شرح الموطأ - 516 - كتاب التعوّذ والمتحابين في الله: تتمة باب ما جاء في المُتَحَابِّين في الله

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب التعوّذ والمتحابين في الله: تتمة باب ما جاء في المُتَحَابِّين في الله.

فجر السبت 27 رجب 1444هـ.

 تتمة باب مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينِ فِي الله (2)

2766- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَناً فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ". قَالَ مَالِكٌ: لاَ أَحْسِبُهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ.

2767- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ، فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إنِّي لأُحِبُّكَ لِلَّهِ. فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ. فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ. فَقَالَ: آللَّهِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ: أَبْشِرْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ".

2768- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقَصْدُ وَالْتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ، جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله مُكْرِمِنا بحبيبه أحبِّ أحبابه، سيِّد أهل حضرة اقترابِه سيِّدنا مُحمَّد بن عبد الله الذي عرج به وأسرى به، وصلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل اتباعه والاقتداء به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة الرَّحمن -سبحانه وتعالى- أقرب الخلائق إلى جنابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعينهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.

ويذكر الإمام مالك -عليه رحمة الله تعالى- في باب الْمُتَحَابِّينِ فِي الله، حديث أبِي هُرَيْرَةَ في شأنِ ما يفعل الرَّحمن -سبحانه وتعالى- بمَن يُظهِر حُبَّه من عباده وبمَن أحبه من خلقه الذين يعيشون على ظهر هذه الأرض من بني آدم. يقول: "إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ" سبحانه وتعالى، فرضي عن عبده ذلك وصارت له لديه المنزلة، "قَالَ لِجِبْرِيلَ"، وفي بعض الأخبار: "نادى جبريل". و جاء في رواية الطبراني: "إِنَّ العبدَ لَيَلْتَمِسُ مَرضاةَ اللهِ -تعالى- فلا يزالُ كذلكَ، فيقولُ اللهُ -عزَّ وجلَّ- لِجبريلَ: إِنَّ فُلانًا عَبدي يَلْتَمِسُ أنْ يُرْضِيَنِي، ألا وإِنَّ رَحْمَتِي غلبت عليهِ"، إلى آخر ما جاء في تلك الرواية. يقول في هذه الرواية، قال تعالى لجبريل عليه السلام: يا جبريل "قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَناً فَأَحِبَّه"، أنت يا جبريل؛ أي: تقرب إليَّ بمحبتهِ واعبدني بمحبتهِ؛ فإنَّ الحب في الله والبغض في الله من أوثق عُرى الإيمان. والملائكة متعبَّدون بمحبة المؤمنين عامة وخاصتهم خاصة، وفيه التخصيص لأفراد بأعيانهم، وهؤلاء الأفراد منهم: 

  • مَن يكونُ إظهار الحق -تبارك وتعالى- لرتبته لديه ومنزلته عنده في المحبة بعد بروزه في الأرض، وبعد اجتهاده وقيامه بالأعمال الصالحة. 
  • ومنهم مَن أشهَرَهَم قبل ذلك، وقبل أن يأتوا إلى الأرض، وقبل أن يعملوا، وقد نشر راية محبتِه لهم بين أهل سماواته، وتعبَّد الملائكة بمحبتهم قبل أن تبرُز أجسامهم وهياكلهم على ظهر هذه الأرض، و (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ) [الجمعة:4].

والمحبة التي أعيت أربابها في التعبير عنها أنها أمر ذوقي فيما يُعطى منه الخلق، ولا شك أن جميع صفات الحق وأفعاله منزّهة عن مشابهة صفات الخلق وأفعالهم، ولذا لا يُدرك الغاية في حقيقة المحبة، بل المحبة كما قال الإمام الغزالي: أن جميع ما قبلها من المقامات مقدمةٌ لها، وجميع ما بعدها ثمرةٌ لها، ثمرة من ثمراتها، فهي يدور عليها الشأن في السرّ والإعلان. اللَّهم إنا نسألك حبك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ عمل يقربنا إلى حبِّك، اللَّهم نزِّه قلوبنا عن التعلُّق بمَن دونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك. 

