يبتدئ بالسلام، يبدأ من لقيه بالسلام من صغير وكبير رجل وامرأة ذكر وأنثى وأبيض وأحمر وأسود كلهم يُسلِّم عليهم هو ﷺ. 

ثم ذكر لنا في هذا الخلق العظيم أنه ملازم له حتى في برزخه وقال: "ما من مسلم يسلم عليًّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام" ﷺ، "وإن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" كل من سلم عليه بلغه فلان وفلان، وفي هذا تعرف عظمة روحه واستيعابها لأعداد السلام والمُسلِّمين بالألوف والملايين، في كل وقت من مختلف الجهات ومختلف الأقطار، وكلهم يستوعبهم ﷺ ويرد عليهم. 

"ما من مُسلِّم"، حتى جاء في الصيغة في الحديث بلفظة "ما مِن" المستغرقة "ما من مُسلِّم" ما يشذ عنه أحد، كل مسلِّم مؤمن سلامه مقبول عند الله.. يرد عليه السلام ﷺ، "ما من مسلِّم يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام". وذكروا في معنى: "ردّ الله عليّ روحي"؛ أي: التفاتي إليه وحضوري معه وانتباهي منه، لمكان شغله ﷺ بالله -تبارك وتعالى- ثم تعدد أنواع شغله من أجل الله بالأمور التي يحبها الله تعالى منه، فإذا جاء السلام ردّ الله إليه روحه، التفاته إلى ذلك؛ فالتفاتته بروحه إلى رد السلام" هو  "رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" لا إله إلا الله..

وهكذا كما قال: عن الكفار المشغولين بالعذاب في الآخرة -والعياذ بالله تعالى- ولاعاد يدرون بأحد، فُيعرض عليهم من يُعرض عليهم، قال: (يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ) [المعارج:11]؛ يلفت نظرهم إليهم (يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ). فالحبيب الأعظم ﷺ في شغله بالله وأخذ كليَّته إلى الحق يُنبَّأ بمن يوصل إليه السلام فيستوعبهم ويردهم من دون أن يشتغل بهم عن الله جل جلاله وتعالى في علاه. فلا روح خلقها مكون الأرواح، أصفى ولا أوفى ولا أوسع علمًا ولا معرفة ولا إدراكًا ولا قوةً في الفهم من روح عبده وحبيبه وصفيّه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ.

ولذا كان هو قبلة الأرواح، ولا تتوجه الأرواح في وجهتها إلى الله تعالى إلى قبلة في الأرض ولا في السماء إلا محمد ﷺ، والأجساد أُمرت بالتوجّه في الأرض إما بين بيت المقدس وبين البيت العتيق الحرام قبلة سيدنا الخليل إبراهيم، وجماعة من الأنبياء أُمروا بالتوجّه إلى بيت المقدس، وتوجّه نبينا ﷺ في أول الأمر إلى بيت المقدس، ثم حُوِّل إلى الكعبة المشرفة، وقد كان جَبَله الله على محبة الكعبة، وهي قبلة أبيه إبراهيم وجدّه إسماعيل، وكان يحب أن يُحوَّل إليها، فإنه كان أيام كان بمكة يأتي بين الركنين اليمانيين يصلي هناك، يستقبل الكعبة وبيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة صارت مكة والكعبة هنا وبيت المقدس أمام والمدينة في الوسط، فاضطر إلى أن يستدبر الكعبة ويستقبل بيت المقدس، وأحبَّ من الله أن يوجّهه ويحوّل القبلة إلى الكعبة، فبقيَ في خاطره، وكلَّم سيدنا جبريل فقال له جبريل: أنت أقرب إلى الله مني وأحظى مني كلّمه أنت، فاستحيا من أدبه ﷺ أن يسأل الله شيء، إلا أنه تحرك خاطره يترقب من الله يحوله، فكان يرفع نظره نحو السماء يترقب نزول وحي في شأن المسألة، فأنزل الله: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) هذه ملاطفته لحبيبه ﷺ تنزلّاته له، (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)، بهذا التأكيد ونون العظمة ولام التوكيد ونون التوكيد مرحبا يا حبيبي، ما تريد نعطيك ما أحببت (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ) يتبعك الكل من وراك (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة:144] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فما وُجِّهنا إلى الكعبة في العبادات بأجسادنا إلا إرضاءً من الله لرسوله ﷺ. ولهذا صحَّ عن الإمام مالك أنه لما قال له أبو جعفر المنصور وقد زار وإياه النبي ﷺ في الحجرة الشريفة قال: يا إمام، أستقبل القبلة وأدعو أم استقبل القبر وأدعو؟ قال: ولمَ تُولِّي وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم من قبل؟ الكعبة أُمرنا أن توجّه إليها إرضاءً له، بتخليه هو نفسه وتروح؟..  الله ما شرع لك توجّه هناك إلا لأجل هذا، لأجل رضاه، فتخلّيه بنفسه وتذهب تتوجه إلى الكعبة! وإذا كان حرمة المؤمن أعظم عند الله من الكعبة، فكيف سيد المرسلين ﷺ؟ قال: ولمَ تُولِّي وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم من قبل! هو الوسيلة العظمى إلى الله ﷺ. فهو من نعمة الله علينا أن خُلُقه هذا مُستمر معه حتى في برزخه، ما من مسلِّم يسلم عليه إلا رد عليه السلام. وإذا قَبِل الله منك السلام على نبيه والصلاة على نبيه، فسلم عليك نبيّه وصلى عليك الله بصلاتك على نبيه، فصلاة الله عليك وردّ السلام من حبيبه عليك، يفوق جميع ما عملت من العبادات الأخرى، إيش يكون عبادتك عند ردّ السلام منه ﷺ؟ عند صلاة الله -تبارك وتعالى- عليك إيش تكون عبادتك؟ لا إله إلا الله… اللهم أعنا على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك ووفقنا لكثرة الصلاة والسلام على نبيك.

وثبت فضل هذا السلام بين المسلمين، فلهذا من العار الكبير أن يتلاقى مسلمان، يقول له: صباح الخير ومساء الخير وكيف حالك!!.. أين السلام؟ أين تحية المسلمين؟ أين الشريعة؟ أين التوجيه النبوي؟ ولما دخل بعض الكفار والنبي في المجلس قال: أنعموا صباحًا، قال له: قد أبدلنا الله تحية هي خير من تحيتك، هذه تحية الجاهلية هي السلام، قال: لدينا تحية أحسن من حقكم هذه، يؤكد على المسلمين أن يستمسكوا بهذه التحية. 

 لهذا قال لما سُئل: "أي الإسلام خير؟" قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف" رواه البخاري في صحيحه، أي الإسلام خير؛ يعني: خصال الإسلام وأعمال الإسلام أيها أفضل وخير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف، هذا خيار خصال الإسلام. 

وهكذا يقول ﷺ أيضًا في أن هذا هو أصلٌ جعله الله حتى لأبينا آدم، يقول: "أن الله لما خلق آدم طوله ستون ذراع والعرض سبعة أذرع، لما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- قال: اذهب سلم عليهم، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فجاء قال: السلام عليكم، قالوا :السلام عليك ورحمة الله، قال ﷺ: "فزادوه ورحمة الله" رواه البخاري ومسلم. فإذن هذا أصل لآدم وبني آدم كلهم، أعاده ﷺ بعدما لعب بني آدم، وتركوا المهم فيما علمهم الله من التحية وجاء لهم بتحيات من هنا وهناك.. أعاد الأمر إلى نصابه وقال: هذه التحية التي ارتضاها لكم بارئكم وخالقك جل جلاله

وكذلك جاء فيها عدد من الأحاديث فيها حقوق المسلم، وفي كلها يقول: ردّ السلام، وفي بعضها يقول: إفشاء السلام. وجاء عن البراء بن عازب يقول: "أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، عيادة المريض، اتباع الجنائز وتشميت العاطس ونصر الضعيف، وعون المظلوم وإفشاء السلام، وإبرار المقسم" من مكارم الأخلاق كان يوصيهم بها ﷺ، الحديث جاء في الصحيحين وفيه من المهمات

  •  نصر الضعيف 
  • وعون المظلوم
  • وإفشاء السلام
  •  وإبرار المقسم؛ من أقسم علينا بالله في أمر مباح نُمشِّي له قسمه. 

وهكذا وعلمنا أنه يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم، والأفضل أن يسلم الجميع ويرد الجميع.

يقول الطفيل بن أبيّ بن كعب: كنت آتي عبد الله بن عمر بن الخطاب وأغدوا معه إلى السوق، فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط ولا على صاحب بيعة ولا مسكين ولا على أحد إلا سلَّم عليه، قال: فجئت يومًا إلى عبد الله بن عمر فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع في السوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع؟ تجيء تسلم على خلق الله وترجع، لا عندك حاجة في السوق ولا تبيع ولا تشتري، ولا تسوم بها عن السلع ولا تجلس في مجالس السوق، اجلس بنا نتحدث احنا وياك، قال: يا أبطن -كان الطفيل بطن- إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقينا هذا ربحنا هذه تجارتنا نكسب لنا حسنات ونرجع! وكان يخرج من أجل ذلك، وكان يقصد السوق هو أبو هريرة في أيام العشر، ويكون فيها الأنعام فيكبرون يكبرون في أيام العشر من ذي الحجة، يكبرون في السوق ويرجعون، ما لهم غرض في السوق إلا ليكبروا ويسلموا على من لقوا، هؤلاء كُسّاب الحسنات وتجار الباقيات، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

يقول: وإذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم فسقط عنهم الطلب، ولكن الثواب يخص المبتدئ، وعلمنا أن الرد واجب بالاتفاق، وأنه ينبغي أن يزيد الرد فيرد بأحسن مما حُيا به 

  • فإذا سُلِّم عليه بقول: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ" فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله. 
  • فإذا قيل "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" فيقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 
  • فإذا قال: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ" يجيء فيه أو ردّوها، ويزيد بعضهم فوقها شيء 

قال: إذا حُيِّ بالكل فينبغي أن يزيد شيئًا، والجمهور قالوا: تنتهي إلى هنا كما يجيء معنا .

في هذا الحديث الوارد يقول: "كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ"-رضي الله عنهما- يقول: "فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ"، كان يتردد إليه، ولكن أخر أيامه عمي عبد الله بن عباس، ما عرف من هذا الذي دخل، "فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ" ثم "زَادَ شَيْئاً" من ألفاظ أخرى فوقها.. "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: مَنْ هَذَا؟" من ذا الذي سلّم وجاء بألفاظ زائدة، "قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ"؛ يعني: يأتيك مرارًا ويتردد عندك، "فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ" علمه "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلاَمَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ"، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خلاص انتهى، أيش الزيادة التي عندك  تجيء بها من أين؟ لا إله إلا الله… 

وعندنا في الحديث: أن ثلاثة جاءوا إلى النبي ﷺ قال أحدهم: السلام عليكم فرد ﷺ: وعليك ورحمة الله، فجاء الثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد: وعليكم ورحمة الله وبركاته، جاء الثالث قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه النبي ﷺ مثل ما قال، وأبو الفتى جالس عند النبي ﷺ قال: يارسول الله زدت فلانًا وفلانًا ولم تزد ابني شيئًا -ولده هذا الذي دخل وسلم في الأخير- قال ﷺ: ما وجدنا له من زيادة فرددنا عليه مثل ما قال، رواه الطبراني الكبير في الأوسط لكن بسند ضعيف. لأنه لا زيادة على هذا؛ ثلاثة أقسام "السَّلاَمَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ" قال سيدنا ابن عباس.

 وعلمت ما قال بعضهم أنه يمكن أن يزيد على ذلك وخصوصًا إذا ابتدئ بالثلاث كلها، فيرد بأحسن منها. وقد رُويَ ذلك في السُّنة الجمهور على أنه ينتهي إلى قوله وبركاته. وقال: بعضهم إذا جمع المُحيِّ له ثلاثة، فالمٌحيَّا يزيد، قال جاء عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر إذا سُلِّم عليه فردّ زاده، قال: أتيته فقلت السلام عليكم، قال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى ثم أتيته فقلت: سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته، فزاده وطيب صلواته. 

ويروى كذلك في الحديث أنه: دخل رافع على رسول الله ﷺ وعلى آله قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ورضوانه؛ زاده ورضوانه، وهذه أفضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وفي الرد يقول:  وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وإذا رد بِـ وعليكم السلام فقط سقط عنه الطلب ولا إثم عليه، وإن كان المُسلِّم سلم عليه بأكثر فيسقط الواجب الذي عليه بقوله: وعليكم السلام، ولكن الأفضل أن يرد مثل التحية أو يزيد (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).

 وذكرها ورُويَ أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: السلام عليك قال: وعليكم السلام ورحمة الله، وقال: السلام عليك ورحمة الله قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: وعليك، قال الرجل نقصتني فإنما قال الله: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله، أخرجه الإمام أحمد في الزهد والطبراني وابن مردويه والسيوطي في الدر المنثور.

عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وذكر هذا الحديث، في الثالث قال له الرجل: يا نبي الله بأبي وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك فزدت فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ، قال: فإنك لم تدع لنا شيئًا قال الله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) ما عاد خلّيت لنا شيء فرددنا لك الذي جئت به فرددناها عليك.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن ﷺ قال: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، وقالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فذهبت تزيد، فقال النبي ﷺ: إلى هذا انتهى السلام، فقال: ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت.

يقول: جاء إلى رسول الله ﷺ قال: السلام عليكم… ذكرنا نحو هذا الحديث، وتعددت فيه الروايات، ومشهور في الحديث عندنا أنه لما سلّم مسلِّم قال: السلام عليكم، قال ﷺ: عشرٌ، فجاء الثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: عشرون، فجاء الثالث وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: ثلاثون، يعني: هذا له عشر حسنات، لقوله السلام عليكم، وهذا له عشرون حسنة لقوله السلام عليكم ورحمة الله، وهذه له ثلاثون حسنة لقوله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعشر حسنات تحصّلها على كلمة واحدة، والحسنة يبقى ثوابها إلى الأبد! لا إله إلا الله.  وهكذا وفي الحديث أيضًا: من قال السلام عليكم كتب الله له عشر حسنات، وإن قال السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرون حسنة، وإن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب الله له ثلاثين حسنة.

"يقَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يُسَلِّمُ" الرجل "عَلَى الْمَرْأَةِ؟"؛ يعني: الأجنبية، قال الإمام مالك: "أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ" يعني: المسِنّة تجالّت أسنّت، "أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلاَ أَكْرَهُ ذَلِكَ"؛ أي: السلام عليها، ابتداء السلام على المرأة العجوز، "وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلاَ أُحِبُّ ذَلِكَ"، لأن المتجالة الكبيرة الهرمة لا فتنة في كلامها ولا يتسبب إلى  محظور بخلاف الشابة.

وهكذا علم الحق -سبحانه وتعالى- مصالح عباده وقد خلقهم، وخلق طبيعتهم وخلق فطرتهم وخلق شهواتهم وخلق نفوسهم وخلق خواطرهم وشرَّع لهم، فيجيء واحد وهو مخلوق، وخواطره مخلوقة، ونفسه مخلوقة، وشهواته مخلوقة، ويقول: لا أفضل كذا وأفضل كذا و أحسن كذا وأحسن كذا… من أين جئت بهذا؟ أنت خلقت شيء من هذا؟ اسكت ساكت، خالقي وخالقك قال: أفضل كذا، قال: أفضل كذا، أنت من أين جئت بهذا؟!.. أنت مثلي كنت نطفة ومضغة وارتكزت بتقاوم ربي، تريد مني  أحلّك محل إلهي؟! يا مجنون ما هكذا الأمر يكون! 

قالوا الأحسن لبناتكم كذا، الأحسن لبناتكم كذا، من أين جئتم بهذا؟ سنة كم خلقتوا بناتنا؟ من أي المصانع خلقتوا بناتنا؟ فانتبهوا لبناتكم، شوفوا الذي خلقهم وخلقكم وخلقنا قال أفضل كذا وكذا، وأحسن لكم كذا وكذا، قال ﷺ: واضربوهم على تركها لعشر وفرّقوا بينهم في المضاجع. سمعت؟.. ولذا جاء اختلاف الفقهاء في إلقاء السلام على المرأة الشابة ما بين مكروه وما بين حرام. لا إله إلا الله... 

وأمر سبحانه وتعالى المرأة أن تبقي زينتها:

  • أولًا فيما هو مشروع للرجل والمرأة في مثل الصلوات وأداءها وذكر الحق تعالى والتلاوة والقرآن (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الاعراف:32] 
  • ثم زينة الرجل لمرأته وزينة المرأة لزوجها هذا من أفضل الأعمال، من أفضل مواضع الزينة.
  • ثم التزيُّن بما تصح فيه النية لمقابلة المؤمنين للمؤمنين والمؤمنات للمؤمنات، والمقابلة التي تكون بين المحارم 

وماعدا ذلك حرم الله على المرأة أن تبدي زينتها للأجانب قال تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهن وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ  أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) [النور:31]، حرّم عليها تٌحرِّك رجلها المستورة المغطّاة، لكن فيها حجل له خلخال له صوت يستمع، قال: لا تضرب برجلها فيظهر الصوت حق الخلخال الذي في الرِّجل، (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ) ما هو ظاهر مخفية، لكن قال: الصوت أيضا حق الخلخال لا يظهر (لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) كلام صريح من عند الرب في مصلحة عباده وخلقه جل جلاله وتعالى في علاه. 

وقال: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ  حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الاحزاب:32]، سبحان مقلب القلوب جل جلاله وتعالى في علاه.

ثم قال: (والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا) المتقاعدة والكبيرة في السن (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ) تضع ثوبها فقط ولكن ما تتزيّن، هي عجوز ولكن للأجانب لا تتزيّن، ومع ذلك كله (وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[النور:60]  جلّ جلاله وتعالى في علاه.

قال سيدنا مالك: "وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلاَ أُحِبُّ ذَلِكَ". فكيف قامت جامعات المسلمين؟ وثانويات المسلمين؟ وكيف صارت؟ وكيف صارت أسواق المسلمين؟ وكيف صارت شوارع المسلمين؟ لتعلم أنهم نبذوا أمر الله ورسوله وراء ظهورهم، فلا بد أن يجنوا ثمر ذلك وأثر ذلك، وما ثمرته إلا مفاسد وخيبات وشرور وقطع أرحام وانتهاك حرمات، نتيجة حتمية لمخالفة أمر الخالق جل جلاله وتعالى في علاه.(قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ)[البقرة:140]، 

يقول الإمام النووي: 

  • النساء إن كنَّ جَمعًا سلَّم عليهن. 
  • وإن كانت واحدة سلم عليها زوجها ومحرمها فقط.

قالوا: أما الأجنبي: 

  • إن كانت عجوزا لا تُشتهى استحبّ له السلام عليها، واستحب لها السلام عليه، ومن سلم منهما لزِم الآخر رد السلام.
  • وإن كانت شابة أو عجوزًا تُشتهى لم يُسلّم عليها الأجنبي، ولم تسلم عليه، ومن سلم منهما للآخر لم يستحق ردّه؛ ما له جواب ويُكره جوابه.

قال سيدنا الإمام النووي :هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال الربيعة: لا يُسلم الرجال على النساء ولا النساء على الرجال، وغلَّطوه قالوا ليس على إطلاقه ، فيه أمر؛ لأنه ورد في سلامه ﷺ على جماعة من النساء وسلامهنّ عليه ﷺ.

وهكذا، وجاء في الحديث :كانت أمرأة عجوز تأخذ من أصول السلق تطعمهم يوم الجمعة، فيقول: كنا نفرح بيوم الجمعة إذا جاء، وجاء أيضًا عن أسماء بنت يزيد قالت: "مرَّ علينا النبي ﷺ في نسوةٍ فسلَّم علينا" رواه الترمذي و وقال حديث حسن، فهذا السلام على المجموعة من النساء. يقول الحليمي في هذا: كان النبي ﷺ للعصمة مأمونًا من الفتنة فمن وثق من نفسه بالسلام فليسلم وإلا فالصمت أسلم. ويروى: يسلم الرجال على النساء ولا يسلّم النساء على الرجال. 

وجاء في الحديث عند مسلم: أن النبي ﷺ لما كان في عام الفتح جاءت أم هاني بنت أبي طالب، والنبي ﷺ يغتسل، وسيدتنا فاطمة ترفع الثوب عليه؛ أي: تستر وجهه الشريف، فدخلت فسلّمت، قالت: فسلّمتُ عليه، ردّ عليها السلام وقال: من هذه؟ ما كانت تستر بعض بدنه، هو ما كان يغتسل إلا بإزاره ﷺ ولكن فاطمة كانت تستره أيضًا، مغطية باقي جسده كله حاملة الثوب فوقه حتى وجهه، لهذا ما عرف من الداخل لأنه ما يشوفها، ما يشوفها وما تشوفه، فقال: من هذه؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحبا بأم هانئ، قالت: يا رسول الله إني أجرت فلان وزعم أخي علي أنه قاتله، قال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، خلاص الذي أجرتيه، "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم"؛ أي واحد من المسلمين، أمّن واحد ما منه ضرر ولا خديعة على المسلمين ولا شر يدخل في أمانه خلاص، مُؤمَّن ما حد يلمسه في أمان أي مسلم، قال: أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ.

والسلام بالإشارة من دون لفظ مكروه، قالوا سلام بعض أهل الكتاب، ولكن مع اللفظ من أجل البعيد أو الأصم ليعرف السلام، فلا بأس. وكذلك الأخرس، الأخرس يسلم بالإشارة، ما يعرف ينطق مسكين فيسلم بالإشارة لا بأس. وأما إذا أنت لا أخرس الحمد لله، ولا الذي تسلم عليه أصم لماذا تسلم من دون إشارة! إلا إذا كان بعيد أو أصم ما يسمعك أشِّر بيدك، مع اللفظ ما دمت ومتكلم، ومن كان أخرس ما عنده لفظ سلام بالإشارة.

ولا تكفي الإشارة في السلام على أصم، إشارة مع اللفظ، إشارة وحدها ما تكفي، أو تسلم على الأخرس قال: قلت هو لن يعرف يرد عليّ، سيرد عليك بالإشارة، هو معذور ما عنده لسان مسكين وأنت ما يكفي أن ترد عليه بالإشارة ولا تسلم عليه بالإشارة ما يكفيك، أنت لست أخرس الحمد لله، رب أعطاك لسان انطق، خل الأخرس يرد بالإشارة، هذه لغتهم ما معه غيرها هو معذور في ذلك. 

  • فإن سلّم عليه أصم أو أراد الردّ يتلفظ باللسان ويشير بالجواب. 
  • ولو سلم على أخرس، أشار الأخرس باليد سقط عنه الرد؛ لأن إشارته تقوم مقام العبارة. 

وما تعتبر الإشارة من الناطق إلا: 

  • في الإذن مثل دخول الدار يكفي، أدخل.. يجوز لك تدخل بالإشارة. 
  • في الإفتاء يمكن، يجو الأخذ بالفتوى فالفتوى بالإشارة، وإن كان الرجَّال ناطق. 
  • وفي الأمان. 

إشارةٌ لناطقٍ تُعتبر في *** الإذن والإفتاء أمانٌ ذكروا

وإشارة الأخرس مثل نطقه، إلا أنَّ في اليمين ما تنعقد به، وفي الصلاة لا تبطل صلاته، إذا أشار من دون حركات متوالية لا تبطل صلاته، إشارة الأخرس مثل نطقه وكذلك في الشهادة. فإذا كان لا يعرف العربية. 

  • قالوا الشافعية والحنابلة: بالنسبة للسلام من الصلاة ما يجزئ إلا بالعربية، لا بد من العربية. 
  • وكذلك في قول عند المالكية: ما يجزئ السلام من الصلاة بغير العربية، بل القادر على العربية تبطل صلاته إذا سلم بغير العربية.
  • وقال الحنفية: يمكن أن يسلّم بغير العربية؛ يخرج من الصلاة بغير العربية. 

وأما في غير ذلك فالتحية ممكن، لكن كما هو مشهور بين المسلمين حتى الأعجام وغير العرب لفظ السلام معروف عندهم يسلمون به ويردون به، وهذا هو الأفضل، ولكن إذا ترجم السلام بلغة أخرى وجب رد السلام عليه كذلك.

الله يكرمنا بالاستقامة ويتحفنا بالكرامة، ويرزقنا السلام والأمن والسلامة، ويجمعنا في دار السلام مع سيد المرسلين، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، ويصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، ويختم لنا بالحسنى وهو راضٍ عنا، وإلى حضرة النبي  محمد ﷺ.

 

 

تاريخ النشر الهجري

02 شَعبان 1444

تاريخ النشر الميلادي

22 فبراير 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام