شرح الموطأ - 518 - كتاب الرؤيا: تتمة باب ما جاء في الرُّؤْيَا
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الرؤيا: تتمة باب ما جاء في الرُّؤْيَا.
فجر الإثنين 29 رجب 1444هـ.
تتمة باب مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا
2771- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟". وَيَقُولُ: "لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ، إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ".
2772- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ". فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ".
2773- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَىَّ مِنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا.
2774- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [يونس:64]. قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرمِنا بالبيان على لسان عبده الذي أنزل عليه القرآن، سيِّد الأكوان سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله المُطهرين عن الأدران، وعلى صحبه الغُرّ الأعيان، وعلى مَن والاهم في الله واتبعهم بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين معادن الصِّدق والقُرب والعرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقرّبين وعلى جميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.
واصل الإمام مالك -عليه رضوان الله- ذكر الأحاديث المُتعلِّقة بالرؤيا، وتقدّم معنا فيها الحديث الأول، وأن الرؤيا الحسنة "جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ". وذكرنا بعض معنى ذلك، والإشارة كما سيأتي في الأحاديث إلى أن ما يُطلع الله -تبارك وتعالى- عليه عباده من الأمور والأحوال والشؤون، ينقسم إلى:
- ما يكون عن نبوّة ورسالة؛ وهذا أقوى ذلك وأعظمه وأجلاه وأوضحه وأصرحه.
- ثم ما يُكشَف بواسطة الإلهام والرؤيا.
وكلّه داخل في معنى هذه الرؤيا، وهذا الذي ذكره الحق -تبارك وتعالى-. فوحي الإلهام ذكره في أم سيِّدنا موسى -عليها السَّلام- وقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)؛ أي في البحر (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص:7]، وهذه أنباء غريبة وأخبار عن غيوب ستكون أوحاها الله إلى يوحانذ أم سيِّدنا موسى على نبينا وعليه أفضل الصَّلاة والسَّلام، وكان ما كان مما قصَّ الله علينا من خبرها.
ثم إن هذا الإلهام من الحق تعالى يَسرِي حتى إلى الحيوانات من حيث هدايتها إلى مصالحها، وإن كان الإلهام بالنسبة للإنس أو الجن أو الملائكة يختلف عن ذلك، وللملائكة نصيب من الوحي الخاص بهم (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ) [الأنفال:12]. وفيما يحصل من الإلهام للحيوانات ما قال تعالى: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ) [النحل:68] في هدايتها إلى مصالحها بإلهامه سبحانه وتعالى.
فيقول ﷺ: إنّ النُّبوة:
- المرتبة العُليا في إطلاع الله لعباده على شؤون الأحكام.
- والثاني: على شؤون كثير من الغيوب وإرادته في الوجود.
انتهى وانقطع بالختم، برسول الله ﷺ، سيِّدنا مُحمَّد. وبقي أثر مُتصل بالنبوّة من الإلهام والرؤيا، فهذا أيضًا بابٌ كما ذكرنا يُوضع في موضعه، لا يمكن أن يُغيَّـر بسبب حكم، ولا يُطرح ويُستهان بالرؤيا.
ثم إن الرؤيا كما قرأنا في الحديث تختلف إلى رؤيا خيرٍ ورؤيا شر، ما فيها من مُبشرات.
- وعَلمْنا أيضًا أن حديث النَّفس يؤثر في الرؤيا.
- وأن استقامة الإنسان في يقظته واستقامة فكره سبب في تصحيح رؤياه وأن تكون صادقة.
- وأن انحراف الإنسان يكون كذلك.
- وأنّ لِما يفعله الإنسان في اليقظة تأثير على رؤياه إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
إلى غير ذلك.
فيقول لنا في هذا الحديث: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ"؛ يعني صلاة الصّبح؛ صلاة الفجر، يسأل أصحابه: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟". ويُذكَر أن هذا كان أول ما هاجر ﷺ إلى المدينة ومضى على ذلك مُدّة، ثم ترك ذلك. فكان كما قال ابن عُمَر إذا سألهم، مَن رأى رؤيا؟ يقصها عليه ﷺ، فيُعبّر رسول الله ﷺ منها ما يُعبِّر.
- والتعبير للرؤيا: عبورٌ من ظاهرها إلى باطنها.
فقال سيِّدنا عبد الله بن عُمَر: فتمنّيت أن أرى رؤيا لأقصّها على رسول الله ﷺ كما يقصّ عليه الراؤون رؤياهم، فرأيت أنه أتاني ملَكان أخذاني فأوقفاني على شفير جهنم، ثم قيل لي: لن تُراع، إنّك لست من أهلها، قال: فاستحييت أن أُكلم النَّبي ﷺ، فقصصتُها على حفصة؛ يعني: أخته أم المؤمنين، فقصّتها حفصة على رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: "نِعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من اللَّيل"، قال: فما ترك قيام اللَّيل بعدها.
"يَقُولُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟". في البُخاري يقول: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال: فيقصّ عليه ما شاء الله أن يقصّ ويتحدث عنها ﷺ. كان إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه، قال: "مَن رأى منكم اللَّيلة رؤيا؟" قال: فإن رأى أحٌد قصّها فيقول: "ما شاء الله". فأخذ بعضهم من ذلك أن تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات؛ لحفظ صاحبها، لقُربها من النوم، ولحضور ذهن المُعبِّر الذي يُعبّر الرؤيا. وعلى كل حال، في الأمر سعة.
وَيَقُولُ: "لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ، إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ"؛ يعني: الحسنة الصادقة. وهكذا جاء أيضًا في صحيح البُخاري، يقول ﷺ: "لم يبقَ من النُّبّوة إلا المُبشرات، قالوا: وما المُبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة"، والرواية هنا تأتي معنا في الموطأ.
وذكر لنا: "عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ"، وهو موصولٌ عند الإمام البُّخاري "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَنْ يَبْقَى بَعْدِي"؛ يعني: بعد وفاتي "مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ". لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات "فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ"، ثم كرّر الرواية في قوله: "جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ". وقلنا هذا باعتبارات ولا يوقف على عينها إلا صاحب الرسالة ﷺ، ويفهم العلماء منها ما يفهمون من هذه التجزئة. يقول: بقيت المُبشرات؛ "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ". وهكذا رأيناه ﷺ يُقرِّر ما يراه خيار أصحابه من المرائي حتى فيما يتعلَّق بأمر البرزخ والآخرة.
ولمّا استشكل بعضهم رؤياه، رأى شهيدًا استُشهِد، ومات بعده أخوه بسنة، فرأى في رؤياه الصحابي أن درجة هذا الأخ الذي مات على فراشه فوق درجة الذي استُشهِد قبله، فتعجّب من ذلك، وقصّوها على النَّبي ﷺ فقال له: أليس بقيَ بعده سَنَة؟ قال: شهِدَ معي فيها كذا كذا جمعة وصام فيها رمضان معي؟ فهذا الذي رفعه، فأقرّه في رؤياه أنّ هذا أرفع رتبةً من هذا بحسب الرؤيا التي رآها هذاك، وهذا أمر من أمر الآخرة والبرزخ ولكن أقرّه بالرؤيا.
وجاءه الآخر من الصحابة أيضًا يذكر له أنه رأى رجلًا أيضًا من الصحابة كان استُشهد ولكن كان مغطي يده، فسأله، فأخبره أن الله تعالى أكرمه وغفر له إلا أنه كان من الألم استعجل على نفسه، فشخط نفسه وقطّع بعض أصابعه، قال: فقيل لي هذا ما أفسدته بنفسك لا نصلح ما أفسدته! فلهذا لمّا سأله لماذا يده مغطاة؟ فلما قصّ الرؤيا على النَّبي، فقال: "اللهم وَلِـيَدِهِ فاغفر، اللهم وَلِـيَدِهِ فاغفر"؛ فمعنى دعاؤه ﷺ أنه أقرّ هذا الصحابي على أنه واقع هذا الرجل في البرزخ هكذا، وتشفّع له ﷺ في أن يغفر الله أيضًا لِـيَدِهِ كما سامحه في بقية أعماله.
وجاء أيضًا عن سيّـدنا أبو بكر الصديق إنفاذه لوصيةٍ في رؤيا، وذلك أنهم كانوا في بعض الغزوات في عهد سيِّدنا الصدّيق، وأن أحدهم استُشهِد هناك فرآه أخوه في الله، يقول له: اسمع، لا تقول هذه رؤيا منام! إن فلان بن فلان أخذ درعي وستره تحت زير له في المكان الفلاني، واقرئ أبا بكر السَّلام، وقل له: إني جعلت من مالي لفلان كذا، ولفلان كذا… فانتبه ونام مرة أخرى فرآه، يقول له: أقول لك، انتبه، ولا تقول هذه رؤيا منام شوف كذا وكذا، فلما أصبح ذهبوا إلى المكان الذي وصفه، وجدوا درعه مغطى في المكان الذي وصفه، فأخبروا الصدّيق فنفّذ الوصية التي أوصى بها. فهذا يكون ملحَظ سيِّدنا أبو بكر أن الرؤيا من صالح ثقة معروف وموافِقة لأمر الشرع، وظهرت علامة صدقها فنفّذ ذلك، وإلّا عامّة الفقهاء يقولون: ما تنفذ وصية بعد موت الإنسان، مات خلاص لأي شيء وصية بالرؤيا؟! ما تنفذ ولكن نفّذها سيِّدنا أبو بكر في هذه الواقعة لِمَا رأى فيها من الدلائل والعلامات على صحّتها وقوّتها، فنفّذ الوصية.
و"يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ"، أراد بالحلم الرؤيا السيئة ورؤيا الشر، والمراد "مِنَ الشَّيْطَانِ"؛ ليس أن الشيطان الذي يخلقها فلا قدرة له على ذلك، ولكنه يحضرها ويفرح بها هذا معناه؛ يحضر عند صاحبه ويفرح بها، لأنه ما يقدر يخلق الرؤيا إلا الحق تعالى يقذفها في القلوب، وقد يكون بعضها جزاءً على شيء فعله هذا الإنسان. وبهذا أيضًا قالوا فيما يتعلّق بالاحتلام، أنّ الاحتلام وهو خروج المني في النوم.
- إن كان من غير رؤيا، إن كان من غير رؤيا؛ فهذا اسمه نعمة من الله للإنسان، وهذا الذي ليس يستحيل على الأنبياء، خروج المني من دون رؤيا.
- ثم إن كان برؤيا؛
- فإن كانت رؤيا حلال؛ فهذه كرامة.
- وإن كانت رؤيا مُحرّمة؛ فهذا تعجيل عقوبة.
مَن يحتلم بصورةٍ شرعية *** فإنها كرامةٌ مرعية
وإن يكن بصورةٍ قد حُرّمت *** فإنها عقوبةٌ تعجّلت
أو لا بصورةٍ فتلك نعمة *** حكاه زَرُوقٌ عليه الرحمة
وهكذا ينسب رؤيا الشر أو السوء إلى الشيطان من حيث أنه يحضرها ويفرح بها ويُدخل الحزن على صاحبها كذلك.
"فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ"؛ رأى بليّة أو آفة أو عاهة أو قتل أو قطع أو مرض أو غير ذلك، أو هدم أو حريق أو غير ذلك ممّا يرى من الشر، قال: "فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا"؛ يعني: تحقير للرؤيا، الأمر بالنفث وخُصَّت باليسار لأنه محل الأقذار، ويتعوذ بالله من شرها، أن يقول: أعوذ بك من شرّ هذه الرؤيا، أو أعوذ بك من شرّ ما رأيت.
يقول فيما جاء عن إبراهيم النخعي قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقُـل إذا استيقظ: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكره في ديني ودنياي. وأي استعاذة كانت داخلة في قوله: "وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا". وجاء أيضًا فيما يروى، أنه: اللَّهم إني أعوذ بك من عمل الشَّيطان وسيئات الأحلام، في رواية ابن السنّي. وهكذا جاء أيضًا عن ابن وهب، أنه لما ينفث عن يساره ثلاثًا يقول: أعوذ بمَن استعاذت به ملائكته ورسله من شرّ ما رأيت في منامي هذا أن يصيبني منه شيء أكرهه، ثم يتحوّل إلى جانبه الآخر، فإن هذه؛ أي الرؤيا "لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". -تبارك وتعالى- لأن الله جعل ما ذكر ﷺ من النفث والاستعاذة دافعًا أو سببًا للسلامة من المكروه والشر. ويقول: فالمؤمن الواثق بفضل الله إذا فعل هذا زال عنه شغل البال بها، ورجع إلى التوكل على الله تبارك وتعالى.
يقول الراوي: "أَبُو سَلَمَةَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَىَّ مِنَ الْجَبَلِ" شيء من رؤيا الشر "فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْتُ أُبَالِيهَا". من المبالاة، بل يفعل ما قاله ﷺ ولا يبالي بهذه الرؤيا.
وإذا كانت صالحة فيُحدِّث بها:
- من له صِلة بهذه الرؤيا.
- أو كان مِن خواصّ مَن يُحِب.
- أو مَن كان من أهل التعبير وحُسن التأويل.
وإن كانت تخصّه بشيء من فضل الله، فكلّما كتمها كان ذلك أولى، بأن يُحَقِّق الله له ما فيها وأن يزيده من ذلك. وإذا تحدّث بها وخصوصًا لغير أهلها؛ انقطع عنه ما يوَاصَلُ به في منامه.
وإذا رأى شرًا:
- فلا يُحدِّث بها أحد، ولا يخبرها لأحد إلا لضرورة أن إذا احتاج إلى ذلك من معبّر أو غيره.
- وليفعل ما أرشده إليه رسول الله ﷺ من التَّفلِ عن يساره، وانقلابه في مضجعه، والتعوّذ بالله ولا يضرّه من ذلك شيء.
وهكذا، وجاء في مجمل ما جاء في الأحاديث في تعبير الرؤى:
- جاء في تأويل الثياب بالدين والعلم كما تقدَّم معنا فيما رآه النَّبي ﷺ الناس يلبسون منها ما يبلغ القمص منها ومنه ومنها ما يكون سابغًا، ورأى سيّـدنا عُمَر عليه قميص يجرّه جر، ولما سألوا النَّبي عن تأويل ذلك، قال: الدين.
- كذلك اللبن يُؤَوَّل بالفطرة، كما جاء في حديث الإسراء والمعراج لمّا شرب اللبن، قال: أُلهمت الفطرة، هُديتَ إلى الفطرة، أما إنك لو شربت الخمر لَغَوَت أُمّتك من بعدك. وكذلك قد يُئوّل اللبن بالعلم.
- وكذلك جاء في تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عِمارة الأرض، كما أن البقر فيه عِمارة الأرض، ومنها رؤيا النَّبي ﷺ في أُحُد، أنه رأى بقرًا تُذبح، ورأى ثُلمةً في سيفه ذو الفقار، فلمّا سُئل، قال: يُصابُ برجل من آل بيتي، هذا ثلمة سيفه، فكان سيِّدنا حمزة. قال: وبقرٌ تُذبح؛ قوم من أصحابي يُقتلون، البقر التي تُذبَح، فكان استشهاد سيِّدنا حمزة وقتل سبعين من أصحابه ﷺ في يوم أُحُد.
- كما جاء تأويل الزرع والحرث بالعمل لأن العامل زارع للخير أو الشر. وكذلك الخشب المقطوع المتساند؛ يئوَّل بالمنافقين (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ) [المنافقين:4].
- وكذلك تأويل النَّار بالفتنة؛ لإفساد كلٍّ منهما ما يمرّ عليه ويتصل به.
- تأويل النّجوم بالعلماء وأهل المكانة؛ لحصول هداية أهل الأرض، هذه النجوم يُهتدى بها في ظلمات اللَّيل وهؤلاء النجوم، نجوم يُهتدى بهم في ظلمات الجهل والغفلة، وفي ذلك قال شاعرهم:
أمرتقبَ النّجوم من السماءِ*** نجومُ الأرض أبهرُ في الضياء
فتلك تبين وقتًا ثم تخفى *** وهذه لا تكدّر بالخفاء
هداية تلك في ظُلَم الليالي*** هداية هذه كشفُ الغطاءِ
تكشف الغطاء عن قلبك إلى معرفة الحق والحقيقة، فنجوم الأرض أعظم من نجوم السماء! ثم أن نجوم السماء تَنكَدِر كلّها بعد ذلك، وهذه النجوم تُحشَر منيرة يوم القيامة، نجوم الأرض أبهرُ في الضياء.
- وهكذا، كما يُؤَوَّل الغيث بالرحمة والعلم والقرآن والحكمة، "مَثَلُ ما بعثني الله به من الحق والهدى كَمَثَلِ الغيث"، يقول ﷺ وغير ذلك من الأمثلة الواردة.
- كما يُعبَّر عن السفينة بالنجاة، (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) [العنكبوت:15] وقد تُعبّر بالتجارة.
- وتُؤَوّل الحيّة بالعدو.
- والرماد بالعمل الباطل، (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) [إبراهيم:18].
وليس كل النَّاس مِمّن يُحسِن التعبير، ولا ينبغي لأحد أن يُعبّر رؤيا غيره إلا إن طلب منه ذلك، وكان هو مِمّن يعرف التعبير.
وتكون الرؤيا لأول معبّر أو لأول مُأوِّل، وقد تختلف من شخص لآخر. دخل اثنان على ابن سيرين وكان من أهل التعبير، فدخل الأول يقول: إني رأيت أني أؤذن، قال: إنك تحجّ في هذا العام، فدخل الثاني قال: إني رأيت أني أؤذن، قال: أنت سارق، تسرق.. تتوب وإلا أخليهم يتابعونك. قال: لا، لا، أستغفر الله وأتوب إليه. سألوه، قال لهم: أن الأول دخل عليّ يسألني وأنزل الله على بالي (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) [الحج:27]، والرجل صالح وأهل تقوى، فقلت: فالأول عبّر رؤياه بأنه يحجّ. قال: والثاني دخل وعليه سيماء غير سيماء ذاك، قال: وطرأ على بالي (ثمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف:70] فكلٌّ له أذانه، ليس كل آذان لكل واحد سواء؛ ذا له آذان، وذا له آذان، كل واحد بحسب حاله وبحسب مقامه، وتختلف من آخر إلى آخر. وهكذا..
وجاء أيضًا في الحديث: "رأيتُ أنِّي أُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ بها نَخْلٌ، فَذَهَبَ وهَلِي إلى أنَّها اليَمامَةُ أوْ هَجَرٌ، فإذا هي المَدِينَةُ يَثْرِبُ، ورَأَيْتُ فيها بَقَرًا، واللَّهِ خَيْرٌ، فإذا هُمُ المُؤْمِنُونَ يَومَ أُحُدٍ، وإذا الخَيْرُ ما جاءَ اللَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وثَوابِ الصِّدْقِ الذي أتانا اللَّهُ به بَعْدَ يَومِ بَدْرٍ" صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه سلَّم. يقول: "بَيْنا أنا نائِمٌ أُتِيتُ خَزائِنَ الأرْضِ، فَوَضَعَ في يَدَيَّ أُسْوارَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فَكَبُرا عَلَيَّ وأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إلَيَّ أنِ انْفُخْهُما فَنَفَخْتُهُما فَذَهَبا" فطارا، "فأوَّلْتُهُما الكَذّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أنا بيْنَهُما: صاحِبَ صَنْعاءَ، وصاحِبَ اليَمامَةِ؛ الأسود العنسي ومُسيلمة الكذّاب ادّعوا النُّبوة. صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه سلَّم.
وجاء أيضًا: "رأيْتُ كأنَّ امرأةً سوداءَ ثائرةَ الرأسِ خرجَتْ منَ المدينةِ حتى قامَتْ بمهيعةَ وهي الجُحفةُ فأولْتُ أن وباءَ المدينةِ نُقِلَ إليها" وهي الجحفة، مهيعة. وقد جاء عنه في الحديث أنه قال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ، .. وانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بالجُحْفَةِ". فنُقلت إلى الجحفة. صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه سلَّم. جاء أيضًا عنه ﷺ يقول: "ورأَيْتُ في رؤياي هذه أنِّي هزَزْتُ سيفًا فانقطَع صدره فإذا هو ما أُصيبَ مِن المُؤمِنينَ يومَ أُحُدٍ وهزَزْتُه مرَّةً أخرى فعاد أحسَنَ ما كان فإذا هو ما جاء اللهُ به مِن الفتحِ واجتماعِ المُؤمِنينَ".
وقصّ الرؤيا يكون على شفيقٍ ناصح، ولهذا قال سيِّدنا يعقوب لولده يوسف: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)، ففيه أن من الحق والخير والهدى ما ينبغي أن يُكتم، ولا يُتحدّث به إلا عند أهله، ومَن يناسبهم الحديث، وهؤلاء قال إن رؤياك ستحملهم على أن يكيدوا لك كيدًا، (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يوسف:5]، وبعد ذلك تأوّلت هذه الرؤيا بعد سنين طويلة، (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ) [يوسف: 99-100] (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف:4] فتأوَّلت بعد كم! سنين.. بعد ما دخل الجب، وألقوه في الجب وأخذوه وباعوه في مصر، وتعبّوه ودخلوه السجن، وخرج من السجن، وقعد سنين في الوزارة في مصر، وبعد ذلك جاء التأويل! لا إله إلا الله…
فهكذا، كل رؤيا سوء؛ ينبغي أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شرّ الشيطان، ويتفل ثلاثًا على يساره، ولا يضره منها شيء. وجاء أيضًا في الحديث: "إذا رَأَى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يُحِبُّها، فإنَّها مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عليها ولْيُحَدِّثْ بها"؛ يعني: من يحب ومن له صِلة بالرؤيا، "وإذا رَأَى غيرَ ذلكَ ممَّا يَكْرَهُ، فإنَّما هي مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِن شَرِّها، ولا يَذْكُرْها لأحَدٍ، فإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ". لا تضره.
وجاء أيضًا في الحديث يقول: وذكر لنا حديث عروة: "أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [يونس:64]. قَالَ" أن البشرى في الحياة الدُّنيا: "هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ". ولكن هذا من جملة البُشرى في الحياة الدُّنيا التي يبشر الله بها عباده المؤمنين.
وحذّر الإمام مالك من التجرؤ على تأويل الرؤى من غير بصيرة، ولمَّا سُئِـل رجل يُعبّر الرؤيا لكل أحد! قال: أبالنُّبوة يلعب؟ بقية من آثار النُّبوة في النَّاس، قالوا له: أفيعبّرها على الخير وهي عنده على الشر؟ لقول من قال أن الرؤيا على ما أُوّلت؟ قال: لا! إن الرؤى جزء من أجزاء النبوّة أفيتلاعب بأمر من أمور النُّبوة؟! ولهذا لمَّا قصَّت أيضًا السيِّدة عائشة على أبيها أنها رأت ثلاثة أقمار وقعنَ في حِجرها، سكت سيِّدنا أبو بكر، لمّا توفي ﷺ ودُفن في الحُجرة، قال لها: هذا أحد أقمارك الثلاثة التي رأيتِ وهو خيرها. عبَّرها لها فيما بعد، بعد وفاته ﷺ، وبدا له معناها، ثم جاءها أبو بكر أبوها، ثم جاءها عُمَر، وكانت تقول: كنت أدخل لأنه كان عاشت بجنبهم في غرفة ثانية، جنب الحُجرة التي توفي فيها ﷺ جالسة فيها هي، فكانت تدخل تزوره ﷺ إلى الحُجرة. قالت: كنت أدخل غير مُنتقبة وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلمَّا دُفن عُمَر، لم أدخل إلا مشدودةً عليّ ثيابي حياءً من عُمَر، فهذه عقيدة السيِّدة عائشة فيما يتعلّق بالبرازخ والقبور، وما مُعلمها إلا رسول الله ﷺ.
رزقنا الله الإيمان واليقين والتقوى والاستقامة، ودفع عنّا كل بلوى وعن الأُمة في المشارق والمغارب، وألهمنا رُشدنا في الحركات والسكنات، وتولّانا بما هو أهله في الظواهر والخفيّات، وبارك لنا في الأوقات والسَّاعات، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصَّالحين في عافية، بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.
29 رَجب 1444