فانظر إلى ما يُظهرُ الله -تبارك وتعالى- من شأن محبوبيه وما يَتَعَبَّد ملائكته بمحبَّتِهِم، فبهم إذًا احتفالٌ، بهم احتفالٌ، واحتفاءٌ في السماوات؛ يا جبريل: "قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ". الله أكبر! فقال: "فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ"؛ أي: محبةً خاصة غير محبَّتِه العامة للمؤمنين، وحينئذٍ يخصُّه باستغفاره وبدعائه ويرغب في الاجتماع به إلى غير ذلك من آثار المحبة. "ثُمَّ يُنَادِي"؛ أي: جبريل بأمر الله -سبحانه وتعالى- يأمره أن "يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ -تبارك وتعالى- قَدْ أَحَبَّ فُلاَناً"، وفي بعض الروايات: ابن فلانٍ "فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ"، من ملائكة الله والرّوحانيين الذين يعيشون في السماوات. 

يقول: "فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ"، 

  • "يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ"؛ أي المحبة والرّضى في الأرض، فتجد الفِطَرْ والقلوب والأرواح ميَّالَة إليه، وتحسُّ بمنزلةٍ له ومكانه. 
  • قال: "ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ"، وهم في ذلك على درجاتٍ، وبحسب مَن يعرفهم من أهل الأرض. 

وجاء في رواية الطبراني ثم يهبط إلى الأرض، وقرأ ﷺ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) [مريم:96]. كذلك جاء عند الترمذي بهذه الزيادة، الله أكبر! يحبُّهُم ويحبِّبْهُم إلى عبادِهِ، وفي وِدِّ الله -تبارك وتعالى- ما لا يستطاع استيعابه، فضلًا عن التعبير عنه. 

وقد ردَّدَ سيِّدنا مُحمَّد بن حسن جمل اللَّيل كلمة الود، لما فتح الله له باب الوداد، وأذاقهُ منه بأوسع الإمداد، فكرر الكلمة فلم يستطع أن يتوقف عنها، حتى طلع الفجر. (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) وُدًّا، فأخذ مستغرقًا يكرر لفظة الوُد حتى طلع الفجر -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. 

وهكذا، جاء في رواية الترمذي، وابن مردويه: "عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تعالى: (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قالَ: المَحِبَّةُ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، يا عَلِيُّ إنَّ اللَّهَ أعْطى المُؤْمِنَ ثَلاثًا؛ المِنَّةَ والمَحَبَّةَ والحَلاوَةَ والمَهابَةَ في صُدُورِ الصّالِحِينَ".

"وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ"، ونعوذ بالله من بُغضه وغضبه وسخطه؛ أي أراد به شر-والعياذ بالله - وأبعده عن الهداية، وسخط عليه، "قَالَ مَالِكٌ: لاَ أَحْسِبُهُ" لا يظنُّ شيئا "إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ."؛ يعني نادى جبريل إني أبغضُ فلان فأبغضه، وينادي في أهل السماء بأمر الله، إن الله قد أبغض فلان بن فلان فأبغضوه؛ فيبغضُهُ أهل السماء -والعياذ بالله تبارك وتعالى- ثم توضع له البغضاءُ في الأرض، هكذا جاء في روايات عنه صلَّى الله عليه وعلى أهله وصحبه وسلَّم. 

إذا علمت ذلك واحتفاء الحق تعالى بالمحبوب من عباده بين أهل سماواته ونشره الراية لهم أن يحبوه؛ تقرُبًا إلى الرَّب -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه- فكيف بالمخصوصين من الأولياء؟ فكيف بأهل الصِّديقية الكبرى من محبوبيه؟ فكيف بالأنبياء؟ فكيف بسيِّد الأنبياء؟… لتعلم ما مدى الاحتفاء والاحتفال به في ليلة المعراج، أحب المحبوبين، وأقرب المقربين له، كيف محبة الملائكة له؟ وكيف ذكرُهُ في الملائكة وأحدهم ما خُلق إلا واسمه مكتوب مع اسم الله فوق العرش، لا إله إلا الله مُحمَّد رسول الله على قوائم العرش، صلوات ربي وسلامه عليه. 

لذا ثار وجد الملائكة، وكلما استفتح سماء، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، كيف محبتهم له؟! كيف احتفاؤهم به؟ كيف فرحهم به؟ وإذا كان جبريل وغيره يحب أن يلتقي بالواحد من المحبوبين عند الله تعالى إذا تعبد الله بحبِّه، فكيف بأحبِّ المحبوبين وسيِّد المحبوبين صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله! وبمَن تأخر جبريل عن شاؤهِ واعتلائه؟! وقال له: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) [الصافات:164]، فالحمد لله الذي جعله نبينا، والحمد لله الذي جعلنا من أُمته، الله يحقق نسبتنا إليه، واتصالنا به وسيرنا على دربه إنه أكرم الأكرمين. 

فكان ما كان مما لا يُتَصوّر من حفاوة الملأ الأعلى بخير الملأ وأقربهم إلى الحق -جلّ وعُلا- صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. فنِعم العبد لله الذي لم يتحقق بالعبودية لربِّهِ أحد كما تحقق بها، صلوات ربي وسلامه عليه، وسبحان الذي اختصه وأحبه و(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء:1]. 

فيبقى الحال على ذلك، ويشذُّ بعد ذلك من أهل الأرض من يشُذُّ، فيبغض محبوبًا لله، فيبغضه الله -تبارك وتعالى- ويُحِلُّ عليه سخطه، نعوذ بالله من غضب الله. ويصير الواحد من المخذولين على ظهر الأرض، يبغض الذي يتقرَّب بمحبته إلى الرّب أهل السماوات. فكيف يكون حاله عند الله سبحانه وتعالى، وهو يبغض هذا الذي يتقرّب بمحبته إلى الله أهل السماوات بأمر الله -تبارك وتعالى-؟! وهذا الحديث كما أورده مالك جاء في صحيحي البخاري ومُسلم وغيرهما من كتب السُّنة، حديث المحبة والشأن إذا أحب الله عبدًا من عباده. 

وفي رواية ابن مردويه، التي أخرجها الإمام السيوطي في الدُّر المنثور: "إن العبد ليلتمس مرضاة الله فلا يزال كذلك فيقول الله لجبريل: إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني فرضائي عليه فيقول جبريل: رحمة الله على فلان ويقوله حملة العرش بقوله -رحمة الله على فلان- ويقوله الذين يلونهم حتى يقوله أهل السموات السبع" كلهم يترحمون عليه ويذكرونه، "ثُمَّ يهبِطُ لهُ إلى الأرضِ، قال رسول الله ﷺ: وهي الآية التي أنزل الله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا)، وإن العبد ليلتمس سخط الله" -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، بترك الفرائض، وفعل المحرَّمات، والغفلة عن الله، وإيثار الفانيات، يقول: "فيقول الله: يا جبريل إن فلانًا يسخطني ألا وإن غضبي عليه فيقول جبريل: غضب الله على فلان ويقوله حملة العرش ويقوله من دونهم حتى يقوله أهل السموات السبع - والعياذ بالله تعالى- ثم يهبد إلى الأرض" -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ثم يهبط إلى الأرض. ولذا كان يقول كعب الأحبار: إذا أحببتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء؟ ماذا جعله في القلوب؟ وما جعل القلوب نحوه؟ 

وتجد مَن سبقت له هذه السابقة من الله تعالى، ثم قد يعاديه أو يعانده أحد، فيظل في أعماق قلبه أن هذا عظيم وصالح ولكن غلبت عليه شقوته في معاداته وبغضه. فإن أراد الله به خير انتقل عن ذلك ورجع بعد ذلك وكَفَّر. وإن سبقت عليه السابقة هلك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. كما كان نفوس وقلوب الكفَّار يعلمون صدقه ﷺ ويحبونه، ومَن سبقت له السابقة رجَع، ومَن حقت عليه شقاوة؛ بقي على عناده يتناقض مع فطرته ومع ضميره حتى يلقى الله على ذلك الحال. فما أعظم شأن المحبة! أدخلنا الله في رحاب الأحبة. نزِّه اللَّهم قلوبًا على التعلق بمَن دونك، واجعلنا من قومٍ تحبهم ويحبونك.

ثم ذكر حديث سيِّدنا معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه-، وذلك أن أبا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ، "أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ" في الشام، "فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا"؛ يعني: أبيض الثغر حسنُه، "بَرَّاقُ الثَّنَايَا"؛ يعني: كثير التبسم، طلِق الوجه، وحَسَن الثَّغر وهذا معنى قوله بَرَّاقُ الثَّنَايَا. وجاء في رواية، أدعج العينين، وفي رواية، وضيء الوجه. "وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ"؛ يعني: من الصحابة وغيرهم مجتمعين حوله في رواية، فإذا حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلًا من أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وعلى أصحابه وسلَّم وفيهم فتىً شاب أكحل،  يقصد هذا سيِّدنا معاذ. "إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إِلَيْهِ"؛ التجؤوا إليه يعني: ردوا إليه النظر والتحكيم له في تصحيح ما رآه من أقوالهم. "وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ"، ما يُقدّمون عليه شيء، فإذا اختلفوا في شيء فقالوا قولًا انتهوا إلى قوله. 

وفي رواية، يقول أبو إدريس: "دَخَلتُ مسجدَ حِمصَ، فإذا فيه حَلْقةٌ فيها اثنانِ وثَلاثونَ رَجُلًا مِن أصحابِ النَّبي ﷺ "، قال: يقول الرجل منهم سمعت رسول الله ﷺ يُحدِّث ويقول له سمعت رسول الله ﷺ يحدث، وفيهم رجل أدعج براق الثنايا، فإذا شَكُّوا في شيءٍ ردُّوه إليه، ورضوا بما يقول. "فَسَأَلْتُ عَنْهُ" من هذا؟ الذي هو مرجعٌ لهم، "فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ" -رضي الله تبارك وتعالى عنه-، معاذ بن جبل. 

قال: "فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ"؛ يعني: بكّرت "فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ"؛ قد حضر قبل، "وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلاَتَهُ"؛ وأكملها، "ثُمَّ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إنِّي لأُحِبُّكَ لِلَّهِ"؛ منزهًا حبي لك عن غرضٍ ومقصد غير وجه الله -تبارك وتعالى-. فقال له سيِّدنا معاذ: "فَآللَّهِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ" أو الله للمشاكلة، قال: فردّها ثانيًا؛ يعني أستحلفك بالله من أجله تحبني خالص لوجهه؟ كررها ثلاث. "قَالَ: فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي" ليجذب انتباهه واهتمامه، شدُّه إليه، وقال: "فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ" له "أَبْشِرْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ"؛ ثبتت؛ وصحّت؛ ورسخت؛ وحقَّت، "مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ"؛ أي: في طلب رضائي والقرب مني. 

"وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ"؛ يعني يتجالسون في محبتي. وهكذا، يقولوا: كان الجنيد بن مُحمَّد في شغله في العبادة، إذا جاء أحد من إخوانه في الله خرج إليهم وقعد معهم يقول:  لو أعلم  شيئًا أفضل من مجالستكم ما خرجت إليكم ولكن يتقرب إلى الله تعالى بالتجالس في الله؛ بالجلوس معهم في ذات الله -تبارك وتعالى- بالتعاون على ذكره، وإقامة حدوده وشرعه والوفاء بعهده، وزيادة المحبة والمعرفة وما إلى ذلك. 

  • "وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ"؛ أي: يزور بعضهم بعضًا لأجلي، "وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ"؛ أي: يبذل بعضهم لبعض المال، والخدمة، والرأي والمشورة، والمعروف من أجلي، يريدون بذلك وجهي. 

والحق يُعلّمنا على لسان رسوله أنه يجب على المؤمن أن لا تكون محبته إلا لله، وأن لا تكون مجالسته إلا لله، وأن لا يكون زيارته إلا لله، وأن لا يكون بذله إلا لله، وأن يحب من أحب من أجل الله، ويجالس من يجالس من أجل الله، ويزور من يزور من أجل الله، ويبذل ما يبذل من أجل الله؛ وبذلك تجب له محبة الله سبحانه وتعالى. 

وفي الحديث "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ". وعليهم ينادى يوم القيامة، "أيْنَ المُتَحابُّونَ بجَلالِي؟ اليومَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِ عرشي، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي". كما تقدَّمت معنا الرّواية. وهكذا، يُعلمنا صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الارتقاء والسمو بمقاصدنا ونياتنا فيما نزاوله، فيما يعد بين النَّاس عادة بحكم الفطرة، ويحصل بين أهل المِلل المختلفة، وأهل الاتجاهات المختلفة في كل مكان ولكن المؤمن يسمو ويعلو بقصد وجه الله سبحانه وتعالى.

 جاءت الرواية في مسند الإمام أحمد لهذا الحديث، يقول أبو إدريس الخولاني: جلست مجلسًا فيه عشرون من أصحاب النَّبي ﷺ، وإذا فيهم شاب حديث السِّن حسن الوجه، أدعج العينين، أغر الثنايا، فإذا اختلفوا في شيء، فقال قولًا انتهوا إلى قوله، فإذا هو معاذ بن جبل فلما كان من الغد، جئت فإذا هو يصلي إلى سارية، قال: فخفف من صلاته، ثم احتبى، فسكت، قال: فقلت: والله إني لأحبك من جلال الله، قال: ألله؟ قلت: الله، قال: فإن من المتحابين في الله -فيما أحسب أنه قال- في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، … يوضع لهم كراسي من نور يغبطهم بمجالسهم من الرَّب عز وجل النَّبيون والصِّديقون والشُّهداء، قال، ثم قال: لي لا أحدثك إلا ما سمعت عن لسان رسول الله ﷺ عن الله تعالى، قال: حقَّت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيَّ، وحقت محبتي للمتصافين فيَّ، المتواصلين فيَّ. وفي لفظ: المتزاورين. 

وهكذا تعددت الروايات في هذا الخبر وشأن سيِّدنا معاذ ومنزلته، وقد شهد له رسول الله ﷺ بقوله: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ"، فكان من أعلم الصحابة، أفقههم في أحكام شريعة الله -تبارك وتعالى-، وقد بعثه ﷺ إلى اليمن، وفي هذا الشهر شهر رجب يحتفي أهل اليمن، بذكرى قدوم سيِّدنا معاذ بن جبل -عليه رحمة الله ورضوانه- وله مسجد ينسب إليه، في مكان يسمى الجند بجانب تعز، كان أسسه عندما بعثه ﷺ، بعثه هو وأبو موسى الأشعري، أبو موسى الأشعري من أهل زبيد، أرسلهما إلى اليمن، إذ جعل هذا على هذه الناحية، وهذا على هذه الناحية، وكانا يتزاوران، لا يدخل هذا إلى منطقة الثاني إلا ذهب يزوره، ولا يقرب هذا إلى منطقة الثاني إلا ذهب يزوره، ولهما قال ﷺ: " يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا". وفي الخبر أنه لما خرج ﷺ يُودعه، وقال له: يا معاذ لعلك لا تلقاني بعد يومك هذا، بكى سيِّدنا معاذ، وقال له: فلا تنسى أن تزورنا. فجاء خبر وفاة النَّبي وهو في اليمن، ثم جاء إليه، اللَّهم صلّ عليه وعلى وآله وصحبه،. ثم كان في الشام حتى كان في طاعون عمواس، فاستشهد بالطاعون، -عليه رحمة الله تعالى- فهو معروف هناك محله في الأردن، وجماعة من أصحابه ﷺ توزّعوا في الأرض لإنقاذ الخلق ولتبليغ دعوة رسول الله ﷺ.

ثم ذكر لنا قول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- حَبْر الأُمة وتُرجمان القرآن، وقد جاء أنه أسند القول إلى رسول الله ﷺ، وجاء موقوفًا عليه يَقُولُ: "الْقَصْدُ"؛ يعني: التوسط في الأمور بين الإفراط والتفريط. "الْقَصْدُ"؛ وفيه لفظ: "الاقتصاد" وبالمعنى واحد؛ يعني الاقتصاد في الأمر؛ ترك الغلو والسَّرَف فيه. القصد في النفقة والكسوة، وفي جميع الشأن الاقتصاد، الوسط من الأمور. "وَالْتُّؤَدَةُ"؛ التأني والسكون. "الْتُّؤَدَةُ"؛ عدم العجلة، عدم انتظام الحركة والكلمات. "الْتُّؤَدَةُ"؛ ضد ذلك. "وَحُسْنُ السَّمْتِ"؛ يعني: الهيئة والمنظر. "جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ"؛ أي: أنها من أخلاق الأنبياء وصفاتهم التي طبعهم الله -تبارك وتعالى- عليها. وجاء أنه رفعه للنبي ﷺ، ويقول ابن عباس: إن نبي الله قال: "إن الهدي الصالح، والسَّمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة". فليتعلّم المؤمن القصد في الأمور، والتؤدة، والسكينة، وحسن السَّمت، ويتجنب كثرة البلبلة والصياح والعجلة في الأمور، وليكن: 

  • هادي البال 
  • منظوم الأقوال، مختارًا خيرها وألفاظها.
  • وقورًا عند الحوادث وعند الشدائد، بعيدًا عن الانزعاج والقلق والاضطراب 

فهذه الخصال السيئة بعيدة عن مسلك النبوة وهيئة النبوة ولكن "الْقَصْدُ وَالْتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ، جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ". 

وجاء في رواية عن سيِّدنا أنس، عنه صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: "السّمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءاً من النّبوة". فذكر هذه الأجزاء التي تحمل معنى أن هذه الصفات لها شأن في النّبوة؛ أهل النّبوة متصفون بها، أما هذا التقسيم، ما يطلع على كُنهِه إلا قائله صاحب الرسالة صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم وما عنى بذلك، وللعلماء بعد ذلك بعض النظر والاجتهادات في معنى هذا التقسيم، وكان أقومهم مَن يسلِّمُ الأمر إلى ما أراد صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، ويُستفاد فقط من كلامه أن هذه الأشياء التي حثَّ عليها لها مكانة عند الله وهي من أوصاف النّبيين صلوات الله وسلامه عليهم. 

كما قال في الرؤيا الحسنة من الرجل المؤمن، سيأتي كتاب الرؤيا عندكم أنه جزء من ستةٌ وأربعين جزءًا من النبوة. "الرؤيا الحسنة من الرجل المؤمن جزء من ست وأربعين جزءًا من النّبوة". في البخاري أيضًا يقول: "ذهبت النّبوة وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له".

رزقنا الله الاستقامة، وأعاد علينا عوائد صاحب الإسراء والمعراج، وقد قال أهل السيرة وأهل العلم أن: 

  • أفضل الليالي بالنسبة لرسول الله، ليلة إسرائه ومعراجه. 
  • وأفضل الليالي بالنسبة لأمته، ليلة ميلاده لأنها الليلة التي يترتب عليها بعثته ورسالته وهجرته وصلتهم بالله -تبارك وتعالى- كله ترتب.. 

كما قال له سيِّدنا العباس في آخر عُمره الشريف بعد رجوعه من غزوة تبوك، آخر غزوة له: اٌِئذن  لي أن امتدحك بشعر، فنظم هذه الأبيات والنَّبي يسمعه: 

من قبلها طبت في الظلال وفي *** مستودع حيث يخصف الورق 

ثم هبطت البلاد لا بشر *** أنت ولا مضغة ولا علق

تنقل من صالب إلى رحم *** إذا مضى عالمٌ بدا طبق 

ويقول: 

بل نطفة تركب السفين وقد *** ألجم نسرا وأهله الغرق 

جاء في بعض رواياته:

وردت نار الخليل مُكتتمًا *** في صلبه أنت كيف يحترق 

إلى أن قال:

حتى احتوى بيتك المهيمن من *** خندف علياء تحتها النطق 

وأنت لما ولدت أشـــــــرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق 

وأنت لما ولدت  أشــــــرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق 

القائل سيِّدنا العباس والسامع خير النَّاس. 

وأنت لما ولدت أشــــــرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق 

فنحن في ذلك الضيـــــاء وفي الــنور وسبل الرشاد نخترق 

فكانت أفضل ليلة للأُمة ليلة ميلاده، وأفضل ليلة له ﷺ ليلة الإسراء والمعراج؛ يعني: أفضل ما كان من لياليه في عالم الدُّنيا صلوات ربي وسلامه عليه.

رزقنا الله محبته ومتابعته وحشرنا في زمرته، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين، وأصلح  شؤوننا بما أصلح به شؤون الصَّالحين ، مترقين أعلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، بِسِرّ الفاتحة إلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

27 رَجب 1444

تاريخ النشر الميلادي

18 فبراير 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام