شرح الموطأ - 512 - كتاب الشَّعر: باب إصْلاَحِ الشَّعْر

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الشَّعْر، باب إصْلاَحِ الشَّعْر.

فجر السبت 20 رجب 1444هـ.

باب إصْلاَحِ الشَّعْرِ

2754- حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا" فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ، لِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَأَكْرِمْهَا".

2755- وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ، كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلاَحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ هَذَا خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ". 

 

نص الدرس مكتوب:

 

الحمد لله المُحسِن المنَّان الذي أمر عباده بالإحسان وكتب على كل شيءٍ الإحسان، وصلَّى الله وسلَّم وبارك وكرّم على عبده المُصطفى من عدنان، سيِّد أهل الإحسان من جميع الخلائق في السِّر والإعلان. اللَّهم أدِم صلواتك على عبدك المُصطفى الذي أنزلت عليه القرآن، سيّدنا محمّدٍ وعلى آله المطهّرين عن الأدران وصحبه الغرّ الأعيان ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين مَن رفعت لهم القدر والمنزلة والشان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المُقربين وجميع عبادك الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين. 

وبعدُ،

فيذكر لنا الإمام مالك في هذا الباب: "باب إِصْلاَحِ الشَّعْرِ"، وذلك أنّ الله -سبحانه وتعالى- كتب الإحسان على كل شيء وأمرنا أن نكون على أحوال جميلة في مختلف شؤوننا، وما يتعلّق بالشعر في شأن الرجال، أمّا شأن المرأة، فالسُّنة لها توفير شعرها وإرساله وإطلاقه، وما يلزمها من العناية به أكثر وآكد، وجعله الله -سبحانه وتعالى- لها زينة. 

  • ولذلك إذا كانت متزوجةً، حَرُم عليها أن تُقصِّر شعرها أو تحلقه إلا بإذن زوجها. 
  • ولا يُسنّ لا في حجٍّ وعمرة أن تحلق شعر رأسها، بل السُّنة أن تُقصِّر وتأخذ من أطرافه. 

كذلك جاء الهدي النَّبوي بالمسلك السَّوي. 

وتحدَّث عن الجُمَّة، وسؤال الصحابي لرسول الله ﷺ عنها وعمّا يَستعمل معها من ترجيلٍ؛ أي تمشيط، فأمره بدُهنها وأمره بترجيلها وإكرامها. وجاءنا بعد ذلك أيضًا روايات في كراهيته ﷺ أن يُبقى الرجل شعره ثائرًا وعنده ما يُسوِّيه به، ونهى عن أن يُقَبِّح الإنسان صورته، وأمر مَن كان له شعرٌ إمّا أن يُكرمه ويُعطيه حقه وإمّا أن يحلقه. ومن المعلوم أن المواطن التي يُسَنُّ فيها حلق الرأس للرجل: 

  • الحج والعمرة
  • ولِمن تأذَّى به من قملٍ ونحوه
  • وللكافر إذا أسلم 
  • والمولود في يوم السابع من ولادته 

فهذه المواطن التي يُسنّ فيها حلاقة الشعر. 

ثمّ أن المقاصد تختلف والنيّات كذلك، وبذلك نُهينا عن المبالغة في النظر إلى شأن هذا الشعر وما إليه، بل نعطيه حقه بالتوسُّطِ والاعتدال، صافيًا خاليًا عن المقاصد السيئة والتشبُّه بالفاسدين والفاسقين والغافلين. وبذلك أيضًا جاء اختيار سيِّدنا علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- إلى تعهُّد شعر رأسه بالحلْق، فيحلقه كلّما طال، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تحت كل شعرةٍ جنابة"، فمن يومها عاديتُ شعر رأسي. ثمّ أنّ جماعة من السَّلف الصَّالحين ومنهم الذين مرّوا بالوادي الميمون عندنا، لمّا رأوا أن الميل إلى الشعر صار شعارًا لذوي الفسق والغفلة، وصارت المقاصد فيه سيئة، مالوا إلى مسلك سيِّدنا علي بن أبي طالب مَن تعهّد شعر الرأسِ بالحلق، وكلّما طال حلقوه.

يقول في هذا الحديث: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ -رضي الله تبارك وتعالى عنه- قَالَ لسيِّدنا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقد كانت له -هذا أبو قتادة- جُمَّة ضخمة، قال: "إِنَّ لِي جُمَّةً"، فما هي الجمّة؟ عندهم فيما يتعلّق بشعر الرأس: وَفْرَة ولِمّة وجُمّة. 

  • وأمّا الوفرة: فهي التي تكون إلى أنصاف الأذنين. 
  • وأمّا الِّلمّة: فهي ما بين شحمتي الأذنين إلى المنكب. 
  • وأمّا الجُمَّة: فهي ما وصل أطرافه إلى المنكب والكتفين.

إذًا فالِّلمّة بين الجُمّة والوَفْرَة؛ وهكذا كان أكثر استعماله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم شعره بين الجُمّة والوَفْرَة، فكان إذا قصّه، قصّه إلى أنصاف الأذنين أو إلى شحمة الأذنين، ثم يكون في الغالب ما بين شحمة الأذن والمنكب. فإذا قَرُبَ إلى المنكب، أو ضربه قصّه ﷺ وحلق رأسه في الحج -عليه الصَّلاة والسَّلام- وفي العُمرة حين اعتمر، منها: عُمرة الحديبية ثم عُمرة القضاء، ثم ما كان من حجة الوداع. وفي هذه المواطن حلق شعر رأسه الشَّريف صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. 

يقول سيِّدنا أبو قتادة: كانت لي جُمَّة؛ يعني: شعر رأس يضرب إلى الكتفين، وقال للنبي ﷺ: "أَفَأُرَجِّلُهَا"؛ أي: أمشطها أو أتركها هكذا؟ "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ" رجّلها مشّطها "وَأَكْرِمْهَا"؛ أي بصونها من نحو وسخ وقذر وتعاهدها بالتنظيف، وكذلك الدهن من وقتٍ إلى وقت، فأمره بذلك ﷺ. 

وقد جاء عنه فيما روى أبو داود بسند حسن أنه ﷺ قال: "مَن كان له شعر فليُكرمه"، وهكذا جاءت الروايات في هذا الجانب. يقول: "فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ -رضي الله تعالى عنه- رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ" قيل: وذلك أنها تتشعَّثُ عليه بسبب عملٍ أو غبارٍ ونحو ذلك وإلا فتكرير الدهن في اليوم الواحد غير مرغوب فيه، إلا من حاجة. وهذا معنى الادِّهان غِبًّا، سواءً شعر رأسه أو في البدن كله، الادّهان غبًّا؛ أي: بعد أن يزول أثر الأول ويجدده، لا أن يبالغ في الادّهان. وهكذا يذكر بعضهم أنه أمره أن يرجّله كل يوم لأنه كانت ضخامة لجُمّته فتحتاج إلى التَعَهُّد في كل يوم. 

إذًا، فتختلف الأحوال والقصد أن يُبعد الشعث، وأن يُظهر ما شُرِع من الزينة للصلاة ونحوها، ولا ينحرف فيُبالغ في ذلك ويخرج عن حدِّه  فيصير مكروهًا نهى عنه صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. وقد جاء أنه ﷺ رأى رجلًا شعثًا قد تفرَّق شعره فقال: "أما كان هذا يجد  ما يُسكّن به شعره؟".

وهكذا جاء فيما يتعلق بالامتشاط وأنه على حسب الحاجة، ما جاء عن بعض الصحابة يقول: نهانا النَّبي ﷺ أن يمشط أحدنا كل يوم؛ يعني: إذا لم يكن محتاجًا لذلك، بل يجعله للحاجة. وجاء عند أصحاب السُّنن وابن حبّان: أن سيِّدنا عبد الله بن مغفل كان يقول: "أن النَّبي ﷺ كان ينهى عن الترجّل إلا غِبًّا"؛ فالمراد ترك المبالغة في الترفُّه. وفي الحديث الصحيح: "البذاذة من الإيمان"، والبذاذة؛ رثاثة الهيئة، والمراد بها؛ ترك الترفّه والمبالغة والتنطُّع في اللباس والتواضع فيه مع القدرة؛ لا بسبب جحد نعمة الله عليه. 

وهكذا، جاء في سُنن النَّسائي: عن عبد الله بن بريدة أن رجلًا من الصحابة يُقال له عُبيد قال: "كان رسول الله ﷺ ينهى عن كثيرٍ من الإرفاه"؛ كل ما يخرج عن حد الاعتدال والوسط ينهى عن ذلك، فإنه من جملة ما يُعشعش فيه الشيطان بالمبالغة حتى يُخرجه عن الحدّ وحتى يُصرف له أوقات وأموال كثيرات، وحتى يأتي لعب الموضات والتفاخر بكيفيات في القصّات والهيئات والبذخ فيها، وكل ذلك منهيٌّ عنه، مُخرِجٌ للإنسان عن إدراك مهمّته التي خلقه الله من أجلها. وهكذا جمعوا بين الروايات، قالوا: من احتاج إلى الترجّل كل يوم فليفعل ذلك، ومن احتاج فليكُن في بعض الأيام، والأمر على الحاجة كالأمر بالدُّهن غِبًّا؛ أي كلّما زال أثره جدّده، وهذا يختلف باختلاف الأبدان واختلاف الزمان والمكان. اللَّهم صلّ على سيِّدنا مُحمَّد وآله وسِر بنا في دربه على منواله إنك أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين. 

فلا مجال للتكلّف والمبالغة في ذلك، ولا معنى للإهمال وترك التسوية حتى يصير شَعِثًا يُشمئز من النظر إليه، 

  • ومَن فعل مثل ذلك ليُظهر الزهد والتقشف في الدُّنيا والتقلّل؛ فهو مُراءٍ كذّاب. 
  • ومَن فعل ذلك عن إهمالٍ وغفلة؛ فهو المكروه له ذلك وينبغي أن يتنبّه ويعدّل شعره على الوسط. 
  • ومَن يفعل ذلك مبالغة في التأنُّق والترفُّع؛ فمكروه.

بعد ذلك يقول: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ؛ يعني: شعثًا "وَاللِّحْيَةِ"؛ أي: ثائر اللحية بترك تعهدهما وما يصلحهما من الترجيل فصار منظرًا يُستقبَح، "فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ"، من المسجد "كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلاَحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ"؛ لأن الترجيل في المسجد يؤدي إلى تساقط الشعر في المسجد، وإن كان فيه قمل كذلك، فلهذا أمره أن يخرج من المسجد فيُرجِّل شعره خارج المسجد، "فَفَعَلَ الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ"؛ أصلح شعره وعاد. "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ"؛ أي: في قُبح المنظر، فإنه يُتصوّر عن الشيطان قُبح المنظر، فإذا أريد تقبيح منظر أي شيء يقولون: مثل الشيطان، كما قال -سبحانه وتعالى- فيما يأكله أهل النار من الزقّوم: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات:65]؛ يعني مُستقبح مُستنكر من صورتها. وهكذا، جاء في وصف الحديث لمّا وُضِع السحر في بئرٍ له ﷺ وأُخِذ من نخل يقول: كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين! فهو مَثَل يُضرب للقباحة في المنظر. 

وهكذا، يأتي بعد ذلك المُحرِم بالحج أو العمرة، فهل يُرَجِّل شعره أم لا؟ لأن ذلك عرضة لأن يتساقط منه الشعر؛ فتلزمه الفدية، فبذلك اختلف الأئمة، 

  • فقال الحنفية: ما يجوز للمحرِم يُرجّل شعره.
  • وكذلك قال المالكية: إن كان بالدهن فهو حرام، الدهن أصلًا حرام باتفاق، لا يجوز الترجيل بالدهن، "الحاجّ الشَّعِث التـَّفِل"، "الحاجّ أشعث أغبر" هكذا في الحديث.
  • قال الشَّافعية: يُكره الترجيل للمُحرِم، ولا يَحرُم لأنه أقرب إلى نتف الشعر لما يُخاف منه. فإذا تيقن أنّ شعره يتساقط بالتمشيط؛ يكون حرام عليه. 
  • وهكذا يقول الحنابلة: لا بأس به إن أَمِنَ إخراج الشعر، أما إذا أدّى إلى إسقاط الشعر؛ فلا.

هذا أمر، والثاني فيما يتعلق بمَن كانت في عِدَّة مُحِدَّة على زوجٍ مات، فلا تستعمل الزينة، فهل لها أن تُرَجِّل شعرها من غير مواد الزينة أم لا؟ 

  • قال المالكية والشافعية والحنابلة: نعم؛ إذا كان من غير دهن ولا مواد زينة فتُرجِّل شعرها، وإن كانت مُحِدَّةً -في العدّة-. 
  • قال الحنفية: ما يجوز ترجّل شعرها ما دامت مُحِدّة ولو كان بغير طيب. 
  • وعند بعض الحنفية: أنه يجوز ترجّل المحدّة شعرها بأسنان المشط الواسعة التي لا يُخشى منها تساقط الشعر، مع أنّ تساقط الشعر إنما هو على المحرِمة مُحرّم دون المُحدّة، والمُحِدَّة محرّمة عليها الزينة.

وهكذا، فإذا رجَّل لأجل السنّة فينبغي أن يبدأ بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر لأنه ﷺ كان يحب التيمّن في شأنه كلّه حتى في تنعّله وترجّله ﷺ، كان يعجبه التيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره وفي شأنه كله كما رواه البخاري عنه ﷺ. وكذلك يُسنّ الدّهن غِبًّا، وعَجِب بعض النَّاس لمَّا رأى بعض أهل الباطل -ومع ذلك هي امرأة في بعض أدغال أفريقيا- خرج هو للدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وجلس أيامًا رأى نفسه أنه ضحّى وأنه عمل شيئًا؛ يخرج إلى مكان فيه الفقر وفيه المسكنة، ما فيه وسائل للإضاءة ولا للراحة، فرأى نفسه أنه بذل من أجل الله، وعند عودته وجد في المطار امرأتين نصرانيتيَن من بلاد أوروبا بعيدة! فسألهما: ما الذي جاء بهما إلى هنا؛ إلى أفريقيا؟ قالتا: لنخدم يسوع المسيح وأن ننشر الدين، دين باطل دين نصرانية! قال: عجيب! وأنا شفت نفسي ضحّيت للإسلام وهؤلاء على باطل، وجاءوا إلى هنا! كم لكم؟ قالوا: ستة أشهر! وأنا جلست عدة أيام رأيت نفسي مُضحّي، وهؤلاء من أشهر! أي شيء هذا! قالوا: ضروري علينا إذا تخرّجنا من مدرستنا أن نخدم يسوع المسيح وأن ننشر هذا الدين، فجئنا هذه البلاد. وإذا بواحدة رأسها محلوق! ما عندها أي شعر، قال: ولماذا لا شعر لك؟ قالت: وجدتُ الشعر يأخذ نصف ساعة كل يوم وأنا محتاجة أن أبلّغ دين المسيح، فهذا يأخذ عليّ نصف ساعة! حلقت رأسها كله مدة ما هي مقيمة في هذه المنطقة النائية! قال: احتقرت نفسي قلت ايش من تضحية عندنا وايش من بذل؟! كفار على باطل وباذلين الأشهر الطويلة وفي الأماكن الصعبة البعيدة التي لا راحة فيها، ولا كهرباء فيها، ومع ذلك يحلقن شعرهن من أجل يخدمن عيسى المسيح كما يقلن بدعواهن الباطلة! ونحن أهل الحق وننصر الله ورسوله ولا تضحية معنا ولا بذل ولا عطاء!!.. 

فعَلمْنا ما جاء في الأخبار من الأمر بالتوسّط بذلك. وعَلمْنا أيضًا أن في الهدي النبوي -السُنّة- أن المؤمن لا يستعمل شيئًا من أعمال الزينة، لا تمشيط، ولا دهن، ولا حلق أظافر، ولا غسل، ولا أي تنظيف إلّا وله فيه قصدٌ ونيّةٌ؛ أن يكون ذلك استعدادًا للمناجاة وللدعاء وللعبادة وللصلاة ولقراءة القرآن؛ ليكون مزيّنًا لذلك مقتديًا برسول الله ﷺ، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31]، لمّا تسجدون تصلّون لي، تزيّنوا، فكل زينة يستعملها المؤمن يجعل قصده فيها لأجل الذكر، لأجل المناجاة، لأجل القرآن، لأجل الصلاة، لأجل العبادة؛ فلا ينبغي أن يستعمل شيئًا من الزينة إلا وفي قرارة قلبه قصدٌ لتعظيم ربه -تبارك وتعالى- وليتزيَّن له في عبادته ومناجاته وقراءة كتابه والدخول في حضرته في الصلاة، (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، فهكذا يربّي المؤمن نفسه على هذا المسلك الكريم، والمقصد الرافع العظيم.

ثبَّت الله قلوبنا وأقدامنا، ونشر في الصِّدق بين أهل الصِّدق أعلامنا، وأعاذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وبلّغنا فوق مرامنا من كل خيرٍ في الدُّنيا والآخرة، بِسِرّ الفاتحة، وإلى حضرة النَّبي مُحمَّد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

20 رَجب 1444

تاريخ النشر الميلادي

11 فبراير 2023

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام